الحمية الغذائية «الشخصية»... وهم أم حقيقة؟

شكوك علمية حول دور الجينات في عمليات إنقاص الوزن

الحمية الغذائية «الشخصية»... وهم أم حقيقة؟
TT

الحمية الغذائية «الشخصية»... وهم أم حقيقة؟

الحمية الغذائية «الشخصية»... وهم أم حقيقة؟

قبل عقد من اليوم، بدأ العلماء في استكشاف مجال «علوم الجينات التغذوية» nutrigenomics الواعدة، مدعومين بنجاح مشروع «الجينوم البشري» وانخفاض كلفة التسلسل الجيني. لكن، هل يمكن للتغذية الشخصية، مزوّدة بالمعلومات اللازمة عن حمض الشخص النووي، أن تساعد في الوقاية وحتى العلاج من الأمراض المرتبطة بالغذاء؟

فروقات جينية
إن النتائج الصادرة عن دراسات أجريت في هذا الإطار في جامعات كثيرة، أهمّها هارفارد وستانفورد كانت مقنعة؛ إذ تبيّن أن الفروق الجينية تعرّض الأفراد إلى خسارة معدلات مختلفة من الوزن نتيجة اتباع أنواع مختلفة من الحميات الغذائية. وأدت هذه النتائج إلى نشوء سريع لسوق قيمتها ملايين الدولارات تعتمد على تسويق حميات غذائية عمادها الحمض النووي DNA - based diets.
لكن الأبحاث المتتابعة فشلت في إظهار أي فروق نسبية لافتة في خسارة الوزن بين الأشخاص الذين يعانون من الوزن الزائد الذين يتناولون «الغذاء الصحيح والمناسب لنوعهم الجيني» وبين الآخرين.
في الحقيقة، إن التوصل إلى تأثير الجينات على السمنة كان ولا يزال صعباً؛ مما دفع بالكثير من الدراسات إلى اعتماد نسب مئوية عشوائية تتراوح بين 35 و85 في المائة. وتوصل خبراء التغذية ومنذ زمن بعيد إلى نتيجة مفادها أن استراتيجيات خسارة الوزن تختلف بين شخص وآخر، وأن الأفراد يظهرون فروقاً صادمة في استجاباتهم لمختلف الحميات الغذائية. ولكن ما هو سبب الاختلاف الكبير في عملية التمثيل الغذائي للفرد الواحد؟
بهدف الإجابة عن هذا السؤال، بدأ تيم سبيكتر وسارة بيري، المتخصصان في علم الوبائيات من جامعة «كينغز كوليدج» في لندن، بالتعاون مع أندرو تشان من كلية الطب في جامعة هارفارد، بحثاً جديداً وطموحاً. ويعتبر هذا البحث الذي انطلق العام الماضي ويحمل اسم «بريدكت» Predict (توقّع)، الدراسة العلمية الأكبر والأكثر شمولية في العالم للبحث في الاستجابات الفردية تجاه الغذاء.

نظام غذائي شخصي
وللمرة الأولى، وثّقت النتائج الأولية لهذه الدراسة والتي عرضت أخيراً في المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للتغذية، اختلافات كبيرة ومفاجئة في فاعلية معالجة المشاركين للدهون والكربوهيدرات، حتى بين التوائم المتطابقة. كما أظهرت أن فاعلية التمثيل الغذائي لنوع محدد من الطعام لدى شخص معيّن ليست مؤشراً على شكل استجابة الشخص نفسه لنوع طعام آخر.
رأى إريك توبول، عالم الجينات من معهد «سكريبس ريسرتش ترانزليشنل» في لا جولا، كاليفورنيا، والذي لم يشارك في الدراسة، أن «العلماء يقتربون أكثر من إمكانية تزويد كل فرد بالنظام الغذائي المثالي المناسب له. لم نصل بعد، لكن الدراسة الجديدة تشكّل خطوة كبيرة أخرى نحو هذا الهدف».
عمل سبيكتر لسنوات على استكشاف أسباب الفروق الفردية لجهة خطر الإصابة بالأمراض، ومن بينها تلك المرتبطة بالغذاء. وفي عام 1992، أنشأ سجلّ «توينز يو كي» البحثي الذي يضمّ اليوم أكثر من 13000 توأم متطابق وشقيق. واستنتج الباحث أن الجينات تساهم بـ70 في المائة من خطر إصابة الفرد بالسمنة.
بعد هذا النجاح، بدأ سلسلة من الدراسات التي تهدف إلى تحديد العوامل التي تؤثر على نسبة الـ30 في المائة المتبقية. في عام 2014، أطلق سبيكتر مشروع «ذا بريتيش غات» British Gut project الذي يضمّ عدداً كبيراً من المشاركين، لفهم تنوّع ميكروبات الجهاز الهضمي واستجابتها لتدخلات غذائية مختلفة وتأثيرها على الوزن، ولاحظ أنه حتى التوائم المتطابقة في السجل المذكور تتشارك نحو 50 في المائة فقط من بكتيريا الأمعاء.

دراسة بريطانية
بعدها، بدأ سبيكتر في مشروع «بريدكت» لمعرفة كيف تساهم اختلافات استجابة الأفراد للدهون والنشويات في السمنة. والمعروف أن تناول أطعمة تحتوي على الدهون والكربوهيدرات يؤدي إلى ارتفاع وهبوط معدلات الغلوكوز والأنسولين والدهون الثلاثية في الدم. بدورها، تسبب الارتفاعات العالية والمتكررة والطويلة الأمد منها في الالتهابات وزيادة الوزن وأمراض القلب والسكري.
شملت الدراسة 700 توأم متطابق و300 متطوّع بريطاني، إلى جانب 100 مشارك من الولايات المتحدة، وجمعت بيانات حول جميع العوامل التي قد تؤثر على عملية التمثيل الغذائي، ومنها النبيت الجرثومي المعوي، ومدّة النوم، والتمارين الرياضية، وتركيبة الجسم الدهنية. لكن النتائج الأولية حلّلت ارتفاع وهبوط معدلات الأنسولين والغلوكوز وثلاثي الغليسريد في الدم فقط بعد تناول المشاركين وجبات موحّدة.
استنتج الفريق أن الجينات تلعب دوراً محدوداً في كيفية معالجة الإنسان للدهون والكربوهيدرات. وتبيّن أن نحو نصف معدّل ومدّة مستوى غلوكوز ما بعد الوجبة في الدم ارتبط بالتأثير الجيني مقابل أقلّ من 30 في المائة لمستويات الأنسولين والدهون الثلاثية بين التوائم المتطابقة. ويبدو أن العوامل الأكثر تأثيراً على التمثيل الغذائي في الجسم مرتبطة بالمحيط كالنوم والتوتر وممارسة الرياضة وتنوع وكثافة النبيت الجرثومي المعوي لكلّ فرد.
من جهتها، قالت بيري، إن «هذه النتائج مثيرة للاهتمام بالنسبة للعلماء والأفراد؛ لأنها أظهرت لنا أن الأمر غير مرتبط بالجينات، وبالتالي يمكن تغييره».
وشرحت أن حصة الكربوهيدرات والدهون في وجبة ما تقف خلف 40 في المائة فقط من استجابة الشخص لهذا الطعام. كما تدعم هذه النتائج «الرسالة القائلة إننا يجب أن نركّز على منطلقات متكاملة في أسلوب حياتنا بدل الاعتماد على الأطعمة والأغذية الفردية».
لم تظهر الصورة المفصلة لاختلافات التمثيل الغذائي إلّا أخيراً نتيجة انتشار التقنيات كالتعلّم الآلي وأجهزة الاستشعار القابلة للارتداء والتسلسل الجيني؛ مما ساهم في تصاعد الاهتمام بهذا المجال. وفي فبراير (شباط)، أطلق المعهد السويسري الاتحادي للتكنولوجيا في لوزان، دراسة كبيرة ستستمر لسنوات كثيرة للبحث في التغذية الخاصة أو الفردية.
من جهته، قال تيم كولفيلد، الذي يشارك في دراسات القوانين والسياسات الصحية في جامعة ألبرتا في كندا، إن «هذا البحث مذهل ومهمّ. لكن إذا أراد التاريخ أن يقول لنا شيئاً، سيقول لنا إنه على الأرجح لن يؤدي إلى تطوير مجال التغذية».

مقاييس غذائية
وأضاف، أن المقاييس الغذائية للنظام الغذائي الصحي معروفة جيداً وتوصي بالتركيز على تناول الحبوب الكاملة والخضراوات الورقية الخضراء وغيرها، وما يكفي من الزيوت الصحية والمأكولات البحرية، إلى جانب التخفيف من اللحوم الحمراء والنشويات المكررة. لكن المشكلة، على حدّ تعبير كولفيلد، ليست في أن الإرشادات خاطئة أو غير مناسبة للأفراد، بل بعدم التزام الناس باتباعها. ونبّه الباحث إلى أن مجرّد التركيز على خيارات الشخص الغذائية أو عملية التمثيل الغذائي لديه قد يؤدي إلى تشتيته عن عوامل مهمّة أخرى تساهم في وباء السمنة، لافتاً إلى «الدور الذي قد تلعبه أشياء كثيرة معقّدة مرتبطة بمحيطنا والاقتصاد الاجتماعي والبيئة الغذائية والتسويق ومستوى نشاطنا... الكثير من الأشياء».
يمكن القول إن «بريدكت» كدراسة لا تزال في مراحلها الأولى، أي مهما كثرت التوصيات الفردية التي تقدّمها، لا تزال تفتقر إلى الدليل الذي يثبت أنها قادرة على تحسين صحة الشخص أكثر من الإرشادات الغذائية المعتمدة... لكن ما يميزها هو أن إطارها ودقتها يعتمدان لأول مرة.
من جهته، قال توبول، من كينغز كوليدج، إن «الدراسة لا تزال في حاجة إلى المزيد من العمل والجهود، وهي لا توازي دراسات الوقاية من أمراض القلب أو السرطان أو غيرها من المشاكل. لكن هذا لا ينفي أن النجاح في تحويل (الطعام إلى دواء) سيكون إنجازاً مهماً».
وللوقت الحالي، قدّم كولفيلد نصيحة غير تقنية مفيدة للأشخاص الباحثين عن تغذية خاصة: راقبوا في كل مرة تدخلون فيها الحمّام وزن أجسامكم على الميزان، مشيراً إلى أن «هذا الرقم أكثر مصداقية ودلالة على صحتكم المستقبلية من أهم المعلومات التي قد تحصلون عليها من الشركات التي تستهدف المستهلك مباشرة».

- خدمة «نيويورك تايمز»



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.