قمة ماكرون ـ بوتين اليوم وسقف التوقعات متواضع

باريس تأمل أن تستخدم موسكو نفوذها في الملفين الإيراني والسوري من غير أن تهمل أوكرانيا

TT

قمة ماكرون ـ بوتين اليوم وسقف التوقعات متواضع

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة لتدب في شرايين الدبلوماسية الفرنسية التي تتهيأ لاستحقاقات مهمة في الأيام المقبلة، أولها اليوم (الاثنين)، بمناسبة «زيارة العمل» التي يقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى «حصن بريغونسون»، المنتجع الصيفي للرئيس إيمانويل ماكرون المطل على مياه المتوسط. وثمة لقاءات مرتقبة لماكرون في قصر الإليزيه، مع رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسون أولاً، ثم مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ومسؤولين آخرين، قبل أن ينتقل إلى منتجع بياريتز، حيث ستعقد قمة مجموعة السبع.
ومن بين اللقاءات الرئيسية التي سيجريها ماكرون على هامش القمة، يبرز اجتماعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وسيجري اللقاء على خلفية توتر مستجد بين الطرفين بسبب الملف النووي الإيراني، والغيظ الذي عبر عنه الرئيس الأميركي في تغريدتين، حذر في إحداهما كل من يرغب في التوسط بين واشنطن وطهران «وعلى رأسهم الرئيس ماكرون» من التحدث باسم الولايات المتحدة الأميركية التي لم تخول أحداً القيام بهذه المهمة.
ورغم التحذيرات الأميركية، لا يبدو أن باريس تنوي التخلي عن التعاطي مع الملف الإيراني. من هنا، تأتي أهمية اللقاءين المنتظرين مع بوتين وترمب. ووفق مصادر فرنسية، فإن باريس تريد من الرئيس الروسي أن يكون عوناً لـماكرون من أجل الضغط على طهران لإبقائها داخل الاتفاق النووي الذي هي أحد الموقعين عليه. ويمر ذلك، بحسب القراءة الفرنسية - الأوروبية، من خلال تخلي طهران عن الخروج التدريجي المبرمج من الاتفاق النووي. وسبق لها أن هددت بأنها تنوي التخلي عن بنود إضافية من الاتفاق بداية الشهر المقبل، على غرار ما فعلت في الشهرين الأخيرين، بعد أن ضربت عرض الحائط بالبند الخاص بمخزونها المتاح من اليورانيوم المخصب، كذلك البند الخاص بمستوى التخصيب. وهدد مسؤولون إيرانيون بالرجوع إلى التخصيب بنسبة 20 في المائة، وبتشغيل مزيد من الطاردات المركزية، بل نصب طاردات من الجيل الجديد. وإزاء هذه التطورات، يريد ماكرون من نظيره الروسي أن يستخدم نفوذه على طهران، إن لجهة خفض التوتر في مياه الخليج، أو الامتناع عن أي إجراء يمكن أن ينظر إليه على أنه «استفزازي»، فضلاً عن مطالبتها بالعودة عن انتهاكاتها السابقة.
لكن باريس تعي أن أمراً كهذا لن يحدث ما لم تحصل طهران على «مقابل» من الجانب الأميركي، لجهة تجميد بعض العقوبات، ومنها تمكينها من تصدير نفطها. وثمة معلومات متواترة تتحدث عن طلب إيراني بتصدير مليون برميل في اليوم، وهو الحد الأدنى الذي يمكنها من تعويم اقتصادها، بانتظار «تطورات أميركية ما»، إضافة إلى مطلب تفعيل الآلية المالية الأوروبية التي لم تنطلق حتى الآن. ولذا، فإن الدعم الذي يمكن أن يحصل عليه ماكرون من الرئيس الروسي من شأنه أن يقوي موقفه بوجه ترمب من جهة، ويزيد من الضغوط على طهران من جهة أخرى. بالمقابل، فإن التصعيد في مياه الخليج «يشوش» على الجهود الفرنسية - الأوروبية، فيما التوجهات السياسية الجديدة لبريطانيا بعد وصول بوريس جونسون إلى رئاسة الحكومة يضعف الموقف الفرنسي - الأوروبي، ويزيد من مصاعب الوساطة الفرنسية.
وواضح أن ماكرون، الراغب في تعزيز علاقاته مع الرئيس الروسي، يريد أن يعطي الدبلوماسية الفرنسية، وفق ما تقوله مصادرها، فسحة للتحرك، لا تتبع بالضرورة الخط الأميركي حرفياً. وترى مصادر رسمية أن الاقتراب من موسكو يحكمه رهان بأن باريس ستكون قادرة على التأثير على السياسات الروسية، سواء في سوريا أو أوكرانيا. ففي الملف السوري، تبدو باريس، كما حال أوروبا، مهمشة تماماً. وتقول المصادر الفرنسية إن الأطراف المؤثرة في الملف المذكور هي تلك التي لها حضور ميداني، والحال أن الأوروبيين غائبون. وسبق لـماكرون أن اقترح على بوتين الجمع بين ما تقوم به مجموعة آستانة وجهود «المجموعة المصغرة» التي اختفت في الأشهر الأخيرة عن الساحة. ولذا، فإن مصادر الإليزيه خفضت سقف توقعاتها، إذ شددت على أن ما سيطلبه ماكرون هو أن تستخدم موسكو نفوذها لوضع حد للعمليات العسكرية التي يقوم بها النظام في الشمال الغربي (إدلب ومنطقتها)، لما لها من ثمن «إنساني» ثقيل، والدفع باتجاه تشكيل اللجنة الدستورية التي يمكن أن تفتح الباب للعودة إلى المفاوضات بين الحكومة والمعارضة. وتتخوف باريس من أن تفضي العمليات العسكرية من جهة إلى نزوح مكثف للمدنيين باتجاه تركيا، وبعدها نحو أوروبا، ومن جهة أخرى أن يكون من نتائجها «تبعثر» المتطرفين، وبالتالي ازدياد مخاطر الأعمال الإرهابية. ولا يمتلك الأوروبيون من أوراق ضغط على روسيا سوى ورقة أساسية، هي قبول المشاركة في عملية إعادة الإعمار، يقيناً منهم بأن تحقيق الانتصار الميداني «يعني ربح الحرب، لكنه لا يعني أبداً ربح السلام».
وتمثل أوكرانيا الملف الرئيسي الثالث لمحادثات ماكرون - بوتين التي ستبدأ بلقاء مغلق، يعقبه عشاء عمل موسع. وللتذكير، فإن خروج روسيا من «مجموعة الثمانية» التي تحولت مجدداً إلى «مجموعة السبع»، يعود لضم موسكو لشبه جزيرة القرم. وفي السنتين اللتين انقضتا من عهد ماكرون، حصل تقارب فرنسي - روسي، وهمت باريس أن تدفع موسكو إلى تطبيق «اتفاق مينسك» الذي وقعت عليه 4 أطراف، هي، إلى جانب فرنسا، ألمانيا وروسيا وأوكرانيا.
وتريد باريس تشجيع الرئيس بوتين على الاستجابة ليد الرئيس الأوكراني الجديد زيلنسكي الممدودة باتجاهه لخفض التوتر في الشرق الأوكراني، بل لوضع حد لما يسمى «حرب الدومباس». لكن السؤال المطروح يتناول الثمن الذي يطلبه بوتين للسير في تخفيض التوتر، وما إذا كانت خطوة كهذه سوف تعني بدء رفع العقوبات التي فرضت على بلاده بسبب شبه جزيرة القرم.
ملفات معقدة كثيرة تنتظر الرئيسين في حصن بريغونسون، لكن التوقعات تبقى متدنية، وهو ما أشارت إليه المصادر الرئاسية في معرض تقديمها للقاء. غير أن اللقاء في حد ذاته مهم جداً لأنه يأتي قبل 5 أيام من قمة السبع، ولأنه يعني، بسبب الملفات التي يتناولها والتي سيبحث بها في القمة المذكورة، إعادة بوتين من النافذة إلى القمة التي أخرج منها من الباب.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».