الحلقة (9): الإدارة الليبية كانت ترى الغرب «لونا واحدا» وضيعت فرصة بناء علاقة استراتيجية مع اشتراكيي أوروبا

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع معمر القذافي


 قذاف الدم مع رئيس بوركينا فاسو بليز كومباوري
قذاف الدم مع رئيس بوركينا فاسو بليز كومباوري
TT

الحلقة (9): الإدارة الليبية كانت ترى الغرب «لونا واحدا» وضيعت فرصة بناء علاقة استراتيجية مع اشتراكيي أوروبا


 قذاف الدم مع رئيس بوركينا فاسو بليز كومباوري
قذاف الدم مع رئيس بوركينا فاسو بليز كومباوري

رغم طرد القواعد الفرنسية من ليبيا والصراع في تشاد، فإن الليبيين في عهد العقيد الراحل معمر القذافي، مدوا خيوط الود في باريس منذ وقت مبكر، وكانت البداية في أواخر عهد الرئيس جورج بومبيدو (حكم فرنسا من 1969 إلى 1974)، وكانت العلاقة معه «مميزة وممتازة»، كما يقول أحمد قذاف الدم، لـ«الشرق الأوسط» في هذه الحلقة، والتي يتطرق فيها إلى الكثير من الذكريات التي كان من بينها شعور الرئيس المصري الراحل أنور السادات بأنه قد يواجه الموت بسبب سياساته وصلحه مع إسرائيل، وأنه أعرب له عن رغبته في أن يدفن في سيناء، إضافة إلى المواجهات الأميركية - الليبية في الثمانينات في خليج سرت، خاصة أيام حكم الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وغيرها.

فيما يتعلق بسنوات المد والجزر في العلاقات الليبية - الفرنسية يقول قذاف الدم إنه بعد انتهاء عهد بومبيدو، جاء الرئيس فاليري جيسكار ديستان (حكم من 1974 حتى 1981)، و.. «كانت بداياته معنا طبيعية، وبدأتُ في هذه المرحلة إقامة علاقة صداقة معه ومع طاقمه الرئاسي، لكن بدأت الصراعات.. كموضوع اتهامنا بعملية مدينة قفصة التونسية، وحصلت مشادات بيننا في أكثر من مكان. أضف إلى ذلك أن روح فرنسا الاستعمارية كانت ما زالت ممتدة في القارة الأفريقية، سواء في أفريقيا الوسطى أو بوركينا فاسو أو توغو والنيجر، وغيرها، لا سيما الدول المحيطة بليبيا.
وقبل الانتخابات الفرنسية بفترة قصيرة، أي في نهاية 1980 وبداية 1981، جاء الرئيس السادات في زيارة خاصة إلى باريس، وكان من المفترض أن نلتقي في لقاءات سرية معه، ويوم وصوله التقى بالرئيس الفرنسي ديستان، وفوجئت بأنه يطالب، وهو يتحدث علانية، بأن تخرج القوات الليبية من تشاد، وكان عنيفا في طرحه هذا في ذلك الوقت، لكنني التقيت به في المساء في القصر. ولاحظت أن السادات يقيم في القصر الرئاسي الفرنسي، على غير العادة في مثل هذا النوع من الزيارات الخاصة، حيث إن المتعارف عليه في هذه الحالة ألا يسكن الرئيس الضيف في القصر، ولكن في الفندق، إلا أن الرئيس ديستان، ومن أجل أن يحصل على دعم الرئيس السادات، أسكنه في القصر لا الفندق، كنوع من التعبير عن المحبة والصداقة.
وعندما زرت السادات في القصر تطرقنا لما يجري، وقلت له يا سيادة الرئيس كيف تتحدث عن خروج القوات الليبية من تشاد، وتطالب بذلك، ولا تدين الوجود الفرنسي في تشاد، هذا غير منصف. فقال لي: مالكم ومال تشاد؟ فأجبته: كيف مالنا؟ إذا كان وجود القوات الفرنسية وجود شرعي في تشاد، فمن حقنا أن نكون نحن في تشاد أيضا، وهي على حدودنا، وعلى تماس مع أرضنا ونريد أن نكون مع المسلمين في الشمال، وبالتالي لا نسمح للقوات الفرنسية أن توجد في تشاد بهذا الشكل.. وأرجو، يا سيادة الرئيس، أن تكون منصفا في هذا الموضوع، وألا تكون منحازا. فقال السادات: أنا قادم لأعمل دعم للرئيس ديستان، في فرنسا، لكي يفوز. فقلت له إنه، أي ديستان، سوف لن ينجح».
ويضيف قذاف الدم أنه يذكر في ذلك الوقت، أن القوات الليبية كانت قد تسللت وجهزت قوات تشادية صديقة للسيطرة على العاصمة أنجمينا.. «كنا نعد العدة للانقضاض على العاصمة التشادية بالتزامن مع فترة الانتخابات في فرنسا، لكي نقسم ظهر ديستان وندعم وصول منافسه الاشتراكي، ميتران، للسلطة». ويتابع موضحا: «قلت للسادات إن الرئيس ديستان سوف لن ينجح، فرد ساخرا وهو يمزح معي: وماذا تفهمون أنتم في السياسة؟ وأخذ يلقي النكات على الليبيين، فقلت له: نتراهن على هذا الموضوع، فقال أراهنك..
وتحدثت معه أيضا، وأنا معه في القصر في باريس، حول علاقته بالعدو الصهيوني (إسرائيل) وأنه يمكن أن يتعرض للقتل من خصومه إذا ما استمر في هذا النهج، وأنه يوجد عداء كبير ضده من كثير من الأطراف بمصر بسبب علاقته بإسرائيل. فقال لي السادات: أنا أعرف أنني أخوض في معركة صعبة، وقد أموت.. وطلبت أن أدفن في سيناء، في مجمع الأديان، في جبل طور سيناء».
وفي تلك اللحظة كان من المفترض أن يدلي السادات بإفادات صحافية للإعلاميين في القصر الرئاسي بباريس، ولأن زيارة قذاف الدم له هنا كانت سرية، حيث كانت العلاقات بين البلدين ليست على ما يرام في ذلك الوقت، فقد اضطر للاختباء في مكتب يقع بابه خلف المقعد الذي يجلس عليه الرئيس في بهو القصر. ويقول قذاف الدم: «قال لهم، وأنا كنت استمع إليه من وراء الباب، إنه طلب أن تخرج القوات الفرنسية والليبية. وقال ذلك بصوت مرتفع حتى سمعته وأنا في المكتب الخلفي». وعندما عدت قال لي مبتسما: نحن متعادلان! فهل أنتم راضون؟ وأضاف مازحا: لكن نحن ما زلنا على رهان الانتخابات الفرنسية.. جيسكار ديستان سيفوز على ميتران.
ويواصل قذاف الدم قائلا: «ودعت الرئيس في ذلك المساء.. وبعد أيام انطلقت قواتنا إلى العاصمة التشادية أنجمينا، وقامت بطرد الرئيس حسين حبري منها، وذلك عشية الانتخابات الفرنسية، مما أدى إلى تراجع مكانة ديستان في أوساط الناخبين الفرنسيين. وبعدها مباشرة اتصل بي مكتب الرئيس السادات وقال لي أحد مسؤولي المكتب بروح الدعابة: الرئيس يقول لك برافو.. لقد لعبتموها صح. وكان قد تأكد للجميع أن الرئيس ديستان لن ينجح بعد عملية أنجمينا، وأن السادات أراد أن يبلغني أنه خسر الرهان قبل أن تعلن نتيجة الانتخابات بفوز ميتران».
وحين جاء الرئيس ميتران للسلطة كان وزير الشؤون الأفريقية اسمه غيبين، وهو طبيب أصلا. ويقول قذاف الدم: «أذكر عندما دخلت إلى مكتب غيبين، الوزير، أنه أراني خزنة القصر الرئاسي وكان قد خرج منها الحزب الحاكم السابق بقيادة ديستان، وأراني قطعة عملة من فئة 500 فرنك فرنسي مقطوعة، وقال لي: تصور.. هذا ما تركوه لنا.. لم يتركوا لنا لا وثائق ولا ملفات». وأضاف أن «جماعة ديستان كانوا مغتاظين لوصول الاشتراكيين للسلطة. وكان جيبين متعاونا ويريد غلق ملف الخلافات الليبية - الفرنسية، وقال إن الرئيس ميتران أخبره بضرورة أن ننهي هذه المشكلة».
وعلى هذا الأساس بدأت اللقاءات، وكان قذاف الدم يبحث الأمر مع الفرنسيين قبل أن ينقل ما تتوصل إليه اللقاءات السرية إلى طرابلس. ويقول: «قدم لنا الفرنسيون عروضا مغرية، بحيث يقبلون، بعد أن دخلنا بقواتنا وقوات التشاديين الموالين لنا للعاصمة أنجمينا، بقيام وحدة بين ليبيا وتشاد، وأن يسحبوا قواتهم من تشاد، مع أنه لم يكن لديهم أي وجود عسكري في تشاد في تلك المرحلة. وعقدنا اجتماعا داخل القصر في باريس وكان من بين الحضور، على ما أذكر، قائد الجيش الفرنسي، والوزير الفرنسي للشؤون الأفريقية، إضافة لاثنين من مستشاري الرئيس ميتران، حيث كان يجري كل شيء بعلمه بطبيعة الحال».
ويتابع موضحا أن الفرنسيين.. «وضعوا خارطة عليها نقاط تضيء وتظهر مواقع الوجود العسكري الليبي والفرنسي في تشاد، وقالوا إنهم مستعدون أن يغضوا الطرف عن تشاد وأن تصبح دولة واحدة مع ليبيا، على أن تنسحب ليبيا من أي وجود عسكري في دول أفريقية أخرى منها بوركينا فاسو والنيجر وغيرهما». ويضيف أن هذا التفاوض كان يجري على خلفية ذعر تبثه وسائل الإعلام الفرنسية.. «كانت هناك صحافة فرنسية تكتب أن القذافي جهز جيشا إسلاميا لغزو أفريقيا وجهز فيلق إسلامي لغزو بلاد أفريقية مثلما حدث في تشاد، وذلك بعد سقوط عاصمتها أنجمينا.. كانت الحملة في الصحافة الفرنسية بهذا الموضوع كبيرة جدا، ويمكن أن تلاحظها بمجرد النظر إلى واجهات الصحف في الفنادق والشوارع».
ويقول قاف الدم: «وبالفعل كانت مسألة الهيمنة على الكثير من الدول الأفريقية مسألة سهلة أمامنا، لأن تلك الأنظمة التي تحكمها كانت أنظمة هشة، وكان التمدد فيها ممكنا، وخاصة أنه كانت لنا علاقات قوية بحركات التحرر في تلك الدول، ودربنا فيها آلاف المقاتلين وهذا ما كانت له نتائجه في المستقبل، حيث أسقطنا الأنظمة التابعة لفرنسا وأصبحت أنظمة مؤيدة لليبيا وبعض الرؤساء الأفارقة الذين ساعدنا على تقلدهم السلطة ما زالوا موجودين حتى هذه الساعة».
وعن العرض الفرنسي بترك تشاد لليبيا مقابل ترك ليبيا لباقي الدول الأفريقية لفرنسا، يواصل قذاف الدم متذكرا وقائع أحد اجتماعات السرية في القصر في باريس: «طبعا أنا اعترضت على هذا العرض، وقلت لهم نخرج مقابل ماذا؟ وطلبت منهم أن نتعاون مع فرنسا في باقي الدول الأفريقية التي يريدها الفرنسيون، وأن يكون هذا التعاون من خلال شركات مشتركة وعمل مشترك ونتفق على الرؤساء الذين يجري تنصيبهم في تلك الدول. وفعلا وافق الفرنسيون في ذلك الاجتماع غير المعلن وغير الرسمي. وعدت بهذا العرض إلى ليبيا وعرضته على الأخ معمر والرائد عبد السلام جلود في ذلك الوقت.. طبعا القيادة في ليبيا، ورغم أن الأخ معمر كان متحمسا بقوله إن هذا قابل للنقاش، فإن الرائد جلود كان معترضا مع بعض القيادات الأخرى والذين قالوا كيف نساوم على قضية الحرية وكيف ندخل في حوار أو نقاش مع هذه الدولة الاستعمارية. وعليه لم نستطع الاستمرار في هذه المفاوضات».
ومع ذلك استمرت علاقة ليبيا بالرئيس ميتران، و.. «كنت أذهب في زيارات سرية لفرنسا لمقابلته.. وربطتني بابنه كريستوفر علاقة طيبة». إلا أن العلاقة على الصعيد السياسي لم تكن تخلو من التوتر ولا من بعض المواقف الإنسانية و«القفشات» أيضا.
واستمرت علاقة قذاف الدم مع الرئيس ميتران لسنوات طويلة بعد ذلك.. ويقول: كان يرسل لي دائما، وبشكل شخصي، ابنه إلى الفندق حين نزور باريس، ويأتي إلينا بطعام فريد تصنعه عائلة ميتران في قريته، وهو نوع يعتمد على «كبد البط»، وكانت عائلته متخصصة في هذه الصنعة. كما أن زوجة ميتران متواضعة وبسيطة.. «وأعتقد أن الاشتراكيين في الغرب، عادة، أناس يتسمون بالبساطة والوضوح.. وأريد أن أشير هنا إلى أن مستشار النمسا، برونو كرايسكي، هو الذي عرفنا بالاشتراكيين الأوروبيين منذ مطلع الثمانينات، لكن للأسف الإدارة الليبية في ذلك الوقت كانت ترى الغرب لونا واحدا ولم يكن لديها استعداد لتوطيد العلاقة معهم، بينما كان يمكن أن نبني علاقة استراتيجية مع أوروبا بشكل أفضل اعتمادا على أولئك الاشتراكيين، سواء في فرنسا أو اليونان أو إسبانيا، لكننا لم ننجح في ذلك».
وفي السنوات الأولى من الثمانينات، التي شهدت صعود رونالد ريغان لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية وتهديده لليبيا، لم تكن المسائل السياسية والعسكرية معقدة في أفريقيا فقط، بل في كثير من بلدان المنطقة، لكن كان أهمها، في العالم العربي، الغزو الإسرائيلي للبنان والمؤيد من ريغان عام 1982. ويقول أحمد قذاف الدم إنه توجه مع عدد من زملائه من المقاتلين الليبيين للبنان لمساندة المقاومة الفلسطينية والقوات السورية. ويضيف موضحا: «دخلنا لبنان ببطاقات هوية على أننا من المقاومة الفلسطينية.. كان عدد الليبيين كبيرا؛ عدة مئات.. وأنت تعلم أن معظم الفصائل الفلسطينية تدربت في ليبيا. واستمر وجود القوات الخاصة الليبية بمخازنها وأسلحتها في منطقة البقاع في لبنان حتى عام 1992، أي حتى بدء الحظر الدولي على ليبيا».
وفي عقد الثمانينات اشتهرت في ليبيا أغنية تقول: «ريغان يا راعي البقر.. الشعب الليبي كله حر» لتعكس درجة كبيرة من الكراهية باتت بين القذافي والرئيس الأميركي الذي كان في شبابه ممثلا في أفلام «الكاوبوي». ويقول قذاف الدم: «أكثر رؤساء أميركا استفزازا للأخ معمر كان ريغان.. كان سيئا، وجرى في عهد هذا الممثل، الهجوم الأميركي على ليبيا وعلى مقر القذافي في باب العزيزية في طرابلس».
وعما إذا كان قد توقع الهجوم على بيت معمر، يجيب قذاف الدم قائلا: «كان لدينا معلومات بأن هناك ضربة على معسكر باب العزيزية، ومعلوم لدينا موعدها. معمر رفض أن يغادر باب العزيزية.. وأنا وقتها كنت في معسكر طبرق. وكان لدي معلومات أيضا.. كنا جاهزين، لكن وسائل التقنية المتقدمة التي كانت لدى أميركا، أبطلت الدفاع الجوي الليبي بالكامل قبيل الهجوم.. استخدموا عشرات الطائرات لضرب بيت معمر ومطارات طرابلس وبنغازي وبعض الأحياء في بنغازي، وغيرها».
وكانت نقطة الخلاف بين ليبيا وأميركا واحدة من نقاط التنافس بين المعسكرين الغربي والشرقي، لكنها كانت أيضا ترتكز أساسا على قضية تعود لعام 1973 حول رفض واشنطن الاعتراف بملكية خليج سرت الغني بالنفط لليبيا والواقع على الساحل الشمالي للبلاد بطول نحو 800 كيلومتر. ويُعتقد أن ريغان، عند وصوله للسلطة، أخذ يبحث عن ذرائع لتحجيم الدور الليبي الخارجي، وعليه قامت الطائرات الأميركية باختراق المجال الجوي لخليج سرت وردت ليبيا بصواريخ الدفاع الجوي. ثم في العام التالي وقعت مواجهات بين الطائرات الحربية الليبية والأميركية فوق الخليج. وبعد كثير من المناوشات التي استهدف فيها كل طرف أهدافا للطرف الآخر، أعلنت ليبيا في عام 1986 أن حدّ مياهها الإقليمية في خليج سرت هو خط عرض 32، وبدأت في تسيير زوارق حربية طائرات مقاتلة، ونصب صواريخ متطورة، وتمكنت من استهداف طائرات أميركية، وإسقاطها. وكان قد حدث بالتزامن مع ذلك اتهام أميركا لليبيا بتفجير مرقص في برلين قُتل فيه جنديان أميركيان. وهنا أي في أبريل (نيسان) من تلك السنة بدأ القصف الأميركي لليبيا.
ويتذكر قذاف الدم تلك السنوات التي شهدت عداء كبيرا بين البلدين، وصل إلى درجة تتبع ما يقال عنها من نكات هنا وهناك. ويقول: «طبعا قبل الهجوم الأميركي في تلك السنة (1986) كانت هناك مواجهات في سرت وفي البحر مع الأسطول السادس الأميركي، وأسقطنا بعض الطائرات الأميركية في مواجهات الثمانينات.. هم أيضا ضربوا بعض الزوارق الليبية وأغرقوها. يعني المواجهة مع الأميركان استمرت تقريبا طوال حقبة الثمانينات. وعرفت وقتها أن ريغان كان لديه أسطوانة موسيقية ويجلس يوم الأحد (إجازة نهاية الأسبوع) ويغني على معمر القذافي، ويقول: سنطاردك حتى النهاية».
وما زال قذاف الدم، بعد مرور كل هذه السنين، يحتفظ بنسخة من الأسطوانة المحببة لريغان حول القذافي، على سبيل الذكرى. وهو يشير هنا أيضا إلى واحدة من النكات التي كانت شائعة بين الأميركيين بسبب انشغال ريغان بالقذافي وتحديه لأميركا في الدفاع عن حق ليبيا في خليج سرت. وتقول النكتة، إن حلاق الرئيس الأميركي كان في كل مرة يجلس فيها معه ليصفف له شعره، يحكي له عن القذافي، فسأله أحد العاملين في مكتب الرئيس: لماذا كلما جئت تحلق للرئيس تتحدث معه عن معمر القذافي؟ فأجاب الحلاق قائلا: لكي يقف شعر رأسه فأعرف أحلق له جيدا.
وفي المقابل، كان معمر يسخر من الديمقراطيات الغربية، ويقول قذاف الدم، إن القذافي كان يتساءل: «كيف لشخص يمتهن التمثيل طوال عمره، أن يصبح فجأة رئيسا لأكبر دولة في العالم، ويتحكم في مصائر الشعوب، دون أن يكون لديه أي خلفية سياسية.. إنه مجنون، ومختل عقليا، ويعتقد أن ما يجري في العالم الحقيقي ما هو إلى فيلم سينمائي يقوم فيه هو بدور البطولة».
لكن ماذا فعل قذاف الدم حين علم بضرب ريغان لباب العزيزية؟ يقول: «نحن كنا قد التحقنا بمعسكراتنا، وفي مثل هذه الحالات نرفع درجة الاستعداد القصوى، ويبقى كل الناس في معسكراتهم، وتواصلت مع القيادة ليلا، وأنا كان عملي في القوات المسلحة في طبرق، وكنا نتابع على الشاشات، إلى أن حصل إبطال لكل شاشات الرادارات في ليبيا بالتقنية الأميركية. وخلال دقائق من الضربة علمت أن القذافي بحالة طيبة ولم يصب بسوء، لأن شبكة القوات المسلحة كانت مرتبطة بعضها بعضا ولدينا شبكة أخرى من التواصل أيضا».
وعن سبب عدم ترك معمر القذافي لمعسكر باب العزيزية الذي كان يقيم فيه مع أسرته رغم وجود معلومات عن أن المعسكر ضمن أهداف الضربة الأميركية، يجيب قذاف الدم موضحا: «حاول الإخوة إقناعه بمغادرة المعسكر، لكنه قال كيف أغادر وأترك العسكريين في المعسكر وحدهم؟ هل لكي يقول الليبيون إنني أخاف من الغارة؟ كما أنني إذا غادرت، فكأنني أهرب من المواجهة». ويقول قذاف الدم: «أنا، في الحقيقة، لم أكن مع هذا الرأي، لكن الأخ معمر أصرَّ على موقفه، وفشل كل الإخوة في إقناعه بمغادرة المعسكر. ولم يغادر أحد البيت. كانت معه العائلة كلها؛ زوجته وكل أولاده».
وعن طريقة تصرف القوات المسلحة الليبية تجاه الهجوم الأميركي، يكشف قذاف الدم عن أنه كانت توجد خطة موضوعة للرد مباشرة.. «أطلقنا صواريخ أرض - أرض، طويلة المدى، في نفس الليلة، من البر، من على الأراضي الليبية، على قاعدة أميركية في جزيرة لامبيدوسا في إيطاليا، وبدأنا في الإعداد لتنفيذ خطط أخرى.. لكن للأسف، وبسبب أن معظم القواعد الأميركية موجودة على الأراضي الأوروبية، وصل إلينا إنذار من معظم الدول الأوروبية ومن حلف الناتو، بأن أي اعتداء على أرض أوروبية سوف نهاجم ليبيا.. ولم نكن نحن على استعداد لمواجهة كهذه، فتوقفنا».
وعن تأثير الهجوم الأميركي على ليبيا في 1986 على شخصية القذافي، وعما إذا كانت قد تغيرت، يجيب قذاف الدم: «بالطبع.. تأكد لديه صحة نظرته للغرب. وقال: هؤلاء همج.. هؤلاء لا أخلاق لهم.. وهجموا علينا دون إعلان حالة حرب، ولا يلتزمون بأي قواعد ولا أي أخلاق للحرب.. نحن لا بد أن نكون حذرين في التعامل معهم». ويضيف قذاف الدم موضحا أن القذافي بدأ منذ تلك اللحظة يرى أنه لا بد من الإسراع بخطوات عملية للتحصن بكيان أكبر، والتفكير في أفريقيا الموحدة، من خلال اتحاد أفريقي تكون له حكومة أفريقية واحدة.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.