موسكو قلقة من محاولات الغرب التأثير في الوضع الداخلي

البرلمان ينوي «مساءلة» سفراء أجانب بسبب «دعم الاحتجاجات»

قوات الأمن تعتقل متظاهرين في موسكو أمس (رويترز)
قوات الأمن تعتقل متظاهرين في موسكو أمس (رويترز)
TT

موسكو قلقة من محاولات الغرب التأثير في الوضع الداخلي

قوات الأمن تعتقل متظاهرين في موسكو أمس (رويترز)
قوات الأمن تعتقل متظاهرين في موسكو أمس (رويترز)

صعّدت موسكو لهجتها حيال ما وصفته بأنه «محاولات غربية متزايدة للتدخل في الشؤون الداخلية لروسيا»، وتزامن استدعاء دبلوماسيين غربيين إلى وزارة الخارجية الروسية لتسليمهم مذكرات احتجاج على «نشاطات لدعم المظاهرات غير القانونية»، مع تشديد دوائر الرقابة من تدابير رصد ومتابعة تغطيات وسائل الإعلام الأجنبية ووسائل التواصل الاجتماعي لتطورات التحركات الاحتجاجية، التي تصاعدت وتائرها في روسيا في الأسابيع الأخيرة، وركزت حملاتها تحت شعار «من أجل انتخابات حرة».
وانتقلت السجالات في روسيا حول حركة الاحتجاجات المتواصلة في موسكو وعدد من المدن الأخرى، من اتهامات لأطراف في الداخل بإثارة الفوضى، إلى توجيه أصابع الاتهام إلى «جهات خارجية تسعى إلى تشويه سمعة روسيا ومحاولة زعزعة الوضع فيها».
وكانت التحركات الاحتجاجية بدأت قبل نحو شهرين على خلفية رفض لجنة الانتخابات المركزية في مدينة موسكو قبول أوراق ترشيح 12 مرشحاً مستقلاً لانتخابات مجلس المدينة المقررة الشهر المقبل. ورأت المعارضة أن حرمان كل ممثليها من خوض المنافسة، يؤسس لتكرار السيناريو ذاته في الانتخابات العامة في روسيا، ودعت أنصارها إلى النزول إلى الشارع احتجاجاً على قرار لجنة الانتخابات. لكن التحرك قوبل بحملات اعتقال واسعة؛ ما أسفر عن تصعيد نشاط المعارضة وإعلانها عن تجمعات احتجاجية في نهاية كل أسبوع بهدف الضغط على لجنة الانتخابات المركزية. وجرت أوسع الاحتجاجات السبت الماضي في موسكو وعدد من المدن الأخرى. ووفقاً للمعارضة، فقد تجمع نحو 60 ألف شخص في العاصمة الروسية، ولوحوا بتصعيد نشاطهم في الأسابيع المقبلة.
وبالتزامن مع مساعي التضييق الداخلي على وسائل التواصل الاجتماعي، عبّر إعلان تدابير لمعاقبة من يثبت تورطه في القيام بنشاطات ترويجية تهدف إلى «الدعوة لتنظيم أعمال احتجاجية من دون ترخيص رسمي»، فإن الأنظار تركزت في اليومين الأخيرين على اتهام أطراف خارجية باستخدام الحدث الداخلي لزعزعة الأوضاع في البلاد. وأعلن مجلس الفيدرالية (الشيوخ) الروسي، أمس، توجهه إلى استدعاء سفراء بلدان أجنبية في موسكو لـ«يقدموا توضيحاً بشأن نشر سفارات بلادهم معلومات تتعلق بالاحتجاجات الأخيرة في موسكو يمكن اعتبارها تدخلاً في شؤون روسيا الداخلية».
وقالت ليودميلا بوكوفا، وهي عضو في لجنة حماية سيادة الدولة، في مجلس الشيوخ، إن اللجنة «تخطط لدعوة هؤلاء السفراء لحضور اجتماع لها سيعقد في مطلع سبتمبر (أيلول) المقبل، لمساءلتهم».
وأوضحت البرلمانية الروسية، أن السلطات المختصة رصدت «ظهور منشورات تضمنت وصفاً مفصلاً لمسارات المظاهرات الاحتجاجية التي جرت في موسكو، قبل انطلاقها، على عدد من الصفحات الإلكترونية التابعة لسفارات بلدان أجنبية».
وزادت أن أعضاء اللجنة يريدون الحصول من السفراء المدعوين على توضيحات بشأن سبب وغرض نشر تلك المعلومات، ولمعرفة ما إذا كانت «تحذيرات موجهة إلى رعايا تلك البلدان أم دعوات للتحريض على خلق الفوضى في روسيا وزعزعة الاستقرار».
وأشارت بوكوفا إلى أن محتوى المنشورات يمكن وصفه بأنه تدخل في شؤون روسيا الداخلية، وتحديداً في العمليات الانتخابية في البلاد، وزادت أن لجنة السيادة في البرلمان «تود بحث هذا الوضع مع سفراء تلك البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة».
وكانت الخارجية الروسية استبقت التحرك باستدعاء مستشار السفارة الأميركية لدى موسكو، تيم ريتشاردسون، على خلفية نشر إدارة الشؤون القنصلية التابعة للخارجية الأميركية على حسابها في «تويتر» خريطة تظهر مسارات مظاهرات الاحتجاج، التي شهدتها موسكو خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية. وشددت الوزارة في بيان أصدرته بعد الاستدعاء على «احتجاج شديد اللهجة» على تصرف الإدارة القنصلية الأميركية.
وأكدت الخارجية الروسية أنها تعتبر نشر الجانب الأميركي هذه الخريطة تحريضاً للمواطنين على المشاركة في الحملة؛ ما يمثل، وفقاً لبيان الوزارة، محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية لروسيا.
وأعربت الخارجية الروسية عن احتجاج مماثل لدى استدعاء القائمة المؤقتة بأعمال السفارة الألمانية في موسكو، بياتا غجيسكي، التي تسلمت مذكرة رسمية، أفردت حيزاً لإدانة «التغطية المنحازة لشبكة (دويتشه فيله) الألمانية للمظاهرات الاحتجاجية في موسكو».
وفي وقت لاحق، حمّلت الخارجية الروسية الشبكة الإخبارية الألمانية المسؤولية عن نشر دعوات مباشرة في مواقع التواصل الاجتماعي لسكان موسكو للمشاركة في التجمعات غير المرخص بها، مشددة على أن هذا السلوك يخالف القواعد الصحافية ويمثل محاولة للتدخل في شؤون البلاد الداخلية.
ومع لفت الأنظار إلى تشديد الرقابة على تغطيات وسائل الإعلام الأجنبية للأعمال الاحتجاجية في موسكو، أطلقت السلطات المختصة في روسيا إجراءات لمواجهة آليات تعامل شبكات التواصل الاجتماعي، وقنوات البث عبر شبكة «يوتيوب» مع الدعوات التي تنشرها المعارضة للمشاركة في نشاطاتها. وأعلنت لجنة الدفاع عن السيادة أن «يوتيوب» بدأت بحجب مقاطع الفيديو الرسمية التي تظهر جوانب من الفعاليات الاحتجاجية «لا تتفق مع ما أوردته وسائل الإعلام الغربية».
وأفاد بيان أصدرته «مجموعة العمل» التي شكلتها اللجنة لمتابعة هذا الملف، بأن «المنظمات والمؤسسات الأميركية، وكذلك مواطنو الولايات المتحدة وحلفائها يتدخلون بنشاط في الحملات الانتخابية الروسية، وذلك على خلفية اتهامات ومزاعم غير مبررة موجهة إلى روسيا حول ما يسمى تدخلها في الشؤون السياسية لتلك البلدان».
ولفت البيان إلى أن روسيا تواجه «حرباً إعلامية» من خلال الضغط على الشبكات الكبرى، وبينها «يوتيوب» لـ«حجب المعلومات الرسمية الروسية والتركيز على المعطيات التي تقدمها الأطراف الغربية». وأشار رئيس اللجنة، أندريه كليموف، إلى أن عملية حجب المعلومات الروسية «لا تجري أوتوماتيكياً، بل عمداً من قبل مسؤول أوكل بتنفيذ تلك المهمة».
وكان كليموف أعلن في وقت سابق، أن لجنته «سجلت أدلة على التدخل الأجنبي في المظاهرات غير الشرعية». وأنه «تم تأكيد هذا الأمر في نشرات الأخبار التي بثتها وسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية، وغيرها من وسائل الإعلام الموالية للغرب التي تقدمت بتفسير منحاز للمظاهرات».
وطالبت لجنة الرقابة الروسية على المصنفات في بيان نشرته أمس، إدارة «يوتيوب» بـ«الكف عن الترويج للمظاهرات غير الشرعية وغير المنسقة مع السلطات». ووجهت اللجنة رسالة بهذا الخصوص إلى شركة «غوغل» التي تعتبر المالك الفعلي لـ«يوتيوب».
وقالت لجنة الرقابة، إن لديها معطيات «تؤكد أن بعض المنظمات والقنوات التلفزيونية تنشر معلومات عن المظاهرات غير الشرعية الرامية إلى إحباط الانتخابات الفيدرالية والمحلية». وأشارت لجنة الرقابة إلى أن تلك المواد الدعائية يتلقاها أشخاص غير مشتركين في القنوات، ما يثبت التوجه نحو إطلاق حملة واسعة تهدف إلى زعزعة الوضع في روسيا.
وحذرت لجنة الرقابة شركة «غوغل» من التدخل في الشؤون الداخلية الروسية وعرقلة عملية الانتخابات الديمقراطية عن طريق «التأثير العدائي». وأعلنت أنها ستضطر إلى اتخاذ خطوات مناسبة في حال رفض «غوغل» اتخاذ إجراءات للحيلولة دون نشر «دعايات غير شرعية».
إلى ذلك، أعلن أمس، أن عدداً من نواب بلدية موسكو قدموا طلباً جديداً للحصول على ترخيص لتنظيم اعتصام واسع جديد السبت المقبل. ونقلت وكالة أنباء «إنترفاكس» الروسية المستقلة عن أحد مقدمي الطلب، أن الفعالية ستأخذ شكل «مسيرة واسعة على طول الخط الدائري الذي يحيط بوسط العاصمة الروسية»، مرجحاً أن يشارك عشرات الآلاف من المحتجين في الفعالية، وقالت إيلينا فيلين، وهي واحدة من المبادرين لتنظيم الفعاليات الجديدة، إن «أعمال الاحتجاج سوف تتواصل حتى تقر لجنة الانتخابات المركزية بخطأ حرمان ممثلي المعارضة، وإذا لم يحدث ذلك سوف نعلن عدم اعترافنا بالانتخابات ونتائجها».
وكانت المعارضة قدمت في أوقات سابقة طلبات للحصول على ترخيص بتنظيم الاعتصامات، وفي المرات التي قوبلت فيها الطلبات بالرفض نزل المتظاهرون إلى الشوارع من دون الترخيص؛ ما أثار حملات أمنية ضدهم.
في غضون ذلك، أعلن الحزب الشيوعي الروسي، أنه سينظم بدوره تجمعاً احتجاجياً في إطار التحركات التي رفعت شعار «من أجل انتخابات حرة»، لكنه أكد في الوقت ذاته أن نشاطه سوف يكون «مستقلاً»، وأنه «لن ينضم إلى الدعوات التي تطلقها المعارضة غير الممثلة في البرلمان للنزول إلى الشارع».



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.