«ميثاق شرف» صحافي في العراق لتقاسم عوائد الإعلان الحكومي بـ«إنصاف»

بدعم ورعاية نقابة الصحافيين العراقيين

أصحاب الصحف وقعوا الميثاق لضمان ديمومتها وتحقيق أرباح أكثر
أصحاب الصحف وقعوا الميثاق لضمان ديمومتها وتحقيق أرباح أكثر
TT

«ميثاق شرف» صحافي في العراق لتقاسم عوائد الإعلان الحكومي بـ«إنصاف»

أصحاب الصحف وقعوا الميثاق لضمان ديمومتها وتحقيق أرباح أكثر
أصحاب الصحف وقعوا الميثاق لضمان ديمومتها وتحقيق أرباح أكثر

يعتقد غالبية أصحاب الصحف الورقية في العراق، أن الإعلان الحكومي، الذي يمثل المصدر الوحيد تقريبا لتمويل الصحف الورقية، لا يوزع بطريقة عادلة بين الجميع، إلى جانب الفساد التي يطال عملية التوزيع تلك، وتاليا، فإن عمل هذه الصحف واستمرارها بات على المحك، خاصة في ظل أزمة تراجع المطبوع الورقي في العراق والعالم.
وغالبا ما يثير ويحتج رؤساء الصحف وملاكها منذ سنوات، على قضية التمويل المتعلقة بالإعلان الحكومي نتيجة اعتمادهم عليه في تسيير شؤونهم المالية، إذ إن القطاع الخاص في العراق، لا يؤمن تقريبا بسياق وثقافة الإعلان والترويج لبضائعه ومنتجاته عبر وسائل الإعلام المختلفة، إلا باستثناءات قليلة جداً، تمثلها ربما شبكات الاتصال الثلاث (زين، كورك، آسياسيل) الكبيرة العاملة في العراق، لذلك لم يبق أمام الصحف الورقية إلا الاعتماد على الإعلان الحكومي الرسمي لتدبير جزء من متطلباتها المالية من أجل ضمان استمرارها في العمل والصدور.
وحيال ما تعد معاناة شبه يومية بالنسبة لقضية تمويل الصحف والسعي لبقائها على قيد الصدور وتلافي إغلاقها، تحرك مطلع الشهر الجاري، رؤساء نحو 20 صحيفة تصدر يومياً في العراق، عدا إقليم كردستان، وبتعاون ودعم نقابة الصحافيين العراقيين ورئيسها مؤيد اللامي إلى وضع ميثاق شرف يضمن عدالة التوزيع للإعلان الحكومي، ومنع التلاعب به من قبل ما بات يطلق عليها «مافيات الفساد الإعلاني» الموجودة على مستوى مكاتب الإعلام في مؤسسات ووزارات الدولة المختلفة، أو على مستوى بعض الصحف النافذة.
«ميثاق الشرف» المؤلف من 15 بنداً، وقّع من قبل رؤساء تحرير الصحف اليومية، خلال اجتماع تداولي، عقد في 5 سبتمبر (أيلول) الجاري، بمقر نقابة الصحافيين العراقيين، وبحضور النقيب مؤيد اللامي.
ونص الميثاق على تجاوز المشكلات المتعلقة بـ«توزيع حصص الإعلان الحكومي وأسعاره ودخول الوسطاء والطفيليين على خط الإعلان، مما يتسبب في ضياع الأموال وحرمان الصحف من كامل الواردات المخصصة للإعلان».
وبحسب الموقعين، فإن الميثاق الذي تضمن 15 بندا، يستهدف «الارتقاء بمستوى الإعلان الرسمي وتحقيق الغايات المرجوة منه وإعادة الإمساك بزمام الأمور ووضع ضوابط نشر الإعلانات الرسمية وشبه الرسمية بما يحقق المنافع المتبادلة لطرفي العقد، وتوفير مبالغ مهمة للصحف تذهب حاليا إلى جيوب الوسطاء بغير حق».
ونصت المادة الأولى من الميثاق على «تحديد قيمة الإعلان الحكومي في الصحف كافة وفي الصفحات الداخلية بمبلغ 750 سبعمائة وخمسين دينارا للسنتمتر المربع».
وألزمت واحدة من مواد الميثاق إدارات الصحف بنشر سعر الإعلان الحكومي بما لا يقل عن مرة واحدة أسبوعيا وفي مكان بارز، كذلك منعت أخرى، منعاً تاماً منح عمولات للموظفين المعينين بتوزيع الإعلانات على الصحف ويعد ذلك شراكة مباشرة بالفساد.
ورداً على ما يتردد من قيام «مافيا» باحتكار الإعلان الحكومي وتوزيعه على بقية الصحف، أكدت المادة الرابعة من الميثاق على أنه «لا يجوز منح تخاويل مفتوحة إلى مندوب الإعلان ولا يحق له تسلم إعلانات جريدة أخرى غير جريدته».
وشددت المادة الخامسة على أن «يكون حجم الحرف للإعلان بما لا يقل عن بنط 11 لمنع التلاعب واستغفال المستفيدين من محتوى الإعلان». كما جوز الميثاق التعامل مع الشركات والمكاتب الإعلانية المسجلة والمجازة على ألا تتجاوز نسبة العمولة من قيمة القائمة 25 في المائة.
وطالبت بعض بنود الميثاق الصحف بـ«تصويب أوضاعها لدى لجنة الاعتمادات في نقابة الصحافيين لضمان شمولها بتوزيع الإعلانات، واحترام مبدأ التنافس المشروع بما لا يؤثر على الصحف الأخرى».
ومن بين البنود المهمة التي وردت في الميثاق هو تأكيده على «قيام نقابة الصحافيين العراقيين بإعلام الأمانة العامة بمنطوق الميثاق وتزويدها بأسماء الصحف المعتمدة في النقابة لغرض تعميمها على الوزارات كافة والدوائر غير المرتبطة».
ويرى رئيس تحرير جريدة «الدستور» والناطق الرسمي باسم نقابة الصحافيين العراقيين باسم الشيخ، أن «الميثاق يهدف أساساً إلى القضاء على الفساد والهدر في الإعلان الحكومي الذي يقدر بنحو 20 مليار دينار عراقي سنوياً».
ويقول الشيخ لـ«الشرق الأوسط» إن «ما تنفقه الدولة على الإعلان كبير جداً، لكنه ونتيجة للفساد لا يوزع بالتساوي على جميع الصحف، ولو حدث ذلك، لتمكنت جميع الصحف من العمل بطريقة مريحة، وسيصل كل جريدة نحو مليار دينار سنوياً، لكننا عمليا لا نحصل اليوم إلا على نحو 150 مليون دينار عراقي، وهذا لا يغطي إلا الجزء اليسير من نفقات الصحيفة اليومية، لذلك تجد أن الصحف تعاني باستمرار».
ويشير الشيخ إلى أن «الموظفين في مكاتب الإعلان الحكومية باتوا يشكلون حلقة الفساد الأكبر، لأنهم يقومون بابتزاز الصحف ولا يمنحون الإعلان إلا للجرائد التي تدفع أعلى العمولات، وهناك أيضا، مافيا فساد داخل بعض الصحف تقوم بالتنسيق مع المكاتب الحكومية لاحتكار الإعلانات وتوزيعها بنسب عمولة عالية إلى بقية الصحف».
وحول قدرة الميثاق على ضبط إيقاع الإعلان الحكومي وتطبيق عملية التوزيع العادل ومنع الفساد، يرى الشيخ أن «ذلك ممكن بكل تأكيد في حال طبقت بنود الميثاق بحذافيره، ثم إن هناك عقوبات رادعة تضمنها الميثاق على أصحاب الصحف من غير الملتزمين، من بينها إلغاء عضوية رئيس التحرير في نقابة الصحافيين وإلغاء اعتماد الصحيفة في النقابة أيضاً».
وحول ما يتردد عن قيام جريدة «الصباح» شبه الرسمية التابعة لـ«شبكة الإعلام العراقية» باحتكار سوق الإعلان الحكومي، يؤكد الشيخ ذلك، ويرى أن «احتكار الصباح مسألة خاطئة جداً، باعتبار أنها تابعة لمؤسسة بث عام ممولة من الدولة، ويجب ألا تنافس الصحف الخاصة على الإعلان الحكومي، لذلك سنقوم بتقديم استفسار إلى المحكمة الاتحادية حول شرعية عمل جريدة الصباح».
ويختم الشيح قائلاً: «مشاكل الإعلان الحكومي كثيرة جداً ونحن بحاجة إلى جهود مضاعفة للفوز في هذه المعركة، هناك مافيا كبيرة تسيطر على هذا المجال مدعومة من صحف وهمية لا تصدر عادة إلا بيوم توزيع الإعلان، مع أن وزارة التخطيط تشترط أن يصل الإعلان إلى جريدة يومية واسعة الانتشار وغير مرتبطة بحزب أو إقليم أو محافظة».
وخلافاً للحماس الذي يبديه أصحاب ورؤساء تحرير الصحف لبنود الميثاق، يشكك الصحافي ومدير تحرير جريدة «العالم» البغدادية مصطفى عبادة بذلك، ويرى أن «العدالة في توزيع الإعلان الحكومي مسألة جيدة، لكن غالبية أصحاب الصحف يدافعون عن مصالحهم فقط وليس عن مصالح الصحافة والصحافيين بوجه عام».
ويقول عبادة في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «أصحاب الصحف، لم يجتمعوا لتوقيع ميثاق شرف، يخص حقوق العاملين في مؤسساتهم الإعلامية، أو الارتقاء بالمنتج الصحافي المحلي، إنما لضمان أرباح أكثر وديمومتها، كما أنهم لم يسارعوا إلى إصدار بيان مشترك، مثلاً، ضد قانون جرائم المعلوماتية الذي ينتظر الإقرار في مجلس النواب، وهو يصادر حرية الرأي والتعبير».
ويلقي عبادة باللائمة على أصحاب الصحف في تراجع مستوياتها وضحالة محتواها، ويقول إنها «عبارة عن كومة من الجرائد بأخبار متشابهة، عناوين مكررة، معلومات مستهلكة، وآراء سطحية، ويغيب عنها بشكل جلي العمل الصحافي الاستقصائي، وذلك بمجمله سبّب عزوفاً لدى القراء الذين صاروا يجدون معلومة ورأياً أكثر عمقاً في مواقع التواصل الاجتماعي».
ويرى عبادة أن «ما تعانيه الصحافة المحلية، لا يمكن تجاوزه قبل تطوير مهارات العاملين في مختلف المؤسسات الإعلامية، وتقديم عمل صحافي حقيقي يستحق القراءة والتفاعل، كذلك إيجاد أساليب تسويقية مناسبة تتماشى ومزاج مختلف فئات المجتمع».
ويشير إلى أن «المؤسسات الأكاديمية في مجال الإعلام والصحافة، لم تعد تنتج لنا خريجين يجيدون صناعة جملة قواعدية (نحوية) صحيحة، وليس خبراً، هذا الهدر في الطاقات البشرية، ربما يشمل أغلب طلبة الجامعات، لكني أجد القائمين على هذه التخصصات يمارسون عملية تجهيل ليس إلا».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».