كاميرون يواجه معارك سياسية جديدة بعد كسبه معركة الاستفتاء

وعوده بمنح مزيد من السلطات إلى أدنبره فتحت عليه جبهات في مختلف مناطق المملكة المتحدة

كاميرون يلقي كلمته أمام الصحافيين بخصوص نتائج استفتاء اسكوتلندا خارج مقر رئاسة الوزراء في لندن صباح أمس (أ.ب)
كاميرون يلقي كلمته أمام الصحافيين بخصوص نتائج استفتاء اسكوتلندا خارج مقر رئاسة الوزراء في لندن صباح أمس (أ.ب)
TT

كاميرون يواجه معارك سياسية جديدة بعد كسبه معركة الاستفتاء

كاميرون يلقي كلمته أمام الصحافيين بخصوص نتائج استفتاء اسكوتلندا خارج مقر رئاسة الوزراء في لندن صباح أمس (أ.ب)
كاميرون يلقي كلمته أمام الصحافيين بخصوص نتائج استفتاء اسكوتلندا خارج مقر رئاسة الوزراء في لندن صباح أمس (أ.ب)

«المملكة المتحدة لن تعود كما كانت عليه»، هذه الجملة رددها الفرقاء الاسكوتلنديون قبل استفتاء أول من أمس الذي جاءت نتيجته لصالح معسكر الوحدويين المؤيدين لبقاء بلادهم ضمن الاتحاد الذي يعود إلى 1707، ويضم إلى جانب اسكوتلندا، إنجلترا وويلز وشمال إنجلترا.
حكومة لندن وعدت برلمان أدنبرة المحلي بسلطات إضافية، قبل أسبوعين فقط من الاستفتاء، لكن ذلك يثير مشكلات بين رئيس الوزراء ديفيد كاميرون والمعارضة العمالية، لأن كلا منهما له مطالبه وتفسيره لتطبيق الوعود.
وكانت الوعود قد جاءت على خلفية حالة من الاضطراب التي حلت بالنخبة السياسية في لندن بعد تقدم الانفصاليين في استطلاعات الرأي بنقطتين. ووافق زعماء الأحزاب الـ3 الرئيسة، وهم المحافظون بزعامة ديفيد كاميرون رئيس الوزراء الحالي ونائبه في الحكومة الائتلافية زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار نيك كليغ وزعيم حزب العمال المعارض إد ميليباند، على منح اسكوتلندا سلطات إضافية، تخص مستوى جمع الضرائب والنظام المعونة الاجتماعية، إلى جانب القضايا التي يقرر فيها برلمان أدنبرة حاليا وهي أمور تطال النظام الصحي والنظام التعليمي والنظام القضائي. وتبقى لندن تتحكم في السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي إضافة إلى النظام الضريبي بشكله العام.
الأحزاب السياسية أسندت مهمة طرح السلطات الرئيسة الإضافية إلى رئيس الوزراء السابق غوردن براون.
وتنتظر اسكوتلندا التي رفضت الاستقلال سلطات جديدة وعدت بها لندن في تعزيز السلطات الحالية، وهذا ما أكده صباح أمس (الجمعة) رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بعد إعلان النتيجة، الذي انفرجت أساريره بعد ليلة من كوابيس الانفصال وتفكك مملكته، معلنا في الوقت نفسه عن إجراءات مماثلة لإنجلترا وويلز وآيرلندا الشمالية، مضيفا أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت: «صوت إنجليزي لتشريع إنجليزي». وما يقصده منح سلطات مماثلة لإنجلترا مثل التي تمنح إلى الأعضاء الآخرين في الاتحاد. وهذا ما عبر عنه مرارا الكثير من المحافظين في برلمان لندن الذي يضم، أيضا 59 عضوا يمثلون مناطق انتخابية اسكوتلندية ويصوتون في برلمان لندن على قضايا تخص إنجلترا فقط، وهذا أثار جدلا، خصوصا بين أعضاء حزب المحافظين، الذين عارضوا في السابق وجود حكومة محلية في أدنبرة.
ويتمتع أعضاء البرلمان في ويستمنستر بالقدرة على التصويت في المسائل التي تخص إنجلترا وحدها، وليس تلك التي تخص اسكوتلندا. وفي الوقت نفسه يوجد في اسكوتلندا برلمانها الخاص، الذي يتحمل المسؤولية عن مجالات مثل الصحة والتعليم والعدالة.
وقال جون ريدوود، السياسي المخضرم الذي شغل مناصب وزارية مختلفة في الإدارات المحافظة السابقة: «يجب منح جميع السلطات السابقة» التي يتمتع بها برلمان اسكوتلندا والتي سيحصل عليها في المستقبل، مضيفا أنه يجب أن يكون هناك «برلمان لإنجلترا يوازي برلمان اسكوتلندا». ويعتقد ريدوود أن حكومة لندن تواجه مشكلة دستورية ولهذا بجب إيجاد حلا لها في أسرع وقت ممكن، واقترح أن تشكل لجنة ملكية للتعامل بهذه القضية.
وكان رئيس وزراء اسكوتلندا أليكس سالموند، الذي أعلن عزمه الاستقالة وإيجاد خليفة له، قد سارع عندما أقر بهزيمة معسكره أمس، إلى التذكير بالتعهدات المشتركة التي قطعها كاميرون وحلفاؤه الليبراليون الديمقراطيون والمعارضة العمالية. وقال إن «الأحزاب الوحدوية تعهدت في نهاية الحملة بإعطاء المزيد من الإصلاحيات لاسكوتلندا، واسكوتلندا تتوقع أن يجري الالتزام بهذه التعهدات سريعا». ووصلت هذه الرسالة إلى ديفيد كاميرون الذي قال: «إلى الذين يشككون في اسكوتلندا بالوعود الدستورية المقطوعة، دعوني أقل لكم ما يلي: سبق أن نقلنا صلاحيات في ظل هذه الحكومة، وسنقوم بذلك من جديد في الحكومة المقبلة». وأضاف: «إن الأحزاب الوحدوية الثلاثة قطعت تعهدات بمنح البرلمان الاسكوتلندي صلاحيات إضافية، وسنتثبت من الوفاء بها».
لكن ظهرت في الأمس شروخ في الموقف بين حزب المحافظين الحاكم والمعارضة العمالية بقيادة إد ميليباند، الذي يتفق مع منح اسكوتلندا مزيدا من السلطات، لكنه أضاف أمس: «إن تسليم السلطات إلى اسكوتلندا لا يعني خلق برلمان لإنجلترا يكون بديلا عن برلمان الحكومة المركزية في ويستمنستر». هذا الخلاف بين الاثنين حاول سالموند استغلاله أمس متهما لندن بأنها قد تتراجع أو تماطل في تطبيق الإصلاحات المقترحة «بسبب الخلاف مع المعارضة العمالية ومحاولة كاميرون أرضاء أعضاء حزبه أيضا».
ونقل الحد الأقصى من السلطات إلى برلمان أدنبرة يعني جمع الضرائب واستخدامها ونظام الضمان الاجتماعي. وتطالب المناطق الأخرى في بريطانيا بإجراءات مماثلة. كما تطالب وويلز بسلطات مشابهة للتي تمنح لاسكوتلندا، وهذا يقوي ويدعم موقف المحافظين الذين يطالبون لإنجلترا بنفس الحقوق. وغرد زعيم الحزب الاستقلال في ويلز لين وود أمس: «كل عرض يقدم إلى اسكوتلندا يجب أن يطرح على ويلز أيضا. إنه الحد الأدنى الذي نتوقعه».
أما السياسي بيرنارد جنكينز فقال هو الآخر يجب أن يكون هناك برلمان لإنجلترا يصوت على القضايا التي تخص إنجلترا. واقترح أن يعقد ذلك البرلمان جلساته لأيام محدودة في برلمان ويستمنستر، أما باقي أيام الأسبوع فسيكون ذلك لجلسات الحكومة المركزية.
ومن أجل تهدئة الأمور قال كاميرون: «مثلما سيحصل الاسكوتلنديون على المزيد من السلطات في إدارة شؤونهم، كذلك يجب أن تكون لسكان إنجلترا وويلز وآيرلندا الشمالية صلاحيات أكبر في إدارة شؤونهم». لكن سلسلة التنازلات ستواجه صعوبة في إقرارها، وخصوصا عبر احترام الجدول الزمني المعلن.
وينتظر أن تصدر وثيقة تفصل الصلاحيات الاسكوتلندية الجديدة، وكذلك بالنسبة للمناطق الثلاث الأخرى، في نوفمبر (تشرين الثاني) قبل أن تعرض مشاريع قوانين على البرلمان بحلول نهاية يناير (كانون الثاني) بحسب التعهدات التي قطعتها لندن.
وكان وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن قد صرح بأن الحكومة ستضع خططا في الأيام المقبلة لمنح اسكوتلندا مزيدا من الاستقلالية في مجالات الضرائب والإنفاق والرعاية الاجتماعية إذا رفضت الانفصال في الاستفتاء المقرر يوم 18 سبتمبر (أيلول).
وكان أوزبورن يتحدث إلى تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بعد أن تقدم مؤيدو الاستقلال في استطلاعات الرأي للمرة الأولى منذ انطلاق حملة الاستفتاء.
وقال أوزبورن: «سنرى في الأيام القليلة المقبلة خطة عمل لمنح اسكوتلندا مزيدا من السلطات ومزيدا من السلطات الضريبية ومزيدا من السلطات في مجال الإنفاق، وسلطات بشأن الرعاية الاجتماعية، وسيسري ذلك فور التصويت «بلا» في الاستفتاء». وأضاف أن الخطة تحظى بموافقة الأحزاب الرئيسة الثلاثة في البرلمان البريطاني.
وكان قد تعهد الزعماء الثلاثة بمنح المزيد من السلطات والصلاحيات لاسكوتلندا، في مقال بعنوان «الوعد» نشر على الصفحة الأولى لصحيفة «ديلي ريكورد» الاسكوتلندية: «التصويت بلا سيؤدي إلى تغيير أسرع وأكثر أمانا وأفضل، من الانفصال».
وقال الزعماء إنه سيجري منح «صلاحيات جديدة واسعة النطاق» للبرلمان هوليرود، كما سعوا لإعادة طمأنة الناخبين بأنه سيجري الإبقاء على «صيغة بارنيت» التي تستخدم لتحديد طريقة تخصيص الموارد في أنحاء المملكة المتحدة.
وكثيرا ما تعرضت صيغة بارنيت للنقد لتحويلها غير العادل لمزيد من الأموال إلى اسكوتلندا أكثر من أي من المناطق الأخرى، وسط تساؤلات منذ أمد طويل حول وضع البرلمانيين الاسكوتلنديين في ويستمنستر.
وكثيرا ما تعرضت صيغة بارنيت للنقد لتحويلها غير العادل لمزيد من الأموال إلى اسكوتلندا أكثر من أي من المناطق الأخرى، وسط تساؤلات منذ أمد طويل حول وضع البرلمانيين الاسكوتلنديين في ويستمنستر. وأضافوا أن هذا يعني أن التحكم في الإنفاق على خدمات الصحة العامة التي كانت موضوعا ساخنا أثناء مناقشة الاستفتاء، ستكون مجرد مسألة خاصة فقط بالبرلمان الاسكوتلندي.
وفي مؤتمره الصحافي أمس ليعلن عن نيته الاستقالة قال سالموند، إنه تكلم مع رئيس الوزراء وهنأه على نجاحه في الاستفتاء، مضيفا أنه اقترح عليه أن يجري التصويت على السلطات الجديدة التي وعد بها في نوفمبر المقبل، مضيفا أن كاميرون قال له إن ذلك مضيعة للوقت ولا داعي لها ويفضل تأجيل الموضوع إلى بداية العام المقبل. لكن يعتقد سالموند أن السبب هو الخلاف مع حزب العمال والضغط الذي يتعرض له كاميرون من أعضاء حزبه الذين يطالبون بإصلاحات لصالح إنجلترا وهذا لا يستحسنه حزب العمال.
كما تسبب هذا العرض في انتقادات برلمانيين من داخل حزب المحافظين نفسه، حيث يستعد بعضهم بالفعل لمنع الخطط التي يجري رسمها في ويستمنستر، وذلك بحسب صحيفة «ديلي تلغراف». وقال أحد البرلمانيين المحافظين لصحيفة «التلغراف»، إنه سيكون هناك «حمام دم» إذا حاولت الحكومة الإبقاء على صيغة بارنيت، وكذلك منح اسكوتلندا المزيد من الصلاحيات لتحصيل ضرائبها.



قمة أنقرة تعيد طرح ملف الوجود الأميركي في أوروبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجتمعاً بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في البيت الأبيض تمهيداً لقمة الحلف في أنقرة يوم 24 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجتمعاً بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في البيت الأبيض تمهيداً لقمة الحلف في أنقرة يوم 24 يونيو (أ.ف.ب)
TT

قمة أنقرة تعيد طرح ملف الوجود الأميركي في أوروبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجتمعاً بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في البيت الأبيض تمهيداً لقمة الحلف في أنقرة يوم 24 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجتمعاً بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في البيت الأبيض تمهيداً لقمة الحلف في أنقرة يوم 24 يونيو (أ.ف.ب)

تلتئم يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل في أنقرة، قمة الحلف الأطلسي وسط مخاوف أوروبية من توجه أميركي لتقليص حضور القوات الأميركية في القارة التي عاشت منذ 77 عاماً تحت ظل العباءة الأميركية - الأطلسية.

ومنذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض تصاعد القلق الأوروبي. فالأخير، هدد أكثر من مرة بالانسحاب من «الأطلسي»، الذي وصفه مؤخراً بأنه «نمر من ورق». وتفاقم حنقه على القادة الأطلسيين الأوروبيين لأنهم رفضوا الاستجابة لطلبه بأن يمدوا له يد العون للمحافظة على حرية الإبحار في مضيق هرمز بعد أن عمدت إيران إلى إغلاقه عملياً بعد انطلاق الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدها نهاية فبراير (شباط) الماضي. وحجة الأوروبيين كانت مزدوجة؛ فمن جهة، لم يكلف ترمب نفسه عناء استشارتهم قبل إطلاق حرب تمس مصالحهم بشكل مباشر. ومن جهة ثانية، ذكروا بأن مهمات الأطلسي لا تشمل منطقة الخليج، وتفعيل البند الخامس من شرعة الحلف تفترض حصول اعتداء على أحد أعضائه بينما الولايات المتحدة كانت المبادرة بالحرب.

إعادة انتشار القوات الأميركية

في 18 يونيو (حزيران)، أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، بمناسبة اجتماع لوزراء الحلف العسكري في برلين إجراء مراجعة شاملة للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، كاشفاً عن أن هذه العملية ستأخذ ستة أشهر. وأثار ذلك موجة إضافية من القلق الأوروبي، رغم أن الخطة الأميركية لا تتحدث عن انسحاب واشنطن من الحلف أو سحب كامل قواتها من أوروبا، باعتبار أن تطوراً من هذا النوع سيعني نهايته الحتمية. وما يريده الطرف الأميركي تخفيف الأعباء التي يتحملها عن الأوروبيين والعمل على إعادة تنظيم انتشار قواته بما يفرض على الدول الأوروبية تحمّل مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها.

ترمب برفقة ستارمر وماكرون خلال حضورهم اجتماع دول مجموعة السبع في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

جاء الرد على خطط هيغسيث على لسان أليس روفو، الوزيرة المفوضة لشؤون القوات المسلحة الفرنسية في مقابلة مع موقع «بوليتيكو» الأوروبي، عقب اجتماعها بأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته قبل توجه الأخير إلى واشنطن لمقابلة ترمب. وجاء في المقابلة ما حرفيته: «نرغب في أن يتم تقليص الوجود العسكري الأميركي بطريقة منظمة ومنسقة وفعالة لتجنب خلق معضلات للأوروبيين». وأضافت روفو، المقربة من الرئيس إيمانويل ماكرون بعد أن عملت لسنوات مستشارة له، إنه «بالنظر إلى التقلبات الشديدة في العلاقات عبر الأطلسي، يجب علينا تجنب كل من التهويل والإنكار».

وبنظرها، فإن التحدي الأكبر الذي سيفرض نفسه على الأوروبيين سيتمثل «في إيجاد طريقة لتعويض العوامل الاستراتيجية الداعمة، لا سيما القدرات الحيوية التي تُوفرها الولايات المتحدة في الغالب، مثل النقل الجوي والبحري، والتزود بالوقود في الجو، والاستخبارات، والأصول الفضائية». ونبهت روفو من الانقسامات الأوروبية، داعيةً إلى «تجنّب تبادل الاتهامات بين الأوروبيين؛ لأن المهم أيضاً إدراك أن الأهم هو النتائج العسكرية الفعلية، وليس مجرد الأرقام».

«الشفافية» المفقودة

ليست فرنسا وحدها التي تطالب واشنطن بـ«الشفافية». ذلك أن ألمانيا أيضاً، عبر وزارة الدفاع، تُصرّ على أن تقدم واشنطن «خريطة طريق» تفصيلية لتقليص حضورها العسكري في أوروبا. والغرض من ذلك تنظيم عملية انتقال المسؤوليات بين الطرفين الأميركي والأوروبي.

وبرلين معنية بالدرجة الأولى، إذ إن واشنطن أعلنت سحب 5 آلاف جندي يرابطون في ألمانيا التي تستضيف أكبر عدد من العناصر الأميركية في أوروبا (35 ألف عسكري)، إضافة لأهم قاعدة جوية أميركية (رامشتاين) التي تعد الأهم للجيش الأميركي باتجاه الشرق الأوسط وأفريقيا. كذلك، ثمّة قاعدة جوية أميركية ثانية في ألمانيا (ويسبادن)، وهي تستضيف قيادة القوات الأميركية في أوروبا وأفريقيا، وأهم مركز لتنسيق المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي في 2025 (د.ب.أ)

بانتظار أن تنتهي القيادة الأميركية من «المراجعة الشاملة»، فإن ما تسرّب من معلومات يُفيد بأن واشنطن ستُقلّص عدد القاذفات الاستراتيجية إلى النصف والطائرات المقاتلة إلى الثلث، وخفض عديد طائرات الاستطلاع المسيّرة من طراز «ريبر»، وخفض عديد الغواصات والسفن الحربية المخصصة للحلف تدريجياً، بموجب نظام نموذج القوات التابع للحلف الأطلسي، حيث يُحدد الحلفاء دورياً الجنود والمعدات التي سيُتيحونها، حال نشوب حرب.

في الأيام الأخيرة، سعى روته لطمأنة الأوروبيين بتأكيد أن إجراءات واشنطن «ليست مفاجئة». والحال أن الوقائع تؤكّد عكس ذلك، لا بل تدل على تخبط في القرارات. فقرار سحب القوة من ألمانيا جاء رداً على الانتقادات التي وجهها المستشار فريدريش ميرتس لترمب بخصوص طريقة قيادته لحرب إيران. كذلك، لم يفهم أحد كيف أن واشنطن فاجأت بولندا بقرارها إلغاء نشر قواتها على أراضيها، قبل أن تتراجع عن ذلك القرار. ويندرج في السياق نفسه سحب ألف جندي أميركي من رومانيا.

وكل ذلك أوجد حالة من عدم اليقين لدى الشركاء الأوروبيين، ما دفعهم إلى طرح تساؤلات إزاء حقيقة الخطط الأميركية.

نقل الأعباء

الثابت حتى اليوم، وفق مصادر دفاعية أوروبية في باريس، أن ما يسعى إليه الجانب الأميركي هو تسريع عملية ما يسمى «نقل الأعباء» الذي سيشكل مادة رئيسية على جدول أعمال قمة أنقرة.

ويعني هذا المفهوم تحميل الأوروبيين القدر الأكبر في الدفاع عن القارة، في الوقت الذي ترغب فيه واشنطن التركيز على أولويات أخرى، على رأسها التنافس «المنهجي» مع الصين. والحال أن ما يشغل الأوروبيين تخوفهم من مغامرات روسية لاحقة. ولم يكُف قادة عسكريون أوروبيون كبار، كما في فرنسا وألمانيا، عن التحذير من احتمال قيام روسيا بمغامرة عسكرية أخرى في أوروبا «بعد أوكرانيا» مع نهاية العقد الحالي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف الناتو في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

ووفق التصور العام، فإن ما تريده واشنطن يقوم على تولي الأوروبيين الدفاع عن أنفسهم فيما يسمى «الحرب التقليدية»، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بـ«الردع النووي». وتنشر الأخيرة في ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا أسلحة نووية. وبالمقابل، فإن فرنسا وبريطانيا تتمتعان، كل منهما، بقوة ردع نووية.

ليس سراً أن ترمب ضغط، منذ ولايته الأولى، على أوروبيين لزيادة نفقاتهم الدفاعية. وقد نجح في ذلك؛ إذ توافق حلفاء الأطلسي على رفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5 في المائة من ناتجهم النحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

وحالياً، تتأرجح الدول الأوروبية ما بين 2 و3 في المائة، فيما عدد من الدول - على غرار بولندا - تخطّت سقف 4 في المائة. ويستخدم مارك روته هذه الحجة لإقناع ترمب بالبقاء داخل الحلف. وبالتوازي، يسعى الأوروبيون إلى الارتقاء بصناعاتهم الدفاعية والإسراع بإقامة شراكات وفق الخطة الدفاعية التي أقرت في فرساي، عند ترؤس فرنسا الاتحاد الأوروبي في شهر مارس (آذار) من عام 2022.

وبما أن القمة جاءت بعد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا والخوف الذي أثاره لدى الأوروبيين، فقد قرّر قادتهم زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز القاعدة الصناعية والتكنولوجية للدفاع الأوروبي وتنويع مصادرهم من الطاقة، وأخيراً تطوير «الاستقلالية الاستراتيجية» للاتحاد الأوروبي.

إزاء المخاوف الأوروبية، ثمة في المقابل الآخر مجمعة من الثوابت وأولها أن الجناح الأوروبي للأطلسي يخدم الأوروبيين، لكنه مفيد أيضاً للأميركيين الذين يستفيدون من «حاملة طائرات ثابتة» تتشكل من 30 دولة أوروبية. ولذا، فثمة من يرى أن واشنطن لن تتخلى عن أوروبا ولا عن الحلف الأطلسي.


الحر الشديد يضرب أوروبا: فرنسا تحصي 74 وفاة... وحرارة قياسية في ألمانيا

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)
رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)
TT

الحر الشديد يضرب أوروبا: فرنسا تحصي 74 وفاة... وحرارة قياسية في ألمانيا

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)
رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

يعيش قسم كبير من أوروبا، السبت، يوماً إضافياً من الحرّ الشديد الممتد من فرنسا إلى بولندا، مروراً بالساحل الأدرياتيكي الكرواتي، مع توقُّع تخطي الحرارة 35 درجة مئوية بالنسبة لما لا يقل عن 193 مليون نسمة، ما يُشكِّل ضغطاً كبيراً على الأنظمة الصحية.

ومع انتقال موجة القيظ إلى شمال شرقي القارة، أُعلنت حال التأهب القصوى في فرنسا وسويسرا وألمانيا والنمسا والمجر.

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

ويلجأ الأوروبيون إلى كل الوسائل الممكنة لتفادي الحر الشديد، فيحتمون في كنيسة، أو ينامون في أقبية منازلهم، أو يبللون أنفسهم في النوافير، حتى إن الفرنسية ناتالي قالت إنها تعمد إلى قضاء «بضع ساعات في (بيكار)»، سلسلة المتاجر الفرنسية المتخصِّصة في بيع المنتجات المجلّدة.

وأحصت السلطات الفرنسية 74 وفاة غرقاً، منذ 18 يونيو (حزيران)، على صلة بموجة الحر الشديدة التي تضرب البلاد، وفق ما أعلن وزير الداخلية، لوران نونييز، في مقابلة السبت.

وقال وزير الداخلية إن هذه الوفيات وقعت «بشكل كبير في مسطحات مائية غير مصرّح بها، وغير خاضعة للمراقبة: الأنهار والبحيرات والبرك خصوصاً»، مشيراً إلى تسجيل «حالات غرق في مسابح خاصة» أيضاً. وأضاف، في مقابلة مع صحيفة «لوباريزيان» نُشِرت السبت: «هناك ظاهرة صدمة حرارية، وأحياناً نشاط مفرط... نلاحظ عدداً كبيراً من الوفيات جراء أزمات قلبية».

وسجلت ألمانيا رقماً قياسياً جديداً في درجات الحرارة لليوم الثاني على التوالي؛ حيث بلغت ذروة الحرارة 41.5 درجة مئوية في بلدة موكيرن - درفيتس، وفقاً لما أفادت به هيئة الأرصاد الجوية الألمانية، استناداً إلى بيانات أولية.

أما في العاصمة السلوفاكية، براتيسلافا، فلم تنخفض الحرارة عن 26.3 درجة، ليل الجمعة - السبت، وأورد معهد الأرصاد الجوية السلوفاكي أن «المستوى القياسي السابق كان 24.8 درجة في 4 أغسطس (آب) 2017»، متوقعاً أن تصل الحرارة إلى ذروتها عند 39 درجة، السبت.

وتسببت موجة الحر في إلغاء «مسيرة الفخر» لمجتمع الميم في كل من باريس وليون (وسط فرنسا الشرقي)، كما أُلغي مهرجان «سوليدايز» للموسيقى الذي كان من المقرَّر تنظيمه في العاصمة الفرنسية حتى الأحد. وفي ألمانيا، لن تجري مدينة هامبورغ سباق نصف الماراثون.

ومع إلغاء «سوليدايز»، ستُحرَم جمعية «سوليداريتيه سيدا» المنظِّمة للمهرجان من 3 ملايين يورو كانت ستستخدمها لتمويل برامج لمكافحة الإيدز.

وشكَّلت هذه الظاهرة المناخية، مع ما يواكبها من تلوث، ضغطاً شديداً على الأنظمة الصحية في كثير من البلدان. وفي المنطقة الباريسية، سجَّلت خدمات الطوارئ ارتفاعاً هائلاً في الاتصالات الواردة، بنسبة بلغت 80 في المائة، هذا الأسبوع.

وقال مساعد رئيس بلدية باريس المكلف الشؤون الصحية، أنطوان أليبير، صباح السبت، إن المستشفيات الباريسية تشهد «حالة اكتظاظ استثنائية» غير مسبوقة، مؤكداً: «إننا في وسط أزمة صحية. إنها ظاهرة قيظ استثنائية وقصوى» تفاقمت بسبب «ذروة من التلوث بالأوزون».

امرأة تستخدم مروحة في فناء متحف «اللوفر» بباريس حيث بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية (أ.ب)

وحذَّر رئيس قسم الطوارئ في مستشفى «جورج بومبيدو»، أحد المستشفيات الرئيسية في باريس، من أنَّ الوضع «خطير للغاية»، واصفاً «أروقة مكتظة» بالمرضى «معظمهم مسنون» إنما بينهم أيضاً مَن هم «في الخمسين والستين... يعانون من ارتفاع حاد جداً في حرارة الجسم».

من جانبها، أعربت وزارة الصحة الفرنسية عن «قلقها» من حصول «وفيات في المنازل».

وأوضح روبان لاغاريغ وماتيلد باسكال من «الوكالة الوطنية للصحة العامة» الفرنسية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنَّ «بضع درجات إضافية تترجَم إلى زيادة قوية جداً في مخاطر الوفاة»، وأشارا إلى أنَّ موجات الحر لها «مفاعيل متعاقبة» على معدل الوفيات.

وأفادت السلطات الإسبانية بتسجيل أكثر من 200 حالة وفاة، كما سُجِّلت وفيات في باقي أنحاء أوروبا، لمسنين ومرضى مصابين بأمراض مزمنة وأطفال ومراهقين، بالإضافة إلى مشردين في الشوارع. وتتسبب الحرارة بالوفاة بطرق عدة، كالغرق، وارتفاع حرارة الجسم، والنوبة القلبية وغيرها.

وعدّت «المنظمة العالمية للأرصاد الجوية»، الجمعة، أنه «من المحتمل» أن تكون موجة الحر الحالية ظاهرة غير مسبوقة من حيث حجمها، وإن كان من السابق لأوانه تأكيد ذلك.

وتُعدُّ موجات الحر المتكررة مؤشراً لا لبس فيه على التغيُّر المناخي، الناجم بشكل أساسي عن استخدام البشر مصادر الطاقة الأحفورية.

رجل يضع غطاءً على رأسه لتخفيف أثر الحرارة في روتردام بهولندا (إ.ب.أ)

ولموجات الحر هذه تبعات كثيرة، منها وقف محطات الطاقة النووية، كما في بيزناو في سويسرا، وارتفاع حرارة البحيرات الساحلية الضحلة في دلتا بو بشمال شرقي إيطاليا، وتسارع ذوبان نهر الرون الجليدي في سويسرا وغيرها.

لكن الموجة بدأت بالانحسار تدريجياً في فرنسا؛ حيث يتوقع رفع حال التأهب القصوى، مساء الأحد، مع تدفق «هواء أكثر برودة» من الغرب والشمال الغربي. كما ستشهد ألمانيا بحسب التوقعات «استراحة»، اعتباراً من الاثنين، مع تدني الحرارة عن 40 درجة.

وفي شرق القارة، تستعد رومانيا لإعلان الإنذار الأحمر، اعتباراً من الاثنين، على أراضيها كافة تقريباً، إذ تتوقع الأرصاد الجوية الوطنية «درجات حرارة قصوى... وليالي استوائية» تستمر حتى الأول من يوليو (تموز).

وتعتزم مولدوفا المجاورة حظر حركة السير للآليات التي تزيد على 12 طناً بين 28 يونيو (حزيران) والأول من يوليو.


براينت لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق التجارة الحرة مع الخليج تاريخي... والتوقيع مرتقب في الخريف

TT

براينت لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق التجارة الحرة مع الخليج تاريخي... والتوقيع مرتقب في الخريف

وزير التجارة البريطاني كريس براينت يلتقط صورة جماعية مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي وأعضاء الوفد بعد التوصُّل إلى اتفاقية يوم 20 مايو (رويترز)
وزير التجارة البريطاني كريس براينت يلتقط صورة جماعية مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي وأعضاء الوفد بعد التوصُّل إلى اتفاقية يوم 20 مايو (رويترز)

قال وزير الدولة البريطاني للتجارة، كريس براينت، إنَّ اتفاقية التجارة الحرّة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي تاريخية، ليس لقيمتها الاقتصادية فحسب، بل لأنَّها أول اتفاق يُبرمه المجلس مع دولة من مجموعة السبع.

وكشف الوزير، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن أنَّ الاتفاقية قد تدخل حيّز التنفيذ «خلال عام تقريباً، أو 14 شهراً حداً أقصى» بعد التوقيع النهائي. وتأمل لندن، وفق الوزير، في توقيع الاتفاقية بحلول سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول)، بعد استكمال المراجعة القانونية للنصوص.

ورجَّح براينت أن تُولّد الاتفاقية نحو 3.7 مليار جنيه إسترليني من التجارة الإضافية للمملكة المتحدة، مع أرقام مماثلة تقريباً لدول الخليج. ولفت إلى أنَّها تحمل «دلالة رمزية» في توقيت إقليمي حساس، بعد التوترات المرتبطة بحرب إيران و«الهجمات المروّعة التي شنّتها طهران على حلفائنا في الخليج». كما نوّه الوزير بشمولية الاتفاق، لافتاً إلى أنَّه يتجاوز خفض الرسوم الجمركية إلى قطاع الخدمات، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتسهيل عمل الشركات على الجانبين.

توقيع مرتقب في الخريف

شدَّد براينت على أنَّ أهمية الاتفاقية لا تقتصر على البُعد الاقتصادي، بل تشمل أيضاً دلالةً سياسيةً واستراتيجيةً، خصوصاً في ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة. وقال إنّ الاتفاق يحمل رسالةً مفادها أن على الجانبين «المضي قدماً في التجارة»، بوصفها وسيلةً لتعزيز الازدهار، ودعم جهود دول الخليج في تنويع اقتصاداتها بعيداً عن الهيدروكربونات. وأضاف أن الاتفاقية تكتسب أهميةً إضافيةً؛ لأنَّها تأتي في لحظة سعت فيها لندن إلى تأكيد التزامها بعلاقاتها مع شركائها الخليجيين، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الاستراتيجي.

وعن الجدول الزمني المُتوقَّع، قال براينت إنَّ ما تحقَّق حتى الآن هو اختتام المفاوضات والاتفاق على العناصر الرئيسية ومعظم النصوص، موضحاً أنَّ المرحلة المقبلة تتمثَّل في المراجعة القانونية للاتفاقية قبل التوقيع الرسمي. وأضاف: «آمل أن نتمكَّن من القيام بذلك في سبتمبر أو أكتوبر»، مشيراً إلى تجربة اتفاق بريطانيا مع الهند، الذي أُعلن دخوله حيز التنفيذ بعد أقل من عام على توقيعه. وتابع أن لندن تأمل في إدخال اتفاق الخليج حيز التنفيذ «خلال عام تقريباً، أو 14 شهراً حداً أقصى».

وكان مسار التفاوض على بنود الاتفاقية بين لندن وحلفائها في مجلس التعاون الخليجي قد انطلق في 22 يونيو (حزيران) 2022، واختُتم بإعلان الاتفاق في 20 مايو (أيار) 2026.

الخدمات في قلب الشراكة

سألت «الشرق الأوسط» الوزير البريطاني عمّا يميّز بلاده عن غيرها من الشركاء التجاريين لدول الخليج؛ كالولايات المتّحدة والصين والاتحاد الأوروبي، فجاء ردّه مباشراً: «قطاع الخدمات».

وأكّد براينت أن هذا القطاع يُمثِّل أحد أبرز مجالات التعاون بين المملكة المتحدة ودول الخليج، مشيراً إلى قوة بريطانيا في الخدمات المالية والقانونية، والهندسة المعمارية، والبناء، والقطاعات الإبداعية، والتكنولوجيا المالية، وعلوم الحياة.

وقال إن مكانة لندن بوصفها مركزاً عالمياً للخدمات المالية تفسِّر توجه كثير من الاقتصادات الخليجية إلى الاستثمار في المملكة المتحدة، أو إدراج شركاتها في بورصة لندن، أو توسيع حضورها في الاقتصاد البريطاني. كما لفت إلى أن الخدمات القانونية تمثل جزءاً مهماً من العرض البريطاني، قائلاً: «إن سيادة القانون مفهوم راسخ جداً في الهوية البريطانية». وأشار إلى أنَّ مكاتب محاماة دولية وبريطانية باتت قادرةً على توسيع حضورها في السعودية ودول الخليج في ظلِّ الإصلاحات التنظيمية والانفتاح المتزايد على الخدمات المهنية.

وتوقَّف براينت كذلك عند قطاع الخدمات الإعلانية والإبداعية، الذي بلغت قيمة صادرات بلاده منه 19.4 مليار جنيه إسترليني العام الماضي، لتكون ثاني أكبر مُصدِّر لهذه الخدمات في العالم.

وأضاف أن النفوذ البريطاني في الصناعات الإبداعية لا يقتصر على الإعلان، بل يمتد إلى الموسيقى والأفلام والمحتوى الثقافي الذي يحظى بحضور واسع في الخليج. وعدّ أن هذه المجالات، إلى جانب التكنولوجيا الإبداعية والتكنولوجيا المالية وعلوم الحياة، تفتح فرصاً واسعة لتوسيع العلاقة الاقتصادية بين الجانبين.

خفض الرسوم على السلع

أثار إسهاب الوزير في الحديث عن أهمية الخدمات سؤالاً حول ما إذا كانت القيمة الحقيقية للاتفاقية تكمُن في هذا القطاع أكثر من السلع. فردَّ براينت بأنَّ للسلع حيّزاً مهماً، مشيراً إلى أنَّ خفض الرسوم الجمركية على 93 في المائة من السلع البريطانية المتجهة إلى الخليج سيُحدث أثراً مباشراً.

وأوضح أنَّ كثيراً من هذه التخفيضات سيدخل حيز التنفيذ فور بدء تطبيق الاتفاقية، بما يجعل المواد الغذائية وبعض السلع البريطانية أقل تكلفة بالنسبة للمستهلك الخليجي. كما أشار إلى أنَّ الاتفاق يتضمَّن مكاسب لقطاع السيارات، ويوفِّر مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية سنوياً من الرسوم الجمركية.

وقال إن هذه المكاسب ستكون «جيدة جداً للشركات البريطانية»، لكنها ستكون أيضاً في مصلحة المستهلك الخليجي.

من مراسم توقيع البيان المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة (مجلس التعاون الخليجي)

إلى جانب الخدمات والسلع، تحمل الاتفاقية بنوداً تنظيمية ستجعل عمل الشركات البريطانية في الخليج، والشركات الخليجية في المملكة المتحدة، «أسهل بكثير» وفق الوزير الذي ذكّر بأنَّ الحواجز التجارية لا تقتصر على الرسوم الجمركية.

وقال براينت إنَّ الإجراءات الجمركية، والأوراق والتراخيص، ومتطلبات توطين البيانات، كلها تُشكِّل عوائق قد تكون أحياناً بأهمية الرسوم الجمركية نفسها. وأضاف أن شمول الاتفاقية لهذه الملفات يُمثِّل تقدماً مهماً في إزالة العقبات التي تواجه الشركات على الجانبين.

الذكاء الاصطناعي... والاقتصاد الرقمي

في ملف الذكاء الاصطناعي، قال الوزير البريطاني إن الاتفاقية تتضمَّن جزءاً كاملاً مُخصَّصاً للاقتصاد الرقمي، في وقت تمضي فيه دول الخليج باستثمارات متسارعة في مراكز البيانات، وتطوير النماذج اللغوية الكبيرة، ودمج الذكاء الاصطناعي في اقتصاداتها الوطنية.

وأوضح أنَّ من بين الالتزامات الواردة في الاتفاقية تعهداً دائماً من الجانبين بعدم فرض رسوم جمركية على عمليات النقل الرقمي للبيانات، إلى جانب ترتيبات تهدف إلى تسهيل ممارسة الأعمال رقمياً. وعدّ براينت أنَّ المملكة المتحدة «هي على الأرجح الدولة الرائدة في أوروبا في مجال الذكاء الاصطناعي»، ليس فقط بسبب مراكز البيانات، بل أيضاً بفضل قطاعات التكنولوجيا الإبداعية، والتكنولوجيا المالية، وغيرهما من المجالات التقنية القادرة على الاستفادة من التحولات الجديدة.

التعليم والتدريب

حرص براينت على تسليط الضوء على العلاقة التعليمية بين بريطانيا والخليج التي وصفها بـ«القوية للغاية».

وقال إنَّ لندن حريصة على استكشاف سبل تدريب الشباب الخليجي، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بتنويع الاقتصاد. واستشهد براينت بالسعودية مثالاً على الفرص التي يتيحها التعاون في مجال تنمية المهارات، قائلاً: «تتحدَّث المملكة العربية السعودية عن حاجتها إلى 600 ألف شخص للعمل في قطاع السياحة الذي تسعى إلى تطويره بشكل كبير في إطار تنويع اقتصادها».

وزير التجارة البريطاني كريس براينت والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في حفل توقيع بـ«داونينغ ستريت» يوم 20 مايو (رويترز)

وأضاف: «أعلم أننا في المملكة المتحدة نقدِّم بعضاً من هذا النوع من التدريب بصورة جيدة، ونريد أن نبحث سبل توسيع هذا التعاون بشكل مشترك».

وأشار إلى أنَّ بريطانيا تمتلك خبرةً في التدريب المرتبط بالسياحة والضيافة، وترغب في توسيع التعاون مع دول الخليج في هذا المجال. كما لفت إلى أنَّ أعداداً كبيرة من الشباب السعوديين والإماراتيين والبحرينيين يدرسون إما في المملكة المتحدة، وإما ضمن برامج تؤدي إلى الحصول على مؤهلات بريطانية داخل الخليج.

شراكة تتجاوز التجارة

عدَّ براينت أنَّ اتفاقية التجارة الحرة تنقل العلاقة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي إلى مستوى جديد، لافتاً إلى أنَّ حرب إيران لم تمنع التَّقدُّم في مسار المفاوضات. وبالتوازي مع أهمية الاتفاق التجاري مع دول المجلس، شدَّد الوزير البريطاني على أهمية العلاقات الثنائية بين لندن وشركائها الخليجيين.

وفي هذا السياق، ضرب الوزير البريطاني مثالاً بالسعودية، مشيراً إلى أنَّ بلاده تبحث مع الرياض كيفية المساهمة في الاستعدادات الخاصة بكأس العالم. وقال إنَّ المجالات التي يمكن أن تُقدِّم فيها بريطانيا خبرتها، تشمل تنظيم حفلَي الافتتاح والختام، وإدارة مناطق المشجعين، وأنظمة التذاكر، والجوانب الأمنية.

وأوضح أنَّ الخبرة البريطانية في تنظيم الفعاليات الكبرى لا تقتصر على الأمن بالمعنى الضيق، بل تشمل أيضاً تجربة الجماهير وإدارة الحشود، وضمان أن تكون الفعالية ممتعةً وآمنةً في الوقت نفسه.

عقد على «بريكست»

أحيت بريطانيا في 23 يونيو مرور 10 سنوات على استفتاء «بريكست»، الذي صوَّت فيه البريطانيون لمغادرة الاتحاد الأوروبي. وفي هذه الذكرى، قال براينت إن خروج بريطانيا من التكتل منحها القدرة على إبرام اتفاقات تجارية مستقلة، لكنه أوضح أنه لا ينظر إلى ذلك بوصفه «فائدة» مباشرة من «بريكست». وقال: «إن الأمر يشبه أن تقول إنه عندما تُفصَل من عملك يصبح لديك وقت أطول لتقضيه مع عائلتك، رغم أنَّك في الغالب كنت تفضِّل البقاء في وظيفتك».

وأضاف أن بريطانيا تسعى الآن إلى استكمال «أحجية التجارة الحرة» حول العالم، من خلال اتفاقات تقوم على التجارة الحرة والعادلة، مشيراً إلى إبرام لندن اتفاقات مع الهند وكوريا الجنوبية، ومفاوضات مع تركيا، إضافة إلى الاتفاق مع دول الخليج.

ولفت إلى أنَّ الاتحاد الأوروبي أبرم اتفاقاً مع الهند أيضاً، مرجِّحاً أن يسعى لاحقاً إلى طرق باب مجلس التعاون الخليجي.

تواتر رؤساء الوزراء

تزامنت المقابلة مع استعدادات في بريطانيا لاستقبال سابع رئيس وزراء خلال عقد، بعد استقالة كير ستارمر من منصبه، في مشهد يعكس وتيرة غير مسبوقة من تغيير ساكني «10 داونينغ ستريت»، ويطرح تساؤلات لدى شركاء لندن حول استمرارية سياستها الخارجية، والتزاماتها التجارية والدفاعية.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يغادر المنبر بعد إعلان استقالته يوم 22 يونيو (إ.ب.أ)

وأمام هذه المخاوف، شدَّد براينت على أنَّ الاتفاقية «تبرمها المملكة المتحدة، وليس شخصاً واحداً أو حكومة عابرة»، قائلاً: «الأمر لا يتعلق بي، بل يتعلق بالمملكة المتحدة، وهي تبرم اتفاقاً مع مجلس التعاون الخليجي». وأكد أنه أياً كان رئيس الوزراء في بريطانيا، فإنَّ الاتفاقية ستظل قائمةً بين المملكة المتحدة ودول الخليج، مؤكداً أنه «لا داعي للقلق بشأن ذلك».

ورداً على سؤال عمّا إذا كان يتوقَّع البقاء في منصبه بعد 3 أسابيع، وهو الموعد المتوقع لتسلّم رئيس الوزراء الجديد مهامه في حال لم يظهر منافس للمرشَّح الأوفر حظاً أندي بيرنهام، قال براينت إنَّ الأمر «ليس بيده»، مضيفاً بالعربية: «إن شاء الله».