الانتخابات الإسرائيلية: نتنياهو يفشل في إحراز الأكثرية

العرب يرفعون تمثيلهم في الكنيست ويصبحون القوة الثالثة

TT

الانتخابات الإسرائيلية: نتنياهو يفشل في إحراز الأكثرية

دلت النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية، التي تعتمد على صناديق نموذجية، على أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، تلقى ضربة كبيرة تهدد مستقبله السياسي أمس. فهو لم يحقق أكثرية برلمانية تتيح له الحصول على كتاب تكليف الحكومة الجديدة. لكن العصمة باتت بأيدي أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب اليهود الروس. فإذا أصر على موقفه ضد حكومة يمين صرف، فإن الاحتمال الأكبر له سيكون في حكومة من دون نتنياهو، أو حكومة تبدأ عهد نهاية نتنياهو السياسية.
وكانت القنوات التلفزيونية الثلاث في إسرائيل قد وضعت صناديق نموذجية بالقرب من صناديق اقتراع حقيقية، طالبة من كل ناخب أن يصوت في الصندوق النموذجي مثلما صوت في الصندوق الحقيقي. وجاءت النتائج متقاربة لدى القنوات الثلاث، لكن إحداها (القناة 13) دلت على أن أحزاب الوسط واليسار والعرب تصل إلى 61 مقعداً وتستطيع أن تشكل حكومة، فيما لو أرادت ذلك أحزابها.
ويتضح من مجمل نتائج القنوات الثلاث أن حزب الجنرالات، «أزرق أبيض»، برئاسة بيني غانتس تغلب على نتنياهو بمقعد واحد أو مقعدين (إحدى القنوات قالت إنهما تساويا بـ32 مقعداً)، وأن القائمة المشتركة بقيادة أيمن عودة، التي تضم أربعة أحزاب وطنية رفعت تمثيلها إلى 11 - 13 مقعداً وعادت لتكون ثالث أكبر قوة في الساحة الحزبية الإسرائيلية، وأن حزب «عوتصماة يهوديت» اليميني المتطرف، الذي يدعو لترحيل الفلسطينيين عن وطنهم، قد سقط ولم يعبر نسبة الحسم.
وجاءت النتائج التفصيلية على النحو التالي:
- القناة الأولى الرسمية: منح استطلاعها معسكر اليمين من دون ليبرمان 56 مقعداً، من مجموع 120. وقد منح الاستطلاع كلا من حزب الجنرالات وحزب الليكود 32 مقعدا. ومنح القائمة المشتركة 12 مقعدا. وحزب اليهود الشرقيين المتدينين شاس 9 مقاعد وحزب اليهود المتدينين الغربيين يهدوت هتوراة 8 مقاعد وحزب «يمينا» (إلى اليمين) المتطرف 7 مقاعد وكلا من حزب العمل وحزب ميرتس اليساريين 5 مقاعد.
- القناة الثانية عشرة التجارية: منحت معسكر اليمين من دون ليبرمان 57 مقعداً. وقد منحت حزب الجنرالات 34 مقعدا مقابل الليكود 33 مقعدا. وحصلت القائمة العربية على 11 مقعدا، فيما حصل كل من الحزبين الدينيين على 8 مقاعد و«يمينا» على 8 مقاعد والحزبان اليساريان على 5 مقاعد لكل منهما.
- القناة الثالثة عشرة التجارية: منحت معسكر اليمين من دون ليبرمان 54 مقعدا، مقابل 61 لمعسكر الوسط واليسار مع العرب. فقد حصل حزب الجنرالات على 33 مقعدا مقابل 31 مقعدا لليكود. وحصلت القائمة المشتركة على 13 مقعدا، وهبط «يمينا» إلى 6 مقاعد، فيما حصل ليبرمان وكذلك الأحزاب الدينية على 8 مقاعد لكل منها، وحصل الحزبان اليساريان على 6 مقاعد لكل منهما.
لكن المراقبين يتحفظون من البناء على هذه النتائج لأنها تعتبر استطلاعا. ففي الانتخابات الماضية احتفل غانتس بالنصر بعد نشر نتائج مشابهة ولكن أمله خاب لاحقا. وسخر منه نتنياهو وأعلن أنه هو الذي حقق نصرا غير مسبوق، ولكنه لم يستطع أن يشكل حكومة وقاد إسرائيل إلى هذه الانتخابات. وستنشر النتائج الأولية اليوم الأربعاء، والنتائج شبه الرسمية غدا الخميس، والنتائج الرسمية يوم الأربعاء في الأسبوع المقبل.
وجرت الانتخابات أمس في ظل قلق من خطر تكرار تجربة الانتخابات الإسرائيلية السابقة، نتيجة لتقارب حصص الحزبين المتنافسين: اليمين بقيادة نتنياهو، والوسط واليسار بقيادة غانتس، وعجز أي منهما عن تشكيل حكومة.
وأعلن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، أمس، أنه سيبذل كل ما بوسعه من أجل أن يتم تشكيل حكومة، والامتناع عن معركة انتخابية ثالثة في هذه السنة. واعتبر هذا التصريح بمثابة تحذير من ريفلين موجه بالأساس إلى نتنياهو الذي يتوقع أن يتصرف مرة أخرى بالطريقة ذاتها، ويحاول منع أي إمكانية لتشكيل حكومة من دونه. ومعروف أن ريفلين هو الذي يقرر تكليف أحد النواب بتشكيل الحكومة، بحسب ما ينص عليه القانون. وهو ملزم بتكليف عضو الكنيست الذي يجمع 61 نائباً يوصون به لتشكيل الحكومة. ولكن إذا لم يكن هناك نائب جمع هذا التأييد، وحصل نتنياهو أو غانتس على عدد أقل من التوصيات بتشكيل الحكومة، فإن الرئيس يصبح صاحب الحق الوحيد بتعيين رئيس حكومة مكلف. وعندما يقول إنه لن يسمح بإعادة الانتخابات مرة ثالثة في هذه السنة، فإنه يقصد أنه لن يعطي نتنياهو التكليف إلا إذا حصل على 61 توصية. فقد سبق له أن أعطى التكليف لنتنياهو، وعندما فشل هذا في تشكيل الحكومة، رفض إعادة كتاب التكليف، والتف على رئيس الدولة باللجوء إلى الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، وسن قانوناً خاصاً فرض بموجبه على الجميع التوجه إلى انتخابات جديدة. ولذلك فقد قصد ريفلين أنه سيكلف غانتس بتشكيل الحكومة، في حال عدم حصوله أو منافسه نتنياهو على 61 توصية من النواب.
وكانت الانتخابات الإسرائيلية الثانية في هذه السنة قد بدأت، أمس (الثلاثاء)، بأجواء ساخنة أثرت على الشارع، وبدا منها أن نسبة التصويت ستكون مرتفعة، وهذا هدف وضعه قادة جميع الأحزاب نصب عيونهم. وكما كان متوقعاً، جرى التركيز في اليمين واليمين المتطرف على تخفيض نسبة التصويت بين العرب. وقاد هذه الحملة بنيامين نتنياهو بنفسه، الذي نشر عدة تغريدات في «تويتر» وغيره من الشبكات الاجتماعية يرمي من خلالها معلومات بدا أنها كاذبة عن نسبة التصويت. فكتب في ساعات الظهر مثلاً: «أعلى نسبة تصويت سُجّلت الآن في كفر مندا». والجمهور اليهودي يعرف أن كفر مندا هي قرية عربية، لكنه لا يعرف أن في هذه القرية يحصل حزب المتدينين اليهود الشرقيين «شاس» على أعلى نسبة تصويت في القرى العربية. وعملياً، هذه القرية لا تهدد حكم اليمين. ولكن إضافة إلى ذلك، فإن فحصاً للأرقام بيّن أن نتنياهو لم يقل الحقيقة، وأن هناك بلدات كثيرة فاقت كفر مندا في نسبة التصويت، مثل المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة، وكذلك في البلدات اليهودية المتدينة بيتار عيليت وموديعين عيليت وغيرهما.
وفي الحقيقة، فإنه عندما كان نتنياهو يحذر من نسبه تصويت عالية عند العرب، كانت النسبة العامة في إسرائيل 28 في المائة، ونسبة التصويت عند العرب 16 في المائة فقط. ولكن هذا لم يمنع نشطاء اليمين من مواصلة استخدام هذه الكذبة للتحريض على العرب. وقامت حركة يمينية متطرفة تدعى «إم ترتسو» بمتابعة أوضاع التصويت بين العرب في النقب، حيث توجد 40 قرية غير معترف بها، ويحتاج سكانها السفر 20 - 30 كيلومتراً حتى يدلوا بأصواتهم. ولذلك كانت نسبة التصويت لديهم دائماً منخفضة، لا تتعدى 30 - 35 في المائة. وقد تبرعت جمعيات عدة بتوفير حافلات ركاب منظمة لجلبهم إلى صناديق الاقتراع، لكن «الليكود» اعترض على ذلك، بحجة أنها رشوة انتخابية. فأصدر رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي حنان ميلتسر، أمراً بمنع هذا النقل. وعندها، تبرع عشرات المواطنين اليهود والعرب في النقب بنقل المصوتين العرب في هذه القرى بسياراتهم الخاصة. وبالمقابل، راحت حركة «إم ترتسو» تراقب الأمر، وتقدم الشكوى تلو الأخرى للشرطة ضد من يخرق القانون.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.