الحلقة (1): قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} بداية التوتر بين السادات والقذافي.. واجتماع ميت أبو الكوم

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع معمر القذافي (1 من 10)

القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم  القذافي مع السادات في بداية السبعينات
القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم القذافي مع السادات في بداية السبعينات
TT

الحلقة (1): قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} بداية التوتر بين السادات والقذافي.. واجتماع ميت أبو الكوم

القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم  القذافي مع السادات في بداية السبعينات
القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم القذافي مع السادات في بداية السبعينات

يكشف أحمد قذاف الدم، الذي عمل وتعامل مع العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، نحو نصف قرن من الزمان، ولأول مرة، عن أسرار المفاوضات في البيت الريفي للرئيس المصري الراحل أنور السادات، من أجل إنهاء الحرب المصرية الليبية التي وقعت عام 1977. ويتطرق قذاف الدم في 10 حلقات مع «الشرق الأوسط» إلى العديد من المواقف والأسرار والملابسات، وذلك منذ أن استضافت أسرته التلميذ معمر القذافي، ابن عمه، للدراسة الابتدائية والإعدادية في مدرسة سبها المركزية في جنوب ليبيا، في أواخر خمسينات القرن الماضي، وحتى العمل معه كمبعوث خاص ومنسق للعلاقات ومندوب لإطفاء الحرائق التي تشتعل أحيانا هنا وهناك، وكان آخرها حريق «انتفاضة فبراير المسلحة» التي شارك فيها حلف «الناتو» وأنهى حكم معمر في مسقط رأسه في سرت في مشهد مأساوي في خريف 2011.

بعد انتهاء حرب 1973 وبدء مفاوضات الكيلو 101، بين مصر وإسرائيل، بإشراف الأمم المتحدة، للوصول إلى تحديد خطوط وقف إطلاق النار، بدأت نذر الخلافات بين العقيد القذافي الذي كان عمره لا يتجاوز 31 عاما، والرئيس السادات المخضرم في الحروب والثورات والسياسة. وشعر القذافي أن الأمور يمكن أن تفلت، وبدا من تصرفاته أنه لا يريد أن يخسر القاهرة، وفي الوقت نفسه كان موقفه أكثر ميلا للموقف الرافض لطريقة التفاوض الذي يتبناه الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في ذلك الوقت. وأخذ القذافي ينتقد أولا إجراء مفاوضات الكيلو 101 على الأرض المصرية.
ورغم غضبه الشديد من السادات، فإنه وافق على حضور حفل تكريم الجيش المصري الذي نظمه السادات عقب الحرب بنحو أربعة أشهر، أي في فبراير (شباط) عام 1974.
ويكشف قذاف الدم في هذه الحلقة كيف بدأ وكيف انتهى في مفاوضات في منزل السادات الريفي على أطباق الشوربة المغربية وهي حساء ليبي كان السادات يحبه ويأمر بإعداده في مطبخه، بعد أن علمه القذافي طريقة تحضيره.
على أية حال.. نحن في الأيام التي أعقبت حرب تحرير سيناء، ووسط لغط في الأوساط العسكرية والسياسية، يتردد صداه على ضفة قناة السويس وبقايا خط بارليف الحصين، وينتقل عبر الأثير إلى أرجاء الدنيا، حول المفاوضات التي كانت تجري بين القاهرة وتل أبيب تحت إشراف الأمم المتحدة. وزاد من حجم المسؤولية في القرار على كل من مصر وسوريا وليبيا، ارتباط هذه الدول فيما يعرف بـ«الاتحاد الثلاثي» الذي جرى التوقيع عليه منذ بداية السبعينات.
أين كان الضابط أحمد قذاف الدم في ذلك الوقت.. أين ذهبت أحلامه في وصول الجيوش العربية إلى فلسطين وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. سألته: هل رجعت إلى ليبيا مباشرة بعد انتهاء الحرب؟ فعاد بالذاكرة قليلا إلى الوراء، وأجاب وهو يتنفس بحرقة: «لا.. حصلت مشاكل بعد أن تقدم الفريق سعد الدين الشاذلي باستقالته. وكان التفكير الليبي أقرب إلى تفكير الفريق الشاذلي.. انحزنا له بشكل أو بآخر، بحكم أنه كان الأكثر فهما للأمور العسكرية على الأرض، وأيضا كنا نتابع مع الإخوة السوريين على الجبهة السورية. كنا ضد إيقاف الحرب، وضد مفاوضات الكيلو 101.. كنا نرى أنه إذا كان لا بد من هذه المفاوضات فلتكن في أرض العدو، وليس على الأرض المصرية».
ويقول: اختلفنا في مثل هذه النقاط، وبدأت حملة إعلامية شرسة في مصر ضد ليبيا. وبدأت الخلافات تأخذ شكلا متصاعدا، ورغم ذلك، عندما كرم الرئيس السادات الجيش المصري بعد الحرب، بعث بمبعوث إلى طرابلس، لدعوة معمر لحضور التكريم، وكان السادات يقول: «رغم خلافي مع معمر، ورغم أن معمر عمل وعمل وعمل، ولكن نحن أوفياء، ولا يمكن أن ننسى ما قامت به ليبيا في هذه الحرب، ولا ينبغي أن يجري التكريم في غير حضور معمر القذافي». ومن جانبه اشترط القذافي على السادات أن يوجه الدعوة لحضور بعض القادة الأفارقة، وقال للسادات: «أفريقيا ساهمت معنا وقامت بقطع علاقتها بإسرائيل، وأرجو، طالما أنت قمت بهذه الخطوة فإنه من باب الوفاء لأفريقيا أن ندعوها للمشاركة في الحفل». ورحب السادات بالفكرة وجاء الرئيس الأفريقي موبوتو سيسيسيكو وحضر معنا التكريم الذي جرت وقائعه في مقر مجلس الشعب المصري.
لكن العلاقة لم تعد بين القذافي والسادات إلى نفس الدرجة ولا إلى نفس الروح التي كانت عليها، من الثقة والود، قبل مفاوضات الكيلو 101. ومع ذلك كان القذافي مصرا على الاستمرار في الاتحاد الثلاثي بين مصر وليبيا وسوريا، وكان مصرا أيضا على التعجيل بهذا العمل المشترك «حتى لا نضيع الوقت». وكان يقول، وفقا لقذاف الدم: «كيف نستفتي الناس على الاتحاد ثم نتركهم.. لا أحد يجوز له إلغاء هذا الاتحاد إلا باستفتاء».
وكان قد جرى تخصيص القصر الرئاسي المصري المعروف حتى اليوم باسم «قصر الاتحادية» كمقر للاتحاد الثلاثي وللبرلمان الاتحادي. ويقول قذاف الدم: «كنا قد أنشأنا مجموعة مؤسسات للاتحاد الثلاثي في قصر الاتحادية. ولهذا السبب أطلق عليه هذا الاسم. أما الفقرة التي تنص على عدم إلغاء الاتحاد إلا باستفتاء فقد وضعها معمر القذافي، ولا زال هذا الاتحاد قائما (نظريا) حتى هذه الساعة. ومن الناحية الدستورية يستمر قائما ما لم يجر استفتاء الناس على إلغائه. وكانوا يخشون من أنه لو جرى استفتاء سيجري رفض الانفصال وقتها».
ويقول قذاف الدم إن القذافي كان يريد أن يجري زواجا سياسيا أكثر من أي شيء آخر، بين البلدين على ما أعتقد.. «هو كان يريد زواجا سياسيا لكي يكسر هذا الحاجز الذي تكوَّن بعد ملابسات حرب 1973. وأن نقترب من بعض أكثر لأن حالة الشك بدأت تسود، ويسود الظن بأن معمر كان لديه موقف من الرئيس السادات، وأن معمر يقوم بتخوين السادات وهكذا».
ويتابع قذاف الدم قائلا: «نحن كنا شبابا بطبيعة الحال، وسوريا ظلت خارج هذا الإطار، فحدثت خلخلة في الإجماع العربي، فكانت في الحقيقة مرحلة صعبة في العلاقات بين ليبيا ومصر.. وأنا الحقيقة لم أنقطع عن مصر، كنت أتواصل وألتقي بالرئيس السادات من آن إلى آن، سواء في القاهرة أو خارجها».
ووقعت بعد ذلك بثلاث سنوات، ومع اقتراب مصر من توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، مناوشات عسكرية على الحدود المصرية الليبية عام 1977، كان لها العديد من التداعيات والتفسيرات، لكن يبدو أن السبب الرئيس كان الشحن والتوتر وتبادل الاتهامات. فالمصريون يتهمون القذافي بأنه كان يجهز لضرب السد العالي وتنفيذ تفجيرات داخل البلاد وتحريض المصريين ضد السادات، بينما كان لليبيين فهم مختلف يتعلق بوجود مؤامرة غربية ضدها. ولعب قذاف الدم دورا في «مفاوضات الشوربة المغربية في ميت أبو الكوم.
لكن كيف بدأت الأحداث بالضبط وإلى أين وصلت وكيف انتهت، كما رآها وتابعها.
يقول قذاف الدم: والله أعتقد أنه كان هناك مخطط لترحيل الجيش المصري من المنطقة الشرقية إلى المنطقة الغربية، لأن المساحة ضاقت وأصبح الجيش يشكل خطرا حتى على القاهرة، فكان لا بد من إيجاد مبرر لنقله إلى الصحراء الغربية. فافتعلت مصر هذه المشكلة، وهذه القصة.
لكن في ذلك الوقت ترددت الكثير من الأقاويل عن أن القذافي يريد أن يأتي بحشود شعبية من ليبيا للضغط على القاهرة حتى لا توقع معاهدة مع إسرائيل. ما رأيك؟ ويرد قذاف الدم قائلا: «المهم كانت هناك رغبة في خلق مبررات حتى لو كانت واهية.. ولم تكن منطقية في نهاية المطاف. وقد يكون جزء منها هو المعلومات المضللة التي كانت تأتي للرئيس السادات لتدمير ما تبقى من الجيش المصري من خلال توريطه في حرب في ليبيا. أنا لا أستبعد أن الأميركيين والغرب كانوا يعطون معلومات غير صحيحة للسادات تقول إن معمر سيدمر السد العالي ويريد أن يحارب مصر أو يغزو مصر.. ومثل هذا الكلام لا أساس له.. معمر رجل وحدوي ورجل قومي، ولا يمكن أن يحارب الجيش الذي بناه عبد الناصر ولا يمكن أن يهدم السد العالي الذي بناه عبد الناصر».
وحين بدأت المواجهات بين الجيش المصري والليبي، كان قذاف الدم يستكمل دراساته العسكرية في بريطانيا. ويوضح قائلا: «سمعت بالأحداث التي تجري على الحدود.. وجرى استدعائي، ورجعت إلى ليبيا. وطلبت أن أنتقل إلى طبرق، لأن الموضوع بالنسبة لي كان خارج دائرة التصديق. أفكر في أن الجيش المصري على الحدود الليبية.. الحقيقة مسألة بالنسبة لنا كانت صدمة مهما كانت الخلافات. وذهبت مع زملائي واستطلعنا الحدود، ورأينا فعلا أن القوات المصرية هناك وبعض منها داخل حتى الأراضي الليبية. وحدات استطلاع.. ورجعنا، وبدأنا اتصالات مع الرئيس السادات ومع آخرين من المصريين، وأنا كنت طرفا في هذه الاتصالات».
هل اتصلت بالسادات نفسه حول مشكلة الحشد العسكري على الحدود؟ يقول: «نعم». وكيف كان رد فعله؟ يجيب: «والله هو كان معبأ.. ويرى أن ليبيا، وأن معمر، يريد أن يغزو مصر. وتحدثنا مع السادات في الهاتف في المرات الأولى.. ثم توصلنا من خلال اللقاءات المستمرة، والسرية طبعا، مع أجهزة المخابرات المصرية، ومع قوات الاستطلاع المصري، إلى امتصاص هذه المرحلة.
والحقيقة لعب الرئيس الجزائري هواري بومدين والفلسطيني عرفات، دورا مهما في توضيح هذه الصورة للسادات». كما جرت لقاءات مباشرة سرية كثيرة، في مصر وفي باريس وفي المغرب وفي أكثر من مكان.
لكن كيف انتهى موضوع المواجهات العسكرية بين البلدين؟ يجيب قذاف الدم قائلا إن أهم لقاء أدى لحسم هذه القصة وأنهاها نهائيا، كان من خلال لقاء مباشر وليس بالهاتف مع الرئيس السادات، الذي وجدته في الحقيقة رجلا قرويا وثوريا في الوقت نفسه.. «أقصد أنه كانت توجد لغة مشتركة بيننا رغم الخلاف». وفي ذلك الوقت، ورغم ما هو ظاهر من العداء بين معمر القذافي والسادات، إلا أن هذا لم يكن هو الواقع.. معمر كان لديه احترام للسادات، وتاريخه ومواقفه.. وأيضا الرئيس السادات كان يقول معمر هذا ابني».
ويضيف قذاف الدم قائلا: حتى حين كنت أزور السادات في بيته الريفي في ميت أبو الكوم، كان يقول لي إن هذه النخلة أتى بها القذافي وهذه الشجرة زرعها القذافي والشاي الأخضر علمه لي معمر القذافي.. والشوربة المغربية علمها لي القذافي، مشيرا إلى أن السادات كان يحب الشوربة الليبية كثيرا.. «أنا أعني إجمالا أنه كان هناك نوع من الود. وكان يهدأ قليلا ثم يبدأ في توجيه اللوم للقذافي وأنا جالس معه في بيته، ويقول: كيف معمر يعمل هذا، في إشارة إلى ما كان يشاع عن عزم ليبيا غزو مصر وضرب السد العالي. كما قال السادات أيضا إن معمر عاوز يستولي على الأراضي المصرية لغاية العامرية (غرب الإسكندرية)».
كان قذاف الدم يريد أن يصل إلى نتائج تنهي حالة الاحتقان على الحدود بين البلدين سريعا، ويقول إنه كان لا بد من الحديث صراحة مع السادات، لأنه كان مصمما ولا يريد أن يقتنع بما أقوله له عن وجود مؤامرات غربية لتوريط الجيش المصري في ليبيا، وإبعاده عن سيناء وعن إسرائيل، و.. «هنا طرحت على الرئيس في بيته بميت أبو الكوم أيضا، تفاصيل الخطة التي حصلنا على معلومات بشأنها بواسطة أجهزة الاستخبارات الليبية، وتهدف لغزو مصر لليبيا من الشرق وغزو تونس لليبيا من الشمال، على أن يتصدى الأسطول الأميركي في البحر المتوسط لأي محاولة للتدخل من جانب الاتحاد السوفياتي.
لكن السادات أشعل غليونه ودار حول نفسه ثم أخذ يتطلع إلى الأشجار والنخيل من حوله، وظننت أنه سيتفهم ما قلته له، لكن فجأة نفث دخان الغليون، وعاد سيرته الأولى، وهو غاضب أكثر من الأول: «لا.. أنتم لديكم صواريخ في الجغبوب (قرب حدود مصر) تريد أن تدمر السد العالي». وأخذ يشير إلى خرائط مصورة بالأقمار الصناعية التي بدا أنها أميركية. فقلت له: «تعني أن الخرائط تقول إنه توجد صواريخ في الجغبوب.. حسنا أستطيع أن أذهب الآن أنا وعسكريون مصريون بطائرة عمودية إلى هذا المكان لترى أنه لا يوجد فيه مثل هذا الكلام».
وبعد أن كان مغتاظا بشكل كبير بدأ يجنح ناحية الهدوء فقلت له مباشرة وأظن أنني فاجأته: «أنتم سيادة الرئيس مَنْ لديكم مخطط ضد ليبيا». وعرضت عليه المخطط الأميركي لضرب ليبيا، فقال لي: «هذا كلام غير صحيح»، وأخذ يحدق مجددا في خرائط الأقمار الصناعية التي كانت أمامه. فأخرجت أوراقا تثبت صحة كلامي، وقلت له: «لا.. إنه كلام صحيح سيادة الرئيس. وهذه المعلومات من داخل الولايات المتحدة الأميركية، وحصلت عليها المخابرات الليبية».
وعلى الجانب الآخر كان كل من الرئيس الجزائري، بومدين والفلسطيني عرفات، قد عملا على إنهاء حالة التوتر مع مصر، لكن رغم ذلك استمرت حشود الجيش المصري على الحدود فيما بعد. ويقول قذاف الدم: نسيت أن أذكر لك أن زيارتي للسادات في ميت أبو الكوم لم تكن بعلم القذافي ولم أستأذنه فيها. المهم أنه بعد نقاش طويل عريض، قلت للسادات: «شوف أنا جئت دون إذن.. إما أن نصل إلى حل، أو احجز لي مكانا عندك لكي أمكث في مصر، لأن القذافي لا يعلم بهذه الزيارة ولم آخذ إذنه، ولا أستطيع أن أعود إليه بعد هذا دون نتيجة مريحة».
فسألني السادات وقد بدا أنه متعاطف معي: ماذا تريد؟ فأجبته إجابة مطولة: أريد أن تأخذ خطوة. وكان يستمع حين قاطعني ليأمر بتحضير طعام الغداء، على أن تكون الشوربة المغربية على السفرة. واستكملت حديثي وقلت له: سيادة الرئيس.. أنا جئت لأؤكد أننا في ليبيا ليست لدينا أي أمور عدائية تجاهكم. بينما أنتم جئتم بقواتكم على حدودنا. اسحب على الأقل جزءا من هذه القوات، وبرهن على حسن النوايا. وأعطنا أسبوعا.. إذا لم يأت رد من ليبيا في خلال الأسبوع، أعد القوات مرة أخرى. فقال لي: خلاص.. سأسحب لمدة أسبوع.
ويقول قذاف الدم: شعرت مرة أخرى، وأنا أتطلع إلى الأجواء الريفية المحيطة ببيته، أن الرئيس السادات إنسان بسيط ومتواضع. على أية حال قدم الشوربة وكان هناك بط أيضا. وفي آخر النهار أكلنا فطير مشلتت (نوع من المخبوزات في الريف المصري). لقد بدأ اللقاء عاصفا وانتهى بعد ساعات طويلة بتفاهم. وكان الرجل ودودا، لكن كانت لديه همومه ومخاوفه تجاه بلده ويريد أن يستعيد سيناء بعد أن تخلى عنه الجميع.
وعلى فناجين الشاي الأخضر بينما كانت زقزقة الطيور تتزايد مع اقتراب المساء، كان الحديث مع الرئيس يسير بهدوء، وكان كل من قذاف الدم والسادات لديه استعداد للاستماع أطول فترة ممكنة للآخر. وعرض عليه قذاف الدم بالتفصيل معلومات المخابرات الليبية التي قال إنها موثقة وجاءت بها من أميركا.. «والتي تشير إلى أن هذا المخطط ضد ليبيا بدأ منذ أواخر السبعينات عندما دخلت قواتنا إلى تشاد ووصلت لمشارف العاصمة إنجمينا».
ويضيف: «الخطة تقضي بجر مصر وتونس للتدخل في ليبيا بمساعدة أميركية وفرنسية، لإسقاط النظام في ليبيا حين كانت معظم القوات الليبية تحارب في تشاد.. من تونس تدخل القوات الفرنسية وتستولي على طرابلس بزعم أن ليبيا تريد أن تهاجم تونس.. وتتولى مصر الدخول من الغرب حتى بنغازي للسيطرة عليها، ثم يقوم الأسطولان السادس والسابع بمحاصرة شواطئنا من الشمال حتى لا يتحرك الاتحاد السوفياتي لنجدة القوات الليبية».
وانتهت زيارة قذاف الدم لبيت السادات، ومن هناك انطلق عائدا إلى ليبيا. ويقول: ذهبت للأخ معمر الذي كان وقتها موجودا في خيمة في منطقة الكُفرة الحدودية، وقلت له إنني كنت عند السادات.. طبعا فوجئ، وقال لي: لماذا لم تستأذني؟ فقلت له لو كنت قد استأذنتك لقلت لي لا تذهب، ولقلت لي إنه اتفق مع الأميركان وأصبحوا جبهة واحدة. فسألني: لماذا اخترت الذهاب للسادات؟
فأجبته: لأنه الحلقة الأضعف.. رجل من طينتنا ولديه نفس مشاعرنا ورجل ثوري وعاش معنا ويعرفنا جيدا. أما الغرب فهو عدو يريد أن يقتص منا. وبالنسبة لتونس، إذا أقنعهم الفرنسيون أن معمر يريد أن يهجم عليهم، فسيطلبون بشكل آلي الحماية الفرنسية. وحكيت له ما حدث في بيت ميت أبو الكوم بالتفصيل، ووجد أنني متأثر بكلام السادات، وأعتقد أنه قال بينه وبين نفسه إن السادات «أكل بعقله حلاوة»، كما يقول المصريون، خاصة أنني كنت شابا صغيرا. ولم يكن القذافي مقتنعا بكل ما حدث، أو بالأحرى كان مترددا. قال: خلاص.. لكن الكلام الذي سمعته من السادات لا يوثق فيه.. هذه مناورة منه وضحك عليك، وقال لك إنه سيسحب القوات، ولن يسحبها.
وبينما شعر قذاف الدم أن جهوده مع السادات ذهبت هباء، وأن الأمور تزداد تعقيدا، وجد الفرج وكأنه هبط عليه من حيث لا يدري. يقول: تشاء الظروف في تلك اللحظة، ونحن نهم بالخروج من الخيمة، أن يأتي قلم القائد (سكرتير القذافي) حاملا الملفات والبرقيات والبريد، وهنا ابتعدت عن الأخ معمر، على أساس أن أتركه يفحص ما لديه من أوراق، لكنه أخذ ينادي علي، وحين اقتربت قال: «تعال هنا.. تعال. يبدو أن صاحبك جاد»، في إشارة إلى السادات، لأنه لم يكن يريد للسكرتير، أو غيره، أن يعرف أنني كنت عند الرئيس المصري.
ومد لي برقية واردة من استطلاع الجيش الليبي، تقول إن بعض الوحدات المصرية انسحبت من الجبهة. فقلت للقذافي وقد شعرت بعودة النبض إلى عروقي: خلاص.. إذن الكرة أصبحت في ملعبنا نحن، وعلينا أن نتخذ الخطوة التالية، فوافق، وأعلن في خطاب عام أنه لن يحارب جيش عبد الناصر ولن يدمر السد العالي. وقال أيضا: لا بد أن نحول هذه المنطقة إلى منطقة رخاء وتعاون بين البلدين وأنه مهما كانت خلافاتنا سياسية فلا يجب أن نصل لدرجة تجييش جيوشنا وقدراتنا لمصلحة الغرب.
ويضيف قذاف الدم أن الإجراءات العملية لإنهاء التوتر العسكري على الحدود المصرية الليبية استمرت بعد ذلك حيث أكمل السادات سحب باقي قواته، وقام قادة من الجيش الليبي بعقد اجتماعات مع كل من الجيش المصري والمخابرات المصرية، وأصبح يطلق عليها لسنوات «اجتماعات الحدود» وتهدف للتعاون المشترك لتأمين المنطقة بدلا من الصراع فيها. ويختتم قائلا: حاول الغرب إحياء المخطط نفسه مع الرئيس حسني مبارك، في تسعينات القرن الماضي، وجاء لهذا الغرض، للقاهرة، رئيس الأركان الأميركي، ومعه المخططون من المخابرات الأميركية، إلا أن مبارك أبلغنا بهذا الموضوع، ورفض أن تشترك مصر في المؤامرة ضد ليبيا.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.