الأمير عبد العزيز بن سلمان... الدبلوماسي النفطي

الوزير السعودي السادس في تسلسل مَن تولوا مسؤولية القطاع

الأمير عبد العزيز بن سلمان... الدبلوماسي النفطي
TT

الأمير عبد العزيز بن سلمان... الدبلوماسي النفطي

الأمير عبد العزيز بن سلمان... الدبلوماسي النفطي

عرفت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) خلال سنواتها التسع والخمسين، كثيراً من الوزراء والشخصيات النفطية التكنوقراطية ذات المؤهلات العالية والإلمام الفني العالي بالسوق. ولكن خلال تاريخ «أوبك» لم يبرز سوى قليل جداً من الأشخاص الذين عرف عنهم لعب دور دبلوماسي عالٍ تخلط فيه الأوراق السياسية مع النظرة الفنية.
ولعل الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي عيّن هذا الشهر وزيراً للطاقة، من أبرز الدبلوماسيين النفطيين في تاريخ «أوبك». وبتعيينه، أصبح الأمير عبد العزيز الوزير السادس في تاريخ السعودية الذي يتسلم ملف النفط بعد كل من عبد الله الطريقي وأحمد زكي يماني وهشام ناظر وعلي النعيمي وخالد الفالح.

الأمير عبد العزيز بن سلمان هو رابع أبناء الملك سلمان بن عبد العزيز بعد الأمراء فهد وسلطان وأحمد. ومنذ الثمانينات وهو يعتبر الرجل الثاني في الوزارة بعد الوزير، كما أنه عضو ثابت في وفد المملكة العربية السعودية إلى «أوبك» منذ دخوله إلى الوزارة. ومع أنه يفضل أن ينظر له الجميع موظفاً حكومياً يعمل في وزارة الطاقة، فإن قدر الأمير عبد العزيز أجبره أن يملأ الفراغ الدبلوماسي الكبير في تاريخ «أوبك» حين استطاع أن يوفق بين القبعات المختلفة التي يرتديها منذ يومه الأول. فهو يعرف كيف يرتدي قبعة ابن الأسرة الحاكمة في المملكة، وكيف يعتمر قبعة المسؤول النفطي من دون أن يؤثر ذلك على قدرته التفاوضية.
في مواقف كثيرة كان «حلقة الوصل» بين العالم النفطي والسلطات العليا في المملكة، وفي مواقف أخرى كان «حلقة الوصل» بين الدول المختلفة في «أوبك». ويقول عنه أمين عام «أوبك» الحالي محمد باركيندو إنه «يعرف كيف يستخدم قوته ونفوذه، فهو مولود ولديه نفوذ وليس جديداً عليه هذا الأمر».
وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، وصف عبد الصمد العوضي، أحد أقدم الشخصيات في «أوبك» إذ كان ممثلاً للكويت في المنظمة بين عام 1980 و2001، الدور الذي كان يلعبه الأمير عبد العزيز في «أوبك»، قائلاً: «يبدأ دور الأمير حيث ينتهي دور الوزير». وتابع: «كان الأمير دائماً يلعب دور الوسيط بين السعودية وباقي الدول لتقريب وجهات النظر، فالوزراء يتفقون حول السياسات الرئيسية، بينما التفاصيل تحتاج إلى نقاش مستمر وهنا كان يتدخل الأمير. أضف إلى ذلك أنه كان دائماً في الصفوف الأمامية ويحاول تقريب وجهات النظر مع الإعلام أيضاً».
وحقاً، بدا ذلك في كثير من المواقف؛ كان آخرها اجتماع «أوبك» الأخير هذا الصيف، حين تعنتت إيران بشكل شديد بقبول اتفاق «أوبك». لكن الأمير عبد العزيز ووزير الطاقة السابق خالد الفالح اجتمعا في غرفة مغلقة مع الوزير الإيراني ولم يخرجا قبل أن يتوصلا إلى اتفاق معه. وفي اجتماع العام الماضي، لم توافق ليبيا على الانضمام إلى قائمة الدول التي ستضع سقفاً على إنتاجها، ولعب الأمير دوراً كبيراً في إقناع ليبيا بهذا الأمر.
وبالتالي، بتقلد الأمير عبد العزيز منصب الوزير يتوقع أن تكون الدبلوماسية النفطية في «أوبك» عالية، وستعود «أوبك» إلى التنسيق بشكل أكبر داخلياً، ويعود التوازن إلى دور «أوبك»، بعدما كان التركيز قائماً على التحالف مع المنتجين المستقلين خلال السنوات الماضية مع الوزير خالد الفالح. ثم إنه، بفضل علاقاته الدبلوماسية الجيدة مع دول الخليج، فإن من المتوقع أن يلعب الأمير دوراً كبيراً في التنسيق بين السعودية والكويت لإعادة الإنتاج النفطي في المنطقة المقسومة.

دبلوماسية خلف الكواليس
الأمير عبد العزيز كان يعمل بدبلوماسية واضحة خلف الكواليس دائماً. ولكن كل من يعمل في «أوبك» يعرف الدور الذي كان يقدمه. وخلال اجتماع اللجنة الوزارية لمراقبة الإنتاج في أبوظبي الأسبوع الماضي، قال أمين عام «أوبك» باركيندو عن الأمير: «كان للأمير عبد العزيز دور محوري في توجيه المفاوضات الخاصة بتبني كثير من إعلانات (أوبك) البارزة، بصفته رئيساً للجنة التي صاغت الإعلان الرسمي في مؤتمر قمة (أوبك) الثانية التي عقدت بمدينة كاراكاس في فنزويلا يومي 27 و28 سبتمبر (أيلول) 2000».
وأردف: «لعب دوراً بارزاً بهذه الصفة، كما عمل أيضاً رئيساً للجنة التي صاغت إعلان الرياض في مؤتمر قمة (أوبك) الثالثة التي عقدت بالعاصمة السعودية الرياض يومي 17 و18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2007. وعندما قررت (أوبك) تطوير استراتيجية طويلة الأجل وتطلب الأمر تشكيل لجنة لصياغة هذه الاستراتيجية، لجأنا إلى الشخص الذي يمكننا الاعتماد عليه دائماً، وهو الأمير عبد العزيز، الذي يعد الآن واحداً من الثلاثة ذوي أطول مدة من العمل موفدين في (أوبك)». وأشار أمين عام «أوبك» إلى ما حدث في حقبة الثمانينات من القرن العشرين عندما بدأ الحوار بين المنتجين والمستهلكين كما لو كان حلماً بعيد المنال، فكان الأمير عبد العزيز واحداً من رواد الحوار وأبطاله. فلا عجب إذن أن يقوم هذا القائد ذو الرؤية الحقيقية بالمساعدة في ولادة منتدى الطاقة الدولي.
وتابع باركيندو قائلاً إنه في عام 2015 عندما كانت أسواق النفط تغوص في أعماق واحدة من أسوأ فترات الركود في تاريخها، دعا الأمير عبد العزيز بحماس إلى العمل الجماعي بين «أوبك» وروسيا الاتحادية، «وتمخضت البذرة التي زرعها الأمير عن اتفاق الجزائر في 28 سبتمبر 2016، الذي شارك في صياغته؛ وتطور لاحقاً إلى اتفاق فيينا في 30 نوفمبر 2016 وإعلان التعاون التاريخي في 10 ديسمبر (كانون الأول) 2016؛ وبلغ ذروة تطوره وإيناعه الآن في ميثاق التعاون الذي صدقت عليه 24 دولة في 2 يوليو (تموز) 2019».

من هو الأمير عبد العزيز؟
بعيداً عن الدبلوماسية النفطية، من هو الأمير عبد العزيز؟ وكيف بدأت رحلته مع النفط؟
عام 1987م، تلقى الأمير عبد العزيز اتصالاً من الوزير هشام ناظر، الذي كان قد تولى الوزارة خلفاً للشيخ أحمد زكي يماني في أواخر عام 1986، وطلب منه الانضمام إليه في الوزارة. وقال الأمير عبد العزيز عن هذا الأمر: «لقد كنت سعيداً جداً عندما جاءني اتصال الوزير، إلا أنني كنت حينها في إجازة. إذ تزوجت وقتها وترددت كثيراً في أن أقطع الإجازة وألتحق بالوزير، لكنني وجدت كل تأييد من زوجتي فقررت قطع الإجازة والالتحاق بالوفد».
ولكن، قبل انضمامه إلى الوزارة كان الأمير في عالم آخر هو العالم الأكاديمي. إذ كان وقتها يعيش في المنطقة الشرقية، حيث كان يترأس إدارة الدراسات الاقتصادية والصناعية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران. ومنها حصل الأمير عبد العزيز على بكالوريوس الإدارة الصناعية في عام 1982 ثم على الماجستير في إدارة الأعمال عام 1985.
خلال الفترة التي أمضاها في المنطقة الشرقية، كان الأمير عبد العزيز نشيطاً اجتماعياً وكان على علاقة جيدة بالأسر الكبيرة في المنطقة. ويتذكر رجل الأعمال سعود عبد العزيز القصيبي كيف كان الأمير يأتي لزيارة والده في بعض الأحيان في تلك الفترة. ويقول القصيبي لـ«الشرق الأوسط» راوياً: «عندما كان الأمير عبد العزيز طالباً في الجامعة كنت أنا طالباً في المرحلة الثانوية. لم أكن ألتقي به كثيراً لكنني أذكر جيداً كيف كان منكبّاً على الدراسة في ذلك الوقت، وكانت الجامعة معروفة بشدتها الأكاديمية». ويقول القصيبي عن الأمير إنه متواضع جداً ويمتاز بذاكرة جيدة، مضيفاً: «ليس من باب المدح أو المجاملة ولكنه شخص يسحرك بتواضعه وطيبه وحسن استقباله، وبسبب أخلاقه العالية من الصعب أن تنساه». وحقاً، الأمير عبد العزيز شخصية اجتماعية ومتواضعة، بحسب كل من عاصروه، وكان ولا يزال يحب التواصل مع جميع الأفراد والعوائل في مجتمعه. ثم إنه لا يزال يحضر إلى جميع المناسبات المهمة لأصدقائه ومعارفه، ومعروف عنه أنه قلما يتأخر عن حضور أي مناسبة اجتماعية.
بدأ مشوار الأمير عبد العزيز في الوزارة منذ 1987 مستشاراً للوزير، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1995 عندما عيّن وكيل الوزارة لشؤون البترول. واستمر الأمير في منصب الوكيل حتى مايو (أيار) 2004 عندما صدر أمر ملكي بتعيينه مساعداً لوزير البترول على المرتبة الممتازة. وظل في المنصب حتى أصبح نائباً للوزير، ثم وزيراً للدولة لشؤون الطاقة. ومنذ أيامه الأولى حرص الأمير على استقطاب الكفاءات إلى الوزارة، ومن بينها العراقي فاضل جلبي الأمين العام المكلف السابق لـ«أوبك» بين 1983 و1988.
ويروي جلبي بنفسه هذه القصة في إحدى كتاباته، إذ يقول إن الأمير الذي تعين لتوه زاره في مكتبه عام 1988 «عندما انتهت فترتي أميناً عاماً مكلفاً، وطلب مني أن أعمل مستشاراً للوزارة. يومذاك شكرته على هذا العرض ورفضته، لكنني لم أفصح له عن الأسباب، إذ إنني كنت اتفقت مع الوزير السابق الشيخ يماني في مركزه الجديد للدراسات في لندن».
ويضيف جلبي: «وبعدها بوقت قصير تلقيت اتصالاً من الأمير عبد العزيز يدعوني إلى لقائه في فندق دورتشستر في لندن على عشاء فخم، وأعاد علي العرض إلا أنني رفضته مجدداً». ولم تنتهِ عملية الاستقطاب عند هذا الحد، إذ استقطب الأمير عبد العزيز بنفسه كثيراً من الأكاديميين إلى الوزارة، ومن بينهم الدكتور ماجد المنيف والدكتور إبراهيم المهنا والدكتور محمد سالم سرور الصبان. وهذا ليس مستغرباً على شخص جاء من خلفية أكاديمية.
ما كانت أيام الأمير الأولى في الوزارة سهلة، إذ إن العراق وإيران كانا لا يزالان يخوضان الحرب في عامي 1987 و1988. وما إن وضعت تلك الحرب أوزارها حتى بدأت حرب أخرى بعد احتلال العراق للكويت في عام 1990. ورغم صغر سنه حينذاك، وقلة خبرته في صناعة النفط، لعب الأمير عبد العزيز دوراً كبيراً خلف الكواليس خلال كل تلك الأحداث. فكان هو الذي تولّى التنسيق بين وزراء الكويت والإمارات العربية والمتحدة والعراق للقاء الذي عُقد في جدة من أجل المصالحة بين العراق والبلدين الخليجيين.
وأثناء الحرب على العراق، كان الأمير يقوم بدور مهم جداً في التنسيق بين الوزارة وقوات التحالف. ولعل أبرز الأدوار التي قام بها خلف الكواليس خلال حرب الخليج؛ إسهامه في طمأنة وكالة الطاقة الدولية بخصوص إبقاء الإمدادات مستقرة في السوق، إذ كانت الوكالة تعتزم إطلاق دفعة من المخزون الاستراتيجي إلى الأسواق لخفض الأسعار، بعدما ارتفعت مع الاجتياح العسكري للكويت، ولكنها تراجعت بعد تطمينات شخصية من الأمير.

شعبيته في «أوبك»
في «أوبك» يحظى الأمير عبد العزيز بشعبية بين الوفود وعشرات الصحافيين الذين يقابلونه باستمرار. ويحب الأمير إلقاء الطرائف على الصحافيين، مثل الطرفة التي ذكرها الأسبوع الماضي للصحافيين في أبوظبي، عندما قال لهم إنه لو كان يلتفت إلى كل تحليلات وكالة الطاقة الدولية عن مستقبل السوق لأصابه الاكتئاب، ولبدأ تناول «البروزاك»، وهو دواء مضاد للاكتئاب.
وبطبيعة الحال، يخيل إلى كثير من خارج الوزارة أن مشوار الأمير عبد العزيز العملي يجب أن يكون مفروشاً بالورود فقط لأنه ينتمي إلى الأسرة الحاكمة في المملكة. غير أن كل العاملين في الصناعة أو ممن عملوا معه أو حضروا المؤتمرات التي كان يلقي فيها خطبه، يدركون جيداً أنه شخص ذكي وعملي ومجتهد جداً... ويعمل بجد، حاله حال أي موظف في الوزارة.
وعن هذا الأمر، قال الأمير في إحدى المناسبات: «الناس في الخارج لا يدركون للأسف أن الأمراء عندما يدخلون إلى وزارة البترول يخلعون (البشوت) ويعملون كالجميع، حالهم حال باقي الموظفين. لو لم نكن نعمل جميعنا بجد لما كانت الصناعة النفطية السعودية رائدة الآن». وأضاف: «يتصور الكل أني صاحب حظوة لأني أمير، ولكن الحقيقة غير ذلك. الأمر الذي لا يعرفه كثيرون عني أني لم أكن أناقش عملي في الوزارة مع الملوك الراحلين. لقد كنت أحد أبناء الأسرة وحسب بالنسبة لهم».

مفاوضات ومنجزات
وحقق الأمير عبد العزيز كثيراً من الإنجازات خلال مشواره العملي مع وزارة البترول سابقاً (الطاقة حالياً). فعلى سبيل المثال، كان ضمن وفد المملكة التفاوضي لانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. وتولى أهم ملف في المفاوضات؛ وهو التفاوض حول دعم المملكة لغاز اللقيم الذي على أساسه تعتمد تنافسية قطاع البتروكيماويات السعودي. ورفضت المملكة حينذاك التنازل عن دعم غاز اللقيم وتمكنت أخيراً من دخول المنظمة من دون التنازل عن هذا المكتسب.
ولم تنتهِ علاقة الأمير عبد العزيز بمنظمة التجارة العالمية عند هذا الحد، بل تولى بعد ذلك ملف قضايا الإغراق المرفوعة ضد شركات البتروكيماويات السعودية في الهند وتركيا وغيرها. ومع أن هذا النوع من القضايا تختص به وزارة التجارة، فإن خبرة الأمير التفاوضية جعلت السلطات في البلاد تعهد إليه بهذا الملف، وتمكن من حل جميع القضايا هو والفريق التفاوضي العامل معه.
ولعل أحد أبرز إنجازات الأمير هو الحملة الوطنية لترشيد استهلاك الطاقة، التي تمكنت من تحريك المياه الراكدة لإنقاذ النفط السعودي الذي كان يُحرَق بكميات رهيبة سنوياً. هذه الحملة كرس لها الأمير جل وقته منذ عام 2013. وحقق خلالها مع اللجنة الوطنية التي تعمل على هذا الملف كثيراً من الإنجازات، مثل التخلص من مكيفات الهواء غير الاقتصادية، ووضع اشتراطات صارمة لاستيراد الأدوات الكهربائية، وتغيير مواصفات السيارات التي تستوردها المملكة لتكون اقتصادية أكثر في استهلاك الوقود.
أضِف إلى ما سبق، أن الأمير عبد العزيز بن سلمان عضو فعال في كل من مجلس المحافظين لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة في بريطانيا، ونادي أكسفورد لدراسات الطاقة، وكذلك الجمعية الدولية لاقتصاديات الطاقة في العاصمة الأميركية واشنطن. وأيضاً، الأمير عضو في المجلس الاستشاري لرئيس الجمعية الدولية لاقتصاديات الطاقة في واشنطن ويشغل منصب الرئيس الشرفي لجمعية الاقتصاد السعودية، كما أنه عضو عدد من الجمعيات العلمية، واللجان والمعاهد؛ منها جمعية الجيولوجيين السعودية، ومعهد البترول في لندن، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، والمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.