اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22

لا حكومة في المدى القريب

اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22
TT

اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22

اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22

المهمة الأولى في إسرائيل الآن، بعد انتخاب الكنيست الـ22 هي تكليف أحد زعيمي الكتلتين الأكبر؛ بيني غانتس، أو بنيامين نتنياهو، تشكيل الحكومة المقبلة. غير أن المسألة المعقدة حقاً هي أن هناك عدة لاعبين في الساحة الحزبية يؤثرون على رئيس الدولة، رؤوبين ريفلين، في اتخاذه القرار، بينهم أفيغدور ليبرمان، وأيمن عودة، ومجموعة لاعبين يتحركون في الخفاء سيحسم أحدهم اللعبة.
مَن هو هذا اللاعب المرشح لحسم النتيجة؟ ما أوصافه وحساباته؟ وهل سيفلح... أم أن نتنياهو سيتمكن من حرق كل الأوراق عبر إشعاله حرباً ما تؤدي إلى تأجيل كل شيء، بما في ذلك تأجيل محاكمته بتهمة الفساد؟
ينشغل متابعو السياسة الإسرائيلية منذ ظهور نتائج انتخابات الكنيست (البرلمان) الـ22. في هوية وشكل الحكومة المقبلة، وبحق. فالسياسة الإسرائيلية باتت تؤثر على حيّز أوسع بكثير من شؤون الدولة العبرية الصغيرة. وصارت ذا تأثير على الشرق الأوسط وحتى بعض جوانب السياسة الدولية.
لكن هذه الحكومة لن تقوم في القريب، لأن نتائج الانتخابات أسفرت عن وضع شائك يحمل سمات الأزمة. ورئيس الدولة، رؤوبين ريفلين، صاحب صلاحية تعيين رئيس حكومة مكلف، حائر أكثر من الجميع. فلديه مرشحان لهذا المنصب، هما: خصمه اللدود رئيس الحكومة الحالي وزعيم «الليكود» بنيامين نتنياهو، ورئيس حزب الجنرالات «كحول لفان» (أزرق - أبيض)، بيني غانتس.
مشكلة ريفلين الأولى أن نتنياهو وجه له صفعة مجلجلة، ويمكن القول إنها مهينة، في الانتخابات قبل الأخيرة التي أجريت في 9 أبريل (نيسان) الماضي. ففي حينه، كلف ريفلين نتنياهو تشكيل الحكومة، لكنه فشل في مهمته. ومن ثم، كان عليه أن يعيد كتاب التكليف لرئيس الدولة كي يلقي بالمهمة على عاتق نائب غيره في «الكنيست». لكن نتنياهو التفّ على ريفلين، ولجأ إلى خدعة سياسية كانت بمثابة ضربة لمكانة وهيبة رئيس الدولة. إذ مرّر قانوناً معجّلاً في الكنيست حل بموجبه البرلمان نفسه، ما جرّ البلاد إلى انتخابات أخرى، وهو الأمر الذي لم يحدث من قبل في تاريخ السياسة الإسرائيلية.
وهكذا، فالقضية الآن هي: هل سيعيد ريفلين هذه التجربة... ويكلف نتنياهو مرة أخرى؟
حسب القانون، على ريفلين إجراء مشاورات مع قادة الأحزاب ليستمع منهم إلى توصياتهم بشأن هوية رئيس الحكومة المقبل، حسب وجهات نظرهم. فإذا كان هناك 61 توصية على أحد النواب سيكون رئيس الدولة ملزَماً بتكليفه لتشكيل الحكومة. ولكن، إذا لم يكن هناك 61 توصية، فإن القانون يتيح له أن يعين نائباً آخر يعتقد أنه قادر على تنفيذ هذه المهمة. وهنا يعطيه القانون مساحة واسعة لتحديد رئيس الحكومة المكلف. بناءً عليه، فإن كل الأنظار متجهة حالياً نحو ريفلين. ويخشى نتنياهو أن يصدر القرار بهذا الشأن بدافع من رغبة الانتقام منه، علماً بأنه كان قد اتهم ريفلين قبل شهرين بأنه يتآمر عليه مع أحد نواب «الليكود»، جدعون ساعر، الذي يحاول الإطاحة بنتنياهو من رئاسة «الليكود».
ريفلين، من جهته، قرر البدء في المشاورات مع قادة الكتل البرلمانية سريعاً، مع أن لديه مشكلة كبرى. فنتائج الانتخابات لم تعطِ صورة واضحة وقاطعة، واللاعبون في الحلبة السياسية الإسرائيلية اليوم لا يساعدونه على اتخاذ القرار الصحيح. ولكن من هم اللاعبون الأبرز:

بنيامين نتنياهو (الليكود)
بنيامين نتنياهو، رغم نكسته بالأمس، يظل أخطر اللاعبين في الحلبة؛ فنتائج الانتخابات دلت بوضوح على انخفاض قوته الحزبية والشعبية بصورة كبيرة، إذ دخل الانتخابات وهو يرأس كتلة برلمانية تضم 39 نائباً («الليكود» بـ35 مقعداً، وحزب «كلنا» برئاسة وزير المالية موشيه كحلون بـ4 مقاعد)، ومعه حزب جديد يدعى «موريشت» بقيادة موشيه فغلين، الذي أقنعه نتنياهو بأن ينسحب من المعركة ويدعو الناس إلى التصويت لـ«الليكود» مقابل قطع وعد له بأن يعينه وزيراً. وعليه، إذا قدّرنا قوته بمقعدين اثنين، يكون نتنياهو خاض المعركة بـ41 مقعداً. ولكن النتائج دلت على أنه حصل على 31 مقعداً فقط، أي أنه خسر 10 مقاعد.
جاءت خسارة نتنياهو لعدة أسباب:
أولاً، هو الذي تسبب بإعادة الانتخابات والجمهور يعاقب عادة من يجره إلى انتخابات زائدة، كلفتها تقارب مليار دولار أميركي.
وثانياً، خسر نتنياهو أصوات الإثيوبيين، فقبل ثلاثة شهور قتلت الشرطة شاباً إثيوبياً لأسباب تافهة، وأثار هذا الحادث غضباً شديداً على الشرطة والحكومة.
وثالثاً، خسر نتنياهو أصوات سكان البلدات اليهودية المحيطة بقطاع غزة، لأن هؤلاء يشعرون بأن نتنياهو فشل بوقف صواريخ «حماس». وهم يتهمونه بأنه يجري مفاوضات للتفاهم مع «حماس»، ويسمح لقطر بتمويلها بقيمة 30 مليون دولار تدخل إلى القطاع في كل شهر، ومع هذا، الصواريخ لم تتوقف.
ورابعاً، بدأت وسائل الإعلام تنشر مقاطع من بروتوكولات التحقيق مع نتنياهو وبقية المتهمين والشهود في ملفات الفساد الموجهة ضده، وفيها تفاصيل مذهلة عن مستوى الفساد ورخصه. وعلى سبيل المثال، كشفوا كيف اتصلت زوجته سارة، ذات مرة، من القدس، بجارها الثري في بلدة قيساريا الساحلية، وطلبت منه أن يرسل لها صابونة حلاقة في يوم السبت. فتساءل: «أنت تريدينني أن أرسل إليك صابون حلاقة من قيساريا إلى القدس اليوم (السبت)؟ ألا يوجد عندكم صابون حلاقة حقّاً؟ فأجابته: هل تريد أن يخرج رئيس الحكومة من البيت من دون صابون حلاقة؟»، فأرسل إليها الصابون بسيارة أجرة خاصة. وتوجد مثل هذه القصص وأكثر.
وخامساً، الجمهور بدأ يمقت نتنياهو ويشعر بضرورة تغييره.
رغم كل هذا، نتنياهو لا يستسلم. فهو يعرف بأنه في حال خسارة منصبه في رئاسة الحكومة سيجلس في قفص الاتهام بسبب ملفات الفساد الثلاثة المفتوحة ضده. وهو لذا يسابق الزمن. ففي الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، سيعقد المستشار القضائي للحكومة جلسة استماع له، ليقرّر بعدها توجيه أو عدم توجيه لائحة اتهام ضده. والمقرّبون من الملفات يؤكدون أن المستشار أبيحاي منلبليت، كان يتمنى أن يستطيع منح حبل النجاة لنتنياهو، فهو الذي شغل منصب سكرتير حكومته. ونتنياهو هو الذي عيّنه مستشاراً قضائياً. لكن الملفّات قوية، وفيها أدلة راسخة، لدرجة أنه لا يستطيع الامتناع عن توجيه لائحة اتهام ضده.
بالمختصر إذن، فإن نتنياهو يريد أن يبقى رئيس حكومة بأي ثمن، لأنه في رئاسة الحكومة يستطيع إدارة المحكمة من مركز قوة. لكنه في حال تعيينه وزيراً في حكومة برئاسة غانتس، مثلاً، سيكون عليه الاستقالة من الوزارة في حال توجيه لائحة اتهام ضده. وعندما نقول: «بأي ثمن»، نقصد ذلك. فمن شأن نتنياهو أن يسعى لإشعال حرب إذا استطاع، كما كشف عشية الانتخابات، إذ سبق أن حاول شنّ حرب على قطاع غزة لكن قادة الجيش رفضوا، والمستشار القضائي أبلغه بأن هذا غير قانوني. في الوقت الحاضر يحاول نتنياهو الاكتفاء بالألاعيب السياسية؛ إذ خرج إلى الجمهور بعد الانتخابات، يخطب وكأنه حقق النصر. وجمع رؤساء الأحزاب اليمينية والدينية، واتفق معهم على التوجه إلى مفاوضات الائتلاف ككتلة واحدة، مؤلفة من 55 نائباً (الليكود: 31 وحزب اليهود الشرقيين المتدينين «شاس»: 9 مقاعد، وحزب اليهود المتدينين الغربيين «يهدوت هتوراة»: 8 مقاعد، وحزب «يمينا» المتطرف: 7 مقاعد). ووقعوا على وثيقة أعدها لهم يتعهدون فيها بألا يدخلوا أي ائتلاف حكومي إلا جماعة معه.
وبعد هذا توجه إلى غانتس يقترح عليه اللقاء معه للتحدّث حول إمكانية تشكيل «حكومة وحدة وطنية» معه.

بيني غانتس (أزرق - أبيض)
بيني غانتس، اللاعب الأول، من حيث عدد الأصوات، والثاني من حيث الأهمية، إذ حصل على 33 مقعداً، أي بخسارة مقعدين عن الانتخابات الأخيرة. وتُعتبر هذه النتيجة بمثابة نجاح كبير نسبياً لحزبه، الذي أصبح منافساً جدياً على السلطة في غضون ثمانية شهور من تأسيسه. وتفوّق على نتنياهو رغم أنه أدار معركة انتخابية باردة، بلا إثارة وبلا حماس.
أهمية غانتس تكمن فيما يمثله ويعبر عنه من مصالح؛ فهو جنرال في الجيش شغل منصب رئيس الأركان حتى عام 2015. ومعه أربعة رؤساء أركان سابقون، بينهم وزير دفاع سابق. ومعه ضباط كبار سابقون في الاستخبارات والشرطة.
إنه ببساطة يمثل مصالح «المؤسسة الأمنية» الإسرائيلية بكل صنوفها. وعندما فُرزت نتائج التصويت بين الجنود، تبين أن غانتس حظي بعدد أصوات أكبر بكثير من نتنياهو. ووفقاً لحسابات مهنية، فلو كان الإسرائيليون يسلمون الانتخابات للجيش لكانوا انتخبوا غانتس بلا منازع، إذ حصل على 38 في المائة من الأصوات مقابل 31 في المائة لنتنياهو.
غانتس رفض دعوة نتنياهو، ورد عليه بالقول إنه هو الفائز في الانتخابات. وفي محادثات سرّية غير مباشرة بينهما قال غانتس إنه وعد الجمهور بحكومة وحدة مع «الليكود» لكن من دون نتنياهو، ولكن إذا كان يصرّ على الاستمرار في الحياة السياسية فإنه (أي غانتس) مستعد لقبوله وزيراً في منصب كبير، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية مثلاً. لكن غانتس يعرف أن نتنياهو لن يوافق على هذا العرض؛ فهو يريد فقط منصب رئيس حكومة، لذا بدأ يجس النبض لدى بقية الكتل.
مع غانتس يوجد الآن 44 نائباً مضموناً، هم 33 من حزبه، و6 من حزب العمل - جيشر بقيادة عمير بيرتس، و5 من حزب «ميرتس» المتحالف مع إيهود باراك. وهو يحاول التفاهم مع أفيغدور ليبرمان، الذي حصل على 8 مقاعد، فيصبح له 54 نائباً. ولكي يتغلب على نتنياهو، يحتاج غانتس إلى تأييد النواب العرب في «القائمة المشتركة». وهنا توجد معضلة مزدوجة: فأولاً، ليبرمان يرفض أن يوصي على غانتس عند رئيس الدولة إذا كان العرب سيوصون عليه أيضاً. وثانياً، في «القائمة المشتركة» نفسها يوجد خلاف محتدم حول الموضوع، فرئيس القائمة، أيمن عودة، يؤيّد التوصية على غانتس في حال التوصل معه إلى اتفاق يتعهَّد فيه بأن يستأنف المفاوضات السلمية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ويتعهَّد بإلغاء قانون القومية، ويلتزم بتحقيق المساواة للعرب. ولكن هناك قسماً غير قليل يرفض أي تفاهم مع أي حزب صهيوني على أي شيء.

أيمن عودة (القائمة المشتركة)
في الحلبة السياسية ثمة إقرار بأن شخصية أيمن عودة أسهمت إسهاماً كبيراً في نجاح «القائمة المشتركة». ولم يكن ذلك فقط بسبب قربه من الناس ومن جيل الشباب، بل بالأساس بسبب طروحاته السياسية الجديدة والجريئة؛ إذ قال إنه يؤيد الدخول في ائتلاف حكومي مع قوى اليسار والوسط الإسرائيلية، إذا وافقت على شروطه، باستئناف عملية السلام على أساس حل الدولتين مع الرئيس الفلسطيني، وتعهَّدت بإنهاء سياسة التمييز، وإلغاء قانون القومية، وانتهجت سياسة مساواة كاملة للعرب. وكمن يقرأ الخريطة السياسية العربية في إسرائيل، يعرف عودة أن 72 في المائة من الجمهور العربي و80 في المائة من مصوّتي «القائمة المشتركة» يريدون للنواب العرب أن يؤثروا على الحياة السياسية في إسرائيل، وألا يبقوا في موقع المعارضة وسياسة الاحتجاج والرفض.
غانتس أبدى تجاوباً مع عودة بشكل مبدئي، طالباً أولاً أن يوصي عليه كرئيس حكومة مكلّف، وأن يصوت مع مندوب حزب «كحول لفان» لتولي منصب رئيس «الكنيست» في 3 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وسيكون على عودة أن يقنع رفاقه في «القائمة المشتركة» بذلك، وهذه مهمة تبدو صعبة للغاية، وفيها يواجه عودة معارضة من داخل حزبه (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة)، وليس فقط في بقية أحزاب «القائمة المشتركة». مع هذا، يحاول عودة إقناعهم بذلك من خلال التحذير بأن عدم التوصية على غانتس يعني أن يحظى نتنياهو بهذا التكليف، والتخلف عن دعم مرشح «كحول لفان» لرئاسة «الكنيست» يعني أن يتولاها ممثل نتنياهو، يولي أدلشتاين.

أفيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا)
منذ بداية المعركة الانتخابية الأخيرة، وضع أفيغدور ليبرمان خطة لأن يكون «بيضة القبان» في الحلبة السياسية؛ فهو يصرّ على تشكيل «حكومة وحدة وطنية» بين «الليكود» و«كحول لفان»، يكون هو فيها الإشبين. وهو يرفض سعي نتنياهو إلى ضم الأحزاب الدينية لهذه الحكومة، وفي المقابل، يرفض رغبة غانتس في ضم العرب.
بفضل هذا الموقف، حظي ليبرمان بثمانية مقاعد، بعدما كانت كتلته من 5 نواب فقط في انتخابات أبريل. ولكن ليبرمان يُعتبر أحد أكثر السياسيين مَنهجية. ولقد سهّل المهمة على غانتس عندما قال إنه سيمنع إجراء انتخابات ثالثة هذه السنة، أي أنه في النهاية سيسهم في وضع حلول للعقبات. ولهذا يحاول غانتس إقناعه حالياً بأن التعاون مع «القائمة المشتركة» سيكون مؤقتاً. ويقول له: «نحصل على تأييد العرب فقط للتوصية أمام الرئيس فهم ليسوا معنيين بالدخول إلى الائتلاف. وهكذا، فنقيم حكومة من دونهم، وندخل إليها (حزب الليكود) من دون نتنياهو لاحقاً. فنتنياهو سيسقط عن الحلبة بمجرد تكليفي بتشكيل الحكومة، لأن المستشار القضائي للحكومة سيوجه له لوائح الاتهام».
وهكذا يبني غانتس كثيراً على تعاون ليبرمان، لكن هذا لا يفصح بعد عن قراره النهائي. وفي هذه الأثناء يجري محاولات لسحب نواب من «الليكود» لصالحه، من أولئك المتذمرين بصمت من نتنياهو.

من أين يمكن أن يأتي الحل ؟
> هناك إجماع في الوسط السياسي الإسرائيلي على أنه لن تقوم حكومة في هذه المرة إلا إذا تراجع أحد اللاعبين الكبار عن تصريحاته الانتخابية، وأعلن أنه «بسبب حالة الطوارئ التي وصلنا إليها، وبسبب القناعة بأن التوجه لانتخابات ثالثة أمر خاطئ بشكل فاحش لا يجوز تكراره... قرّر تغيير موقفه».
مَن سيكون هذا اللاعب؟ حتماً، نتنياهو لن يكون، لأن تراجعه يعني دخوله السجن. لكن هناك من ينصحه علناً بأن يبرم صفقة شاملة: الاتفاق مع النيابة على إلغاء الاتهامات ضده مقابل اعتزاله السياسة. مثل هذا الأمر حصل في إسرائيل ذات مرة، إذ جرى إقناع رئيس الدولة عيزر فليتسمان بالتخلي عن منصبه مقابل إغلاق ملفات فساد ضده. ومن ثم، نزل عن كرسيه باحترام.
غانتس كان قد أعلن أنه لن يخدم في حكومة واحدة مع نتنياهو، وبالتأكيد، ليس تحت رئاسة نتنياهو. وعن هذا يصعب التراجع. لكنه في حال قبول «الليكود» برئاسة نتنياهو في حكومته ومنحه وزارة مهمة، يمكن أن يكون هذا الإجراء مؤقتاً إلى حين يتقرر مصير لوائح الاتهام. وعندها يستقيل نتنياهو وتصبح كتلة «الليكود» صالحة أكثر للتحالف. ولذا، فإن ليبرمان يبدو أقرب الشخصيات السياسية إلى التراجع، ولعب دور المسؤول الذي يضع مصلحة البلاد فوق مصلحته الشخصية. وبما أنه تعهَّد بأنه لا يسمح بإعادة الانتخابات، فهو من أجل الإيفاء بالوعد يمكن أن يتراجع عن أحد، أو بعض، مطالبه.
طبعاً، هناك آخرون يمكنهم أن يتراجعوا عن مواقفهم من الأحزاب الأخرى، مثلاً:
- أرييه درعي، رئيس حزب «شاس». فمع أن درعي التزم لنتنياهو، فإنه في حال تكليف غانتس، والتوصل إلى قناعة بأن نتنياهو لن يستطيع تشكيل حكومة، قد يغير موقفه وينضم إلى غانتس. وللعلم، كان قد صرح بعيد الانتخابات بأن «اليهود يدخلون الآن إلى شهر التسامح ويزيلون خلافاتهم ويتآخون من جديد». وربما تكون هذه إشارة إلى التسامح مع خصومه، وبالذات، يائير لبيد، من حزب غانتس، وأفيغدور ليبرمان.
- أييلت شكيد (وزيرة العدل السابقة) ونفتالي بنيت، من حزب «يمينا». هذان السياسيان المتطرفان سارعا إلى الانفصال عن حزب «يمينا» والعودة إلى حزبهما السابق (البيت اليهودي)، ولهما اليوم 3 من نواب حزب «يمينا». ومن غير المستبعد أن يتقدّما خطوة أخرى إلى اليسار وينضما إلى غانتس، خصوصاً أنهما على خلاف شديد مع نتنياهو.
- عمير بيرتس، رئيس حزب العمل. بيرتس في اليسار اليوم، وكان من القلائل في هذه الانتخابات الذين تحدثوا عن عملية السلام، ودعا غانتس إلى إدخال العرب في الائتلاف الحكومي معه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن لديه مسؤولية كبرى لإنقاذ حزبه من الاندثار. فـ«حزب العمل»، هو الذي قاد الحركة الصهيونية منذ تأسيسها قبل 120 سنة، وأسس إسرائيل وقادها بلا منازع من 1948 وحتى 1977، وعدة سنوات بعدها. ويرى كثيرون فيه أنه لن تقوم قائمة لهذا الحزب إلا إذا انعطف يميناً واسترد مؤيديه.
- أعضاء في حزب غانتس، يسعى نتنياهو لسحبهم من صفوف حزبهم، وضمهم إلى «الليكود» مقابل مغريات كثيرة.
كل هذه احتمالات واردة، سبق أن شهدت الحلبة السياسية الإسرائيلية مثيلاً لها في التاريخ. فإذا لم يكن هناك تغير جماعي لدى أحد الأحزاب أو أكثر، سيكون تغير وخيانات فردية تؤدي إلى تغيير في القوى. ولكن التغيير الذي يمكن أن يحدث ولا أحد يصمد فيه، هو أن يقنع نتنياهو الجيش بشن حرب، وعندها يتأجل كل شيء، بما في ذلك محاكمة نتنياهو.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟