بروفايل: ولد لبات... الوسيط الأفريقي صانع السلام

عرف السجون وهو صغير وقاد أول مهمة وساطة خطيرة وهو في الـ23 من العمر

بروفايل: ولد لبات... الوسيط الأفريقي صانع السلام
TT

بروفايل: ولد لبات... الوسيط الأفريقي صانع السلام

بروفايل: ولد لبات... الوسيط الأفريقي صانع السلام

رفع محمد الحسن ولد لبات إشارة النصر وهو يستعد لإلقاء كلمة بمناسبة التوقيع على وثيقة دستورية تنهي الأزمة في السودان. ومع نهاية كلمته، حمله السودانيون على الأعناق وفاء للرجل الذي آمن منذ البداية بقدرتهم على التوصل لحل سلمي توافقي، وكانت ابتسامته الوقورة ولغته العربية الجزلة، مع خبرة كبيرة في حل النزاعات الأفريقية، هي المميزات التي توكأ عليها الرجل لإطفاء نار واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخ السودان الحديث؛ أزمة دفع فيها السودانيون الثمن من أرواح شبابهم الطامحين إلى التغيير، في ثورة أعادت للسودان عنفوان شبابه، وأحيت تاريخه المتجذر وقصص الأميرات الكنداكات السمراوات الجميلات.

ولكن الخبير القانوني والدبلوماسي الموريتاني يعيد هذا الانتصار إلى إرادة السودانيين التي يقول إنها هي التي صنعت المعجزة، مكتفياً بالقول إن عمله كان تسهيل الأمور كوسيط يقف على الحياد، ويؤمن بالحوار وسيلة وحيدة لإيجاد الحل، ويستند إلى إرث كبير من حب السودان وشعبه، ورثه من البيئة التي تربى فيها هناك في بوادي موريتانيا، على الضفة الأخرى من أفريقيا؛ يقول الرجل إن الحب هو الذي منحه القدرة على الصبر والإيمان والتفاؤل خلال 452 اجتماعاً عقدها مع أطراف أزمة السودان.
وينحدر محمد الحسن ولد لبات من بيئة تقليدية محافظة في الجنوب الغربي من موريتانيا، وهو من مواليد 1953، في ضواحي مدينة «واد الناقة» التي تبعد 50 كيلومتراً إلى الشرق من نواكشوط، حيث تقيم قبيلته المعروفة في الجنوب الموريتاني بأنها قبيلة علم، حيث تبحر رجالها في اللغة والنحو والفقه.
المنطقة التي تربى فيها «ولد لبات» كانت تقع بين مدينتي «نواكشوط» و«بتلميت»، وهما أهم مدينتين موريتانيتين في تلك الحقبة، فالأولى عاصمة البلاد، والثانية ينحدر منها «أبُ الأمة» المختار ولد داداه؛ في هذه الأجواء والبيئة تربى الفتى، وأكمل حفظ القرآن الكريم وبعض متون اللغة والنحو والفقه، وعندما كان يشد الرحال نحو العاصمة نواكشوط لدخول المدرسة الابتدائية، كانت البلاد تنال استقلالها عن المستعمر الفرنسي (1960)؛ خرج الفتى «ولد لبات» من قريته الصغيرة إلى العاصمة التي لم يمض على تأسيسها أكثر من 4 سنوات فقط، وما تزال بعيدة من أن تحمل صفة المدينة، ولكنها مع ذلك كبيرة بالمقارنة مع باديته البسيطة التي تتشكل من خيام الوبر المصنوع محلياً، والقماش الذي يجلبه التجار من المغرب وبلاد السودان.
عندما وصل إلى نواكشوط، كانت الأجواء العامة في البلاد غير مستقرة سياسياً، فالرئيس «ولد داداه» وأنصاره يحتفلون بالاستقلال، بينما يقبع رموز معارضته في السجن، وهم الذين يعدون الاستقلال غير حقيقي، ويناضلون من أجل خروج الفرنسيين بصفة نهائية، وتعريب الإدارة والتعليم، وهي مطالب عدها «ولد داداه» سابقة لأوانها، فالبلد هش، وليس من مصلحته أن يقطع الصلة بالمستعمر السابق.
وكانت حركة «الكادحين» اليسارية تتصدر النضال المعارض، وتحقق انتشاراً واسعاً في صفوف الشباب والنساء، فخطف بريقها بصر الفتى القادم من البادية رغم صغر سنه. ومع نهاية ستينات القرن الماضي، أصبح واحداً من قادة الحركة الطلابية، ليُطرد من الثانوية بسبب مواقفه المعارضة، ويدخل السجن عدة مرات نهاية الستينات ومطلع السبعينات، وهو لما يكمل بعدُ عقده الثاني.
بعد خروجه من السجن، كانت نضالات حركة «الكادحين» التي ينشط في صفوفها قد أثمرت عن قرار بتنظيم أول امتحان باكالوريا باللغة العربية عام 1974، فقرر أن يشارك فيه وهو الذي درس باللغة الفرنسية، ولكن ذلك لم يمنعه من الحصول على شهادة بكالوريا مكنته من دخول مدرسة تكوين الأساتذة بنواكشوط، ليتخرج منها أستاذاً مزدوجاً، يدرس باللغتين: العربية والفرنسية، وهو أمر مطلوب وميزة كبيرة في تلك الفترة.

- المهمة الأولى
خاض «ولد لبات» تجربة التدريس في ثانويات موريتانيا خلال الفترة الممتدة من 1977 حتى 1979، من دون أن يوقف نشاطه السياسي، فكان عضواً فاعلاً في المجلس الأعلى للشباب، بعد اندماج حركة «الكادحين» اليسارية في حزب الشعب الموريتاني الحاكم، وأبان في تلك الفترة عن مؤهلات رشحته لنيل ثقة الرئيس المختار ولد داداه الذي كلفه بمهمة سرية كمبعوث إلى جبهة البوليساريو عامي 1976 و1977، في عز «حرب الصحراء» المشتعلة بين موريتانيا والجبهة، لقد كانت تلك هي أول وساطة يقوم بها «ولد لبات» وهو في الـ23 من العمر، من أجل إنهاء صراع مسلح.
كان نظام «ولد داداه» يريد إيقاف الحرب التي أنهكت موريتانيا وجيشها ضعيف العتاد والخبرة، ولكن مهمة «ولد لبات» لم تفضِ إلى نتيجة، فتدخل قادة المؤسسة العسكرية، وأنهوا الحرب على طريقتهم (1978)، حين عزلوا ولد داداه، وانسحبوا من ساحات القتال لتولي مقاليد الحكم، رفض «ولد لبات» العمل مع الحكومة العسكرية الأولى، وغادر البلاد متوجهاً إلى العاصمة السنغالية دكار، حيث درس في كلية القانون، وواصل نشاطه السياسي كمعارض للنظام العسكري، وتم اعتقاله وسجنه خلال حكم الرئيس محمد خونه ولد هيدالة (1981 - 1984) الذي يوصف بأنه واحد من أكثر الأنظمة العسكرية قسوة في تاريخ موريتانيا.
حصل «ولد لبات» عام 1987 على شهادة دكتوراه في القانون الخاص من جامعة «تولوز» الفرنسية، ليعود فوراً إلى بلاده ويعمل أستاذاً في الجامعة، قبل أن يُعين عميداً لكلية العلوم القانونية والاقتصادية، ولكن التجربة الأكبر والأهم في حياته كانت عام 1991، عندما عينه الرئيس الأسبق «معاوية ولد سيد أحمد الطايع» رئيساً للجنة صياغة أول دستور ديمقراطي تعددي في موريتانيا، وبعد أن نجح في مهمة صياغة الدستور الذي اعتمد في استفتاء شعبي، عينه «ولد الطايع» رئيساً للجامعة (1991)، وهو المنصب الذي استمر فيه حتى تعيينه وزيراً للخارجية عام 1997.
ويوصف «ولد لبات» من طرف كثيرين بأنه المؤسس الفعلي لجامعة نواكشوط، بعد أن كانت قد تأسست شكلياً عام 1981، فهو من شيد بناياتها الكبيرة، ووسع كلياتها ومدرجاتها، لتصبح بشكلها الحالي، كما أدخل تحسينات مهمة على مناهجها ونظمها التربوية، إلا أن فترته لم تخلُ من تجاذبات سياسية قوية داخل الساحة الجامعية التي كانت مهد «إضرابات الخبز» الشهيرة منتصف التسعينات، حين اقتحمت الشرطة الحرم الجامعي، واعتقلت عدداً كبيراً من الطلاب المحتجين على ارتفاع أسعار الخبز.

- العمل الدولي
خرج «ولد لبات» من رئاسة جامعة نواكشوط متوجهاً إلى وزارة الخارجية، ليحمل أول وآخر حقيبة وزارية له (1997 - 1998)، وذلك في إطار حكومة كفاءات عينها «ولد الطايع» بعد انتخابات رئاسية قاطعتها المعارضة، وأثيرت كثير من الشكوك حول نزاهتها. وبعد تجربته القصيرة في الحكومة، توجه «ولد لبات» إلى العمل الدولي، فعمل مع المنظمة الدولية للفرانكوفونية التي أوفدته مبعوثاً إلى بوروندي (1998 - 2000). بعد ذلك، شغل منصب مدير مكتب الوسيط الأفريقي في الحوار بجمهورية الكونغو (2002 - 2000)، وهي المهمة التي كان دوره فيها محل إشادة إقليمية ودولية، وألف كتاباً صدر عام 2005 باللغة الفرنسية حول هذه التجربة.
وعندما ذاع صيت «ولد لبات» في الساحة الأفريقية والدولية، بعد النجاح الذي حققه في الكونغو، استدعاه الرئيس الموريتاني «ولد الطايع»، وطلب منه أن يعمل معه في الحكومة، وعينه على الفور سفيراً في أديس أبابا، لدى إثيوبيا والاتحاد الأفريقي، وهو منصب يناسب الرجل ولا يبعده كثيراً عن أروقة الاتحاد الأفريقي، وقد استمر فيه لعامين؛ من 2003 حتى 2005، ليعين بعد ذلك سفيراً لدى جنوب أفريقيا حتى عام 2007.
وقع انقلاب عسكري على «ولد الطايع» عام 2005، ليلعب «ولد لبات» دوراً أساسياً في إدارة ملف العلاقات الخارجية لنظام المرحلة الانتقالية، خصوصاً العلاقة مع الاتحاد الأفريقي، ويقول مقربون منه إنه ساهم في صياغة تصور للمشروع التوافقي في موريتانيا، وصياغة التعامل مع الهيئات الدولية حتى العودة إلى الوضع الدستوري.
بعد وصول الرئيس المدني «سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله» إلى الحكم في انتخابات 2007، رجع «ولد لبات» إلى العمل في المنظمات الدولية، واعتزل السياسة المحلية بشكل تام، فعمل ممثلاً للأمين العام للمنظمة الدولية للفرانكفونية في تشاد (2008) لتسوية النزاع الداخلي هناك، وهو الملف الذي حقق فيه نجاحاً كبيراً، وبعد ذلك كلف بملف جمهورية الكونغو الديمقراطية (2013)، ثم عمل منسقاً لجهود الاتحاد الأفريقي والمجموعة الدولية من أجل تسوية الأزمة في جمهورية أفريقيا الوسطى (2016)، وقد رشحته هذه التجارب ليكون المبعوث الأفريقي إلى السودان (2019)، النجاح الأكبر في مسيرة الرجل.
منذ 2007 اعتزل «ولد لبات» العمل السياسي في موريتانيا، وكرس وقته للعمل الدولي، ويقول أحد المقربين منه إن لديه حرصاً كبيراً على عدم التدخل في التجاذبات السياسية المحلية، ويضيف المصدر ذاته أن علاقة شخصية قوية تربطه بالرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني.

- متعصب للغة
يقول أستاذ جامعي سبق أن عمل لسنوات طويلة مع «ولد لبات» إنه رجل واسع الثقافة رغم تكوينه القانوني، مولع بالشعر ويحفظ الكثير منه، مهتم كثيراً بالنحو واللغة، ومولع أيضاً بالاستماع للموسيقى، ويتمتع بشبكة علاقات واسعة جداً في أفريقيا وفي المشرق العربي، وقد شارك في كثير من المؤتمرات الفكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وكان ضيفاً في مناسبات كثيرة على مؤتمرات مؤسسة الفكر العربي.
ورغم عمله لسنوات طويلة في أروقة المنظمة الدولية للفرانكفونية في باريس وكثير من العواصم الأفريقية، ظل «ولد لبات» متمسكاً ببعده العربي، بل إن بعض المقربين منه يصفونه بالمتعصب والمهوس باللغة العربية، وينفر بشدة من اللحن والخطأ فيها، ويدافع عن نفسه حين يقول إن عمله في المنظمة الفرانكفونية كان مرتبطاً بشكل أساسي بعمليات حفظ السلام في أفريقيا، رغم اعتزازه بثقافته الفرنسية الرصينة.
لسنوات كثيرة كان «ولد لبات» أستاذاً زائراً في كثير من الجامعات الغربية (كندا والولايات المتحدة)، يدرس التشريع الإسلامي، وهو المتمكن من ناصية اللغة الإنجليزية، ويقول مقربون منه إنه حرص على تدريس هذا التخصص وحده من بين تفريعات القانون الكثيرة التي يمكنه تدريسها.

- الوسيط الناجح؟
يصف «ولد لبات» كتابه عن الوساطة في الكونغو، مطلع الألفية الثالثة، بأنه «شهادة» يهديها إلى أطفال الكونغو «المستفيدون الحقيقيون وبُناة المستقبل»، وقد اختار لغلاف كتابه صورة لثلاثة أطفال كونغوليين وظلالهم، فيما ختم كتابه بالحديث عن زيارته لقرية نائية في الكونغو كان الوصول إليها صعباً بسبب أعمال العنف، ولكن مهمته كوسيط يبحث عن السلام فرضت عليه التنقل إليها؛ قال إنه لن ينسى أبداً نظرات أطفال تلك القرية التي تركت أثراً بالغاً في الرجل، الأثر نفسه الذي ستتركه «كنداكة» السودان بعد قرابة عشرين عاماً.
يتحدث «ولد لبات» في كتابه عن «التشاؤم الأفريقي» الذي هو حالة نفسية ناتجة عن «تكرار وتنوع وقوة الصراعات الأفريقية»؛ صراعات يرى الرجل أنها مظهر من مظاهر أزمة الدولة الأفريقية «الحديثة»، أو الدولة ما بعد الاستعمار، ويضيف أن نظرة «التشاؤم» تسندها الخريطة الجيوسياسية، ويضيف: «من الأركان الأربعة للكوكب الأفريقي، تتصاعد ألسنة اللهب، في واحدة من أكثر السيمفونيات كآبة وخزياً»، ولكنه يفتح باب الأمل حين يؤكد إيمانه بـ«الحل الأفريقي»، وهو حل «سلمي توافقي» تجسد في الكونغو، وتأكد في السودان.
ويؤكد الدبلوماسي الموريتاني أن «الوسيط» أو «المساعد» يمكن وصف مهمة أي واحد منهما بالناجحة عندما تصل إلى وقف فوري لاستخدام القوة، وتتيح الفرصة أمام كل طرف لإنقاذ ماء وجهه، أو عندما تشجع على توقيع اتفاق تسنده حظوظ وضمانات لأن يطبق.



محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
TT

محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

عقد الجانبان الكونغولي والأميركي محادثات من شأنها محاولة إحياء مسار السلام المتعثر في شرق جمهورية الكونغو منذ بداية العام الحالي مع تصاعد أعمال العنف.

وبحث الجانبان مستجدات الأوضاع ومسار السلام الذي رعته الولايات المتحدة وقطر على مدار نحو عام 2025، وهو ما يراها متابعون للشؤون الأفريقية محاولات لإحياء المحادثات المتعثرة بهدف خفض التصعيد المستمر، والتأكيد على المضي به رغم انشغالات الوسطاء بتطورات حرب إيران.

واستقبلت وزيرة الخارجية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تيريز فاجنر، القائم بالأعمال بالإنابة في السفارة الأميركية لدى كينشاسا، إيان ج. ماكاري، حيث تناولت المباحثات مسار السلام في واشنطن وباقي المبادرة الأخرى الجارية وتطورات تلك العملية، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الكونغولية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي، وقعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025 بواشنطن، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقعته كينشاسا وحركة «23 مارس» المتمردة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

ويأتي الاجتماع الذي عُقد السبت بعد تعثر يشهده المسار، الذي شهد أواخر مارس (آذار) الماضي إعلان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في تغريدة على «إكس»، أن الغريمتين رواندا والكونغو الديمقراطية «التزمتا في محادثات واشنطن بالتهدئة وحماية المدنيين، بعد اجتماعات في واشنطن، وتشمل التهدئة تعهدات بسحب قوات تدريجياً وتجميد هجمات أخرى».

وجاءت تلك الجهود نحو أسبوعين من مشاركة قطر عبر تقنية الاتصال المرئي، في اجتماع بحث تنفيذ «آلية الإشراف والتحقق من وقف إطلاق النار»، وسبق أن تم توقيعه مطلع فبراير (شباط) الماضي بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية والمتمردين في الدوحة.

وأوضح المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك المباحثات التي أجرتها كينشاسا مع واشنطن تندرج ضمن سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، في ظل استمرار تصاعد العنف في شرق الكونغو الديمقراطية وتعدد الفاعلين المسلحين وتشابك المصالح الإقليمية.

دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وتعكس هذه التحركات، حسب عيسى، «إدراكاً متزايداً بأن المقاربة العسكرية لم تعد كافية، وأن استئناف المسار التفاوضي بات ضرورة لتفادي مزيد من التدهور»، لافتاً إلى أن «نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بمدى التزام الأطراف المحلية، ولا سيما الجماعات المسلحة، بوقف إطلاق النار والانخراط الجاد في العملية السياسية».

ووفقاً لتقدير عيسى، «تستطيع الولايات المتحدة أن تضطلع بدور داعم عبر الضغط الدبلوماسي وتوفير ضمانات تتعلق بوقف إطلاق النار، ومراقبة تنفيذ الاتفاقات، ودعم آليات التحقق الميداني، غير أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في غياب إرادة داخلية حقيقية».

ويأتي هذا المسار مع تصاعد أعمال العنف، وفي 2 أبريل (نيسان) الحالي، قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، حسبما أعلنت القوات المسلحة الكونغولية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وفي ظل ذلك الوضع، وما يصاحبه من انشغال كل من أميركا وقطر بملفات أكثر إلحاحاً، وعلى رأسها تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، يعتقد المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن المحادثات تأكيد على أولوية الدفع نحو مسار تفاوضي فعلي في شرق الكونغو الديمقراطية، وعدم فقدان الزخم السياسي والدبلوماسي اللازم لبلورة اختراق حقيقي. وأضاف عيسى: «وهذا الانشغال لا يعني بالضرورة غياب المسار التفاوضي، وكما رأينا هناك مباحثات، لكنه يجعله أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلّها، حيث تقتصر الجهود على احتواء التصعيد بدل معالجته جذرياً».

مع ذلك، قد يظل الباب مفتوحاً أمام تحركات محدودة أو مبادرات إقليمية بديلة، خاصة إذا ما توفرت إرادة محلية حقيقية لدى الأطراف المتنازعة، وفق تقدير عيسى، محذراً من أن غياب دعم دولي قوي ومنسق، يقلل من فرص تحويل هذه التحركات إلى مسار تفاوضي جاد ومستدام. ويؤكد عيسى أن «أي تقدّم محتمل سيكون بطيئاً وهشاً، وقابلاً للانتكاس عند أول اختبار ميداني، إلا إذا تمت إعادة ترتيب الأولويات الدولية وتكثيف التنسيق الإقليمي، لضمان عدم انزلاق الوضع نحو مزيد من التصعيد، وتهيئة حدٍّ أدنى من الثقة يسمح بفتح نافذة تفاوضية أكثر استدامة».


نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (رويترز)
سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (رويترز)
TT

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (رويترز)
سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (رويترز)

أعلنت الشرطة النيجيرية (السبت) مقتل 11 شخصاً على الأقل في هجوم انتقامي، خلال صدامات ذات طابع عرقي، في ولاية ناساراوا، الواقعة وسط نيجيريا، البلد الذي تجاوز تعداد سكانه ربع مليار نسمة، وأكبر منتج للنفط في القارة الأفريقية، لكنه يعاني من توتر أمني متصاعد منذ سنوات.

وفيما تخوض نيجيريا حرباً شرسة منذ سنوات ضد جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، يتعاظم فيها خطر شبكات الجريمة المنظمة المختصة في الخطف من أجل الحصول على فدية، كما تتصاعد حدة التوتر بين المجتمعات المحلية بسبب الشحن الطائفي بين المسلمين والمسيحيين، وأيضاً بسبب الصراع على الموارد الشحيحة الناتج عن الجفاف وتغير المناخ.

رجال شرطة ومواطنون في مكان هجوم مسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

القتل بالعرق

وقال المتحدث باسم الشرطة في ولاية ناساراوا، رامهان نانسل، إن هجوماً وقع (الجمعة) واستهدف منطقة (أوديغي) أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 11 شخصاً، وتدمير أكثر من 50 منزلاً، فيما تشير أصابع الاتهام الأولى إلى «مسلحين يُشتبه في أنهم شنّوا هجوماً انتقامياً بعد مقتل اثنين من مجموعتهم العرقية».

وأوضح المتحدث باسم الشرطة أن الصدامات توسعت لتشمل مناطق أخرى في أكياوا وأوديغي كاسا، مشيراً إلى أن مفوض الشرطة المحلية زار المناطق المتضررة، وأعرب عن «حزنه العميق إزاء أعمال القتل والدمار»، قبل أن يتعهد «بتحقيق العدالة».

وقال المتحدث باسم الشرطة إن تعليمات رسمية صدرت «بشن حملة واسعة ومكثفة لتعقب المتورطين في الهجوم، وأوضح نانسل: «وجّه مفوض الشرطة الفرق التكتيكية ووحدات التحقيق لضمان التعرف السريع على جميع الجناة واعتقالهم وملاحقتهم قضائياً».

منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)

هدوء حذر

بعد مرور أول أربع وعشرين ساعة على الحادث، أعلنت الشرطة عودة الهدوء إلى المنطقة، ولكنه هدوء حذر في ظل مخاوف السكان من تجدد الصدامات العرقية في المنطقة.

وطمأن المتحدث باسم الشرطة سكان المنطقة ودعاهم إلى استعادة نسق حياتهم الطبيعي، وشدد في بيانه الصحافي على أن «الأوضاع عادت إلى طبيعتها في المناطق المتضررة، مع اتخاذ إجراءات استباقية لمنع تكرار العنف».

وأوضح أنه من أجل «منع أي تدهور مستقبلي في الأمن، صدرت تعليمات بنشر مكثف وفوري لعناصر الشرطة، بالتنسيق مع الجيش وهيئة الدفاع المدني، لضمان توفير الحماية واستعادة السلام بشكل دائم»، وفق نص البيان. وأوضح أن اجتماعاً عُقد مع وجهاء المنطقة، حيث طُلب من السكان التحلي بالهدوء والتعاون مع الأجهزة الأمنية.

الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

قتلى أكثر

مع ذلك، تشير روايات محلية إلى أن عدد الضحايا قد يكون أعلى. إذ قال مسؤول محلي، أوناريغو أوناه، إن نحو 15 شخصاً قُتلوا، ولا يزال آخرون في عداد المفقودين. ووصف أوناه، الذي زار المناطق المتضررة، الهجوم بأنه «غير مقبول ومدان بشدة»، مشيراً إلى أن الهجوم أدى أيضاً إلى تدمير منازل ومركبات ودراجات نارية ومواد غذائية وممتلكات أخرى.

وفي حديثه أمام السكان المتضررين، شدد المسؤول وهو نائب في برلمان محلي للولاية، على ضرورة أن تزيد الدولة من إجراءاتها الأمنية والعسكرية لتأمين حياة المواطنين، وتعهد بالعمل مع السلطات المحلية على تعزيز الأمن.

رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

أما السكان خلال ردهم على النائب في البرلمان المحلي، طالبوا بزيادة الوجود الأمني لتمكين النازحين من العودة إلى منازلهم واستئناف حياتهم الطبيعية، وطلبوا من النائب إثارة القضية داخل برلمان الولاية لضمان تدخل حكومي عاجل.

ويأتي هذا الهجوم بعد أيام من حادث مماثل في ولاية بلاتو المجاورة، حيث قُتل ما لا يقل عن 28 شخصاً، بينهم طلاب وموظفون في جامعة جوس، وهجمات أخرى استهدفت مجتمعات مسيحية قتل فيها ما لا يقل عن 30 شخصاً.

ويرى محللون أمنيون أن تكرار هذه الهجمات في مناطق وسط نيجيريا يعكس استمرار التوترات المجتمعية وأعمال العنف الانتقامية، المرتبطة غالباً بنزاعات محلية.


حوار حكومة إثيوبيا وتيغراي... خطوة للمصالحة لا تخلو من عقبات

جانب من المشاركين في «منتدى التشاور» بأديس أبابا بين إقليم تيغراي والحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
جانب من المشاركين في «منتدى التشاور» بأديس أبابا بين إقليم تيغراي والحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

حوار حكومة إثيوبيا وتيغراي... خطوة للمصالحة لا تخلو من عقبات

جانب من المشاركين في «منتدى التشاور» بأديس أبابا بين إقليم تيغراي والحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
جانب من المشاركين في «منتدى التشاور» بأديس أبابا بين إقليم تيغراي والحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

مناقشات لم تخل من اختلافات شهدتها الجولة الأولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا، بحضور معنيين من إقليم تيغراي الذي يشهد تبايناً كبيراً مع سياسات حكومة أديس أبابا.

محادثات ضمن «حوار وطني» نظمته الحكومة تأتي قبل نحو شهرين من الانتخابات العامة بالبلاد المقررة في يونيو (حزيران) المقبل، يراها برلماني إثيوبي تحدث لـ«الشرق الأوسط» خطوة مهمة في الطريق للمصالحة وطي سنوات من الخلافات والاضطرابات، لافتاً إلى أن «الاضطرابات الأمنية كانت عقبة كبيرة والآن تتراجع ويمكن للحوار أن ينجح». إلا أنه «تحدث عن عقبات بشأن عدد من الملفات».

وأفادت وكالة «الأنباء الإثيوبية»، الجمعة، باختتام الجولة الأولى من «المنتدى» برئاسة رئيس المفوضية الوطنية الإثيوبية للحوار، مسفين أرايا، والمفوضين، والأحزاب السياسية الإقليمية، وغيرهم من أصحاب المصلحة الرئيسيين في إقليم تيغراي.

ووفق «الوكالة» تُعدّ هذه المرحلة التي بدأت، الأربعاء، «حاسمة لأنها تُحدد نطاق عملية الحوار وشرعيتها وشموليتها، التي تهدف إلى معالجة الانقسامات السياسية والاجتماعية القائمة منذ أمد طويل، وجمع آراء وأولويات المشاركين من تيغراي، وذلك لرسم ملامح عملية الحوار الوطني الأوسع».

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية، تم تدشينها في فبراير (شباط) 2022، مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي.

ويأتي الحوار في أديس أبابا، بينما تجرى الاستعدادات للانتخابات العامة السابعة، التي تقام كل خمس سنوات لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب، والمجلس الفيدرالي، حيث يفضي فوز الحزب الحاصل على أغلبية المقاعد البرلمانية إلى تشكيل الحكومة الفيدرالية المقبلة.

وتشير بيانات المجلس الوطني للانتخابات، إلى أن حزب الازدهار الحاكم قدم 466 مرشحاً (بينهم 101 مرشح معارض) من أصل 547 مقعداً برلمانياً، تاركاً 81 دائرة دون مرشحين، في سابقة هي الأولى، بحسب تقارير صحافية تحدثت عن أن «الحزب الحاكم فضل عدم الدفع بمرشحين في إقليم تيغراي».

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي في 12 فبراير 2025 (أ.ب)

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد يرى أن الحوار بين أديس أبابا وتيغراي «وطني بامتياز، ويمثل خطوة جوهرية نحو المصالحة، وله أهمية كبيرة للغاية، نظراً لأن إقليم تيغراي يعد من الأقاليم التي عانت من الاضطرابات والتحديات، ونرجو أن يثمر عن نتائج إيجابية».

ووصف مشاركون من إقليم تيغراي، الحوار، بأنه «خطوة تحول مهمة نحو معالجة الخلافات من خلال حوار سلمي وحضاري»، وفق ما نقلته وكالة «الأنباء الإثيوبية»، الخميس.

وقال تافيري هيلوف، أحد المشاركين، إن الحوار كان تفاعلياً وتجاوز توقعاته، مشيراً إلى أن الاختلافات أمر طبيعي، وأن هذه المنصة تُسهم في جمع الأفكار المتنوعة لحل الخلافات بطريقة سلمية وحضارية. فيما أكد أنتينه ميتيك، أحد المشاركين، أن «الحوار يبقى السبيل الوحيد لحل النزاعات»، وفق «الوكالة».

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

ولا يستبعد البرلماني الإثيوبي «رغم وجود عقبات حل الأزمة لكون الحوار الحالي يركز بشكل أساسي على حل القضايا القديمة العالقة، سواء ما يتعلق منها بالدستور، أو علم البلاد، أو الحدود، وغيرها من الملفات التاريخية».

ويؤكد أهمية وجود توافق شعبي واسع حول القضايا العالقة التي استمرت لفترة طويلة، مرجحاً أن «تحل هذه القضايا قريباً، خاصة أن الحوار الوطني بات في مراحله النهائية».

ويضيف: «لقد كان تأخر الحوار مع تيغراي ناتجاً عن الاضطرابات وعدم الاستقرار، لكن الآن هناك تحسن كبير، واستقرار، وسلام، مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق، حتى وإن لم يصل لنسبة مائة في المائة؛ إلا أن توفر الاستقرار والسلام سيمكن الجميع من الحصول على النتائج المرجوة وتحقيق التوافق الوطني».