تونس: معركة قرطاج الجديدة

بعد رحيل آخر زعماء حزب بورقيبة وبن علي وتشرذم معارضيه

تونس: معركة قرطاج الجديدة
TT

تونس: معركة قرطاج الجديدة

تونس: معركة قرطاج الجديدة

اشتد التنافس في اليومين الأخيرين بالحملة الانتخابية بين المرشحين الـ26 للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها التي تُنظَّم غداً (الأحد) 15 مارس (آذار) لاختيار خليفة للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، آخر الزعماء التاريخيين للحزب، الذي حكم البلاد في عهد الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
على هذا، مَن سيكون ساكن قصر قرطاج الجديد في ظل الفسيفساء السياسية والجهوية الجديدة والسباق الانتخابي الذي أفرز صراعاً قوياً بين السياسيين القادمين من محافظات الساحل، موطن بورقيبة وبن علي وغالبية السياسيين ما بين 1955، ومنافسيهم صنّاع القرار في العاصمة تونس الذين تضخّم دورهم في عهد قائد السبسي؟
وما حظوظ منافسي الطرفين من المرشحين الذين يراهنون على أصوات ملايين الناخبين من أبناء «تونس الأعماق» و«المستضعفين»؟
وهل تحدث المفاجأة... فتنتصر في هذه الانتخابات شخصية من خارج الأحزاب التي تشارك في الحكم منذ 9 سنوات، التي يحمّلها قطاع عريض من الشباب والمهمّشين مسؤولية ارتفاع الأسعار ونسب الفقر والبطالة وتدهور أوضاع الطبقتين الوسطى والفقيرة في محافظات الجنوب والوسط وأحزمة الفقر غرب البلاد وحول بعض المدن الكبرى؟

تكشف تصريحات معظم المرشحين للانتخابات الرئاسية التونسية وزعماء الأحزاب التي تدعمهم أن انتخابات 2019 ستختلف عن سابقتيها عامي 2011 و2014 عندما حضرت بقوة الصراعات الآيديولوجية بين الإسلاميين والعلمانيين الليبيراليين واليساريين.
ولقد اعتبر المرشحون البارزون، من يوسف الشاهد رئيس الحكومة، إلى منافسيه الكبار وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، ورئيس البرلمان بالنيابة عبد الفتاح مورو، ورئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة أن التنافس في انتخابات 2019 يجري أساساً بين «مجموعات ضغط» (لوبيات) اقتصادية وجهوية تعمّقت تناقضات المصالح بينها. لذا استخدمت كل الأسلحة في الحملات، بما في ذلك تبادل تهم الفساد المالي والسياسي والتسبب في مفاقمة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للبلاد التي كانت مبرّر الانتفاضات الاجتماعية والشبابية المفضية إلى إسقاط حكم زين العابدين بن علي وتفجّر الثورات الشبابية العربية مطلع 2011.

صعود «نجوم جدد»
استطلاعات الرّأي المختلفة تكشف أن بين مفاجآت الحملة الانتخابية الرئاسية التونسية صعود نجوم سياسيين جدد من بين المتمرّدين على كامل المنظومة الحاكمة منذ استقلال تونس عن فرنسا في مارس 1956. ومن أبرز هؤلاء نخبة من المثقفين المستقلين مثل الخبير الدولي في القانون الدستوري والعلوم السياسية قيس سعيد، والخبير الاقتصادي الدولي محمد الصغير النوري، والكاتب الصحافي القومي العربي الصافي سعيد.
كذلك كان بين مفاجآت الحملة الحالية بروز بعض زعماء الأحزاب الصغرى مثل وزير المالية الأسبق إلياس الفخفاخ القيادي في حزب التكتل الديمقراطي الاجتماعي، والطبيب والفنان لطفي المرايحي زعيم حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري، والمحامي الحقوقي محمد عبو زعيم حزب التيار الديمقراطي، وكان الأخير قد أحدث مفاجأة عندما حلّ ثالثاً في الانتخابات البلدية العامة التي نُظمت في مايو (أيار) 2018.

بين السجن... والمنفى
يُضاف إلى هؤلاء مرشحون آخرون يوجّهون انتقادات حادة لكامل المنظومة السياسية، خصوصاً إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد زعيم حزب «تحيا تونس» والمُرشح بدوره للرئاسة وأنصاره. ويراهن هؤلاء المرشحون على كسب أصوات الغاضبين من أداء الحكومات المتعاقبة منذ 9 أعوام والمتمردين على الطبقة السياسية كلها، ويرفعون شعارات التغيير الشامل. ويتصدر هذه المجموعة رجل الأعمال والإعلام نبيل القروي زعيم حزب «قلب تونس»، وسليم الرياحي زعيم حزب «حركة الوطن الجديد»، وكلاهما مُطارَد من قبل القضاء التونسي بتهم الضلوع في الفساد المالي.
وكان القروي قد أودع السجن خلال الشهر الماضي بقرار من محكمة العاصمة، إلا أن قناته التلفزيونية وزوجته وأنصاره يتابعون حملته الانتخابية بقوة في كل محافظات البلاد وفي الدوائر الانتخابية في أوروبا. كذلك يدير الرياحي حملته الانتخابية من منفاه في فرنسا، معتمداً على أنصاره في الداخل، بسبب صدور بطاقة جلب ضده من قبل محاكم عسكرية ومدنية تونسية منذ العام الماضي.
وللعلم، صدرت ضد الرياحي والقروي قرارات قضائية بتجميد أموالهما، ورفض القضاء السماح لهما بالمشاركة في المناظرات التلفزيونية رغم موافقة رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل بافون على ذلك كتابياً.

تهم... ومناطق نفوذ
ورغم التهم الخطيرة التي وجَّهها القضاء للقروي والرياحي، ومنها تبييض الأموال والتهرّب الضريبي، فإن معظم استطلاعات الرأي تضع القروي بين مرشحي المقدمة الأربعة الأوفر حظاً بالمرور إلى الدور الثاني من السباق... وذلك بفضل شعبية بعض مشاريعه الخيرية وقناته التلفزيونية.
القروي ينافس في العاصمة تونس وفي موطنه بنزرت وبقية المدن الكبرى، مثل سوسة وصفاقس والمهدية والمنستير وقابس على المراتب الأولى مع وزير الدفاع والسياسي المخضرم الزبيدي، ورئيس الحكومة الشاهد، ونائب رئيس حزب «حركة النهضة» مورو، بجانب رئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي، ورئيس الحكومة الأسبق جمعة، وزعيمة الحزب الدستوري المحامية عبير موسي... التي تحاول أن تستقطب كل خصوم «النهضة»، خاصة، في محافظات العاصمة والساحل.
ولا تستبعد الاستطلاعات ذاتها فوز الرياحي بنسبة عالية من الأصوات لأسباب كثيرة، من بينها شعبيته النسبية بين جماهير كرة القدم، خصوصاً أنصار النادي الأفريقي الذي سبق له أن تولّى رئاسته.
هذا، ووجّه النوري اللجمي، رئيس الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري، ونائبه هشام السنوسي، مجدداً اتهامات للقروي وقناته التلفزيونية «نسمة» بانتهاك القوانين. وفرضت الهيئة على قناتي «نسمة» و«الحوار التونسي» خطايا مالية بتهم الانحياز للمرشحين القروي والرياحي وانتهاك قوانين الحملات الانتخابية. وتمسكت قيادة منظمة «أنا يقظ» غير الحكومية في بلاغات وتصريحات جديدة بتهم الفساد المالي التي سبق أن وجهتها إلى القروي منذ 2016، وتسببت في إيقافه. لكن بعض خبراء الاتصال والانتخابات، مثل إبراهيم الوسلاتي وخليفة بن سالم وزهير مخلوف ومنذر ثابت ومنذر بالضيافي، يعتبرون أن الإيقاف زاد من شعبية القروي عند غالبية العائلات الفقيرة، إذ نجحت جمعيته الخيرية في تقديم مساعدات مالية لنحو مليون من أبنائها خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

«سيناريو» القروي - مورو
من ناحية أخرى، لعل أخطر سؤال يُناقش في الكواليس، وفي وسائل الإعلام الصحافية للهيئة العليا للانتخابات: ماذا لو تأهل للدور الثاني في الانتخابات السجين القروي والقيادي مورو؟
لقد اقترح الخبراء في القانون إجابات، من بينها الإفراج المؤقت عن القروي ليشارك في الدورة الثانية للانتخابات. وأعلنوا أنه في كل الحالات ستُجمّد التهم الموجهة إليه، وسيحصل على الحصانة في صورة نجاحه في السباق النهائي وإن ظل موقوفاً.
لكن من الناحيتين السياسية والأخلاقية تبدو كل الأطراف العلمانية والإسلامية في مأزق، وفي وضعية شبيهة بمناخ القطيعة والصدام الذي عاشته تونس عام 2013، قبل «اجتماع باريس»، بين الزعيمين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي. ويومذاك اتفق الرجلان على انسحاب الإسلاميين وحلفائهم من الصفّ الأول للسلطة... وتنظيم انتخابات جديدة تفرز شراكة جديدة في الحكم يكون فيها قادة «حركة النهضة» في الصف الثاني، وخصومهم العلمانيون في الصف الأول.
كان التخوُّف من عودة تونس إلى مثل هذا المربّع الخطير وراء معارضة قياديين بارزين في «النهضة» طوال الأشهر الماضية ترشيح شخصية من داخلها للرئاسة. وكان بين هؤلاء وزير الخارجية السابق الدكتور رفيق عبد السلام، وعضو المكتب التنفيذي رضا إدريس، غير أن شخصيات قيادية أخرى مثل الوزراء رضا السعيدي وعبد اللطيف المكي والحبيب الدبابي ورياض بن فضل يدعمون اليوم بقوة ترشّح مورو، وأدلوا مع رئيس الحركة الغنوشي بتصريحات جديدة تؤكد على كون «النهضة» سيعمل فعلاً على إيصال الشيخ مورو إلى قصر قرطاج. كذلك أوضحوا أن ترشيح النائب الأول للحركة لمنصب رئاسة الجمهورية «ليس تكتيكاً انتخابياً ظرفياً أو مناورة سياسية تمهيداً لمفاوضات سياسية في الكواليس مع أحد المرشحين البارزين لمنافسته في السباق نحو قصر قرطاج (أي رئيس الحكومة الشاهد ووزير الدفاع الزبيدي)، والقروي نفسه وإن كان موقوفاً».
بل ذهب الغنوشي أبعد من ذلك، فأدلى بتصريح لوسائل الإعلام أعلن فيه عن مشاورات تجريها قيادة «النهضة» مع رئيس الجمهورية السابق المرزوقي ورئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي ومع محامي السجناء الإسلاميين سيف الدين مخلوف لإقناعهم بالانسحاب لمصلحة مورو بحجة أنه «الأوفر حظاً في الفوز بين الأوفياء لثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011».

«لوبيات» الجنوب والساحل
في الأثناء، حرّكت بعض «مجموعات الضغط» المالية والسياسية الورقة الجهوية، في محاولة لكسب دعم الخزان الانتخابي الكبير في المحافظات الرئيسية:
- في محافظات «الساحل» السياحي والصناعي، أي سوسة والمنستير والمهدية - حيث موطن الرئيسين الأسبقين بورقيبة وبن علي وعدد كبير من كوادر الدولة خلال السنوات الـ65 الماضية - برزت تحرّكات علنية لاختيار مرشح من أبناء الجهة بعد انتقال الرئاسة مع قائد السبسي إلى العاصمة. وفي هذا السياق يُفهم دعم عدة «لوبيات» لوزير الدفاع الزبيدي، وبدرجة أقل لمهدي جمعة وعبير موسي.
- في محافظات تونس الداخلية بالجنوب الغربي و«الحوض المنجمي» والجهات الزراعية الفقيرة مثل قفصة وسيدي بوزيد وسليانة والقصرين والقيروان والكاف وجندوبة، تنشط «لوبيات» لدعم مرشحين محليين كالكاتب الصحافي الصافي سعيد، ومحمد الهاشمي الحامدي زعيم حزب «تيار المحبة»، وحمّة الهمامي زعيم الحزب العمال الشيوعي والجبهة الشعبية اليسارية، والمنجي الرحوي زعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين، بجانب الجامعي الاقتصادي محمد الصغير النوري. وكان الحامدي قد فاز بالمرتبة الأولى في سيدي بوزيد، والهمامي في محافظة سليانة في انتخابات 2014 لأنهما يتحدران منهما.
- في محافظات «العاصمة» الأربع، وهي من أهم الخزانات الانتخابية وطنياً، تدعم «لوبيات» قوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد، «الابن الروحي» السابق للرئيس قائد السبسي، ولعدد من كبار أعيان العاصمة في عهد الرئيس بورقيبة تحت تأثير زوجته وسيلة بن عمار، ورائدة الحركة النسوية راضية الحداد، والوزير الحقوقي حسيب بن عمار... وهؤلاء جميعاً من أقرباء الشاهد وعائلته. وفي المقابل، تدعم «لوبيات» أخرى من تونس الكبرى، مورو، «أصيل» الجهة وأحد رموز التيار المحافظ، الذي اختلف منذ عشرات السنين مع المدارس الإسلامية المتشددة الشرقية، ودعا إلى الانفتاح والاعتدال والتمسك بالخصوصيات التونسية الوطنية ثقافياً وسياسياً، إلا أن الشاهد ومورو يتعرّضان اليوم «للقصف الإعلامي» من قبل خصومهما بسبب انتمائهما إلى الحزبين الكبيرين اللذين يحكمان البلاد منذ 5 سنوات، أي «نداء تونس» و«حركة النهضة». ثم هناك قوى أيضاً في محافظات العاصمة، تسعى إلى استغلال هذه الثغرة لدعم موسى، المرشحة المعادية لهما بقوة زعيمة «الحزب الدستوري» أو مرشح «حزب التيار الديمقراطي» محمد عبو أو الجامعي قيس سعيد.
- في مدينة صفاقس، ثاني كبرى المدن التونسية وفي بقية محافظات الجنوب والوسط، يبدو السباق على أشده بين مرشحي «التيار المدني» بزعامة الشاهد والزبيدي، بجانب مورو، ومنافسيهم المعارضين لكل المرشحين القريبين من الائتلاف الحاكم، وبينهم وزير المالية الأسبق إلياس فخفاخ، ابن الجهة، والمرزوقي وعبو وقيس سعيد والحامدي. ولقد نظمت أكبر الاجتماعات الانتخابية لمعظم المرشحين في صفاقس، خصوصاً بالنسبة لحزبي الشاهد و«النهضة» وأنصار الزبيدي. واليوم، التنافس محتدم على أصوات أكثر من مليوني ناخب من محافظات صفاقس والجنوب، لأن معظم هؤلاء صوتوا في انتخابات 2014 البرلمانية لقوائم «النهضة»، وفي الانتخابات الرئاسية للمرزوقي... ضد قائد السبسي وحزبه.

ورقة الخارج...؟
مع هذا، فإن أوراقاً مهمة كثيرة في التنافس الانتخابي الحالي ليست محلية. ولا تخفي الحملات الانتخابية اقتناعاً بكون العواصم الغربية والعربية تدعم مباشرة، أو غير مباشرة، بعض المرشحين وتعارض فوز آخرين. أيضاً يراهن المتنافسون على دخول قصر قرطاج على أصوات مليون و200 ألف تونسي وتونسية في المهجر مقسّمين على 6 دوائر انتخابية؛ اثنان منها في فرنسا، والبقية في إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة والبلدان العربية.
ورغم ضعف نسب مشاركة المهاجرين في الانتخابات بسبب بُعد المسافات التي تفصلهم عن مراكز الاقتراع في مقرات السفارات والقنصليات، فإن أنصار أبرز المرشحين نظموا اجتماعات انتخابية استعراضية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا. ولقد وظّفت هذه الاجتماعات للدعاية كذلك للمرشحين للانتخابات البرلمانية التي تنظم في 6 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، التي ستؤدي إلى انتخاب 18 مهاجراً بالمقاعد المخصصة لهم في البرلمان.
وسواء تعلق الأمر بالدوائر الانتخابية الستة في المهجر أو الدوائر الـ27 داخل البلاد، فإن الناخبين والمراقبين لا يعرفون حقاً اسم الرئيس الذي ستفرزه الصناديق، بما يضفي مصداقية على المسار الديمقراطي التعددي التونسي رغم نقائصه.


مقالات ذات صلة

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام

حصاد الأسبوع السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟