الحلقة (7) : الملازم أول معمر شكل «تنظيما عسكريا للثورة» ثم أزاح رفاقه عن الحكم بقسوة

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع القذافي (7 من 10)

القذافي في السنوات الأولى لحكمه مع عدد من مساعديه
القذافي في السنوات الأولى لحكمه مع عدد من مساعديه
TT

الحلقة (7) : الملازم أول معمر شكل «تنظيما عسكريا للثورة» ثم أزاح رفاقه عن الحكم بقسوة

القذافي في السنوات الأولى لحكمه مع عدد من مساعديه
القذافي في السنوات الأولى لحكمه مع عدد من مساعديه

انتقل الطالب معمر القذافي مطرودا من ولاية فزان إلى ولاية طرابلس ليستكمل دراسته الثانوية في مدينة مصراتة. وبعد أن تخرج في الكلية الحربية في بنغازي، أصبح ضابطا يقتني سيارة «فولكس فاغن» ذات لون سماوي، استخدمها في تنقلاته لزيادة عدد «الخلايا المدنية»، بعد أن قام وهو في الكلية الحربية بدخول مرحلة تشكيل «الخلايا العسكرية»، التي ساعدته في الإطاحة بالنظام القديم، لكن زملاءه الضباط الذين قاموا معه بـ«الثورة» كانت لديهم طموحاتهم في الحكم أيضا، فقرر التخلص منهم، من خلال إعادتهم إلى معسكراتهم أو الزج بهم في السجون، أو كما يقول قذاف الدم «كان قاسيا معهم»، لأنه كان يقول لزملائه الضباط إنهم «لم يقوموا بانقلاب لكي يحكموا ليبيا، ولكن ثورة ومهمة، وأن المهمة انتهت».
لكن كيف انتقل معمر من سبها حيث الحر والتراب، إلى مصراتة حيث الأمطار والخضرة. حتى نهاية الخمسينات كان ما زال هناك.. الراديو الخشبي الموجود في ركن الصالة في بيت الضابط قذاف الدم، والد أحمد، في سبها، كان يبث أخبارا عن قيام فرنسا التي كانت تحتل الجزائر بتفجيرات ذرية تجريبية في منطقة برقان بصحراء الجزائر عام 1960. وكان الطالب معمر يجلس في الركن المقابل يستمع إلى الخطب التي تندد بقسوة القوات الفرنسية مع الجزائريين. وفي اليوم التالي، وبعد توجهه إلى المدرسة، حيث تبدو معسكرات الفرنسيين مخيفة وغامضة، خلف قلعة سبها، بدأ في تحريض التلاميذ على الخروج في مظاهرة.
وعقب انتهاء اليوم الدراسي انتقلت مجموعات من هؤلاء الأولاد عبر الشوارع الترابية التي تصطف على جانبيها دكاكين من الصفيح والخشب، يبثون نبأ تنظيم مظاهرة مؤيدة للثورة الجزائرية. وكانت هذه هي المظاهرة قبل الأخيرة التي ينظمها معمر في ولاية فزان، قبل أن يتقرر طرده منها.
كانت إذاعة «صوت العرب» تبث أغنية حماسية تقول «قد عقدنا العزم على أن تحيا الجزائر»، حين جاء رجلان من شرطة الولاية، واقتادا معمر، والبالطو يتطاير حول قدميه، إلى داخل مكتب التحقيقات في المبنى المكتوب على واجهته «المملكة الليبية المتحدة - ولاية فزان - قوة بوليس فزان». وقال له المحقق: «أنت كنت تقود المظاهرة، والمحضر يثبت هذا.. ومصيرك السجن. قل لي ماذا تريد من هذه الأعمال التي تقوم بها. المفيد لك هو أن تذاكر دروسك». لكن الولاية فوجئت بعد ذلك بـ«تورط» الطالب نفسه في التحريض على مظاهرة أكبر من الأولى، في صورة جنازة رمزية للمناضل الأفريقي باتريس لومومبا (كان أول رئيس وزراء منتخب للكونغو أثناء الاحتلال البلجيكي لبلاده) والذي قتل عام 1961.
وبعد أيام مثل معمر أمام المجلس التنفيذي لولاية فزان. وقال له رئيس المجلس: «أنت طالب قادم إلى هنا لكي تتعلم، فما هي علاقتك بالسياسة.. تتزعم المظاهرات وتحرض الطلاب». وتقرر منعه من الدراسة أو الإقامة في فزان. وفي يوم خروج إحدى الشاحنات القليلة في الولاية للسفر إلى الشمال، كان معمر قد ركب في صندوقها مع المسافرين. ومن بعيد كان أقرباؤه وجيرانه وزملاؤه في المدرسة يلوحون له مودعين، بينما الشاحنة تعبر على المدق الترابي وسط النخيل، إلى أن اختفت وراء سحب التراب.
ويقول قذاف الدم إن الطالب معمر التحق بعد ذلك بمدرسة مصراتة الثانوية، التي كانت تتبع ولاية طرابلس. وهناك بدأ يتعرف أكثر على ليبيا وعلى ما يجري فيها، وشاهد هيمنة الطليان على البلاد والمزارع وقسوتهم على الناس، وبدأ يتردد أيضا على طرابلس، ويكتشف القواعد الأجنبية الموجودة في ليبيا، ويشكل «الخلايا المدنية» من مجموعات من الطلاب، فأصبح لديه مجموعات في سبها وأخرى في مصراتة، ثم طرابلس، وغيرها من الضواحي والقرى، بما فيها سرت، مسقط رأسه، بطبيعة الحال. لكنه بدأ يفكر في تشكيل «خلايا عسكرية» أو «تنظيم عسكري»، وهو يتأهب للانتهاء من دراسته الثانوية والالتحاق بالكلية الحربية في بنغازي.
ويضيف: «في السنة الثالثة في الثانوية، اقترح على زملائه أن ينضم كل من لديه القدرة على ذلك للكلية الحربية، وبالفعل دخل هو ومجموعة من أقرانه الكلية في بنغازي، وأصبح هو وزملاؤه نواة لحركة الضباط الأحرار التي ستظهر على سطح الأحداث بداية من الأول من سبتمبر (أيلول) عام 1969. ولم يلتحق بالكلية الحربية طلاب من دفعته الثانوية فقط، بل التحق بها أيضا معظم دفعات الطلاب الذين جاءوا بعده من أولئك الذين كانوا قد انضموا مبكرا للتنظيم المدني».
ويقول قذاف الدم إن أخبار وتحركات معمر لم تنقطع عنه وهو في سبها؛ إذ كان منخرطا في المجموعات المدنية في الجنوب، إضافة للعلاقة العائلية.. «كنا على تواصل بطبيعة الحال. نلتقي إذا ما جئت أنا إلى بنغازي أو إذا جاء هو إلى فزان، وكان إذا ما أتى إلى فزان، يحرضنا على اكتشاف الطلاب النشطين الذين لديهم ميول تحررية ووطنية، بمن فيهم المجموعات الناصرية.. وأحيانا كنا نلتقي في طرابلس في مناسبات تخص الاحتفالات الوطنية (أيام الحكم الملكي).. مثلا في التاسع من أغسطس (آب) بمناسبة تأسيس الجيش، حيث يجري استعراض للقوات المسلحة في طرابلس».
ويواصل قائلا إن معمر حين تخرج في الكلية الحربية (عام 1965) وأصبحت لديه سيارته الفولكس تلك.. «بدأ ينشط أكثر، ويتنقل بها في كل مكان تقريبا، والتحق بجامعة بنغازي لدراسة التاريخ أيضا، واستمر كذلك في متابعة التنظيمين المدني والعسكري. وبدأ التحضير للثورة.. كنا نحن في إقليم فزان قد بدأنا في تشكيل خلايا مدنية كظهير وكخط ثان إذا ما فشلت هذه الثورة، أو انكسرت، أو دخل من يقودونها السجن. بحيث يستمر التواصل لإخراج ليبيا من الوضع البائس الذي كانت فيه».
وجاءت هزيمة 1967 واحتلال إسرائيل لسيناء بمثابة اللكمة التي زلزلت عقول هؤلاء الطلاب والضباط الليبيين المتحمسين لعبد الناصر وقضايا التحرير. ويقول قذاف الدم: «التداعيات التي وقعت في مصر بسبب حرب 1967 أثرت كثيرا في القذافي وفي كل جيلنا، والهزيمة جرحتنا جميعا».
وفي ذلك اليوم، كان قذاف الدم في فزان ومعمر في بنغازي. ويتذكر قذاف الدم قائلا: «سمعت خبر الهزيمة من الراديو. كانت صدمة.. كان الأمر يشبه انكسار الحلم. المفارقة أن ما حدث من يوم 5 حتى يوم 8 يونيو (حزيران) 1967 كان يشبه عملية بسترة في رأسي تجاه عبد الناصر.. سقط من عيوننا فجأة.. وتبدد حلمنا بوحدة الأمة وتحرير فلسطين.. شعرنا بصدمة قد تكون تأثيراتها مستمرة معنا حتى هذه اللحظة، لكن حين خرج عبد الناصر في يوم 9 يونيو، وأعلن تحمله مسؤولية الهزيمة، ورغبته في التنحي، أعاد لنا الثقة فيه بطريقة لا يمكن تخيلها، خرجنا في مظاهرات، لأننا رأينا فيه الرمز الذي يرفض الهزيمة.. أما بالنسبة لمعمر وباقي الضباط الأحرار الذين معه، فبدأوا في التعديل من نشاطهم داخل ليبيا، ويقولون إن مصر حين تعرضت للضرب في عامي 1956 و1967، كان بمساهمة من القواعد الأجنبية في ليبيا التي استخدمت أيضا لدعم العدو الصهيوني.. لذلك أصبح يتولد لدينا شعور بالذنب ونرى أن ليبيا وبدلا من أن تكون رافدا لهذه الأمة تستخدم كقاعدة لتدميرها». ومع تزايد نشاط الضباط وتحركات الفولكس ذات اللون السماوي، قام رئيس شعبة الاستخبارات، فرع بنغازي، باستدعاء معمر لمساءلته عن تحركاته المريبة وفقا لما هو مدون في ملفه العسكري. وبحلول عام 1969 بدأ يشعر بأنه لا بد من القيام بتحرك قبل انكشاف أمره.
ويقول قذاف الدم: «كان موعد (الثورة) قد تحدد بيوم 12 مارس (آذار) 1969، لكنه تأجل لأن جميع رجال الدولة، بمن فيهم الضباط الكبار في الجيش، كانوا في حفل أم كلثوم الذي أقيم في مسرح بنغازي»، وهي المدينة التي ستعلن فيها حركة الضباط الأحرار عن نفسها بعد أقل من خمسة أشهر من الآن. ويضيف أن «الضباط الأحرار لو كانوا قد تحركوا وقاموا بالثورة في تلك الليلة لوقعت مذبحة». وكانت أم كلثوم تشدو بأغنية «الأطلال» التي تقول في ختامها: ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم.. بعد ما عز اللقاء.
وبدت تصرفات الضابط معمر أكثر جرأة من السابق، وحين جاء حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط الجيش في بنغازي يوم 9 أغسطس (آب) 1969، كانت السلطات الأمنية والمخابرات العسكرية تستشعر أن هناك أمرا ما سيحدث وأن القذافي الذي يبدو أمام الجميع أنه يقف وحده، لديه ما يعطيه القدرة على التحدي سواء داخل الوحدات أو خارجها. وفي كل يوم كانت تتزايد فيه تحركات السيارة الـ«فولكس فاغن»، كان يتأكد للأمن الحربي أن هناك مشكلة كبيرة قادمة في الطريق. ولهذا صدر أمر باعتقاله، وجرى تكليف مجموعة من الضباط بالقبض عليه أثناء وجوده في فندق الريفييرا في بنغازي يوم 31 أغسطس 1969 ليلا. وفي هذه الأثناء كان القذافي قد أصدر أوامره للوحدات العسكرية التابعة له بالتحرك.
وكان قذاف الدم في سبها بولاية فزان يترقب لحظة الإعلان عن سقوط النظام وصعود نظام جديد.. «كان لدينا علم بساعة الصفر، لأنه عندما قرر الأخ معمر أن يكون يوم الاثنين، الفاتح من سبتمبر، هو يوم التحرك، كان أخي سيد معه، وذلك في آخر اجتماع عقد في طرابلس من أجل انطلاق الثورة. أعتقد أن الاجتماع كان يوم 28 أو 29 أغسطس. كنا على أعصابنا ننتظر ساعة الصفر.. كنت أنا ومعي طلاب ممن كانوا معنا في التنظيم المدني، على أساس نخرج في اليوم التالي في مظاهرات لتأييد الثورة في حال نجاحها، أو الانضمام إلى القوات المسلحة إذا ما حدثت مواجهات.
وفي فزان بدأت التحركات في الحامية العسكرية عن طريق الضباط الأحرار الموجودين في تلك المنطقة.. «طبعا مرت لحظات رهيبة في الانتظار، لأننا كنا نخشى القواعد (العسكرية الأجنبية) التي قمنا بمحاصرتها، لكن لم يقاوم أحد ولم يمت أحد.. كانت ثورة بيضاء». وخرج قذاف الدم يوم الأول من سبتمبر 1969، مع الجماهير في الشارع، ويوضح قائلا: «أما في اليوم الثاني، فدخلنا واقتحمنا المعسكرات، حيث كنت مدربا على السلاح بحكم أن والدي ضابط قوات مسلحة أساسا.. وبعد ذلك توجهت إلى طرابلس والتحقت بمعسكر القيادة التابع للجيش في باب العزيزية، وبسبب انشغال الضباط في الثورة لم تنتظم الدراسة في الكلية الحربية الليبية في العمل إلا بعد سنتين أو ثلاث، ولذلك التحقت بالكلية الحربية في مصر، وكنت ضمن أول دفعة عسكرية ليبية بعد الثورة في 1969». ولم تكن السنوات الأولى من حكم معمر تسير على ما يرام، لأن الخلافات بدأت تدب في أوساط «الضباط الأحرار». ويوضح قذاف الدم هذا الأمر قائلا: «أولا كان هناك فارق كبير بين معمر ومن معه من الضباط. معمر كان لديه حلم، وأنه لم يقم بانقلاب لكي يحكم لا هو ولا زملاؤه.. كانت لديهم مهمة وانتهت هذه المهمة.. وبالتالي لم يكن داخل أول حكومة تشكلت وقتها أي من الضباط الأحرار أو من مجلس قيادة الثورة.. كانت الحكومة حكومة تكنوقراط. وهنا بدأ بعض من الضباط يشعرون أنهم قاموا بعمل جبار دون أن يحصلوا على المكافأة التي يستحقونها».
ويتابع قائلا: كان معمر قاسيا مع هؤلاء الضباط، وتركهم في معسكراتهم.. وكان يعاقبهم عقوبات عسكرية ويضع بعضهم في السجون.. المهم أنه أعاد جميع الضباط الأحرار إلى معسكراتهم، واستعان لفترات معينة، في البداية، ببعض زملائه في وظائف مدنية، مثل عبد السلام جلود، وعبد المنعم الهوني، أما الباقون فبقوا في القوات المسلحة.. حتى مصطفى الخروبي والخويلدي الحميدي بقيا قيادات في القوات المسلحة، ولم تكن لهم علاقة بالعمل المدني. ولا شك أن بعض الأعضاء والضباط كانوا يتطلعون إلى السلطة وحاولوا أن يديروا الكفة وبعضهم كان يرى أن معمر قسا عليهم وأنه كان ينبغي أن يحظوا ببعض الميزات مثل أن يغيروا مساكنهم ويغيروا وضعهم، ورواتبهم. معمر كان قاسيا في هذا الجانب، وبالتالي حاولوا الانقلاب في منتصف السبعينات وفشلوا.
وماذا بالنسبة للقذافي نفسه الذي ظل على رأس السلطة منذ ذلك الوقت. هل كان يطلق عليه الرئيس أم قائد الثورة أم ماذا؟ يقول قذاف الدم: «هو قائد الثورة وهو الذي صنعها، وهو الذي اختار مجلس قيادة الثورة من الضباط الأحرار.. وهو الذي أسس هذا العمل منذ أن كان شابا مدنيا إلى أن وصل إلى هذه النقطة. ثم إن الكثير من الضباط لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضا قبل الثورة.. كان القذافي قد شكل التنظيم بطريقة تشبه الخلايا العنقودية، ولا أحد يعرف الآخر. كان هو الوحيد الذي يعرف الضباط الأحرار».
كان البعض من المقربين من القذافي يشعر بالقلق من الهزة التي تشهدها «الثورة» والدولة الليبية في ثوبها الجديد. وكان ذلك في أواخر عام 1972 وبدايات عام 1973. وبينما الوضع كذلك في الداخل الليبي، كانت منطقة الشرق الأوسط تبدو محتقنة بالأحداث الكبرى، وفي القلب منها خطابات السادات التي يعلن فيها عن قرب معركة تحرير سيناء ثم يؤجلها، وكان القذافي كحاكم جديد في طرابلس يعلو بشعارات القومية والتحرر على نهج عبد الناصر، ويؤيد تحركات السادات لشن حرب ضد «العدو الصهيوني».
ويتذكر قذاف الدم تلك الفترة الصعبة قائلا: «حين شعر معمر أن الضباط بدأوا في التفكير في الانقلاب والسيطرة على البلد، ذهب إلى مدينة زوارة (كان ذلك في ربيع 1973) وألقى خطاب زوارة الشهير، وحرض الناس على تسلم السلطة، وقيام المؤتمرات الشعبية، وذلك من أجل قطع الطريق أمام أي محاولة انقلابية على الثورة». ويضيف أن القذافي قال موجها كلامه للجماهير من زوارة: نحن خرجنا من معسكراتنا، ويجب أن نعود إليها جنودا محترفين.. أما مهمتنا فكانت صرخة حرية لهذا الوطن، وأن يحكم الشعب، لذلك خرجنا من فزان، وشكلنا الخلايا المدنية، والعسكرية، والآن على الليبيين أن يتحملوا مسؤوليتهم في الحكم.
وعلى هذا، كما يقول قذاف الدم، بدأت موجة من الاختيار الشعبي المباشر للمسؤولين التنفيذيين. سكان كل منطقة يرشحون رئيس الحي ومدير المستشفى وعميد البلدية والوزير. ويشير إلى أن.. «هذا الأمر زاد من استفزاز بعض الضباط، وعجلوا بنشاطهم المحموم تجاه إسقاط معمر القذافي، لأن السلطة بدأت تفلت من أيديهم، بعد أن قطع عليهم الطريق. وأوقف كل الأحزاب السياسية والبعض دخل السجن والبعض هرب إلى الخارج دون أي سابق إنذار خوفا من بطش الجماهير لأن الناس بدأت تخرج، وكذا خوفا من أن تفلت الأمور وينقض عليهم الناس».
وأمام القرارات التي كانت توصف بأنها «قرارات شعبية» في ذلك الوقت، تراجعت أحلام قادة الأحزاب الشيوعية والليبرالية وجماعة الإخوان والحركات الطلابية. ويقول قذاف الدم: «بعض التنظيمات الشيوعية تحديدا في ذلك الوقت كانت نشطة، وقامت ببعض المظاهرات في الجامعات وبعض المواقع ضد سلطة الشعب، ولكنها كانت ضعيفة ولم يكن لها من مكان بعد أن اكتسب معمر القذافي شعبية قوية.. كما أن القذافي واصل نشاط معسكرات الشباب ومخيماتهم، وكان يأكل معهم ويحاضر فيهم ويبيت معهم عند الخروج للصحراء.. كان مستمرا في توسيع دائرة الخلايا التي سبق وشكلها منذ البداية.. وفي ذلك الوقت، أي قبيل سنة 1975 بقليل بدأ التفكير في الاعتماد على تجربة حركة اللجان الثورية، لتكون الحامي لسلطة الشعب على أن تقوم أيضا بتحريض الجماهير للحكم.. كانت اللجان الثورية مجرد بدايات حينها، إلى أن وضعها القذافي في المحك، وأخذ قرارا بإعلانها مع إعلان «سلطة الشعب» عام 1977.
وماذا عن موضوع «إعدامات الطلاب» في ذلك الوقت؟ يجيب قذاف الدم قائلا: عندما قامت الثورة الشعبية في 1976-1977 وسيطرت اللجان الشعبية على الجامعات، كان هناك طلاب، أعتقد أنهم كانوا شيوعيين أو قوى أخرى، واستهدفهم الطلاب المنخرطون في الثورة الشعبية.. حدثت مواجهات بين الطلاب المناصرين لثورة الفاتح والطلاب المعادين لهم.. وعملوا محاكمات.. كان ذلك قبيل تأسيس اللجان الثورية بالشكل الذي أصبحت عليه فيما بعد.. كان صراعا بين الطلاب، لكن بالتأكيد كانت هناك حالات ظلم، وكانت هناك عمليات مستهجنة من البعض، كما أنه كان هناك من غادر ليبيا خوفا من أن يستهدف، خاصة ممن كانوا ينتمون لبعض الأحزاب السياسية، منها على ما أعتقد جماعة الإخوان المسلمين وبعض البعثيين والشيوعيين.. «هؤلاء رأوا أنه لم يعد لهم مكان، لكن أعدادهم كانت محدودة، لأن ليبيا تربة ليست مناسبة للحزبية بالمعنى الحرفي للكلمة، وها أنت تشاهد اليوم (بعد 2011) التخبط في أوساط هذه الأحزاب الوليدة، لأن ليبيا مجتمع قبلي وأناس بسطاء ولا يؤمنون بهذا الشكل الديمقراطي الغربي».
لكن متى بدأ قذاف الدم يدرك أن القذافي يتبع طريقة معينة في حكم البلاد. هل منذ الأيام الأولى للحكم أم فيما بعد؟ يقول ردا على هذا السؤال إن معمر، منذ أن بدأ «كان توجهه قوميا إسلاميا، ويختلف إلى حد ما عن عبد الناصر في الجانب الإسلامي. معمر كان أقرب إلى السلفية.. كان متعصبا للإسلام، وتطبيق الشريعة، وقد تندرت السيدة جيهان السادات على ما كان يقوم به القذافي بخصوص المرأة وخروجها، وعملها وتدخينها للتبغ.. كان القذافي لديه تحفظات كبيرة في هذا الشأن، في ذلك الوقت، بالإضافة إلى أنه كان قد فرض الصلاة في المقار الحكومية وإيقاف العمل أثناء وقت الصلاة، وقرر وقف كل القوانين التي تخالف الشريعة الإسلامية، وقطع شوطا كبيرا في هذا الاتجاه».
ويضيف: «كما أن القذافي كان متأثرا أيضا، وبشكل كبير، بالأفكار الخاصة بنظم الحكم في اليونان القديمة، وما ذكره الفلاسفة عن حكم الشعب، وأن يكون كل سكان المدينة أعضاء في برلمان المدينة، وغيره مما جاء في أفكار أرسطو وسقراط، بالإضافة إلى تأثره الكبير بنظام الشورى في الإسلام، وأن هذا النظام لا يعني أن يكون هناك برلمان يمثل الناس، وأن التمثيل غير ممكن لأنه لا أحد يستطيع أن يحلم نيابة عن الآخر أو يأكل أو يموت نيابة عنه، وبالتالي، وبدلا من أن يكون لدينا برلمان واحد في العاصمة، يكون لدينا في كل قرية برلمان يعرض عليه نفس ما يعرض على البرلمان من مواضيع من الخبز إلى الحرب، ويصبح هؤلاء كلهم شركاء ونشاورهم في الأمر ونجمع قراراتهم في ملتقى واحد يسمى ملتقى اللجان الشعبية، ومؤتمر الشعب العام، الذي يكون في العاصمة غالبا، ليس لاتخاذ قرارات، وإنما لصياغة قرارات الناس.. وهذه الصيغة هي التي استمر بها».
وتغيرت نظرة القذافي لواحدة من أهم أدوات الحكم، وهي الجيش النظامي. ويقول قذاف الدم: كان القذافي يقول إن مسألة أن يذهب أحد للجيش ويموت دفاعا عن الوطن، بينما الآخر يقيم عمارات ويجني الثروات، أمر لا يليق.. وبالتالي يكون على كل الشعب، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، التدرب على السلاح في معسكرات بمناطقهم، وحينما تحين ساعة القتال الكل يشارك، ويعبئ مئات الآلاف من المقاتلين للدفاع عن الوطن، بمعنى أنه كان يرى أن الجيش النظامي بالمعنى التقليدي، انتهى، وأصبح هناك الجيش الشعبي الذي لا يهزم، ولا يهاجم الآخرين. ويصبح للجيش الشعبي معسكرات موجودة وسلاح ومدربون في كل حي وفي كل قرية.. الأسلحة موجودة والكوادر موجودة. وما حدث في فبراير (شباط) 2011، هو أن الناس هجموا على المعسكرات دون أن يعترض طريقهم أحد، لأنها معسكراتهم، وأخذوا أسلحتهم التي تدربوا عليها سلفا، ويعرفونها ويعرفون مخازنها في المعسكرات جيدا».



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.