إصلاحات ضريبية ومصرفية عميقة لتحفيز نمو الاقتصاد الهندي

تساؤلات في نيودلهي عن الحاجة الفعلية لبنوك عامة

مواطنون يراقبون صعود أسعار الأسهم في «بورصة بومباي» الهندية أمس عقب إعلان القرارات الاقتصادية (أ.ف.ب)
مواطنون يراقبون صعود أسعار الأسهم في «بورصة بومباي» الهندية أمس عقب إعلان القرارات الاقتصادية (أ.ف.ب)
TT

إصلاحات ضريبية ومصرفية عميقة لتحفيز نمو الاقتصاد الهندي

مواطنون يراقبون صعود أسعار الأسهم في «بورصة بومباي» الهندية أمس عقب إعلان القرارات الاقتصادية (أ.ف.ب)
مواطنون يراقبون صعود أسعار الأسهم في «بورصة بومباي» الهندية أمس عقب إعلان القرارات الاقتصادية (أ.ف.ب)

قفزت «بورصة مومباي» في الهند، أمس، 5 في المائة بعدما أعلنت الحكومة خفض معدلات الضرائب على الشركات، ضمن حملة من الإجراءات التي بدأت الحكومة اتخاذها لتحفيز النمو الاقتصادي المتباطئ.
والمعدلات الضريبية انخفضت إلى 22 في المائة على الشركات المحلية عموماً، وإلى 15 في المائة على الشركات الصناعية المنشأة حديثاً. وهذا الإصلاح يجعل المعدلات الضريبية في الهند بين الأدنى على مستوى دول جنوب آسيا وجنوب شرقيِّها. وأكد اقتصاديون أن هذا الخفض أكثر من ضروري، لأن معدلات الضرائب في الهند كانت بين الأعلى في العالم. وأشار هؤلاء إلى أن هذه الخطوة ستسهم حتماً في تحريك دينامية جديدة يحتاج إليها الاقتصاد الهندي اليوم أكثر من أي وقت مضى. وسيعطي ذلك دفعة للأسواق والمستثمرين على المديين المتوسط والبعيد.
وأضاف المحللون أن الخفض الضريبي يأتي معطوفاً على أكبر عملية إعادة هيكلة مصرفية شهدتها البلاد في تاريخها. ومن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التباطؤ الاقتصادي، نهاية أغسطس (آب) الماضي، دمج 10 مصارف في 4 فقط، والأصول المجمعة في الوحدات المدمجة تساوي 777 مليار دولار، أي 56 في المائة من إجمالي أصول القطاع البنكي. وأكدت وزارة المالية أن الدمج يهدف لخلق مصارف ضخمة تستطيع الحصول على موارد بأسعار تنافسية، وبالتالي الإقراض بفوائد متدنية نسبياً. كما أعلنت وزارة المالية ضخ 7.7 مليار دولار في رساميل المصارف الجديدة المدمجة.
وهذه الإصلاحات ترمي، وفقاً للأهداف الحكومية، إلى تشجيع الائتمان وإقراض الأنشطة المختلفة أملاً في تحقيق نمو اقتصادي إضافي، علماً بأن الاقتصاد الهندي سجل في الفصل الأول من السنة المالية التي تبدأ في أبريل (نيسان) نمواً نسبته 5 في المائة، وهو أدنى معدل منذ 5 سنوات، والهبوط متواصل للفصل الخامس على التوالي. وظهرت علامات كثيرة على التباطؤ، منها على سبيل المثال لا الحصر، هبوط مبيعات السيارات 41 في المائة في سنة، وهذا أسوأ هبوط عرفه هذا القطاع في تاريخ الهند.
وفي جديد الإصلاح المصرفي أن بنك «أوريونتال» التجاري و«يونايتد بنك» سيندمجان في بنك جديد اسمه «بنجاب ناشيونال»، ليكون ثاني أكبر بنك في البلاد من حيث حجم القروض بعد «ستيت بنك أون إنديا».
وبنهاية عمليات الإصلاح والدمج، سينخفض عدد المصارف العامة من 27 إلى 12 فقط. وهذه الاندماجات تندرج في إطار خطط وضعت في عام 2015 لتنقية القطاع المالي من قروض متعثرة السداد، لا سيما في البنوك العامة. ورغم تحقيق تقدم في هذا المجال، تبقى نسبة الديون المعدومة في الهند الأعلى مقارنة بما هي عليه في الاقتصادات العشر العالمية الكبيرة. لكن الحكومة تأمل في الإصلاحات الجديدة أن تتراجع قيمة المبالغ التي عليها ضخها لرسملة المصارف المتعثرة.
فمنذ عام 2017، ولتطبيق القواعد الرقابية مشددة المعايير التي وضعها بنك الهند المركزي، أُجريت عمليتان ضخمتان للرسملة المصرفية قيمتهما 41 مليار دولار ضختها الحكومة في رساميل عدد من المصارف التي خضعت لعمليات إعادة الهيكلة والإنقاذ. كما منحت الحكومة 10 مليارات دولار للمصارف التي تباطأ نمو الائتمان فيها.
إلى ذلك، خففت الحكومة بعض القيود التي كانت مفروضة على صعيد الحوكمة المصرفية، وسمحت لمجالس إدارات البنوك العامة برفع المكافآت التي تُمنح للمديرين لتصبح مساوية لما هو معمول به في المصارف الخاصة، مع جرعة استقلالية إضافية في قطاع كان تحت سيطرة حكومية غير عادية.
ومنذ وصول ناريندرا مودي إلى رئاسة الحكومة في 2014، تسارعت عمليات الاندماج والاستحواذ المصرفية، لكن عدداً من المحللين ينتقد التجربة بالقول إنه عندما تندمج الوحدات البنكية الكبيرة نلاحظ أن نشاط المصارف الصغيرة يتراجع بقوة، لا سيما على صعيد الإقراض. كما أن المشككين بنجاح ما ترمي إليه الحكومة يؤكدون أن الوحدات المدمجة لن تستطيع تسريع إقراض الاقتصاد وقطاعاته المختلفة، لأن الديون المتعثرة تبقى ضخمة، وعلى الوحدات المدمجة الاستمرار في تنقية وتنظيف ميزانياتها، قبل التوسع في الائتمان، وقد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً نسبياً ومالاً وفيراً في جانب المخصصات اللازمة لمقابلة الديون الرديئة، علماً بأن 70 في المائة من تلك القروض مُنحت تحت ضغوط أو تمنيات سياسية، ومعظمها لم يكن مجدياً أو مربحاً.
وهناك من يسأل في نيودلهي حالياً: هل نحن في الهند بحاجة فعلاً إلى بنوك عامة؟ ولماذا لا تُطرح كل المصارف الحكومية أو شبه الحكومية للخصخصة؟
ويشير المحللون أيضاً إلى أن الهند بحاجة إلى انفتاح كبير على المصارف الأجنبية. فالقطاع حالياً عبارة عن بنوك عامة ضخمة تسيطر على معظم السوق وتأتي وراءها بنوك خاصة بحصص صغيرة، ثم مصارف أجنبية بحصص هامشية بإجمالي 4 في المائة فقط من سوقي الائتمان والإيداع.
وبالعودة إلى معدل النمو، فإن الهند تواجه معضلة حالياً، بعدما تباطأ الاقتصاد وتراجع الطلب أو الاستهلاك الداخلي، وشحَّت السيولة، ما دفع الحكومة إلى تسريع الإصلاح المصرفي واسع النطاق. وتسعى الحكومة جاهدة لتحفيز النمو بكل الوسائل، خصوصاً أن البطالة حالياً في أعلى مستوياتها منذ سبعينات القرن الماضي. وبين الإجراءات التي اتخذت تخفيف قيود الاستثمار الأجنبي في عدد من القطاعات، منها استخراج الفحم. وخففت عبء بعض الضرائب عن أرباح الأسهم، إضافة إلى حزمة أخرى من الإجراءات والحوافز لعل الاقتصاد يعود لينمو بمعدلات أعلى.



الأسهم الأوروبية ترتفع بشكل طفيف وسط تفاؤل حذر بمحادثات السلام

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية ترتفع بشكل طفيف وسط تفاؤل حذر بمحادثات السلام

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

سجلت الأسهم الأوروبية ارتفاعاً طفيفاً يوم الثلاثاء، بعد خسائر في الجلسة السابقة، وسط تفاؤل حذر لدى المستثمرين بشأن استمرار مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، مع اقتراب الموعد النهائي لاتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنسبة 0.1 في المائة، ليصل إلى 621.99 نقطة بحلول الساعة 07:13 بتوقيت غرينتش، وفق «رويترز».

كما سجلت المؤشرات الإقليمية الرئيسية مكاسب محدودة؛ إذ ارتفع مؤشر «داكس» بنسبة 0.6 في المائة، فيما صعد مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 0.1 في المائة.

وتشير التطورات الدبلوماسية إلى بقاء قنوات التواصل مفتوحة، مع إبداء مسؤولين أميركيين تفاؤلهم باستمرار المحادثات، في حين أفاد مسؤول إيراني رفيع بأن طهران تدرس المشاركة رغم استمرار العقبات وعدم اليقين مع اقتراب انتهاء الهدنة.

وجاء أداء الأسواق مدفوعاً أيضاً بانتعاش من خسائر جلسة الاثنين، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط في بداية التداولات، مما عزز رهانات المستثمرين على إمكانية استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران خلال الأسبوع.

وتصدّر قطاع التكنولوجيا المكاسب بارتفاع بلغ 1 في المائة، في حين جاء قطاع الرعاية الصحية في ذيل القائمة متراجعاً بنسبة 0.6 في المائة.

وفي تحركات لافتة، هبطت أسهم شركة «رويال يونيبرو» بنسبة 13 في المائة، متجهة نحو أسوأ أداء يومي منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بعد إعلان الشركة إنهاء شراكتها مع موزعي «بيبسي» في شمال أوروبا.


تراجع واردات الهند من النفط الخام في مارس نتيجة حرب إيران

شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
TT

تراجع واردات الهند من النفط الخام في مارس نتيجة حرب إيران

شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)
شاحنات محمّلة بحاويات متوقفة في ميناء جواهر لال نهرو بنافي في مومباي (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن أن واردات الهند من النفط الخام تراجعت بنسبة 13 في المائة خلال مارس (آذار)، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في فبراير (شباط)، في ظل تحوّل حاد في مصادر الإمداد لصالح روسيا، التي رفعت حصتها إلى مستويات قياسية، بعد اضطرابات في تدفقات النفط من الشرق الأوسط نتيجة الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران وتوقف الشحنات عبر مضيق هرمز.

وحسب بيانات من مصادر في قطاع النفط، استوردت الهند، ثالث أكبر مستهلك ومستورِد للنفط في العالم، نحو 4.5 مليون برميل يومياً من الخام في مارس.

وسجلت واردات النفط الروسي قفزة لافتة لتتضاعف تقريباً مقارنة بفبراير، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 2.25 مليون برميل يومياً، مما رفع حصتها من إجمالي واردات الهند إلى مستوى غير مسبوق بلغ 50 في المائة، وفق «رويترز».

في المقابل، تراجعت واردات الهند من نفط الشرق الأوسط بنسبة 61 في المائة لتصل إلى 1.18 مليون برميل يومياً، مما أدى إلى انخفاض حصتها إلى أدنى مستوى تاريخي بلغ 26.3 في المائة خلال مارس، مع هبوط شحنات كل من العراق والإمارات العربية المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.

وتوقفت حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، بعد منع إيران والولايات المتحدة مرور السفن، مما أدى إلى اضطراب كبير في تدفقات الخام.

كما تعرضت سفينتان ترفعان العلم الهندي لهجمات في أثناء محاولتهما عبور المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، في مؤشر على تصاعد المخاطر في مسارات الشحن.

وأوضحت البيانات أن الهند لجأت إلى تعويض النقص عبر زيادة مشترياتها من النفط الروسي المنقول بحراً، مستفيدة من ترتيبات استثنائية تسمح باستيراد الخام الخاضع للعقوبات.

وتوقعت المصادر استمرار قوة الإمدادات الروسية، خصوصاً بعد تجديد استثناء يسمح بشراء النفط الروسي المنقول بحراً لفترة إضافية قصيرة.

وفي التوزيع الشهري للموردين، واصلت روسيا تصدر قائمة موردي النفط للهند في مارس، تلتها السعودية التي حلت محل العراق بوصفها ثاني أكبر مورد، ثم أنغولا التي عززت صادراتها لتعويض تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الإمارات والعراق.

وبفعل هذا التحول، تراجعت حصة نفط منظمة «أوبك» في إجمالي واردات الهند إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 29 في المائة.

أما على مستوى السنة المالية المنتهية في مارس 2026 فقد انخفضت واردات الهند من النفط الروسي بنسبة 6.2 في المائة على أساس سنوي، نتيجة تقليص بعض المصافي مشترياتها في إطار اعتبارات تجارية وسياسية مرتبطة بالعلاقات مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى تغيّر في توزيع الحصص بين الموردين، مع تراجع نسبي لروسيا وارتفاع محدود في حصة الشرق الأوسط.


«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
TT

«قبلة الموت» الأميركية تنهي أسطورة بنك «إم بائير» السويسري

يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)
يظهر علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)

لطالما ردّد مايكل بائير، سليل العائلة المصرفية العريقة وجسد الجيل الرابع لمؤسس بنك «جوليوس بائير» السويسري، أن العمل المصرفي يسري في جيناته. نشأ «إم بائير» (MBaer) في العصر الذهبي للسرية المصرفية السويسرية، لكن طموحه لإنشاء «بنك ذي روح» انتهى بنهاية مأساوية تحت مقصلة العقوبات الأميركية، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

سقوط تحت المادة «311»

لم يستمر البنك الذي أطلقه بائير في عام 2018 بديلاً للحرس القديم طويلاً؛ ففي فبراير (شباط) الماضي، استخدمت وزارة الخزانة الأميركية المادة «311»، وهي سلطة قانونية نادراً ما تُستخدم، ولكنها تُعرف في الأوساط المالية بـ«قبلة الموت». وبموجبها، صُنف البنك السويسري بوصفه «مخاطرة رئيسية لغسل الأموال»، مما أدى فعلياً إلى قطعه عن النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار.

و«المادة 311» ليست مجرد غرامة مالية أو عقوبة إدارية، بل هي «إعدام مالي» خارج الحدود؛ إذ تمنح وزارة الخزانة الأميركية سلطة عزل أي مصرف أجنبي عن النظام المالي العالمي بشكل فوري. وبالتالي، وبمجرد صدور هذا التصنيف، يُحظر على جميع المصارف الأميركية التعامل مع البنك المستهدف أو فتح «حسابات مراسلة» له، مما يعني فعلياً «قطع الأكسجين الدولاري» عنه. وبما أن الدولار هو لغة التجارة العالمية، فإن البنك الذي يُصنّف تحت هذه المادة يفقد قدرته على إجراء أي تحويلات دولية، وتتجنّبه المصارف الأخرى حول العالم مثل «المصاب بالعدوى» خوفاً من ملاحقة واشنطن، مما يؤدي إلى انهياره حتماً مهما بلغت متانة أصوله أو عراقة اسم عائلته المؤسسة.

وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، كان حاسماً في تصريحه حين قال: «لقد ضخ بنك (إم بائير) أكثر من 100 مليون دولار عبر النظام المالي الأميركي لصالح جهات غير مشروعة مرتبطة بإيران وروسيا».

تحدي «الحرس القديم»

عندما طرح مايكل بائير مصرفه بوصفه «بديلاً للحرس القديم» كان يهدف إلى استغلال الفجوة التي تركتها عمالقة المصارف السويسرية، مثل: «يو بي إس» و«جوليوس بائير» التي تحولت تحت وطأة الملاحقات الأميركية إلى مؤسسات شديدة الحذر ومثقلة بالبيروقراطية. ففي حين كان هذا «الحرس القديم» ينسحب من الأسواق الرمادية ويغلق حسابات العملاء في دول تعاني من العقوبات أو الاضطرابات السياسية لتجنب «وجع الرأس» القانوني، قدم بائير مصرفه بوصفه منصة مرنة تتبنى روحاً ريادية؛ حيث كان يطمح لخدمة هؤلاء العملاء «المرفوضين» من قِبل البنوك الكبرى، مراهناً على قدرته على تقديم خدمات شخصية وسريعة تتجاوز جمود الأنظمة الرقابية الآلية للمصارف التقليدية، وهي المقامرة الجريئة التي جعلت بنكه في نهاية المطاف هدفاً مباشراً للمجهر الأميركي.

لكن تقارير شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية (FinCen) رسمت صورة مغايرة؛ إذ عدّت البنك «نقطة وصول حرجة» للدولار لصالح شبكات غسل أموال مرتبطة بمسؤولين روس (بمن فيهم الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف)، وشبكات تهريب نفط تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، بالإضافة إلى قضايا فساد مرتبطة بشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA).

إخفاق الرقابة السويسرية

أثار سقوط البنك تساؤلات قاسية حول كفاءة هيئة الرقابة المالية السويسرية (Finma). ففي حين كانت الشائعات تدور في أروقة زيوريخ حول أنشطة البنك المشبوهة، استغرق المنظم السويسري عامين للتحقيق وإصدار قرار تصفية، وهو القرار الذي تمكن البنك من تجميده عبر الاستئناف القضائي.

يصف أستاذ القانون المتخصص في الجرائم المالية، مارك بيث، تعامل السلطات السويسرية مع القضية بأنه «إحراج»، وفق ما نقلت عنه «فاينانشال تايمز»، مضيفاً: «بينما (فينما) لديها إرث من البطء، تصرفت واشنطن بوحشية وسرعة».

وفي دفاعها، أكدت «فينما» أنها سحبت الترخيص قبل التحرك الأميركي، لكن القانون السويسري منعها من التنفيذ الفوري بسبب إجراءات التقاضي.

أرقام صادمة من داخل التحقيقات

كشفت التحقيقات عن تفاصيل مذهلة داخل البنك؛ إذ تبيّن أن:

  • 80 في المائة من علاقات عملاء البنك كانت مصنّفة بوصفها «عالية المخاطر».
  • 98 في المائة من الأصول الواردة للبنك جاءت من هؤلاء العملاء.
  • استمر البنك في قبول عملاء مشبوهين حتى بعد تحذيرات داخلية من فرق الامتثال.

أضواء مطفأة وأموال مجمّدة

اليوم، يقبع مقر البنك في زيوريخ تحت إشراف المصفين القضائيين. ورغم محاولات الإدارة السابقة رد أموال العملاء، فإن الموقع الإلكتروني للبنك أعلن مؤخراً توقف جميع عمليات السداد بعد قطعه عن نظام المدفوعات بين البنوك السويسرية.

رحلة مايكل بائير، الذي أراد أن يثبت أن المصارف الصغيرة يمكنها تحدي البيروقراطية، انتهت بدرس قاسٍ للقطاع المالي السويسري: في عصر العقوبات العالمية، لا توجد مساحة للرمادية، و«قبلة الموت» الأميركية لا تخطئ هدفها حين يتعلق الأمر بالأمن القومي المالي.