السودان: البرهان رئيساً لمجلس السيادة وحميدتي نائباً له

مباحثات بين «الجبهة الثورية» المسلحة و{قوى الحرية والتغيير} في القاهرة اليوم

الفريق أول عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب) - الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)
الفريق أول عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب) - الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)
TT

السودان: البرهان رئيساً لمجلس السيادة وحميدتي نائباً له

الفريق أول عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب) - الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)
الفريق أول عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب) - الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) (رويترز)

أعلن قائد عسكري سوداني بارز تكليف رئيس المجلس الفريق أول «عبد الفتاح البرهان» برئاسة «مجلس السيادة»، وتكليف الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي» نائباً له، وقطع بعدم إضافة اتفاقية «أديس أبابا» بين الجبهة الثورية والحرية والتغيير للإعلان الدستوري، ووصفها بأنها «ضعيفة» لا تحقق كل متطلبات السلام، فيما ينتظر أن تشهد العاصمة المصرية القاهرة مباحثات مهمة بين قادة تحالف الجبهة الثورية المسلح وقادة قوى إعلان الحرية والتغيير لحل القضايا الخلافية بشأن الوثيقة الدستورية وتحقيق السلام.
ونص الإعلان الدستوري الذي وقعه المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، الأسبوع الماضي بالأحرف الأولى، على رئاسة دورية لمجلس السيادة الانتقالي يتولاها العسكريون للفترة الأولى البالغة 21 شهراً، ويتكون المجلس من 5 أعضاء مدنيين و5 عسكريين، إضافة لشخصية أخرى يتم التوافق عليها بين الطرفين.
وقال عضو المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول صلاح عبد الخالق في مقابلة مع وكالة «سبوتنيك» الروسية، أمس إن رئيس المجلس العسكري الانتقالي الحالي عبد الفتاح البرهان سيتولى رئاسة المجلس السيادي، وأن يتولى الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي» منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، وأن يعين الأعضاء الثلاثة الباقين رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان.
وأوضح عبد الخالق أن أسماء أعضاء مجلس السيادة الثلاثة من الجانب العسكري ستعلن عند تشكيل المجلس السيادي في الثامن عشر من أغسطس (آب) الجاري، وفقاً للخريطة الزمنية لتكوين الحكومة الانتقالية.
وحسب «سبوتنك» وصف عبد الخالق «الاتفاقية الدستورية» الموقعة بين المدنيين والعسكريين، بأنه «اتفاق لجميع السودانيين»، وإنها حققت إنجازات استراتيجية «جنبت البلاد ويلات الحرب الأهلية»، وقال: «خرجنا من مستنقع قد مرت عليه معظم الدول التي من حولنا، وذلك بفضل حكمة المجلس العسكري، لأنهم كبار في السن، وبروح وحيوية الشباب، الذين يمثلهم قوى الحرية والتغيير»، وتابع: «لولا هذا التكاتف بين الفئتين كنا لا نعرف كيف نعبر ببلادنا إلى اتفاقية سلمية وأمنه».
وتعهد عبد الخالق بتنفيذ المكون العسكري من مجلس السيادة لكافة بنود الاتفاق خلال الفترة الانتقالية، وأهمها التهيئة لإجراء الانتخابات، وإنجاز عملية السلام خلال فترة الستة أشهر الأولى من الفترة الانتقالية، وإكمال الاتفاقات مع الحركات المسلحة وعودة النازحين، ودمج المحاربين في الحركات المسلحة، للانطلاق بالسودان ليكون «عضوا فاعلا في المجتمع الدولي».
وقطع عبد الخالق بعدم عملية إضافة كل ملاحظات «الجبهة الثورية» للوثيقة الدستورية، وقال: «لا يمكن تضمين وثيقة أديس أبابا بين الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير، لأن الوثيقة الدستورية صغيرة وفترتها قليلة وليس بالإمكان شمل جميع قضايا السلام في الوثيقة الدستورية»، وتابع: «الوثيقة الدستورية عبارة عن اتفاق سياسي لأجل تشكيل حكومة لفترة انتقالية، لكن موضوع تحقيق السلام هي مسألة شائكة تحتاج لتفاصيل وفترة طويلة أكثر».
ووصف عبد الخالق الاتفاقية الموقعة بين قوى إعلان الحرية والتغيير والجبهة الثورية بأنها «ضعيفة» ولم تخاطب جذور المشكلة، بيد أنه عاد للقول: «جميعنا متفقون على أهمية تحقيق السلام، لكن نحتاج لوقت للحديث حول تفاصيل أكثر مما ورد في وثيقة أديس أبابا»، متوقعا أن تحقق السلام الكامل خلال الستة أشهر الأولى من الفترة الانتقالية، بقوله: «زوال النظام السابق سيحل 90 في المائة من مشكلات السودان».
من جهة أخرى، ينتظر أن تشهد العاصمة المصرية القاهرة مباحثات مهمة بين ممثلين عن الجبهة الثورية السودانيين، تحالف قوى إعلان الحرية للتفاوض حول قضايا خلافية بين الطرفين تتعلق بتحقيق السلام ووقف الحرب مع الحركات المسلحة.
وكان من المتوقع مغادرة وفد قوى إعلان الحرية والتغيير السودان أمس، إلاّ أن معوقات تنظيمية ولوجيستية تتعلق بحجوزات الطيران، أدت لتأخير سفر من وفد الحرية والتغيير إلى القاهرة من يوم أمس إلى اليوم.
وقال القيادي في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير عمر الدقير لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن من المتوقع أن يشارك في الوفد المسافر إلى القاهرة بالإضافة إلى شخصه، كل من علي الريح السنهوري، ومدني عباس مدني، وإبراهيم الأمين، من قيادات الحرية والتغيير.
ووصل وفد الجبهة الثورية المكون من كل من منى أركو مناوى، وجبريل إبراهيم، ومالك عقار، وياسر عرمان، والهادي إدريس، لمصر بانتظار وصول وفد الخرطوم، للتباحث حول تطور العملية السياسية في السودان والعمل وحل القضايا الخلافية.
وتعترض الحركات المسلحة المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية» على الوثيقة الدستورية الموقعة بين المجلس العسكري الانتقالي وترى أنها لا تتضمن «وثيقة السلام» التي تم الاتفاق عليها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
ويرى الدقير أهمية الوصول لتفاهمات مع الجبهة الثورية قبل الوصول لاتفاق، بينما ترى بعض مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي، إن الوثيقة الدستورية تضمنت المبادئ الأساسية لتحقيق السلام في البلاد، وخصصت الستة أشهر الأولى من الفترة الانتقالية للسلام.
وتطالب الجبهة الثورية بتضمين بتأجيل تكوين الحكومة الانتقالية لحين الوصول لاتفاق مع الجبهة الثورية، وإشراكها في هياكل قوى إعلان الحرية والتغيير، قبل التوقيع النهائي على «الإعلان الدستوري» في يوم 17 أغسطس (آب) الجاري.
وفي الوقت الذي تهدد فيه الجبهة الثورية بتأليب الشارع ومؤيديها ضد الحكومة الانتقالية حال عدم الاستجابة لمطالبها، تتناول تقارير صحافية مطالبات من قبلها بـ«حصة في الحكومة الانتقالية»، وهو ما يرفضه الشارع السياسي الذي يتمسك بحكومة كفاءات مستقلة غير حزبية، وما نصت عليه وثيقة «الإعلان الدستوري».
وحسب وكالة أنباء «الشرق الأوسط» المصرية، فإن اجتماع القاهرة يأتي في إطار «الوقوف على تطورات العملية السياسية في السودان، والعمل على حلحلة القضايا الخلافية». وذكرت مصادر مطلعة أن «الاجتماعات تأتي في إطار مبادرة مصرية لتجاوز خلافات الحرية والتغيير والجبهة الثورية».
وأضافت المصادر المطلعة أن «هذه الخطوة تأتي في إطار المتابعة الشخصية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، لكل التطورات الراهنة على الساحة السودانية، والتأكيد على مساندة مصر لإرادة وخيارات الشعب السوداني الشقيق، في صياغة مستقبل بلاده، والحفاظ على مؤسسات الدولة، والاستعداد لتقديم كل سبل الدعم للأشقاء في السودان لتجاوز هذه المرحلة بما يتوافق مع تطلعات الشعب السوداني، بعيداً عن التدخلات الخارجية.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.