ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟

من دون الارتحال يسقط العجائبي وتموت الحكمة

ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟
TT

ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟

ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟

منذ ما لم أعد أتذكر من السنين، كنت أرى في قريتي شيوخاً، تقتصر حركتهم اليومية على بضع خطوات محفوظة، يمشيها المبصر ويمشيها الأعمى بأمان وروية.
كانوا يخرجون من دورهم، يجلسون أمام المسجد. ومع كل نداء للصلاة يدخلون لأداء الفرض، ثم يعودون إلى جلستهم، صامتين معظم الوقت، يتنقلون مع الظل حتى آذان الصلاة التالية، ثم يعودون إلى دورهم بعد الِعشاء؛ آخر صلوات اليوم.
لا يتغير هذا الروتين، إلى أن يسحب الموت أحدهم فيمشون في جنازته دون أسى، ويعودون إلى جلستهم التي سرعان ما يترقى إليها شخص جديد اكتشف أنه صار مُسناً، لأنه لم يعد يقدر على مواصلة العمل الزراعي الأكثر مشقة من أعمال السجناء.
ربما يسافر أحدهم في مناسبات محدودة إلى المدينة القريبة، عادة «المركز الإداري» لتسجيل قطعة أرض جديدة، أو مصاحباً لمريض إلى عيادة طبيب. ولأنهم أميون، فإنهم لم يسافروا في كتاب، باستثناء القرآن الكريم الذي يستمعون إلى تلاوته ويحفظ كل منهم فاتحته وبعض آياته للصلاة.
للمرأة، في هذه البيئة الضيقة، الرتابة ذاتها، باستثناء بعض الحيوية التي تضفيها المشعوذات وضاربات الرمل اللائي يزرن القرية بين حين وحين، ويُعدُّ الاتصال بهن حكراً على النساء.
كنت أفكر؛ بعطف في أولئك الرجال وتلك النساء، وبخوف على مصيري: ما معنى الثمانين عاماً التي يعيشها إنسان في مكان واحد، تمضي فيه وقائع أيامه بتطابق مطلق بين اليوم والذي يليه؟
من لا يُغير مكانه لن يعرف في حياته، مهما طالت، إلا القليل الذي يمكن أن يدهشه، ولن تكون حياته تلك مصدر دهشة لأحد إلا إذا قام بانقلاب جنوني، كأن يرتكب جريمة شنعاء أو يكون ضحية لجريمة.
ومن الصعب على من لا يسافر أن يُغيِّر الصورة المرسومة له سلفاً. لذلك كان لا بد لكل نبي من هجرة.
الطبيب المعالج يأتي من البعيد، بعد أن يعجز أطباء المملكة؛ فالبعيد موطن الحكمة. وهو موطن الغرائبي كذلك. لا يمكن أن نصدق أن بساطاً يطير أو عفريتاً يأتي في هيئة طائر يحمل البطل على جناحه أو بين مخالبه إلا أن يكون في مكان بعيد لا يبلغه مستمع أو قارئ الحكاية.
لنفكر: ماذا يمكن أن يتبقى من ألف ليلة وليلة إذا حذفنا السفر من متنها؟
تبدأ القصة الإطار بملك يطلع على خيانة زوجته، ولو قتلها أو طلَّقها لانتهت الليالي قبل أن تبدأ. لكن شاه زمان المفجوع في زوجته يترك مملكته ويسافر إلى أخيه، فيكتشف أن شقيقه ضحية المأساة ذاتها. يترك الأخوان مُلكيهما ويسيحان في الآفاق، فتتأكد عداوتهما للمرأة عندما صادفا امرأة تجبرهما على الاضطجاع معها، لتكمل بهما رقم مائة من رجال خانت معهم الجني الغيور بمجرد أن غفا، لمجرد أنه تركها لحظات خارج الصندوق ثقيل الأقفال الذي يحبسها فيه.
أن يكون العفريت بقدراته الأسطورية ضحية للخيانة؛ فهذا يقلل من فجيعتهما في الزوجتين، ويصلح لأن يكون موعظة «لو كُتبت بالإبر على آماق البشر لكانت عبرة لمن يعتبر». وبدا أن الأخ الكبير اقتنع بالموعظة، لأنه خرج من متن الليالي. ولن نعرف عنه شيئاً حتى الصفحات الأخيرة فنكتشف أنه ـ دون اتفاق مع أخيه ـ مارس السلوك الوحشي نفسه: الاستمتاع بامرأة كل ليلة وقتلها في الصباح!
توقف شهريار عن القتل لأنه كان محظوظاً بامرأة ذكية سافرت به في حكاياتها ليلة بعد ليلة لتريه المزيد من العبر وتسيح به في آفاق لم يرها.
استبدلت شهرزاد عذرية الأماكن بعذرية البنات، لترضي شهوته للافتضاض. وبعد سنوات ثلاث من الترحال في الحكايات، كانت قد استأنسته تماماً وأنجبت منه، وقرر الزواج منها، ودعا أخاه لحضور حفل عرسه؛ فإذا بنا نكتشف أن فاجعة الدم تواصلت في المملكة الأخرى!
لم يجد شاه زمان شهرزاداً أخرى تردعه عن القتل، وعاش السنوات الثلاث يمارس الوحشية التي مارسها شهريار في البداية. لكنه استقبل خبر زواج أخيه بسرور، وقرر الاقتران بدنيا زاد الصامتة التي لم تفارق مكمنها تحت سرير أختها طيلة السنوات الثلاث.
أنقذت شهرزاد بسفرها في الحكايات رجلين لا رجلاً واحداً من شهوة الدم. وتنازل شاه زمان عن مُلكه، مُفضلاً عليه البقاء لدى شقيقه، وتنتهي الليالي بصحبة الأخين والأختين، لم يفرق بينهم سوى هادم اللذات.
لو كان خروج شاه زمان المبكر من الليالي نهائياً، وظلت حياته مجهولة بالنسبة لنا لاعتبرنا انقطاع خطه سهواً من المؤلفين المجهولين، لكن عودته تعني أن حياة الإقامة غير جديرة بأن تُحكى، رغم الدراما العالية التي ينطوي عليها جز رقبة فتاة كل يوم.
يمكننا باطمئنان أن نعتبر ألف ليلة كتاباً في السفر. من دون الرحلة يسقط العجائبي؛ العمود الفقري لليالي. لهذا انحاز السرد في الليالي إلى الارتحال من قمة جبل إلى قاع بحر ومن حواري دمشق إلى جزائر الهند.
وتيمناً بالليالي، يظل السفر هو روح السرد في كل زمان، يمده بالدهشة، ويمهد للانطلاقات الكبرى في الحكاية من «دون كيخوتة» إلى «موبي ديك» إلى «مدن لا مرئية» لهذا يحب الروائيون السفر، باستثناءات نادرة بينها نجيب محفوظ، وأبطاله مثله لا يسافرون، وإذا سافروا فإننا نعرف بسفرهم أو بعودتهم كخبر في جملة.
«جلال ذو الجلالة» الفتوة الوحيد من سلالة عاشور الناجي الذي فتنته رغبة الخلود لم يسافر بحثاً عن عشبة تعفيه من الموت، لكنه استعاض عن ذلك بتغييب الشهود كي تحدث المعجزة، اعتكف حسب وصفة الدجال في غرفة مظلمة لمدة عام.
هذا الاعتكاف هو السفر الذي يناسب مخيلة كاتب مقيم. وكان في هذا الاختفاء الغامض ما يكفي من الفتنة لسكان الحارة؛ لأنهم عدوه سفراً. في اعتقادهم لا يمكن لأحد أن يبقى ساكناً طوال العام في ظلام غرفته؛ لا بد أنه قام بأسفار لا يعرفون طبيعتها خلال هذه الغيبة، ولا بد أنه عاد منها ليخلُد، وهو ما جعله مهاباً أكثر من أي فتوة آخر.
بسبب إجهاد الذاكرة، تصورت لسنوات طويلة أن حلم الكتابة كان حلمي الوحيد. نسيت أنني حلمت مبكراً جداً بالسفر، حتى التقيت في ميلانو بصديق طفولة يقيم بتلك المدينة الشمالية الإيطالية، دون أن أجرؤ على القول «يعيش هناك» فالإقامة غير العيش تماماً. لم يسافر إلا للضرورة. ولم ينسَ ذلك. كان يريد الستر الذي يجلبه العمل في الخارج، ولم يكن باحثاً عن المتعة، ولا عن مضاعفة العمر الذي يبتغيه الناس من السفر.
أبهجني لقاء صديق الصبا، وأدهشني صفاء ذاكرته، عندما سألني بغتة: «هل تتذكر حلمك بالعيش في الريف الإنجليزي؟».
ومضى السؤال كبرق أضاء منطقة معتمة في الذاكرة؛ وتذكرت فرحتي عندما تلقيت في البريد مجلة من القسم العربي للإذاعة البريطانية، فرحة لم تتكرر بتلقي شيء مطبوع بعد ذلك أبداً، لا عندما رأيت توقيعي للمرة الأولى في جريدة، ولا عندما تلقيت النسخة الأولى من أول كتبي.
قرأت في تلك المجلة أشياءً عن بريطانيا، لكن الذي سلب خيالي كان العشب الأخضر الزاهي الممتد بين بيوت أنيقة متناثرة بأسطح هرمية من القرميد ومداخن قصيرة. كانت الألوان مبهجة، وبدت لي حياة الريف الإنجليزي ناعمة ومصقولة كورق تلك المجلة. ومن حسن حظي أنني لم أرَ الريف الإنجليزي حتى الآن، ولا يبدو أنني سأسعى يوماً لزيارته حتى لا أجرح صورة الجنة التي حلمت بها!
طفلٌ في قرية مصرية يحلم بمكان بعيد، لم يحلم بمدينة، بل بريفٍ آخر بعيدٍ جداً؟
هل كانت المدينة شيئاً يتجاوز أحلامي؟ هل كان العالم بالنسبة لي مجرد ريف متعدد الأشكال؟ لا أذكر، حتى، هل المجلة هي التي خلقت حلمي، أم أنه كان موجوداً وأنه هو الذي دفعني إلى مراسلة الإذاعة بطلب المجلة لتعزيزه وتأكيده.
معرفة منطلقات حلمي ليست مهمة بذاتها، كما أن حلمي بالعيش في الريف الإنجليزي قد لا يراود الكثير من البشر، وما كنت لأرويه إلا لافتراضي أن الشوق إلى لقاء المختلف والمدهش الذي انطوى عليه حلمي يتطابق مع أحلام ملايين البشر.



مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».