مفاوضات بين «السيادي السوداني» والحركات المسلحة في جوبا

حميدتي يؤكد رغبة الخرطوم بتحقيق السلام... والحلو ورئيس «الجبهة الثورية» يطالبان بتنازلات

عضو مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو يصل جوبا أمس  برفقة رياك مشار للقاء سلفاكير (رويترز)
عضو مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو يصل جوبا أمس برفقة رياك مشار للقاء سلفاكير (رويترز)
TT

مفاوضات بين «السيادي السوداني» والحركات المسلحة في جوبا

عضو مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو يصل جوبا أمس  برفقة رياك مشار للقاء سلفاكير (رويترز)
عضو مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو يصل جوبا أمس برفقة رياك مشار للقاء سلفاكير (رويترز)

دعا رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، الأطراف السودانية، إلى العمل من أجل تحقيق السلام في بلادهم، وحث المتفاوضين على عدم التشدد، وضرورة تقديم التنازلات، معتبراً أن نظام الرئيس السابق عمر البشير كان وراء الانفصال، فيما شدد عضو مجلس السيادة رئيس الوفد السوداني للمفاوضات مع الحركات المسلحة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، على أن تحقيق السلام في بلاده خيار استراتيجي، في وقت دعا رئيس تحالف «الجبهة الثورية» دكتور الهادي إدريس، المجتمع الدولي ودول الجوار، إلى توحيد الجهود لإنجاح العملية السلمية في السودان، في حين طالب رئيس «الحركة الشعبية - شمال»، عبد العزيز الحلو، السلطة الانتقالية في بلاده، بتقديم التنازلات لتحقيق الوحدة في السودان على أسس عادلة.
وقال الرئيس سلفا كير، في الجلسة الافتتاحية لبدء إجراءات محادثات السلام بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في جوبا، إنه يشكر جميع الأطراف، لتلبيتهم الدعوة بالحضور إلى عاصمة بلاده، وأن ذلك يؤكد رغبتهم في تحقيق السلام في بلدهم، وأضاف: «سنكون سعداء في جنوب السودان عند وصول أشقائنا في السودان إلى السلام»، داعياً أطراف التفاوض السودانيين إلى العمل من أجل تحقيق السلام لشعبهم الذي يعاني أوضاعاً عصيبة، وقال: «لقد كنت جزءاً من السودان، وأريد أن أنصحكم بأن الأوضاع التي أبعدتنا من السودان يجب أن يتم تجاوزها من قبل المجموعة التي استولت على السلطة، ولقد تم دفعنا إلى خارج السودان»، في إشارة إلى الانفصال الذي حدث في عام 2011 عبر الاستفتاء الشعبي، وأضاف: «لا أريدكم أن تتبنوا مواقف متشددة، وعليكم بالمرونة في رفع المطالب، والاستعداد لتقديم بعض التنازلات المطلوبة، لأن عليكم مسؤوليات أمام شعبكم، وسنكون معكم خطوة بخطوة».
وقال كير إنه في أي نزاع بالسودان، تبدأ أطراف مختلفة بالتحرك لإيجاد الحلول، وقال: «السودان هو وطننا، ولا يمكننا أن نكون مرتاحين هنا في جوبا، بينما الخرطوم تحترق»، وأضاف: «أريد منكم التأكيد لجميع أصدقائكم الذين لم تتم دعوتهم أننا لا نسعى إلى إقصائهم، وأن تبلغوهم بذلك»، معرباً عن سعادته ببدء المحادثات المباشرة، وقال: «مجموعة عبد العزيز الحلو مختلفة عن (الجبهة الثورية)، لكن في النهاية نريد تحقيق السلام، وهي المهمة الرئيسية بالنسبة لنا... نسعى لتحقيق السلام الذي يجعل الناس لا يعودون إلى الحرب مرة أخرى»، مؤكداً أن الأطراف السودانية جادة في تحقيق السلام، وتابع: «أريدكم أن تتفاوضوا بإرادة حقيقية للتوصل إلى السلام، الذي إن لم يتحقق فلن يكون هناك سلام في جنوب السودان».
من جانبه، قال عضو مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في الجلسة الافتتاحية، إن «السلام يحقق مصالح بلدي السودان وجنوب السودان»، وأضاف: «السلام بالنسبة لنا مطلب استراتيجي، والتنمية الاقتصادية لا تتحقق إلا بالسلام، ومشاركة أبناء الوطن في السلطة والثروة، ما يحقق الفرص المتساوية للجميع دون إقصاء لأحد على أساس العقيدة أو اللون»، داعياً إلى أن يكون منهج الدولة التراضي على أساس المواطنة.
وأكد حميدتي، الذي وصل جوبا أمس، على رأس وفد عالي المستوى لبدء إجراءات محادثات السلام مع «الجبهة الثورية» و«الحركة الشعبية - شمال» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، رغبة بلاده في إنجاح مبادرة رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، التي توافقت عليها الحركات المسلحة، وقال: «أتينا إلى جوبا بقلب مفتوح للبدء فوراً في محادثات جادة ومثمرة، أساسها الرغبة الصادقة في تحقيق السلام بعد هذه السنوات الطويلة من الحرب. لقد حان الوقت لوقف هذه الحروب والبدء في مسيرة البناء والتعمير»، داعياً إلى معالجة كل المشكلات التي تؤدي إلى الصراع بمعالجة جذور الأزمة بشكل يرضي الجميع.
من جهته، دعا رئيس تحالف «الجبهة الثورية» التي تضم الحركات المسلحة، التي تقاتل الحكومة في النيل الأزرق ودارفور الدكتور الهادي إدريس يحيى، دول الترويكا (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج)، والاتحاد الأفريقي، ومصر، وإثيوبيا، وتشاد، والخليج العربي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، إلى العمل المشترك وتوحيد الجهود لإنجاح العملية السلمية في السودان، وقال: «الذين جربوا الحرب يدركون معنى السلام... السلام الذي نبحث عنه ليس للوظائف وإرضاء النخب، نحن نريد السلام الذي يخدم ضحايا الحروب. إنه السلام الذي صنعته الثورة السودانية، ويجب أن يتحقق سلام يشبه هذه الثورة»، مشدداً على أن التحالف لا يسعى إلى عقد صفقة محاصصة بين القيادات، وأضاف: «نريد إجابة على السؤال التاريخي عن كيف يحكم السودان من قبل من يحكمه، وذلك بمخاطبة جذور الحروب».
وأعرب يحيى عن أمله في أن تنتهي الحروب في السودان دون عودة، وقال: «يجب أن نسأل أنفسنا لماذا انفصل جنوب السودان عن السودان، ولماذا وقعت جرائم الإبادة الجماعية... علينا عدم تكرار أخطاء الماضي والتعلم منها»، معتبراً أن طريق تفكيك الدولة العميقة في بلاده يبدأ بتحقيق السلام، وأضاف: «بلادنا في حاجة ماسة اليوم لترتيبات أمنية شاملة وبناء جيش قومي لا يوجه سلاحه نحو شعبه»، مؤكداً أن تحالف «الجبهة الثورية» في كامل الاستعداد للانخراط في ترتيبات أمنية حقيقية وجاهزة لبناء شراكة مع القوى التي أطاحت بالنظام السابق، وتحقيق الانتقال من الحرب إلى السلام، ومن الشمولية إلى الديمقراطية، وإعادة هيكلة الدولة السودانية لمصلحة جميع شعوبه للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة وتضميد جراح الحرب، وتابع: «أي اتفاق سلام سيكون لصالح الشهداء والجرحى والمفقودين»، مناشداً «قوى الحرية والتغيير» التي شكلت الحكومة الانتقالية بتصحيح الأخطاء وإجراء مراجعات حقيقية لمؤسسات هذا التحالف.
من جانبه، قال رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال» عبد العزيز الحلو، إن السودانيين ظلوا في نزاعات داخلية مستمرة، وتنتقل أطراف النزاع من منبر إلى آخر في عواصم دول الجوار والإقليم، وأضاف: «أخشى أن يكون هناك منبر جديد... الآن جئنا إلى جوبا التي كانت جزءاً من السودان، ولعدم الجدية سابقاً أصبحنا نتفاوض فيها بعد أن أصبحت دولة مجاورة بدلاً من الحفاظ على وحدة البلاد»، موجهاً رسالة إلى عضو مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه، وقال: «لا بد من تقديم تنازلات ضرورية للحفاظ على وحدة السودان على أسس عادلة وسلام دائم وسودان جديد يسع الجميع»، وتابع: «أرجو أن ننتهز هذه الفرصة لنقول نتمنى أن يكون هذا آخر منبر للتفاوض بين السودانيين، وعلينا ألا نضيع هذه الفرصة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.