اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22

لا حكومة في المدى القريب

اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22
TT

اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22

اللاعبون الأساسيون في السياسة الإسرائيلية في ضوء انتخابات الكنيست الـ22

المهمة الأولى في إسرائيل الآن، بعد انتخاب الكنيست الـ22 هي تكليف أحد زعيمي الكتلتين الأكبر؛ بيني غانتس، أو بنيامين نتنياهو، تشكيل الحكومة المقبلة. غير أن المسألة المعقدة حقاً هي أن هناك عدة لاعبين في الساحة الحزبية يؤثرون على رئيس الدولة، رؤوبين ريفلين، في اتخاذه القرار، بينهم أفيغدور ليبرمان، وأيمن عودة، ومجموعة لاعبين يتحركون في الخفاء سيحسم أحدهم اللعبة.
مَن هو هذا اللاعب المرشح لحسم النتيجة؟ ما أوصافه وحساباته؟ وهل سيفلح... أم أن نتنياهو سيتمكن من حرق كل الأوراق عبر إشعاله حرباً ما تؤدي إلى تأجيل كل شيء، بما في ذلك تأجيل محاكمته بتهمة الفساد؟
ينشغل متابعو السياسة الإسرائيلية منذ ظهور نتائج انتخابات الكنيست (البرلمان) الـ22. في هوية وشكل الحكومة المقبلة، وبحق. فالسياسة الإسرائيلية باتت تؤثر على حيّز أوسع بكثير من شؤون الدولة العبرية الصغيرة. وصارت ذا تأثير على الشرق الأوسط وحتى بعض جوانب السياسة الدولية.
لكن هذه الحكومة لن تقوم في القريب، لأن نتائج الانتخابات أسفرت عن وضع شائك يحمل سمات الأزمة. ورئيس الدولة، رؤوبين ريفلين، صاحب صلاحية تعيين رئيس حكومة مكلف، حائر أكثر من الجميع. فلديه مرشحان لهذا المنصب، هما: خصمه اللدود رئيس الحكومة الحالي وزعيم «الليكود» بنيامين نتنياهو، ورئيس حزب الجنرالات «كحول لفان» (أزرق - أبيض)، بيني غانتس.
مشكلة ريفلين الأولى أن نتنياهو وجه له صفعة مجلجلة، ويمكن القول إنها مهينة، في الانتخابات قبل الأخيرة التي أجريت في 9 أبريل (نيسان) الماضي. ففي حينه، كلف ريفلين نتنياهو تشكيل الحكومة، لكنه فشل في مهمته. ومن ثم، كان عليه أن يعيد كتاب التكليف لرئيس الدولة كي يلقي بالمهمة على عاتق نائب غيره في «الكنيست». لكن نتنياهو التفّ على ريفلين، ولجأ إلى خدعة سياسية كانت بمثابة ضربة لمكانة وهيبة رئيس الدولة. إذ مرّر قانوناً معجّلاً في الكنيست حل بموجبه البرلمان نفسه، ما جرّ البلاد إلى انتخابات أخرى، وهو الأمر الذي لم يحدث من قبل في تاريخ السياسة الإسرائيلية.
وهكذا، فالقضية الآن هي: هل سيعيد ريفلين هذه التجربة... ويكلف نتنياهو مرة أخرى؟
حسب القانون، على ريفلين إجراء مشاورات مع قادة الأحزاب ليستمع منهم إلى توصياتهم بشأن هوية رئيس الحكومة المقبل، حسب وجهات نظرهم. فإذا كان هناك 61 توصية على أحد النواب سيكون رئيس الدولة ملزَماً بتكليفه لتشكيل الحكومة. ولكن، إذا لم يكن هناك 61 توصية، فإن القانون يتيح له أن يعين نائباً آخر يعتقد أنه قادر على تنفيذ هذه المهمة. وهنا يعطيه القانون مساحة واسعة لتحديد رئيس الحكومة المكلف. بناءً عليه، فإن كل الأنظار متجهة حالياً نحو ريفلين. ويخشى نتنياهو أن يصدر القرار بهذا الشأن بدافع من رغبة الانتقام منه، علماً بأنه كان قد اتهم ريفلين قبل شهرين بأنه يتآمر عليه مع أحد نواب «الليكود»، جدعون ساعر، الذي يحاول الإطاحة بنتنياهو من رئاسة «الليكود».
ريفلين، من جهته، قرر البدء في المشاورات مع قادة الكتل البرلمانية سريعاً، مع أن لديه مشكلة كبرى. فنتائج الانتخابات لم تعطِ صورة واضحة وقاطعة، واللاعبون في الحلبة السياسية الإسرائيلية اليوم لا يساعدونه على اتخاذ القرار الصحيح. ولكن من هم اللاعبون الأبرز:

بنيامين نتنياهو (الليكود)
بنيامين نتنياهو، رغم نكسته بالأمس، يظل أخطر اللاعبين في الحلبة؛ فنتائج الانتخابات دلت بوضوح على انخفاض قوته الحزبية والشعبية بصورة كبيرة، إذ دخل الانتخابات وهو يرأس كتلة برلمانية تضم 39 نائباً («الليكود» بـ35 مقعداً، وحزب «كلنا» برئاسة وزير المالية موشيه كحلون بـ4 مقاعد)، ومعه حزب جديد يدعى «موريشت» بقيادة موشيه فغلين، الذي أقنعه نتنياهو بأن ينسحب من المعركة ويدعو الناس إلى التصويت لـ«الليكود» مقابل قطع وعد له بأن يعينه وزيراً. وعليه، إذا قدّرنا قوته بمقعدين اثنين، يكون نتنياهو خاض المعركة بـ41 مقعداً. ولكن النتائج دلت على أنه حصل على 31 مقعداً فقط، أي أنه خسر 10 مقاعد.
جاءت خسارة نتنياهو لعدة أسباب:
أولاً، هو الذي تسبب بإعادة الانتخابات والجمهور يعاقب عادة من يجره إلى انتخابات زائدة، كلفتها تقارب مليار دولار أميركي.
وثانياً، خسر نتنياهو أصوات الإثيوبيين، فقبل ثلاثة شهور قتلت الشرطة شاباً إثيوبياً لأسباب تافهة، وأثار هذا الحادث غضباً شديداً على الشرطة والحكومة.
وثالثاً، خسر نتنياهو أصوات سكان البلدات اليهودية المحيطة بقطاع غزة، لأن هؤلاء يشعرون بأن نتنياهو فشل بوقف صواريخ «حماس». وهم يتهمونه بأنه يجري مفاوضات للتفاهم مع «حماس»، ويسمح لقطر بتمويلها بقيمة 30 مليون دولار تدخل إلى القطاع في كل شهر، ومع هذا، الصواريخ لم تتوقف.
ورابعاً، بدأت وسائل الإعلام تنشر مقاطع من بروتوكولات التحقيق مع نتنياهو وبقية المتهمين والشهود في ملفات الفساد الموجهة ضده، وفيها تفاصيل مذهلة عن مستوى الفساد ورخصه. وعلى سبيل المثال، كشفوا كيف اتصلت زوجته سارة، ذات مرة، من القدس، بجارها الثري في بلدة قيساريا الساحلية، وطلبت منه أن يرسل لها صابونة حلاقة في يوم السبت. فتساءل: «أنت تريدينني أن أرسل إليك صابون حلاقة من قيساريا إلى القدس اليوم (السبت)؟ ألا يوجد عندكم صابون حلاقة حقّاً؟ فأجابته: هل تريد أن يخرج رئيس الحكومة من البيت من دون صابون حلاقة؟»، فأرسل إليها الصابون بسيارة أجرة خاصة. وتوجد مثل هذه القصص وأكثر.
وخامساً، الجمهور بدأ يمقت نتنياهو ويشعر بضرورة تغييره.
رغم كل هذا، نتنياهو لا يستسلم. فهو يعرف بأنه في حال خسارة منصبه في رئاسة الحكومة سيجلس في قفص الاتهام بسبب ملفات الفساد الثلاثة المفتوحة ضده. وهو لذا يسابق الزمن. ففي الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، سيعقد المستشار القضائي للحكومة جلسة استماع له، ليقرّر بعدها توجيه أو عدم توجيه لائحة اتهام ضده. والمقرّبون من الملفات يؤكدون أن المستشار أبيحاي منلبليت، كان يتمنى أن يستطيع منح حبل النجاة لنتنياهو، فهو الذي شغل منصب سكرتير حكومته. ونتنياهو هو الذي عيّنه مستشاراً قضائياً. لكن الملفّات قوية، وفيها أدلة راسخة، لدرجة أنه لا يستطيع الامتناع عن توجيه لائحة اتهام ضده.
بالمختصر إذن، فإن نتنياهو يريد أن يبقى رئيس حكومة بأي ثمن، لأنه في رئاسة الحكومة يستطيع إدارة المحكمة من مركز قوة. لكنه في حال تعيينه وزيراً في حكومة برئاسة غانتس، مثلاً، سيكون عليه الاستقالة من الوزارة في حال توجيه لائحة اتهام ضده. وعندما نقول: «بأي ثمن»، نقصد ذلك. فمن شأن نتنياهو أن يسعى لإشعال حرب إذا استطاع، كما كشف عشية الانتخابات، إذ سبق أن حاول شنّ حرب على قطاع غزة لكن قادة الجيش رفضوا، والمستشار القضائي أبلغه بأن هذا غير قانوني. في الوقت الحاضر يحاول نتنياهو الاكتفاء بالألاعيب السياسية؛ إذ خرج إلى الجمهور بعد الانتخابات، يخطب وكأنه حقق النصر. وجمع رؤساء الأحزاب اليمينية والدينية، واتفق معهم على التوجه إلى مفاوضات الائتلاف ككتلة واحدة، مؤلفة من 55 نائباً (الليكود: 31 وحزب اليهود الشرقيين المتدينين «شاس»: 9 مقاعد، وحزب اليهود المتدينين الغربيين «يهدوت هتوراة»: 8 مقاعد، وحزب «يمينا» المتطرف: 7 مقاعد). ووقعوا على وثيقة أعدها لهم يتعهدون فيها بألا يدخلوا أي ائتلاف حكومي إلا جماعة معه.
وبعد هذا توجه إلى غانتس يقترح عليه اللقاء معه للتحدّث حول إمكانية تشكيل «حكومة وحدة وطنية» معه.

بيني غانتس (أزرق - أبيض)
بيني غانتس، اللاعب الأول، من حيث عدد الأصوات، والثاني من حيث الأهمية، إذ حصل على 33 مقعداً، أي بخسارة مقعدين عن الانتخابات الأخيرة. وتُعتبر هذه النتيجة بمثابة نجاح كبير نسبياً لحزبه، الذي أصبح منافساً جدياً على السلطة في غضون ثمانية شهور من تأسيسه. وتفوّق على نتنياهو رغم أنه أدار معركة انتخابية باردة، بلا إثارة وبلا حماس.
أهمية غانتس تكمن فيما يمثله ويعبر عنه من مصالح؛ فهو جنرال في الجيش شغل منصب رئيس الأركان حتى عام 2015. ومعه أربعة رؤساء أركان سابقون، بينهم وزير دفاع سابق. ومعه ضباط كبار سابقون في الاستخبارات والشرطة.
إنه ببساطة يمثل مصالح «المؤسسة الأمنية» الإسرائيلية بكل صنوفها. وعندما فُرزت نتائج التصويت بين الجنود، تبين أن غانتس حظي بعدد أصوات أكبر بكثير من نتنياهو. ووفقاً لحسابات مهنية، فلو كان الإسرائيليون يسلمون الانتخابات للجيش لكانوا انتخبوا غانتس بلا منازع، إذ حصل على 38 في المائة من الأصوات مقابل 31 في المائة لنتنياهو.
غانتس رفض دعوة نتنياهو، ورد عليه بالقول إنه هو الفائز في الانتخابات. وفي محادثات سرّية غير مباشرة بينهما قال غانتس إنه وعد الجمهور بحكومة وحدة مع «الليكود» لكن من دون نتنياهو، ولكن إذا كان يصرّ على الاستمرار في الحياة السياسية فإنه (أي غانتس) مستعد لقبوله وزيراً في منصب كبير، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية مثلاً. لكن غانتس يعرف أن نتنياهو لن يوافق على هذا العرض؛ فهو يريد فقط منصب رئيس حكومة، لذا بدأ يجس النبض لدى بقية الكتل.
مع غانتس يوجد الآن 44 نائباً مضموناً، هم 33 من حزبه، و6 من حزب العمل - جيشر بقيادة عمير بيرتس، و5 من حزب «ميرتس» المتحالف مع إيهود باراك. وهو يحاول التفاهم مع أفيغدور ليبرمان، الذي حصل على 8 مقاعد، فيصبح له 54 نائباً. ولكي يتغلب على نتنياهو، يحتاج غانتس إلى تأييد النواب العرب في «القائمة المشتركة». وهنا توجد معضلة مزدوجة: فأولاً، ليبرمان يرفض أن يوصي على غانتس عند رئيس الدولة إذا كان العرب سيوصون عليه أيضاً. وثانياً، في «القائمة المشتركة» نفسها يوجد خلاف محتدم حول الموضوع، فرئيس القائمة، أيمن عودة، يؤيّد التوصية على غانتس في حال التوصل معه إلى اتفاق يتعهَّد فيه بأن يستأنف المفاوضات السلمية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ويتعهَّد بإلغاء قانون القومية، ويلتزم بتحقيق المساواة للعرب. ولكن هناك قسماً غير قليل يرفض أي تفاهم مع أي حزب صهيوني على أي شيء.

أيمن عودة (القائمة المشتركة)
في الحلبة السياسية ثمة إقرار بأن شخصية أيمن عودة أسهمت إسهاماً كبيراً في نجاح «القائمة المشتركة». ولم يكن ذلك فقط بسبب قربه من الناس ومن جيل الشباب، بل بالأساس بسبب طروحاته السياسية الجديدة والجريئة؛ إذ قال إنه يؤيد الدخول في ائتلاف حكومي مع قوى اليسار والوسط الإسرائيلية، إذا وافقت على شروطه، باستئناف عملية السلام على أساس حل الدولتين مع الرئيس الفلسطيني، وتعهَّدت بإنهاء سياسة التمييز، وإلغاء قانون القومية، وانتهجت سياسة مساواة كاملة للعرب. وكمن يقرأ الخريطة السياسية العربية في إسرائيل، يعرف عودة أن 72 في المائة من الجمهور العربي و80 في المائة من مصوّتي «القائمة المشتركة» يريدون للنواب العرب أن يؤثروا على الحياة السياسية في إسرائيل، وألا يبقوا في موقع المعارضة وسياسة الاحتجاج والرفض.
غانتس أبدى تجاوباً مع عودة بشكل مبدئي، طالباً أولاً أن يوصي عليه كرئيس حكومة مكلّف، وأن يصوت مع مندوب حزب «كحول لفان» لتولي منصب رئيس «الكنيست» في 3 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وسيكون على عودة أن يقنع رفاقه في «القائمة المشتركة» بذلك، وهذه مهمة تبدو صعبة للغاية، وفيها يواجه عودة معارضة من داخل حزبه (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة)، وليس فقط في بقية أحزاب «القائمة المشتركة». مع هذا، يحاول عودة إقناعهم بذلك من خلال التحذير بأن عدم التوصية على غانتس يعني أن يحظى نتنياهو بهذا التكليف، والتخلف عن دعم مرشح «كحول لفان» لرئاسة «الكنيست» يعني أن يتولاها ممثل نتنياهو، يولي أدلشتاين.

أفيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا)
منذ بداية المعركة الانتخابية الأخيرة، وضع أفيغدور ليبرمان خطة لأن يكون «بيضة القبان» في الحلبة السياسية؛ فهو يصرّ على تشكيل «حكومة وحدة وطنية» بين «الليكود» و«كحول لفان»، يكون هو فيها الإشبين. وهو يرفض سعي نتنياهو إلى ضم الأحزاب الدينية لهذه الحكومة، وفي المقابل، يرفض رغبة غانتس في ضم العرب.
بفضل هذا الموقف، حظي ليبرمان بثمانية مقاعد، بعدما كانت كتلته من 5 نواب فقط في انتخابات أبريل. ولكن ليبرمان يُعتبر أحد أكثر السياسيين مَنهجية. ولقد سهّل المهمة على غانتس عندما قال إنه سيمنع إجراء انتخابات ثالثة هذه السنة، أي أنه في النهاية سيسهم في وضع حلول للعقبات. ولهذا يحاول غانتس إقناعه حالياً بأن التعاون مع «القائمة المشتركة» سيكون مؤقتاً. ويقول له: «نحصل على تأييد العرب فقط للتوصية أمام الرئيس فهم ليسوا معنيين بالدخول إلى الائتلاف. وهكذا، فنقيم حكومة من دونهم، وندخل إليها (حزب الليكود) من دون نتنياهو لاحقاً. فنتنياهو سيسقط عن الحلبة بمجرد تكليفي بتشكيل الحكومة، لأن المستشار القضائي للحكومة سيوجه له لوائح الاتهام».
وهكذا يبني غانتس كثيراً على تعاون ليبرمان، لكن هذا لا يفصح بعد عن قراره النهائي. وفي هذه الأثناء يجري محاولات لسحب نواب من «الليكود» لصالحه، من أولئك المتذمرين بصمت من نتنياهو.

من أين يمكن أن يأتي الحل ؟
> هناك إجماع في الوسط السياسي الإسرائيلي على أنه لن تقوم حكومة في هذه المرة إلا إذا تراجع أحد اللاعبين الكبار عن تصريحاته الانتخابية، وأعلن أنه «بسبب حالة الطوارئ التي وصلنا إليها، وبسبب القناعة بأن التوجه لانتخابات ثالثة أمر خاطئ بشكل فاحش لا يجوز تكراره... قرّر تغيير موقفه».
مَن سيكون هذا اللاعب؟ حتماً، نتنياهو لن يكون، لأن تراجعه يعني دخوله السجن. لكن هناك من ينصحه علناً بأن يبرم صفقة شاملة: الاتفاق مع النيابة على إلغاء الاتهامات ضده مقابل اعتزاله السياسة. مثل هذا الأمر حصل في إسرائيل ذات مرة، إذ جرى إقناع رئيس الدولة عيزر فليتسمان بالتخلي عن منصبه مقابل إغلاق ملفات فساد ضده. ومن ثم، نزل عن كرسيه باحترام.
غانتس كان قد أعلن أنه لن يخدم في حكومة واحدة مع نتنياهو، وبالتأكيد، ليس تحت رئاسة نتنياهو. وعن هذا يصعب التراجع. لكنه في حال قبول «الليكود» برئاسة نتنياهو في حكومته ومنحه وزارة مهمة، يمكن أن يكون هذا الإجراء مؤقتاً إلى حين يتقرر مصير لوائح الاتهام. وعندها يستقيل نتنياهو وتصبح كتلة «الليكود» صالحة أكثر للتحالف. ولذا، فإن ليبرمان يبدو أقرب الشخصيات السياسية إلى التراجع، ولعب دور المسؤول الذي يضع مصلحة البلاد فوق مصلحته الشخصية. وبما أنه تعهَّد بأنه لا يسمح بإعادة الانتخابات، فهو من أجل الإيفاء بالوعد يمكن أن يتراجع عن أحد، أو بعض، مطالبه.
طبعاً، هناك آخرون يمكنهم أن يتراجعوا عن مواقفهم من الأحزاب الأخرى، مثلاً:
- أرييه درعي، رئيس حزب «شاس». فمع أن درعي التزم لنتنياهو، فإنه في حال تكليف غانتس، والتوصل إلى قناعة بأن نتنياهو لن يستطيع تشكيل حكومة، قد يغير موقفه وينضم إلى غانتس. وللعلم، كان قد صرح بعيد الانتخابات بأن «اليهود يدخلون الآن إلى شهر التسامح ويزيلون خلافاتهم ويتآخون من جديد». وربما تكون هذه إشارة إلى التسامح مع خصومه، وبالذات، يائير لبيد، من حزب غانتس، وأفيغدور ليبرمان.
- أييلت شكيد (وزيرة العدل السابقة) ونفتالي بنيت، من حزب «يمينا». هذان السياسيان المتطرفان سارعا إلى الانفصال عن حزب «يمينا» والعودة إلى حزبهما السابق (البيت اليهودي)، ولهما اليوم 3 من نواب حزب «يمينا». ومن غير المستبعد أن يتقدّما خطوة أخرى إلى اليسار وينضما إلى غانتس، خصوصاً أنهما على خلاف شديد مع نتنياهو.
- عمير بيرتس، رئيس حزب العمل. بيرتس في اليسار اليوم، وكان من القلائل في هذه الانتخابات الذين تحدثوا عن عملية السلام، ودعا غانتس إلى إدخال العرب في الائتلاف الحكومي معه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن لديه مسؤولية كبرى لإنقاذ حزبه من الاندثار. فـ«حزب العمل»، هو الذي قاد الحركة الصهيونية منذ تأسيسها قبل 120 سنة، وأسس إسرائيل وقادها بلا منازع من 1948 وحتى 1977، وعدة سنوات بعدها. ويرى كثيرون فيه أنه لن تقوم قائمة لهذا الحزب إلا إذا انعطف يميناً واسترد مؤيديه.
- أعضاء في حزب غانتس، يسعى نتنياهو لسحبهم من صفوف حزبهم، وضمهم إلى «الليكود» مقابل مغريات كثيرة.
كل هذه احتمالات واردة، سبق أن شهدت الحلبة السياسية الإسرائيلية مثيلاً لها في التاريخ. فإذا لم يكن هناك تغير جماعي لدى أحد الأحزاب أو أكثر، سيكون تغير وخيانات فردية تؤدي إلى تغيير في القوى. ولكن التغيير الذي يمكن أن يحدث ولا أحد يصمد فيه، هو أن يقنع نتنياهو الجيش بشن حرب، وعندها يتأجل كل شيء، بما في ذلك محاكمة نتنياهو.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».