ذكرى تأسيس الدولة السعودية: شلهوب (1858 ـ 1959)

شخصيات من حقبة التأسيس (3)

ذكرى تأسيس الدولة السعودية: شلهوب (1858 ـ 1959)
TT

ذكرى تأسيس الدولة السعودية: شلهوب (1858 ـ 1959)

ذكرى تأسيس الدولة السعودية: شلهوب (1858 ـ 1959)

مع أنه عاش أطول فترات الرفقة مع الملك المؤسس وأكثرها تنوّعا، فإنه كان الأقل ذكرا في الكتابات التي تناولت التاريخ السياسي والاجتماعي لحقبة التأسيس، وهناك رغبة ملحّة عند جهات التوثيق وعند حفيديه منصور ود. عبد الملك لتوثيق سيرته حيث يحتفظان بوثائق مهمة عن جدهما، غير أن هذه الرغبة الرسمية والأهلية تصطدم بواقع محدودية المعلومات عنه وبسريّة بعضها، وبطموح الجميع بأن تأتي الكتابة عنه على مستوى يليق بمكانته وبقربه من رئيسه.
أما تفسير ما سبق «الرفقة الأطول» فلأنه ولد قبل ولادة الملك عبد العزيز بأعوام قليلة، ورافقه وفيّا له منذ فتح الرياض، وكان يثق به للاستدانة من الأثرياء أموالا تعين على تكاليف الحملات العسكرية، ويكلّفه بأنواع مختلفة من مهمّات التموين والأعطيات والضيافات، ثم عاش بعد وفاة الملك أكثر من 15 عاما حتى تجاوز عمره 100 عام وتوفي مستشفيا في لبنان سنة 1959.
وتجدر الإشارة إلى أن أسرة من الزمازمة في مكة المكرمة وأن أسرا عدّة تحمل هذا الاسم في شمال السعودية، كما توجد مدرسة عريقة في الكوت بالأحساء تسمى المدرسة الشلهوبية نسبة إلى أقدم مدرّسيها أحمد بن محمد بن شلهوب، وهذه الأسماء جميعها لا صلة لها - بالضرورة - بشخصيّة المقال وأسرته.
ولعل أفضل من تناول - وباستفاضة حتى الآن - سيرة محمد بن صالح بن شلهوب (المشهور بلقب شلهوب وهو عنوان هذا المقال) هو الباحث السعودي عبد الرحمن الرويشد الذي يعنى بتاريخ الأسرة المالكة آل سعود، يرصد بجهود ذاتية أسماء ملوكها وأمرائها وأميراتها ومراتبهم، جامعا من جهة بين معلوماته الشخصية والمعلومات التاريخية التي كان يرويها ابن عمه سعد بن عبد العزيز بن رويشد، وبين الأخذ من الروايات الشفوية المتداولة شعبيّا مع الاستفادة من كتب المؤرخين المحليين والأجانب، وهو يُكمل بكتاباته ورواياته ما تُغفله الكتب الأكاديمية، وبالتالي فإن من يكتب من الباحثين عن شلهوب وأمثاله من الروّاد لا بدّ أن يمرّ على ما يكتبه الرويشد، وكان نشر في عام 2009م في صحيفة «الجزيرة» السعودية مقال مطوّل عنه من جزأين.
يقترن استحضار سيرة هذه الشخصيّة بالتساؤل أحيانا - كعادة أهل الجزيرة العربية - عن بداية شهرة أسرة الشلهوب وصلتها بالملك المؤسس، فهناك من يربط ذلك بفتح الأحساء، وهناك - من ناحية أخرى - روايات متواترة ومنها رواية الرويشد، تشير إلى عراقة أسرة الشلهوب في نجد وتستشهد بوثائق تؤكّد على أنها كانت تسكن في حي منفوحة ثم في حي دخنة المعروفين بالرياض، وتنتشر بين الرياض والدرعية والمجمعة وجدة، وكان مما ذكره الرويشد «أن البعض من هذه الأسرة ومن بينهم صالح (والد شلهوب) معدود في كبار رجال فيصل بن تركي آل سعود (جد الملك عبد العزيز) إبان الدولة السعودية الثانية، فقد ذكر المؤرخان إبراهيم بن عيسى في كتابه (عقد الدرر) وإبراهيم بن عبيد في كتابه (تذكرة أولي النهى والعرفان) أنه في عام 1278هـ (1862م) أصدر الإمام فيصل أمرا إلى صالح بن شلهوب وكان أحد قواده بالذهاب في سرية إلى عنيزة، لكي ينضم إلى قوة كان قد سيّرها من قبل، كما ذُكر أن الإمام فيصل كان قد عيّن صالح هذا أميرا على بريدة قبل تعيين أحمد السديري، كما ذكرت المصادر أنه - أي صالح - كان ضمن من حضر وقعة تسمّى «أم العصافير» بين الإمام عبد الله بن فيصل آل سعود وابن رشيد عام 1884م» اهـ.
شيء آخر ينشغل به بعض المؤرخين المحليين عند ذكر جيل الروّاد المؤسسين القدامى ومن أبرزهم شخصية هذا المقال، هو عن حقيقة مرافقة شلهوب للعاهل المؤسس ضمن الستين من رجالاته عند دخولهم الرياض (1902م) وهو ما ذكره محمد بن مانع مؤلف كتاب توحيد المملكة العربية السعودية (صدر بالإنجليزية عام 1982م) بينما شكّك الرويشد في ذلك وهو - أي التشكيك - ما أُخذ به عند الاحتفال بالذكرى المئوية قبل 15 عاما، حيث يُنقل عن شلهوب نفسه أنه التحق بالسلطان عبد العزيز وجنده مع عودة الكثيرين منهم إلى الرياض، وكان مقدمه من حائل، ومهما يكن من أمر فإن أهميّة شلهوب لا تنتهي في هذه الناحية، سواء كان من بينهم أو من خلافهم.
وأشار الرويشد في مقاله إلى تمتّع شلهوب بالروح المرحة وأورد عددا من الطرف المحكيّة عنه، وأنه عُرف بقلّة الحديث عن دوره السياسي إلا نادرا، كما أشار إلى المخاطبات والمراسلات والوثائق التي جرت بين الملك عبد العزيز وشلهوب ونشرت عام 1990م في كتاب للدكتور عبد الرحمن السبيت وزملائه حيث كان شلهوب يتردّد بين الرياض والقصيم والكويت مكلّفا بالتجهيزات العسكرية وبشراء المواد التموينية وبالاتصال بشخصيات كبيرة، واستشهد الرويشد بما أورده إبراهيم النشمي في مذكراته المنشورة في كتاب: رجال وذكريات مع عبد العزيز أنه - أي النشمي - كان أحد تجار السلاح في المدينة المنورة والخليج والكويت وذلك قبل دخول الحجاز في الحكم السعودي، وكان يتعامل مع شلهوب بأمر من الملك عبد العزيز للحصول على الأسلحة والذخائر، كما يصف الرويشد الدور الكبير الذي قام به شلهوب للمساعدة في ضمّ إقليمي الأحساء والقصيم إلى حكم السلطان عبد العزيز.
كان عبد الله السليمان الحمدان المعروف شعبيّا باسم (الوزير ابن سليمان) هو المشهور بتولّيه حقيبة وزارة المالية منذ توحيد البلاد عام 1932م وكان الأكثر تنظيما واختصاصا بقضايا التموين والخزانة على مستوى الدولة الحديثة وفي التعامل مع الوفود الرسمية في عهد الملك عبد العزيز، وكانت معظم إقامته وعمله في مركز الحكومة في الحجاز، لكن شلهوب كان الأقدم والأطول زمنا والأقرب للقصر بالرياض، والأكثر تخصّصا بشؤون القبائل والزوّار وتجهيز الغزوات.
تتلخّص سيرة شلهوب في أنه في مطلع حياته زاول التجارة بين بلدان نجد والكويت والبحرين، ثم التحق بالسلطان عبد العزيز بُعيد دخوله الرياض سنة 1902م فعيّنه خازنا للمال، وكان يطلق عليه أحيانا رئيس الأموال في نجد، قال عنه الريحاني «كان بمثابة وزير التموين، فيه إخلاص لا ريب فيه، مهماته متعددة، تشمل الكبيرة والصغيرة، من المدفع إلى عود الكبريت، فهو يتولى أمر التوزيع العام الشامل، يوزع الحطب والسمن والسلاح والمال، طريقته في الإدارة أوّلية بدوية وحساباته قروية، كان يقول: اللي يجي نقيّده، واللي يروح نقيّده، والنتيجة لا شيء، وليس في طريقته محاباة أو تفضيل، وأنه طوّف بي ذات يوم مخازنه، فدهشت لما في ذمته من الأموال، وفي ذاكرته من الأشياء؛ فهذا مخزن السلاح والذخيرة، وهذا بيت التموين، وهذه الخوابي صنع الهند للسمن، وهذا التمّن (الرز) بمئات الأكياس مرصوصة بعضها فوق بعض، ثم أدخلني غرفة ذكرتني بمخازن الرهون بلندن وبنيويورك، كل ما فيها مهمل مجهول ومكدّس بعضه فوق بعض، سألت شلهوب عنها فقال: غنمناها في إحدى المواقع، ولا أدري ما فيها».
وبالعودة إلى الكتابات الموجزة التي - على قلّتها - ذكرته، يُلحظ أن الرواة والمؤرّخين القدامى - ومنهم غير العرب - أشاروا إليه في كتبهم، ففيلبي على سبيل المثال وصف دار شلهوب ومجلسه والضيوف الذين يرتادونه، كما روى المؤرخ سعد بن عبد العزيز بن رويشد كثيرا من المعلومات عنه.
ويجد الباحث إلماحات عنه في الروايات الشفوية التي دوّنتها جهات التوثيق المحلية، أما مراكز المعلومات الوطنية ففيها من الوثائق ما يصبّ أكثرها في مجال اختصاص شلهوب، وهو الجانب المالي والتمويني (اللوجستي) ضمن منظومة المسؤولين المحيطين عن قرب بالملك عبد العزيز من أمثال عبد الرحمن الطبيشي وإبراهيم بن جميعة وعبد الله بن نفيسة (عمعوم) وكانت مسؤوليّات شلهوب - كما ذُكر - أقرب إلى التعامل مع القبائل وأمراء الأقاليم والأهالي، يدير الأمور بأمانة وإخلاص ووفاء وبالطريقة التقليدية التي تناسب تلك الحقبة والجماعات.
كان بعض من يبحث في سيرة شلهوب يظن أنني سبق أن استضفته في أحد البرامج التلفزيونية وهو ما لم يحدث مع الأسف، لكن حفيده د. عبد الملك الشلهوب ذكر أن اللقاء الإعلامي الوحيد الذي أُجري مع جده كان عبارة عن مقابلة صحافية أجرتها صحيفة «اليمامة» تحدث فيها عن عادات العيد في نجد، وأن صحيفة لبنانية رغبت في أثناء تواجد الجد في بيروت إجراء لقاء معه لكنه اعتذر، كما أفاد د. عبد الملك بأنه يعمل على استكمال مؤلف يحكي سيرة جده، والمرجو أن يُعجّل الحفيدان - منصور وعبد الملك - بذلك فما سيصدر عنهما سيثري تاريخ الحياة الاجتماعية في نجد بخاصة، وسيكون رافدا للباحثين في دراسات الجزيرة العربية في تلك الحقبة بعامة.
* إعلامي وباحث سعودي



السعودية تدين هجوم ديرة إسماعيل خان الإرهابي وتؤكد وقوفها مع باكستان

مصابون جراء الهجوم الذي استهدف نقطة تفتيش أمنية في ديرة إسماعيل خان لدى وصولهم إلى المستشفى (إ.ب.أ)
مصابون جراء الهجوم الذي استهدف نقطة تفتيش أمنية في ديرة إسماعيل خان لدى وصولهم إلى المستشفى (إ.ب.أ)
TT

السعودية تدين هجوم ديرة إسماعيل خان الإرهابي وتؤكد وقوفها مع باكستان

مصابون جراء الهجوم الذي استهدف نقطة تفتيش أمنية في ديرة إسماعيل خان لدى وصولهم إلى المستشفى (إ.ب.أ)
مصابون جراء الهجوم الذي استهدف نقطة تفتيش أمنية في ديرة إسماعيل خان لدى وصولهم إلى المستشفى (إ.ب.أ)

أدانت السعودية واستنكرت الهجوم الإرهابي الذي استهدف نقطة تفتيش أمنية في منطقة ديرة إسماعيل خان، شمال غربي باكستان، وأوقع عدداً من القتلى والمصابين.

وأكدت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، «رفض المملكة التام للأعمال الإرهابية والمتطرفة كافة»، مجدّدة وقوفها مع باكستان وجهودها في الحفاظ على أمنها واستقرارها، ومُعربة عن صادق تعازيها لأُسر المتوفّين، وللحكومة والشعب الباكستانيين.

نقل أحد المصابين جراء التفجير إلى مستشفى في ديرة إسماعيل خان شمال غربي باكستان (إ.ب.أ)

وكانت نقطة تفتيش «أمان ميلا» المشتركة في منطقة درازيندا، التابعة لديرة إسماعيل خان، بإقليم خيبر بختونخوا، قد تعرضت، السبت، لهجوم بسيارة محملة بالمتفجرات، في أحد أحدث الهجمات التي تستهدف قوات الأمن والمنشآت الحكومية بشمال غربي البلاد.

وأفادت وكالة الأنباء الباكستانية الرسمية بأن الانفجار استهدف نقطة التفتيش الواقعة على طريق ديرة إسماعيل خان - كويتا، قرب الحدود بين إقليميْ خيبر بختونخوا وبلوشستان، وأسفر، وفق حصيلة أعلنتها الشرطة، عن مقتل 12 شخصاً، وإصابة 35 آخرين، بينهم مدنيون، كما ألحق أضراراً واسعة بنقطة التفتيش ومنزل قريب.

مصابون جراء التفجير لدى نقلهم إلى مستشفى في ديرة إسماعيل خان الباكستانية (إ.ب.أ)

وفي تطور أعقب التفجير، استهدف مسلّحون سيارة إسعاف تابعة لخدمة الإنقاذ «1122» أثناء نقلها مصابين من موقع الهجوم إلى ديرة إسماعيل خان، ما أدى إلى مقتل اثنين من عمال الإنقاذ، وفق ما أوردت الإذاعة الباكستانية الرسمية.

وأكد المجلس الفيدرالي للإيرادات في باكستان أن الهجوم استهدف نقطة تفتيش مشتركة يعمل فيها عناصر من الجمارك الباكستانية وشرطة خيبر بختونخوا وإدارة الضرائب والمكوس في الإقليم، مشيراً كذلك إلى تعرض سيارة الإسعاف التي كانت تُقل المصابين لإطلاق نار بعد الهجوم.

أشخاص ينقلون مصاباً جراء التفجير داخل مستشفى في ديرة إسماعيل خان بإقليم خيبر بختونخوا الباكستاني (أ.ف.ب)

من جانبهما، أدان الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، ورئيس الوزراء شهباز شريف، الهجوم، وأعربا عن تعازيهما لأُسر الضحايا. وأكد شريف أن حكومته ماضية في جهودها للقضاء على الإرهاب، في حين وجّه زرداري بتوفير أفضل رعاية طبية ممكنة للمصابين وتعزيز عمليات مكافحة الجماعات المسلّحة.


وزير الخارجية السعودي يصل إلى واشنطن في زيارة رسمية

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)
TT

وزير الخارجية السعودي يصل إلى واشنطن في زيارة رسمية

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)

وصل الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، إلى العاصمة الأميركية، وذلك في زيارة رسمية.
وسيلتقي الأمير فيصل بن فرحان خلال الزيارة بنظيره الأميركي ماركو روبيو، لبحث العلاقات الثنائية وأبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية.


من المدينة إلى العالم... جهود سعودية متواصلة لتعزيز الحصانة الفكرية للأجيال

أمير المدينة المنورة خلال افتتاحه أعمال «المؤتمر الدولي لجهود المملكة في مواجهة الانحرافات الفكرية» (واس)
أمير المدينة المنورة خلال افتتاحه أعمال «المؤتمر الدولي لجهود المملكة في مواجهة الانحرافات الفكرية» (واس)
TT

من المدينة إلى العالم... جهود سعودية متواصلة لتعزيز الحصانة الفكرية للأجيال

أمير المدينة المنورة خلال افتتاحه أعمال «المؤتمر الدولي لجهود المملكة في مواجهة الانحرافات الفكرية» (واس)
أمير المدينة المنورة خلال افتتاحه أعمال «المؤتمر الدولي لجهود المملكة في مواجهة الانحرافات الفكرية» (واس)

أكّد الأمير سلمان بن سلطان، أمير منطقة المدينة المنورة، على ما توليه السعودية من عناية كبيرة لبناء الوعي، وحماية الفكر، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، ومواجهة الغلو والتطرف والانحراف الفكري؛ إيماناً بأن سلامة الفكر أساس لأمن المجتمعات واستقرارها وازدهارها.

وافتتح الأمير سلمان بن سلطان، الأحد، أعمال «المؤتمر الدولي لجهود المملكة في مواجهة الانحرافات الفكرية»، الذي تنظمه الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بمشاركة واسعة من العلماء وممثلي دور الإفتاء في العالم الإسلامي، ونخبة من الباحثين والمختصين من داخل السعودية وخارجها.

جانب من افتتاح أعمال المؤتمر الدولي في المدينة المنورة الأحد (واس)

وأوضح أمير منطقة المدينة المنورة، في كلمة له خلال الافتتاح، أن السعودية بدعم وتوجيه من قيادتها أسهمت في نشر قيم التسامح والاعتدال وتعزيز الوعي الفكري، ومواجهة خطاب الغلو والتطرف، عبر منظومة متكاملة، تتضافر فيها جهود المؤسسات الدينية والتعليمية والأمنية والإعلامية، بما يسهم في حماية المجتمع، وخدمة قضايا العالم الإسلامي، ودعم الحوار والتعايش بين الشعوب والثقافات.

وأشار إلى أهمية تحصين المجتمعات الإسلامية بالوعي والمعرفة والعقيدة الصحيحة، في ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة، وتنامٍ في مصادر التأثير الفكري عبر مختلف الوسائل الحديثة، الأمر الذي يستدعي تنمية الوعي، وتعزيز القدرة على التمييز، وحماية الأجيال من دعاوى الغلو والتطرف والانحراف الفكري.

بناء الحصانة

بيّن الأمير سلمان بن سلطان أن التعليم يأتي في مقدمة أدوات بناء هذه الحصانة، منوهاً بالدور المهم الذي تضطلع به الجامعة في تعزيز الوعي الفكري، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، وبما تحمله من رسالة علمية عالمية، وما تتميز به من تنوع ثقافي، وامتداد لخريجيها في مختلف أنحاء العالم؛ ما يعزز إسهامها في نشر العلم والمعرفة، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال.

وأكد أن المؤتمر يمثل منصة علمية لإبراز جهود السعودية وتجاربها الرائدة في مواجهة الانحرافات الفكرية، وتبادل الخبرات بين العلماء والباحثين والمختصين، وتعزيز التكامل بين المؤسسات ذات الصلة؛ وصولاً إلى رؤى ومبادرات فاعلة تسهم في تحصين المجتمعات، وبناء الوعي، وتعزيز أمنها، واستقرارها.

الأمير سلمان بن سلطان يتجوَّل في أركان المعرض المصاحب لأعمال المؤتمر الدولي (واس)

وتفقّد أمير منطقة المدينة المنورة، أركان المعرض المصاحب، الذي يتناول القضايا المرتبطة بأسباب الانحرافات الفكرية، وآثارها، وسبل مواجهتها، والمبادرات الوطنية في مجال حماية الفكر، ومكافحة الغلو والتطرف، ودور العقيدة الصحيحة والصحة النفسية والمؤسسات المجتمعية في الوقاية الفكرية، فضلاً عن توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل الاجتماعي في تعزيز الوعي ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.

مواجهة الغلو

من جانبه، أكّد الشيخ الدكتور صالح الفوزان، مفتي عام السعودية رئيس هيئة كبار العلماء والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء، في كلمته التي ألقاها نيابة عنه الشيخ الدكتور فهد الماجد الأمين العام للهيئة، أن مواجهة الغلو والتطرف والانحراف الفكري ليست قضية طارئة ولا استجابة عارضة، فقد جاءت الشريعة الغراء بتقرير الوسطية والاعتدال، مشيراً إلى تعدد النصوص النبوية في التحذير من التجاوز والاعتداء في الدين والغلو.

وأكد أن هلاك الأمم السابقة إنما كان بآفة الغلو، وأن سماحة هذا الدين ويُسره هما نهجه الأصيل، فالانحراف الفكري في حقيقته خروج صريح عن منهج أهل السنة والجماعة في الفهم والاستدلال، وتعلق بالمتشابه، وإيثار للهوى على نص الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح لهما.

وأشار المفتي إلى أن جهود المملكة بدعم وتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، جاءت في مواجهة هذا الفكر الضال، نموذجاً متكامل الأبعاد العلمية والفكرية والتربوية والأمنية.

وأضاف أنه كان لعلماء هذه البلاد وهيئاتها الشرعية، ومؤسساتها التعليمية والدعوية، الدور البارز في مواجهة هذا الفكر الفاسد، فانطلقت من تأصيل شرعي متين، يفكك شبهات الغلاة، ويكشف زيف تأويلاتهم بميزان الوحي، وامتدت لتشمل البناء المؤسسي الرصين في مجالات التعليم والإعلام والأمن، وتجاوزت ذلك لتكون شريكاً فاعلاً في المحافل الأممية والإقليمية؛ راعيةً لمبادرات عالمية تجمع كلمة المسلمين على الاعتدال، وتصحح في العالم صورة الإسلام.

أمين عام هيئة كبار العلماء الدكتور فهد الماجد يلقي كلمة المفتي الشيخ صالح الفوزان (واس)

وشدّد مفتي السعودية على أن مواجهة الفكر الضال ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية يشترك فيها الجميع؛ مؤكداً أن الواجب على الآباء والأمهات متابعة أبنائهم، وحمايتهم من مجالس السوء، والمواقع المشبوهة، وتربيتهم على حب الدين والوطن، وعلى المعلمين والدعاة ورجال الإعلام أن يتقوا الله فيما حُمّلوا، وأن يبينوا للناشئة الحق، ويحذروهم من هذا الفكر المنحرف.

جماعة ضالة

وأشار إلى أن من أخطر الانحرافات تلك التي تتولاها جماعات ضالة مضلة، تستهدف وحدة الأوطان، وتتبنى العدوان، وتشيع الفساد والخراب في البلدان، وفي مقدمة هذه الجماعات «ميليشيا الحوثي» الإرهابية، التي خرجت على ولاة الأمر في بلادها، واستباحت دماء المسلمين، وتجرأت على مقدساتهم.

وتابع: «ما محاولة اعتدائها الآثم على مكة المكرمة عنا ببعيد، ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد، ثم بحماة هذا الوطن وولاته، سائلاً الله تعالى أن يخزي ميليشيا الحوثي، ويقطع دابرهم، ويحفظ اليمن وأمنه واستقراره في ظل قيادته الشرعية».

ودعا الباحثين والمختصين المشاركين في هذا الملتقى العلمي إلى أن يستحضروا في نتاجهم العلمي هذه الأبعاد؛ فما يُطرح من بحوث وأوراق علمية لا تنتهي بانتهاء الجلسات، بل هو إسهام حي في حماية عقول أبناء هذه الأمة، وإسناد مقدر لجهود بلادنا؛ لتظل منارة هدى يُستضاء بها في دحر الفكر المنحرف، وحماية أمن الأوطان ومصالح العباد.

مسؤولية مشتركة

إلى ذلك، أكد رئيس الجامعة الإسلامية الدكتور صالح العقلا، أن الحديث عن الانحرافات الفكرية لم يعد حديثاً عن ظاهرة محدودة أو تحدٍّ يخص مجتمعاً بعينه؛ بل مسؤولية تكاملية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتترسخ في حاضنات التعليم، وتساندها المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية؛ ليتكون لدى الإنسان فهم متزن، وقدرة واعية على الفرز والتمييز.

ولفت رئيس الجامعة إلى أن أهمية هذا المؤتمر الدولي، الذي يستعرض جهود السعودية في مواجهة الانحرافات الفكرية، تتجلى في أنه لا يقف عند وصف التحدي، بل يفتح الآفاق للتأمل في تجربة وطنية رائدة وممتدة؛ تعاملت مع الأمن الفكري بوصفه أساساً لبناء الإنسان، وحماية المجتمع، وصناعة المستقبل.

يشار إلى أن المؤتمر يحظى بمشاركة علماء ومتخصصين من أكثر من 40 جنسية، ويستهدف مناقشة 56 بحثاً علمياً محكّماً، وإقامة 9 جلسات حوارية.