في بيت هاني فحص

كان الجدل ما بين الديني والثقافي أساسا في رؤيته

هاني فحص في مكتبته
هاني فحص في مكتبته
TT

في بيت هاني فحص

هاني فحص في مكتبته
هاني فحص في مكتبته

سيمر وقت طويل قبل أن يحظى الفكر الديني العربي برجل له فرادة السيد هاني فحص؛ إذ إن المسافة التي تفصل بينه وبين أقرانه من رجال الدين شاسعة جدا. عرفته عن قرب قبل عدة أشهر، في حوار طويل استغرق أكثر من 7 ساعات على جلستين، استضافني خلالهما في منزله في ضاحية بيروت الجنوبية. كانت الشرفة هي المكان الذي أحبه السيد، فهي تشبهه في إقبالها على حركة الناس وأثرهم. جلسنا هناك في المرتين.. لا وقت للوقت.. مضينا في أحاديثنا وتجاوزناها. كانت الحياة سره، والموت قليلا في حياته، والفكر والشعر وربيع السياسة محركه. كان التمر يحافظ على مكانه فوق المنضدة دائما، وسُبحات الكعبة تنتشر في كل مكان، وزهور الشاي الساخنة لها نكهة قريته.
هناك في زاوية متواضعة على يمين الشرفة، كرس السيد مكانه للكتابة، كانت صوره إلى جانب زعماء ثوريين كبار، تملأ جدران الزاوية، رجال من أمثال أبو عمار والإمام الخميني وكمال جنبلاط والإمام موسى الصدر.. وآخرين. كان يُفصح عن صوت آخر وهو يرشدني إلى كل صورة، متحدثا عن المناسبة المرتبطة بها والأحداث التي رافقتها، كانت تلك الصور عمره كله، بل كانت الزمن الذي أحبه ورافقه، وأعاد روايته بشغف متجدد، وانبعاث لذاكرة نضرة.
تجولنا كثيرا في مسارات حياته، كان مباشرا في تعبيراته، بسيطا في علاقاته، متسامحا مع الكفر بشرط العدل، مزوحا ورصينا، عاطفيا في رغباته، يقول الأشياء كما لا يقولها سواه. كانت لغته أوسع من أي نص وأي كتاب، وتجاربه أكثر من رجل واحد في عمر واحد. كان يرفع النص إلى مراتب عالية من النقاش.. أفكاره جزء من حواسه وتنفسه، لكنه كان مرنا في إيصالها إلى قناعة الآخر وعقله.
قال لي إن الجنّة كانت حلمه عندما كان فلاحا بسيطا.. عاملا في مصبغة لتنظيف الملابس، ثم في فرن للخبز.. وأماكن أخرى، بعد أن قرر أن يترك المدرسة، ليكتشف لاحقا أن المهن التي اختارها أقسى من الرجولة المُبكرة التي يطمح أن يصيرها. تأثر جدا بجيفارا، وبكاه عندما مات.. علق صورته في المنزل لأنه أحب حلم العدالة في داخله. قال السيد: «من يُحب الإمام علي سيرى نضال جيفارا، ومن يُحب الحسين سيحب بابلو نيرودا، هي الروح الكُلية التي تحكم التاريخ، والفضاء الرحب للتعدد والاختلاف، وأنا كنت أرى ديني هكذا، إنسانيا مشتاقا للتغيير والعدالة».
وصلت قبل موعدي في المرة الثانية إلى منزل السيد، كان منكبا على جهاز الراديو القريب من أذنه، يستمع لأغنية طربية، حاولت ألا أتسبب له بحرج، ضحكت وسألته أليست الأغاني من الأعمال الحرام؟ رد بابتسامة عفوية على ما يلامس حيزه الخاص.. «كل ما هو مفيد وجميل حلال، الأغاني ليست حرام، وما يحكم هذه الفتاوى هو مزاجية فقهية كبيرة». أخبرني أنه اشترى حديثا 60 أغنية لمحمد عبد الوهاب، فالأغاني تُشعره بروحانية عالية.. «وأنا أبحث عن الروح في الطرب، لا أخالف الشرع، لكني أرى أن بعض الأصوات الطربية أحن وأكثر روحانية من أصوات بعض المنشدين وقارئي الأدعية».
وددتُ أن أضيف إلى الحوار شيئا عن خصوصية السيد، سألته عن أماكن تمنى العودة منها أو ندِم عليها، فأقر بسلسلة من الندم على أشياء كثيرة عائلية وعملية، «نادم على عداوات وانفعالات وأحكام.. نادم على لغة المطلقات التي استخدمتها، لأني اكتشفت أن النسبية هي الحقيقة.. نادم على القطيعة مع الآخر في لحظة ما.. مع السني، ومع المسيحي، ومع الليبرالي، ومع الغربي، ومع البوذي، والعلماني.. وحتى مع الملحد، أو غير الملتزم بالدين».
كان السيد صاحب رؤية متنامية للديني، وأقل ارتباطا بثوابت العقل وسكونه. كانت رؤيته المختلفة للنص الديني هي ما يميز فكره.. رؤية تنصهر في الثقافة وتكملها، تتعامل مع الدين بوصفه جزءا أساسيا من أي ثقافة، سواء كانت تقبله أو ترفضه، وهو الذي يقول عن نفسه إنه مثقف ديني، وليس رجل دين.. يؤمن أن «رجال الدين سبقوا السياسيين إلى الفتنة، وأن الناس لو تُركوا من دون رجال دين ومن دون سياسيين، لكانوا صنعوا عيشهم المشترك بهدوء وعبدوا ربهم بروحانية أعمق وتصرفوا بإنسانية أكثر».
انخرط اللبنانيون جميعهم في الحرب الأهلية، ومن بينهم رجال الدين، لكن قلة منهم تجرأوا على الاعتراف مبكرا كما فعل السيد في مؤتمر للحوار سنة 1993، حين قال: «إن الدم على طرف جُبتي نتيجة موقف خطأ أو السكوت عن أمر معين. لقد كانوا جميعا شركاء في الحرب، حركة فتح وحزب الكتائب والحركة الوطنية.. كنت ضد الحرب، ولم يذهب شاب من هذه الحرب الأهلية وأخبرني، ولم يعد شاب من الحرب وباركته».
منذ أن حملته جهات قصده من قريته الجنوبية جبشيت، إلى رحاب النجف الحوزوي، ومن ثم منظمة التحرير الفلسطينية، وصولا إلى طهران الثورة، وأخيرا تجاوزه تلك المحطات أو فك ارتباطه بها، وعلاقته بالتقدميين واليساريين والعلمانيين لم تنقطع يوما. لذلك لم يكن غريبا أن يؤبن السيد إلى مثواه الأخير، العلمانيون واليساريون وأحزاب اليمين وشيوخ الدروز ومطارنة النصارى وشباب فلسطين والعراق وسوريا وقياداتهم. كان تأبينا حاشدا لكل الطوائف والمذاهب، لأن السيد كان بين الجميع ومعهم، في وسط الساحة يطفئ الفتنة دائما، حتى من عاداه في السياسة، مثل «حزب الله»، دعاه السيد في هذا الحوار إلى المشاركة العقلية مع الآخرين، وإلى أن يُصبح عقله بحجم عضلته الكبيرة، وأن قيمة سلاح الحزب وسُمعته وإنجازه كلها لا تُحفظ، إلا ضمن إدخاله طوعا في مشروع الدولة.
الجدل ما بين الديني والثقافي كان أساسا في رؤية السيد، فمن دون هذا الجدل يتراجع السؤال وتتناقص المعرفة برأيه، وليس قبول الدين وحده هو الذي يحرك الحياة والحوار، بل حتى رفض الدين هو محرك أيضا، وقد تكون الحركة أقوى في الاختلاف. كان يرى للتوتر الخلاق ما بين الديني والثقافي ميزة، لأن التوتر الديني يشغل الدين، والتوتر الثقافي يجدد الثقافة ويساعد على تبادلها. يعتقد السيد أن الديني محكوم بالميل إلى اليقين.. إلى الاستقرار على حال والتعميم والسكون، ولا يتحمل القلق الدائم.. بينما الاستقرار هو مقتل الثقافي، وهو مضطر إلى أن يقيم في الشك، وتغيير الخطاب وفقا للمستجد والمتغير العلمي أو الواقعي أو الاجتماعي.
كان لا بد أن أطرح السؤال المر عن سوريا، على رجل صاغ بيانا جريئا حول ما يجري أثار ردود فعل كثيرة. كان متفائلا بمسار التغيير الذي يحكمنا، عادّا أننا قد نكون دخلنا في مرحلة إنتاج معرفية واجتماعية وسياسية طويلة الأمد وكثيرة المصاعب، لأن أعطابنا كثيرة وقديمة، وهي تعود إلى مرحلة سقوط مشروع محمد علي، فمنذ ذلك التاريخ ونحن أمة مسحوقة، لكنني أجزم أن سوريا ذاهبة إلى استقلال كامل، لكنه مُكلف جدا وليس موعده قريبا. حتى الإيرانيون يتوقعون في قرارة أنفسهم أن استقلال سوريا من دون الأسد ونظامه سوف يأتي، لكن الباطنية الإيرانية تعمل على أطروحة أخرى..
كيف يتغير المثقفون، موضوع شكل عصب الحوار ومحوره، رد السيد بالقول إن أجمل مناضل في الدنيا إذا ثبت هو المثقف، وأسوأ مناضل إذا تغير هو المثقف أيضا. هو يُعد أطروحة لتسويغ خيانته، هو مثل الشيطان يستشهد بالقرآن.. المثقف مُرعب. أما إذا سلِم المثقف من إغراءات الوصولية وإملاءاتها، فإنه يُنتج أمثولات للأجيال ومنارات، وهناك أعداد غفيرة من المثقفين الذين شهدوا للحق والحقيقة، كانوا شهودا كالشهداء.. أو شهداء.
* كاتبة وإعلامية من لبنان



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.