نيودلهي مرتاحة بعد تعليق واشنطن مفاوضاتها مع «طالبان»

بدأت بصياغة سياسة جديدة تعزز علاقاتها مع حكومة كابل وجناح الحركة غير الموالي لإسلام آباد

الرئيس الأفغاني أشرف غني في مؤتمر انتخابي في العاصمة كابل أمس (رويترز)
الرئيس الأفغاني أشرف غني في مؤتمر انتخابي في العاصمة كابل أمس (رويترز)
TT

نيودلهي مرتاحة بعد تعليق واشنطن مفاوضاتها مع «طالبان»

الرئيس الأفغاني أشرف غني في مؤتمر انتخابي في العاصمة كابل أمس (رويترز)
الرئيس الأفغاني أشرف غني في مؤتمر انتخابي في العاصمة كابل أمس (رويترز)

أسفر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق المفاوضات الجارية مع حركة «طالبان» الأفغانية، عن حالة من الارتياح عمت الأوساط السياسية الرسمية في الهند. وكانت الولايات المتحدة تعتزم، في حالة نجاح المفاوضات والتوصل لاتفاق سلام مع «طالبان»، سحب 4500 جندي من قواتها المنتشرة في البلاد، والموزعة على خمس قواعد عسكرية في أفغانستان، في غضون عشرين أسبوعاً من تاريخ إبرام الاتفاق. وقالت حركة «طالبان» خلال المفاوضات، إنها ستضمن من جانبها عدم استخدام البلاد مرة أخرى كقاعدة انطلاق للجماعات الإرهابية.
ولم تصدر عن الحكومة الهندية حتى الآن استجابة على المستوى الرسمي، بشأن تطورات الأوضاع المشار إليها، رغم وجود إشارات تفيد بحالة من الارتياح عمت الأوساط السياسية الهندية، نتيجة انهيار المحادثات بين الجانبين. ومع ذلك، تفيد المصادر الدبلوماسية الهندية بأنها تفضل اعتماد المقاربة الحذرة حيال الأمر، وذلك في حالة ما قررت العاصمة واشنطن استئناف أو ربما إنقاذ المحادثات المتوقفة مرة أخرى.
صرح عمار سينها، السفير الهندي الأسبق لدى أفغانستان، والعضو الحالي في المجلس الاستشاري للأمن القومي الهندي، وممثل الهند بصفة غير رسمية في محادثات موسكو مع حركة «طالبان» خلال العام الماضي، معلقاً على الأنباء: «لا أعتقد أن الاتفاق قد انهار تماماً حتى الآن. وأعتقد أنها من الأنباء الباعثة على الارتياح والسرور لدى الهند، نظراً لإنقاذ أفغانستان من مصير قاتم ومشؤوم في الوقت الراهن. وكان الاتفاق المزمع إبرامه يرفع كثيراً من علامات الاستفهام المبهمة بشأن الحكومة والدستور في أفغانستان، وحتى العملية الانتخابية المقبلة»، في إشارة إلى الانتخابات الأفغانية المقرر انعقادها في 28 سبتمبر (أيلول) الجاري.
وبصرف النظر تماماً عن الولايات المتحدة الأميركية، فإن موسكو التي استضافت الجولة الأولى من محادثات السلام مع حركة «طالبان» العام الماضي، تعتبر القوة الدولية الأخرى المعتبرة التي تعتقد أن إبرام اتفاق السلام مع حركة «طالبان» من شأنه إحلال السلام والاستقرار في المنطقة، وإدخال تنظيم «داعش» الإرهابي في مأزق وجودي لا يُحسد عليه.
وعلقت المعلقة الهندية سوهاسيني حيدر، المعنية بالشؤون السياسية من صحيفة «ذي هيندو» قائلة، إن محادثات السلام متوقفة في الوقت الراهن، ولكن يمكن للجانب الأميركي اتخاذ القرار بالاستئناف في أي وقت يراه مناسباً. وأضافت: «من شأن واشنطن في الآونة الراهنة إظهار الدعم القوي لإجراء الانتخابات الرئاسية في أفغانستان، في وقت لاحق من الشهر الجاري. وذلك مع إمكانية إعادة تنشيط الدينامية الأفغانية المحلية الجديدة لصالح البلاد. ومن شأن ذلك أن يرجع بتداعيات إقليمية مهمة وإيجابية على المنطقة بأسرها».

أسباب المعارضة الهندية لاتفاق السلام المذكور

بذلت الهند في السابق قصارى جهودها السياسية والدبلوماسية، من أجل «عملية السلام والمصالحة الشاملة في أفغانستان»، تحت القيادة الوطنية الأفغانية، وفي خدمة المصالح الوطنية الأفغانية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى حلول سياسية مستديمة، استناداً إلى المحافظة على المكاسب المحققة هناك منذ عام 2001، إذ تقول أنديرا باغشي الكاتبة في صحيفة «تايمز أوف إنديا»: «كانت نيودلهي تنظر إلى هذا الاتفاق من زاوية أنه اتفاقية انسحاب بأكثر من كونه اتفاقاً للسلام. كما خشيت الحكومة الهندية كذلك من عودة أوضاع ما بعد الاتحاد السوفياتي إلى أفغانستان من جديد، مما يعني إتاحة المجال لوجود مئات من الميليشيات المسلحة المتأهبة للقتال في محيط الهند وآسيا الوسطى، لا سيما مع ازدياد توتر الأجواء في إقليم جامو وكشمير المتنازع عليه».

ما الذي بمقدور الهند فعله؟

يقول الدبلوماسي الهندي السابق فيفيك كاتجو، الذي شغل منصب السفير الهندي الأسبق لدى أفغانستان: «ينبغي على الهند دعم الانتخابات الرئاسية الأفغانية من حيث المبدأ؛ كممارسة فعلية لأدوات السيادة الوطنية الأفغانية. وفي مثل هذه الظروف الراهنة، يتعين على الهند اعتماد السياسات الحذرة والواقعية، بغية حماية مصالحها الوطنية. وينبغي على الحكومة الهندية تعزيز ترتيبات التعاون مع الحكومة الأفغانية الحاكمة في كابل، مع اعتبار فتح قناة اتصال مع حركة (طالبان)، لا سيما مع تلك الفصائل داخل الحركة الأفغانية التي لا تخضع لموالاة إسلام آباد. وتلك هي الطريقة التي تُدار بها اللعبة الدبلوماسية على الصعيد الدولي».
وقال الدبلوماسي الهندي الأسبق راجيف دوغرا: «ينبغي على الهند كذلك إعادة النظر في موقفها الراهن حيال أفغانستان، مع التفاعل الحذر مع العناصر غير المتطرفة من حركة (طالبان) الأفغانية، ومد يد العون والمساعدة في الوقت نفسه لقوات الأمن الأفغانية. تحظى الهند بقدر هائل من حسن النيات لدى أفغانستان، غير أنها لا تُترجم إلى نفوذ فعلي على أرض الواقع. ولقد حان الوقت لتغيير هذا الموقف، وعلى الحكومة الهندية إعادة النظر في حقائق الواقع الاستراتيجي، مع التصرف من منطلق القوة الإقليمية الكبيرة الرامية إلى صياغة وجه المنطقة، مع الإفصاح التام عن موقفها المعتمد، على غرار ما تفعله كل من بكين، وموسكو، وطهران، وأنقرة، وإسلام آباد في الآونة الراهنة».
كانت الحكومة الهندية قد خصصت بالفعل 3 مليارات دولار لصالح الأعمال التنموية في أفغانستان.
ويقول علي أحمد، الأستاذ الزائر في «الجامعة الإسلامية» في دلهي، إن الهند في حاجة إلى تعزيز موقفها على الصعيد السياسي. وعلى اعتبارها من القوى الإقليمية الحاضرة، فإن الأوضاع الراهنة تعد بمثابة الفرصة السانحة التي لا تُفوت بحال. فهي تملك القوة السياسية، والاقتصادية، والقوة الناعمة المسوغة للتواصل مع حركة «طالبان» الأفغانية. وبالمضي قدماً على هذا المسار يمكن لنيودلهي ترويض الحركة الأفغانية المتمردة، والابتعاد بها عن المدار الباكستاني، مع اتخاذ مقعد دائم في عملية السلام الأفغانية. ومن شأن ذلك تمكين الهند من موازنة الدور الصيني المتزايد في الشؤون الأفغانية. ولا بد من استمرار دعم وإسناد قوات الأمن الأفغانية، في إشارة إلى مقدرات الردع الحالية. ويجري الأمر بالفعل على مستوى معتبر، لا سيما من خلال برامج التدريب العسكرية الجارية، في حين أن دولاً أخرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية، توفر الدعم المادي والعسكري الهائل.

التحالف العسكري السري والتاريخي بين الهند وأفغانستان

تفيد المصادر المطلعة بأن الهند كانت على اتصال مباشر مع أحمد مسعود، نجل القائد العسكري الأفغاني الراحل أحمد شاه مسعود، القائد الأسبق لتحالف الشمال الأفغاني، والذي استمر في قتال حركة «طالبان» الأفغانية والقوات الأميركية الغازية حتى تاريخ اغتياله في عام 2001، على أيدي عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي.
ويأمل مسعود الابن، الذي تلقى تعليمه العسكري في أكاديمية «ساندهيرست» العسكرية البريطانية، في مواصلة المهمة القتالية ضد المتمردين في البلاد، ومنع المقاتلين الجدد من السقوط في هوة التطرف الإسلامي من جديد. هذا وقد لقي أحمد شاه مسعود (48 عاماً)، مصرعه اغتيالاً عندما كان نجله يبلع من العمر 12 عاماً فقط.
يقول الدبلوماسي الهندي الأسبق بهاراث راج موثو كومار، المنسق لمساعدات الحكومة الهندية السابقة مع أحمد شاه مسعود: «يجب ألا تقع الحكومة الهندية في خطأ نشر القوات العسكرية على الأراضي الأفغانية. فماذا ستفعل القوات الهندية هناك على أي حال؟ وما الذي ستحققه؟ ومن الذي ستقاتله؟ وستدافع عمن هناك؟ إن القادة الحاليين للحكومة الأفغانية وحركة (طالبان) هما الوجهان الرئيسيان للسياسة الأفغانية الراهنة، ويتعين عليهم تسوية خلافاتهم من أجل بلوغ السلام والاستقرار بعيد المنال».
على مدى أربع سنوات، بين عام 1996 وعام 2000، وحتى مغادرته للعاصمة الطاجيكية دوشانبي لتولي مهام منصبه الجديد، كان الدبلوماسي موثو كومار يشرف على تنسيق المساعدات العسكرية والطبية، التي كانت تقدمها نيودلهي على نحو سري إلى أحمد شاه مسعود وقواته في شمال أفغانستان.
وبصرف النظر عن إرسال المعدات العسكرية الثقيلة، كانت الهند تقدم المساعدات الأخرى المكثفة إلى التحالف الأفغاني الشمالي، من الملابس العسكرية، ومدافع «الهاون»، والبنادق الهجومية، والأسلحة الصغيرة، والملابس الشتوية، والأغذية المعلبة، واللوازم الطبية، والأموال، وذلك عن طريق شقيقه المقيم في لندن، والي مسعود.
كانت اللوازم الهندية تصل بصفة منتظمة إلى العاصمة الطاجيكية دوشانبي، وتكفلت السلطات الجمركية هناك بالانتقال السلس للمساعدات الهندية إلى فارخور على الحدود بين طاجيكستان وشمال أفغانستان؛ حيث كان أحمد شاه مسعود يحتفظ بعشر مروحيات نقل عسكرية لخدمة جهوده الحربية. كما ساعدت نيودلهي كذلك في المحافظة على تلك المروحيات من خلال جهود الصيانة وتوفير قطع الغيار. ومنحت الحكومة الهندية طائرتين مروحيتين لقوات أحمد شاه مسعود، في الفترة بين عامي 1996 و1999.
وكان الجرحى من جبهات القتال يصلون في تدفقات غير منقطعة بواسطة المروحيات إلى معبر فارخور الحدودي. وكان أولئك الذين يحتاجون إلى علاج يرسلون إلى نيودلهي للعلاج عبر فارخور ثم دوشانبي، وكانت تأشيرات الدخول تصدر بوتيرة أسرع من المعتاد.
نما هذا الفصل شبه السري تقريباً من علاقة الحكومة الهندية مع أفغانستان، مع توجه محادثات السلام بين الجانب الأميركي وحركة «طالبان»، على سبيل المضي قدماً صوب الاتفاق، إلى جانب الطلب الأميركي المتكرر والمفتوح لمشاركة هندية أكبر في المصفوفة الأمنية الأفغانية.
هذا، وكان أحمد شاه مسعود قد قام بزيارة إلى الهند قبيل اغتياله بثلاثة شهور. واستمرت زيارته هذه لمدة أربعة أيام، إثر دعوة من الحكومة الهندية وقتذاك. وذكر وزير الخارجية الهندي الأسبق جاسوانت سينغ في كتابه المعنون «دعوة للتكريم»: «كانت تلك الزيارة تحت حراسة مشددة؛ حيث كانت هناك منافسة محتدمة بين مختلف الجماعات الإرهابية الأفغانية والباكستانية على اغتيال الرجل. وكان التعاون الهندي مع التحالف الأفغاني الشمالي لا يزال من الروايات غير المسرودة بشكل كبير. ولا زلنا في انتظار الإفصاح عن مزيد من هذه الفعاليات القديمة».



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.