خسائر أميركية من الحرب التجارية

الشركات تتطلع لتعديل سياسات بكين... لكنها تعاني من سياسات ترمب أيضاً

أظهرت البيانات انكماش مؤشر النشاط الصناعي الأميركي للمرة الأولى منذ عام 2016 (أ.ب)
أظهرت البيانات انكماش مؤشر النشاط الصناعي الأميركي للمرة الأولى منذ عام 2016 (أ.ب)
TT

خسائر أميركية من الحرب التجارية

أظهرت البيانات انكماش مؤشر النشاط الصناعي الأميركي للمرة الأولى منذ عام 2016 (أ.ب)
أظهرت البيانات انكماش مؤشر النشاط الصناعي الأميركي للمرة الأولى منذ عام 2016 (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء الماضي، أن الصناعات التحويلية الصينية على وشك الانهيار إن لم توافق بكين على الشروط التجارية التي حددتها الولايات المتحدة الأميركية، لكن البيانات الصادرة حديثاً تعكس أن الحرب التجارية الأميركية ترتدّ آثارها على الاقتصاد الأميركي، وتُلحق المزيد من الأضرار بالمصانع التي تعهّد الرئيس بحمايتها.
وبعد أيام من بدء سريان الرسوم الجمركية الجديدة على جانبي المحيط الهادئ، سجّل مؤشر النشاط الصناعي الأميركي –الذي تجري متابعته عن كثب– هبوطاً من 51.2 نقطة إلى 49.1 نقطة، الأمر الذي يشير إلى انكماش في نشاط المصانع الأميركية للمرة الأولى منذ عام 2016. وأشارت الشركات التي شملها مسح معهد إدارة التوريد، الذي يستند إليه المؤشر المذكور، إلى انكماش في طلبات التصدير نتيجة للنزاع التجاري الدولي القائم، فضلاً عن التحديات المتمثلة في نقل سلاسل التوريد الدولية خارج الصين تفاديا لمواجهة الرسوم الجمركية الأميركية الباهظة.
ومن المتوقع لصراعات قطاع الصناعات التحويلية الأميركي أن تتزايد في الأيام المقبلة إذا استمر تصعيد الحرب التجارية بين أكبر كيانين اقتصاديين في العالم. ويوم الأحد الماضي، دخل حيز التنفيذ قرار فرض الرئيس الأميركي رسوماً جمركية جديدة بنسبة 15% على مجموعة من السلع الاستهلاكية، بما في ذلك الملابس، وماكينات تشذيب الحشائش، وماكينات الخياطة، والمواد الغذائية، والمجوهرات. وجاء ردّ بكين انتقامياً بفرضها رسوماً جمركية مماثلة على ما قيمته 75 مليار دولار من المنتجات الأميركية. كما أعلنت الصين يوم الاثنين الماضي، أنها تعتزم رفع شكوى إلى منظمة التجارة العالمية بشأن الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة.
أصابت الأسواق اهتزازات شديدة إثر الأنباء الاقتصادية السلبية بشأن الحرب التجارية الراهنة. وسجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» هبوطاً في مطلع الأسبوع بواقع 0.9 نقطة مئوية، مع ضعف خاص يتعلق بالأسهم الصناعية وأسهم الطاقة.
كما سجلت أسعار السلع الصناعية الرئيسية هبوطاً مماثلاً مع انخفاض أسعار العقود الآجلة للنفط الأميركي الخام بنسبة 3 نقاط مئوية تقريباً. وسجل النحاس، الذي يعد معيار قياس صحة القطاع الصناعي العالمي، هبوطاً بأقل من نقطة مئوية واحدة.
كما انخفض العائد على سندات الخزانة لمدة عشر سنوات إلى 1.45 نقطة مئوية، حيث يواصل المستثمرون المضطربون شراء السندات الحكومية، مما يدفع الأسعار نحو الارتفاع مع انخفاض العوائد. ويشير الانخفاض المسجل في عوائد السندات للعام الجاري –كانت العوائد على سندات الخزانة لمدة عشر سنوات تربو على 3 نقاط مئوية حتى عام 2018– إلى انخفاض واسع النطاق في توقعات النمو الاقتصادي في أوساط المستثمرين.
ويقول كريس رابكي، كبير الاقتصاديين الماليين في بنك «إم يو إف جي يونيون» الياباني، في مذكرة صدرت الثلاثاء: «أثارت الحرب التجارية الأميركية مع مختلف دول العالم فجوة كبيرة في ثقة الشركات التصنيعية. وسجل قطاع الصناعات التحويلية تراجعاً رسمياً للمرة الأولى خلال العام الجاري، مع بدء تداعيات الرسوم الجمركية الصينية والتباطؤ في الصادرات في الظهور على سطح الأحداث».
ويواصل الرئيس الأميركي إصراره على أن التداعيات السلبية الناشئة عن الحرب التجارية لا تُلحق الأضرار إلا بالصين فقط وليس بالولايات المتحدة. وقال يوم الجمعة الماضي إن الشركات الأميركية بدأت في مغادرة الصين، استجابةً للرسوم الجمركية التي أقرّتها إدارته، وهو التطور الذي وضع الولايات المتحدة في موقف تفاوضي استثنائي في مواجهة الصين. كما قال إن أي شركة تعاني من الآلام المالية جراء الرسوم الجمركية الأميركية فإنها تعاني بالأساس من سوء في الإدارة وليس من الحرب التجارية الدائرة.
ووجّه ترمب، يوم الثلاثاء، تحذيراً إلى بكين من عدم محاولة انتظار الإدارة الأميركية الجديدة لتتولى زمام الأمور إثر انتخابات عام 2020 الرئاسية المقبلة، مشدداً على أن سلاسل التوريد الصينية سوف تنهار تماماً إنْ هي فعلت ذلك وأنه سوف يمر وقت طويل للغاية من النزيف المستمر للوظائف والشركات.
وقال العديد من المديرين التنفيذيين والمجموعات التجارية المختلفة إنهم يؤيدون هدف الرئيس الأميركي في وجوب تغيير الممارسات الاقتصادية المعتمدة لدى الصين، ولا سيما تلك الممارسات التي تطالب الشركات بالإفصاح عن وتسليم التكنولوجيا القيمة كأحد الشروط الأساسية للعمل داخل الصين. غير أن الشركات قد بدأت تعرب عن قلقها بشأن طول أمد الحرب التجارية التي لا تنتهي. وقامت العديد من الشركات الكبرى، خصوصاً العاملة في قطاعات التجزئة والصناعات التحويلية، بتخفيض المبيعات وتوقعات الأرباح نتيجة للرسوم الجمركية الأخيرة.
وأثارت إمكانات الحرب التجارية في إبطاء التوسع والنمو الاقتصادي الأميركي، بما في ذلك تأثيرها على قطاع الصناعات التحويلية، مخاوف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بالفعل. وقرر البنك تخفيض أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات في يوليو (تموز) الماضي، وقال مسؤولو البنك إنهم على استعداد لفرض المزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة بهدف حماية الاقتصاد الوطني من تداعيات تباطؤ النمو العالمي ومخاطرة التجارة الدولية الراهنة.
وحتى بعض المسؤولين الذين لم يصوّتوا لصالح تخفيض أسعار الفائدة في يوليو الماضي قالوا إن المخاطر الاقتصادية في زيادة مستمرة.
وأشار إريك روزنغرن، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي فرع بوسطن والذي أدلى بصوته في السياسات النقدية للعام الجاري، إلى أنه لا يزال يفضل الانتظار مع مراقبة البيانات الاقتصادية المقبلة قبل اللجوء إلى تخفيض أسعار الفائدة لما بعد قرار يوليو الماضي والذي صوت بمعارضته وقتذاك. غير أنه عاد ليقول إنه من المعقول تماماً توصيف المخاطر التي يواجهها الاقتصاد الوطني بأنها في تصاعد مطّرد، وأنه إذا تحولت هذه المخاطر إلى حقيقة واقعة فلا بد من تخفيف السياسات النقدية بصورة مناسبة وصارمة، في إشارة إلى أنه ربما يفضل تخفيض أسعار الفائدة سريعاً في حالة تداعي البيانات الاقتصادية بصورة ذات مغزى.
وواصلت إدارة الرئيس ترمب ممارسة الضغوط على الصين منذ أكثر من عامين بغية التوصل إلى اتفاق تجاري من شأنه تعزيز حماية الملكية الفكرية الأميركية ويسفر عنه عمليات شراء كبيرة للمنتجات الأميركية. غير أن الجانبين لا يزالان يتواجهان بالكثير من الاختلافات في وجهات النظر بشأن القضية ذاتها، بما في ذلك التعديلات القانونية التي توجب على الصين إدخالها من أجل التعامل مع الشركات الأميركية بطريقة أكثر إنصافاً وعدالةً.
ومنذ أن توقفت المحادثات بين البلدين تماماً اعتباراً من مايو (أيار) الماضي، اتخذ الرئيس الأميركي خطوة تصعيدية بفرض ضرائب على كل ما ترسله الصين من منتجات إلى الولايات المتحدة تقريباً. وفرضت الإدارة الأميركية، يوم الأحد الماضي، ضرائب بنسبة 15% على ما يقرب من 112 مليار دولار من البضائع الصينية الواردة إلى الولايات المتحدة، كما أنها تعتزم فرض الرسوم الجمركية الجديدة على ما يقرب من 160 مليار دولار على المنتجات الصينية من الهواتف المحمولة، والحواسيب المحمولة، والملابس، والألعاب اعتباراً من 15 ديسمبر (كانون الأول). وصرح الرئيس الأميركي قائلاً إن الولايات المتحدة تعتزم رفع الرسوم الجمركية من 25 إلى 30% على ما قيمته 250 مليار دولار من المنتجات اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول).
وكانت الصين قد تعهدت بفرض المزيد من الرسوم الجمركية من جانبها بحلول يوم 15 ديسمبر. ولا يزال بإمكان الجانبين المتنازعين تجنب المزيد من فرض الرسوم الجمركية وإعلان وقف «ثانٍ» لإطلاق النار على الصعيد التجاري. كانت الولايات المتحدة والصين قد ناقشتا عقد اجتماع في واشنطن في سبتمبر (أيلول) الجاري، يحضره المسؤولون المعنيون من الجانبين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في وقت لاحق من الشهر الجاري.
• خدمة «نيويورك تايمز»



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.