الأمير عبد العزيز بن سلمان... الدبلوماسي النفطي

الوزير السعودي السادس في تسلسل مَن تولوا مسؤولية القطاع

الأمير عبد العزيز بن سلمان... الدبلوماسي النفطي
TT

الأمير عبد العزيز بن سلمان... الدبلوماسي النفطي

الأمير عبد العزيز بن سلمان... الدبلوماسي النفطي

عرفت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) خلال سنواتها التسع والخمسين، كثيراً من الوزراء والشخصيات النفطية التكنوقراطية ذات المؤهلات العالية والإلمام الفني العالي بالسوق. ولكن خلال تاريخ «أوبك» لم يبرز سوى قليل جداً من الأشخاص الذين عرف عنهم لعب دور دبلوماسي عالٍ تخلط فيه الأوراق السياسية مع النظرة الفنية.
ولعل الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي عيّن هذا الشهر وزيراً للطاقة، من أبرز الدبلوماسيين النفطيين في تاريخ «أوبك». وبتعيينه، أصبح الأمير عبد العزيز الوزير السادس في تاريخ السعودية الذي يتسلم ملف النفط بعد كل من عبد الله الطريقي وأحمد زكي يماني وهشام ناظر وعلي النعيمي وخالد الفالح.

الأمير عبد العزيز بن سلمان هو رابع أبناء الملك سلمان بن عبد العزيز بعد الأمراء فهد وسلطان وأحمد. ومنذ الثمانينات وهو يعتبر الرجل الثاني في الوزارة بعد الوزير، كما أنه عضو ثابت في وفد المملكة العربية السعودية إلى «أوبك» منذ دخوله إلى الوزارة. ومع أنه يفضل أن ينظر له الجميع موظفاً حكومياً يعمل في وزارة الطاقة، فإن قدر الأمير عبد العزيز أجبره أن يملأ الفراغ الدبلوماسي الكبير في تاريخ «أوبك» حين استطاع أن يوفق بين القبعات المختلفة التي يرتديها منذ يومه الأول. فهو يعرف كيف يرتدي قبعة ابن الأسرة الحاكمة في المملكة، وكيف يعتمر قبعة المسؤول النفطي من دون أن يؤثر ذلك على قدرته التفاوضية.
في مواقف كثيرة كان «حلقة الوصل» بين العالم النفطي والسلطات العليا في المملكة، وفي مواقف أخرى كان «حلقة الوصل» بين الدول المختلفة في «أوبك». ويقول عنه أمين عام «أوبك» الحالي محمد باركيندو إنه «يعرف كيف يستخدم قوته ونفوذه، فهو مولود ولديه نفوذ وليس جديداً عليه هذا الأمر».
وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، وصف عبد الصمد العوضي، أحد أقدم الشخصيات في «أوبك» إذ كان ممثلاً للكويت في المنظمة بين عام 1980 و2001، الدور الذي كان يلعبه الأمير عبد العزيز في «أوبك»، قائلاً: «يبدأ دور الأمير حيث ينتهي دور الوزير». وتابع: «كان الأمير دائماً يلعب دور الوسيط بين السعودية وباقي الدول لتقريب وجهات النظر، فالوزراء يتفقون حول السياسات الرئيسية، بينما التفاصيل تحتاج إلى نقاش مستمر وهنا كان يتدخل الأمير. أضف إلى ذلك أنه كان دائماً في الصفوف الأمامية ويحاول تقريب وجهات النظر مع الإعلام أيضاً».
وحقاً، بدا ذلك في كثير من المواقف؛ كان آخرها اجتماع «أوبك» الأخير هذا الصيف، حين تعنتت إيران بشكل شديد بقبول اتفاق «أوبك». لكن الأمير عبد العزيز ووزير الطاقة السابق خالد الفالح اجتمعا في غرفة مغلقة مع الوزير الإيراني ولم يخرجا قبل أن يتوصلا إلى اتفاق معه. وفي اجتماع العام الماضي، لم توافق ليبيا على الانضمام إلى قائمة الدول التي ستضع سقفاً على إنتاجها، ولعب الأمير دوراً كبيراً في إقناع ليبيا بهذا الأمر.
وبالتالي، بتقلد الأمير عبد العزيز منصب الوزير يتوقع أن تكون الدبلوماسية النفطية في «أوبك» عالية، وستعود «أوبك» إلى التنسيق بشكل أكبر داخلياً، ويعود التوازن إلى دور «أوبك»، بعدما كان التركيز قائماً على التحالف مع المنتجين المستقلين خلال السنوات الماضية مع الوزير خالد الفالح. ثم إنه، بفضل علاقاته الدبلوماسية الجيدة مع دول الخليج، فإن من المتوقع أن يلعب الأمير دوراً كبيراً في التنسيق بين السعودية والكويت لإعادة الإنتاج النفطي في المنطقة المقسومة.

دبلوماسية خلف الكواليس
الأمير عبد العزيز كان يعمل بدبلوماسية واضحة خلف الكواليس دائماً. ولكن كل من يعمل في «أوبك» يعرف الدور الذي كان يقدمه. وخلال اجتماع اللجنة الوزارية لمراقبة الإنتاج في أبوظبي الأسبوع الماضي، قال أمين عام «أوبك» باركيندو عن الأمير: «كان للأمير عبد العزيز دور محوري في توجيه المفاوضات الخاصة بتبني كثير من إعلانات (أوبك) البارزة، بصفته رئيساً للجنة التي صاغت الإعلان الرسمي في مؤتمر قمة (أوبك) الثانية التي عقدت بمدينة كاراكاس في فنزويلا يومي 27 و28 سبتمبر (أيلول) 2000».
وأردف: «لعب دوراً بارزاً بهذه الصفة، كما عمل أيضاً رئيساً للجنة التي صاغت إعلان الرياض في مؤتمر قمة (أوبك) الثالثة التي عقدت بالعاصمة السعودية الرياض يومي 17 و18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007. وعندما قررت (أوبك) تطوير استراتيجية طويلة الأجل وتطلب الأمر تشكيل لجنة لصياغة هذه الاستراتيجية، لجأنا إلى الشخص الذي يمكننا الاعتماد عليه دائماً، وهو الأمير عبد العزيز، الذي يعد الآن واحداً من الثلاثة ذوي أطول مدة من العمل موفدين في (أوبك)». وأشار أمين عام «أوبك» إلى ما حدث في حقبة الثمانينات من القرن العشرين عندما بدأ الحوار بين المنتجين والمستهلكين كما لو كان حلماً بعيد المنال، فكان الأمير عبد العزيز واحداً من رواد الحوار وأبطاله. فلا عجب إذن أن يقوم هذا القائد ذو الرؤية الحقيقية بالمساعدة في ولادة منتدى الطاقة الدولي.
وتابع باركيندو قائلاً إنه في عام 2015 عندما كانت أسواق النفط تغوص في أعماق واحدة من أسوأ فترات الركود في تاريخها، دعا الأمير عبد العزيز بحماس إلى العمل الجماعي بين «أوبك» وروسيا الاتحادية، «وتمخضت البذرة التي زرعها الأمير عن اتفاق الجزائر في 28 سبتمبر 2016، الذي شارك في صياغته؛ وتطور لاحقاً إلى اتفاق فيينا في 30 نوفمبر 2016 وإعلان التعاون التاريخي في 10 ديسمبر (كانون الأول) 2016؛ وبلغ ذروة تطوره وإيناعه الآن في ميثاق التعاون الذي صدقت عليه 24 دولة في 2 يوليو (تموز) 2019».

من هو الأمير عبد العزيز؟
بعيداً عن الدبلوماسية النفطية، من هو الأمير عبد العزيز؟ وكيف بدأت رحلته مع النفط؟
عام 1987م، تلقى الأمير عبد العزيز اتصالاً من الوزير هشام ناظر، الذي كان قد تولى الوزارة خلفاً للشيخ أحمد زكي يماني في أواخر عام 1986، وطلب منه الانضمام إليه في الوزارة. وقال الأمير عبد العزيز عن هذا الأمر: «لقد كنت سعيداً جداً عندما جاءني اتصال الوزير، إلا أنني كنت حينها في إجازة. إذ تزوجت وقتها وترددت كثيراً في أن أقطع الإجازة وألتحق بالوزير، لكنني وجدت كل تأييد من زوجتي فقررت قطع الإجازة والالتحاق بالوفد».
ولكن، قبل انضمامه إلى الوزارة كان الأمير في عالم آخر هو العالم الأكاديمي. إذ كان وقتها يعيش في المنطقة الشرقية، حيث كان يترأس إدارة الدراسات الاقتصادية والصناعية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران. ومنها حصل الأمير عبد العزيز على بكالوريوس الإدارة الصناعية في عام 1982 ثم على الماجستير في إدارة الأعمال عام 1985.
خلال الفترة التي أمضاها في المنطقة الشرقية، كان الأمير عبد العزيز نشيطاً اجتماعياً وكان على علاقة جيدة بالأسر الكبيرة في المنطقة. ويتذكر رجل الأعمال سعود عبد العزيز القصيبي كيف كان الأمير يأتي لزيارة والده في بعض الأحيان في تلك الفترة. ويقول القصيبي لـ«الشرق الأوسط» راوياً: «عندما كان الأمير عبد العزيز طالباً في الجامعة كنت أنا طالباً في المرحلة الثانوية. لم أكن ألتقي به كثيراً لكنني أذكر جيداً كيف كان منكبّاً على الدراسة في ذلك الوقت، وكانت الجامعة معروفة بشدتها الأكاديمية». ويقول القصيبي عن الأمير إنه متواضع جداً ويمتاز بذاكرة جيدة، مضيفاً: «ليس من باب المدح أو المجاملة ولكنه شخص يسحرك بتواضعه وطيبه وحسن استقباله، وبسبب أخلاقه العالية من الصعب أن تنساه». وحقاً، الأمير عبد العزيز شخصية اجتماعية ومتواضعة، بحسب كل من عاصروه، وكان ولا يزال يحب التواصل مع جميع الأفراد والعوائل في مجتمعه. ثم إنه لا يزال يحضر إلى جميع المناسبات المهمة لأصدقائه ومعارفه، ومعروف عنه أنه قلما يتأخر عن حضور أي مناسبة اجتماعية.
بدأ مشوار الأمير عبد العزيز في الوزارة منذ 1987 مستشاراً للوزير، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1995 عندما عيّن وكيل الوزارة لشؤون البترول. واستمر الأمير في منصب الوكيل حتى مايو (أيار) 2004 عندما صدر أمر ملكي بتعيينه مساعداً لوزير البترول على المرتبة الممتازة. وظل في المنصب حتى أصبح نائباً للوزير، ثم وزيراً للدولة لشؤون الطاقة. ومنذ أيامه الأولى حرص الأمير على استقطاب الكفاءات إلى الوزارة، ومن بينها العراقي فاضل جلبي الأمين العام المكلف السابق لـ«أوبك» بين 1983 و1988.
ويروي جلبي بنفسه هذه القصة في إحدى كتاباته، إذ يقول إن الأمير الذي تعين لتوه زاره في مكتبه عام 1988 «عندما انتهت فترتي أميناً عاماً مكلفاً، وطلب مني أن أعمل مستشاراً للوزارة. يومذاك شكرته على هذا العرض ورفضته، لكنني لم أفصح له عن الأسباب، إذ إنني كنت اتفقت مع الوزير السابق الشيخ يماني في مركزه الجديد للدراسات في لندن».
ويضيف جلبي: «وبعدها بوقت قصير تلقيت اتصالاً من الأمير عبد العزيز يدعوني إلى لقائه في فندق دورتشستر في لندن على عشاء فخم، وأعاد علي العرض إلا أنني رفضته مجدداً». ولم تنتهِ عملية الاستقطاب عند هذا الحد، إذ استقطب الأمير عبد العزيز بنفسه كثيراً من الأكاديميين إلى الوزارة، ومن بينهم الدكتور ماجد المنيف والدكتور إبراهيم المهنا والدكتور محمد سالم سرور الصبان. وهذا ليس مستغرباً على شخص جاء من خلفية أكاديمية.
ما كانت أيام الأمير الأولى في الوزارة سهلة، إذ إن العراق وإيران كانا لا يزالان يخوضان الحرب في عامي 1987 و1988. وما إن وضعت تلك الحرب أوزارها حتى بدأت حرب أخرى بعد احتلال العراق للكويت في عام 1990. ورغم صغر سنه حينذاك، وقلة خبرته في صناعة النفط، لعب الأمير عبد العزيز دوراً كبيراً خلف الكواليس خلال كل تلك الأحداث. فكان هو الذي تولّى التنسيق بين وزراء الكويت والإمارات العربية والمتحدة والعراق للقاء الذي عُقد في جدة من أجل المصالحة بين العراق والبلدين الخليجيين.
وأثناء الحرب على العراق، كان الأمير يقوم بدور مهم جداً في التنسيق بين الوزارة وقوات التحالف. ولعل أبرز الأدوار التي قام بها خلف الكواليس خلال حرب الخليج؛ إسهامه في طمأنة وكالة الطاقة الدولية بخصوص إبقاء الإمدادات مستقرة في السوق، إذ كانت الوكالة تعتزم إطلاق دفعة من المخزون الاستراتيجي إلى الأسواق لخفض الأسعار، بعدما ارتفعت مع الاجتياح العسكري للكويت، ولكنها تراجعت بعد تطمينات شخصية من الأمير.

شعبيته في «أوبك»
في «أوبك» يحظى الأمير عبد العزيز بشعبية بين الوفود وعشرات الصحافيين الذين يقابلونه باستمرار. ويحب الأمير إلقاء الطرائف على الصحافيين، مثل الطرفة التي ذكرها الأسبوع الماضي للصحافيين في أبوظبي، عندما قال لهم إنه لو كان يلتفت إلى كل تحليلات وكالة الطاقة الدولية عن مستقبل السوق لأصابه الاكتئاب، ولبدأ تناول «البروزاك»، وهو دواء مضاد للاكتئاب.
وبطبيعة الحال، يخيل إلى كثير من خارج الوزارة أن مشوار الأمير عبد العزيز العملي يجب أن يكون مفروشاً بالورود فقط لأنه ينتمي إلى الأسرة الحاكمة في المملكة. غير أن كل العاملين في الصناعة أو ممن عملوا معه أو حضروا المؤتمرات التي كان يلقي فيها خطبه، يدركون جيداً أنه شخص ذكي وعملي ومجتهد جداً... ويعمل بجد، حاله حال أي موظف في الوزارة.
وعن هذا الأمر، قال الأمير في إحدى المناسبات: «الناس في الخارج لا يدركون للأسف أن الأمراء عندما يدخلون إلى وزارة البترول يخلعون (البشوت) ويعملون كالجميع، حالهم حال باقي الموظفين. لو لم نكن نعمل جميعنا بجد لما كانت الصناعة النفطية السعودية رائدة الآن». وأضاف: «يتصور الكل أني صاحب حظوة لأني أمير، ولكن الحقيقة غير ذلك. الأمر الذي لا يعرفه كثيرون عني أني لم أكن أناقش عملي في الوزارة مع الملوك الراحلين. لقد كنت أحد أبناء الأسرة وحسب بالنسبة لهم».

مفاوضات ومنجزات
وحقق الأمير عبد العزيز كثيراً من الإنجازات خلال مشواره العملي مع وزارة البترول سابقاً (الطاقة حالياً). فعلى سبيل المثال، كان ضمن وفد المملكة التفاوضي لانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. وتولى أهم ملف في المفاوضات؛ وهو التفاوض حول دعم المملكة لغاز اللقيم الذي على أساسه تعتمد تنافسية قطاع البتروكيماويات السعودي. ورفضت المملكة حينذاك التنازل عن دعم غاز اللقيم وتمكنت أخيراً من دخول المنظمة من دون التنازل عن هذا المكتسب.
ولم تنتهِ علاقة الأمير عبد العزيز بمنظمة التجارة العالمية عند هذا الحد، بل تولى بعد ذلك ملف قضايا الإغراق المرفوعة ضد شركات البتروكيماويات السعودية في الهند وتركيا وغيرها. ومع أن هذا النوع من القضايا تختص به وزارة التجارة، فإن خبرة الأمير التفاوضية جعلت السلطات في البلاد تعهد إليه بهذا الملف، وتمكن من حل جميع القضايا هو والفريق التفاوضي العامل معه.
ولعل أحد أبرز إنجازات الأمير هو الحملة الوطنية لترشيد استهلاك الطاقة، التي تمكنت من تحريك المياه الراكدة لإنقاذ النفط السعودي الذي كان يُحرَق بكميات رهيبة سنوياً. هذه الحملة كرس لها الأمير جل وقته منذ عام 2013. وحقق خلالها مع اللجنة الوطنية التي تعمل على هذا الملف كثيراً من الإنجازات، مثل التخلص من مكيفات الهواء غير الاقتصادية، ووضع اشتراطات صارمة لاستيراد الأدوات الكهربائية، وتغيير مواصفات السيارات التي تستوردها المملكة لتكون اقتصادية أكثر في استهلاك الوقود.
أضِف إلى ما سبق، أن الأمير عبد العزيز بن سلمان عضو فعال في كل من مجلس المحافظين لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة في بريطانيا، ونادي أكسفورد لدراسات الطاقة، وكذلك الجمعية الدولية لاقتصاديات الطاقة في العاصمة الأميركية واشنطن. وأيضاً، الأمير عضو في المجلس الاستشاري لرئيس الجمعية الدولية لاقتصاديات الطاقة في واشنطن ويشغل منصب الرئيس الشرفي لجمعية الاقتصاد السعودية، كما أنه عضو عدد من الجمعيات العلمية، واللجان والمعاهد؛ منها جمعية الجيولوجيين السعودية، ومعهد البترول في لندن، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، والمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟