الملف اللبناني على طاولة البيت الأبيض

واشنطن تتدخل بعد انكفاء لحماية الاستقرار ومنع التدهور الاقتصادي والسياسي

الملف اللبناني على طاولة البيت الأبيض
TT

الملف اللبناني على طاولة البيت الأبيض

الملف اللبناني على طاولة البيت الأبيض

عادت الولايات المتحدة الأميركية عن انكفائها عن الوضع الداخلي اللبناني منذ 2005، وتدخلت بشكل مباشر تنبيهاً وتحذيراً من انفلات الأمور وتدهور الاستقرار في بيان نادر وغير مسبوق. هذا البيان عجّل الاتصالات التي أفضت إلى تسوية الأمور، وإعادة تفعيل مجلس الوزراء المعطل لمدة 5 أسابيع عن الاجتماع، إثر الانقسام السياسي الحاد بين المكونات اللبنانية على خلفية الإشكال المسلح في منطقة قبرشمون في جبل لبنان، وهو الإشكال الذي أسفر عن مقتل اثنين من مرافقي وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب.
البيان المفاجئ الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، يوم الأربعاء الماضي، الداعي إلى تجنب «تأجيج نعرات طائفية ومناطقية بخلفيات سياسية»، يكشف إعادة واشنطن الملف اللبناني الداخلي إلى دائرة اهتماماتها - بعد تنحيته، على الأقل إعلامياً - منذ 2005، وضمته أخيراً إلى الملفات اللبنانية ذات التقاطعات الدولية أو الإقليمية التي تعتبر نفسها معنية بها. وهذا أمر يرى فيه مسؤولون ومراقبون «تدخلاً حاسماً للحفاظ على الاستقرار والستاتيكو القائم»، نجح في إعادة الأمور إلى نصابها بفعل الضغط الذي تستطيع واشنطن ممارسته في حال رفض الاستجابة لهذا المطلب.
يكشف البيان الذي أصدرته السفارة الأميركية في بيروت، يوم الأربعاء الماضي، انخراطاً غير مسبوق في الوضع الداخلي اللبناني تستأنف عبره واشنطن نشاطها على الساحة اللبنانية لتعزيز الاستقرار، ومنع التدهور الأمني والاقتصادي، وتفعيل عمل المؤسسات. وهذه ثوابت لطالما أعلنت الولايات المتحدة تمسكها بها، لحماية المكتسبات السياسية اللبنانية التي رعتها بنفسها، خلال ثماني سنوات من التوترات في المنطقة. وعليه، يدخل لبنان في حقبة جديدة تعلن فيها واشنطن عن رعايتها الاستقرار السياسي، وتتدخل لإحاطته بدرع حماية عندما تدعو الحاجة، أسوة بتدخلات سابقة كانت مباشرة وتنوعت بأدواتها، حدثت أعوام 1958 و1983 و2005.
الوسط السياسي اللبناني فوجئ بالبيان حول الأزمة السياسية المتصاعدة في الداخل اللبناني إثر أزمة قبرشمون، التي خلقت اصطفافات جديدة على المشهد السياسي. وجاء البيان بعد انسداد السبل لحلحلة الأزمة، حين أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي وقفه مبادراته، واستسلام المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي واظب على إجراء لقاءات مع المعنيين في «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«الحزب الديمقراطي اللبناني»، واعتبار «التقدمي الاشتراكي» أن الرئيس اللبناني ميشال عون دخل طرفاً في الصراع، عندما نُقل عنه قوله لزواره إن الكمين كان معدّاً لاغتيال وزير الخارجية جبران باسيل.
الأزمة، برأي مراقبين وسياسيين، تتخطى الجانب القضائي والأمني. هي ذات امتدادات سياسية، حذّرت مصادر سياسية من أنها تسعى للإخلال بالتوازنات السياسية القائمة منذ عام 2005، التي يسعى وزير الخارجية جبران باسيل (المدعوم من «حزب الله») إلى تغييرها عبر إقصاء النائب السابق وليد جنبلاط، أو تقليص حضوره السياسي وموقعه، إضافة إلى تهميش حزب «القوات اللبنانية». وهو ما تصدّى له رئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس الحكومة سعد الحريري. ثم دخلت الأزمة في منعطفات خطيرة، إثر اتهام «التقدمي الاشتراكي» مقرّبين من رئيس الجمهورية بـ«فبركة» ملف قضائي للاقتصاص من جنبلاط.

بيان نادر وغير مسبوق
في ظل هذه التطورات التي أفضت إلى تعقيدات سياسية في غياب أي أفق للحل، أصدرت السفارة الأميركية في بيروت بياناً غير مسبوق لناحية تأكيده على ملف لبناني محلي صرف. وجاء البيان مرتبطاً بصلب الأزمة السياسية الراهنة في لبنان التي اندلعت إثر الإشكال في قبرشمون، وأجّج الانقسام السياسي على خلفية إصرار «الحزب الديمقراطي اللبناني» و«التيار الوطني الحر» (التيار العوني) لإحالته إلى المجلس العدلي، مقابل رفض رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط ورئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس الحكومة سعد الحريري. وإثر هذا الانقسام، رفض رئيس الحكومة الدعوة لعقد جلسات لمجلس الوزراء منعاً لتفجر الحكومة ونقل الخلافات إلى داخلها، لا سيما أن الخلاف المتصاعد هو تحديداً بين وزراء كتل ممثلة في الحكومة، اثنان منهم من حصة جنبلاط، والآخر هو صالح الغريب، فضلاً عن وزير الخارجية جبران باسيل الذي يتهمه «التقدمي الاشتراكي» بالمسؤولية المعنوية والسياسية والقانونية عن الحادثة.
بيان السفارة، الذي وُصِف بأنه غير مسبوق ونادر تضمن تنبيهاً من استمرار التأزم والانغلاق على الحلول لأزمة قبرشمون، ولقد أكدت السفارة عبره «دعم الولايات المتحدة المراجعة القضائية العادلة والشفافة دون أي تدخل سياسي». وشدّدت على أن «أي محاولة لاستغلال الحادث المأسوي الذي وقع في قبرشمون في 30 يونيو (حزيران) الماضي بهدف تعزيز أهداف سياسية، يجب أن يتم رفضها».
وقالت السفارة إن الولايات المتحدة «عبَّرت بعبارات واضحة للسلطات اللبنانية عن توقّعها أن تتعامل مع هذا الأمر بطريقة تحقق العدالة دون تأجيج نعرات طائفية ومناطقية بخلفيات سياسية».

ضمان استمرار المؤسسات
يكسر البيان السلبية الأميركية واستراتيجية واشنطن السابقة القاضية بتجنّب الدخول في الملفات الداخلية، فهي نادراً ما تصدر بياناً مرتبطاً بأزمة داخلية أو ملف محلي وله علاقة بصلب الأزمة السياسية المتصاعدة في لبنان، بل تكتفي بالإشادة في الملفات اللبنانية الداخلية بإجراء استحقاقات كالانتخابات النيابية، أو تشكيل الحكومة. وعادة ما كانت السفارة تصدر بيانات متعلقة بملفات لبنانية ذات إبعاد إقليمية ودولية وأمنية، مثل دعم الجيش اللبناني والقوى المسلحة الشرعية في محاربة الإرهاب وحفظ الاستقرار، وأخرى متعلقة بالحفاظ على الاستقرار الحدودي جنوباً والالتزام بالقرار الدولي «1701». وتشدّد على دعمها على الاستقرار في البلاد، وعلى تفعيل عمل المؤسسات.
وفي ضوء هذا التطور، أوضح مصدر مراقب للمواقف الأميركية في لبنان لـ«الشرق الأوسط» أن البيان «يتضمن تنبيهاً من استمرار الأزمة وإقفال المؤسسات وتجميد عملها». ولفت إلى أن السفارة في العادة «تمارس الحذر لجهة إبداء راي أو موقف في ملفات لبنانية محلية، لكن هذا البيان يبدو أنه ينطلق من مخاوف جدية من تعطيل لعمل المؤسسات، علماً بأن الأزمة متعلقة بصلب عمل المؤسسات الرسمية»، وبالأخص، تعطيل اجتماعات الحكومة لخمسة أسابيع حتى الآن بغياب أي موعد محدد لاستئنافها، إضافة إلى «المخاوف من أن تذهب الأمور إلى موقع خارج السيطرة ما يطيح بمكتسبات مؤتمر (سيدر)». وشدّد المصدر على أن الموقف هو للتحفيز على تفعيل المؤسسات والتحذير من استمرار التأزم السياسي.

ضرورة الاحتواء
من ناحية أخرى، جاء البيان وسط مخاوف محلية ودولية من أن يكون التأزم السياسي محاولة للعودة إلى الأزمة التي يبدو على أنها تنتشر وتتبعثر في كل الاتجاهات، حسب الناشط السياسي ومدير مركز «أمم للأبحاث والتوثيق» لقمان سليم.
سليم أشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «ليس بالأمر المعهود أن تصدر سفارة واشنطن في بيروت بيانات عند كل حادثة أو تطوّر سياسي أو أمني يقع في لبنان»، لكن هذا التطوّر الأمني الأخير في حادثة قبرشمون «أدى إلى تعطيل سياسي غير مسبوق ومفتوح على الوقت»، وعليه فإن «واشنطن في سياق الدعم المستمر للاستقرار في لبنان، تحاول إيجاد مخرج»، ثم أضاف: «في العقل الأميركي، يجب على القضاء أن يقوم بدوره، لكن ربما ينظر البعض من اللبنانيين إلى أن القضاء في لبنان قد يكون جزءاً من المشكلة، ومن هنا تأتي الدعوة للتعامل مع الحادث بطريقة تحقق العدالة دون خلفيات سياسية».
ورأى سليم أن ما ورد «يصحّ فيه التحذير من استمرار الوضع، وإبقاء الأزمة مفتوحة دون اجتراح طريقة لاحتوائها»، مشدداً على أن «ما يعني واشنطن هو الحفاظ على الاستقرار، وتحت هذا العنوان أقرّا البيان والدعوة للملمة الموضوع وعدم تركه يتفاعل ويتسرطن أكثر لأن الجسم اللبناني هشّ، وبقاء الأمور على نحو متأزم قد يعرّض الاستقرار للخطر لأسباب أنانية».
وعن إمكانية أن يعتبر البعض البيان في الداخل اللبناني اصطفافاً مع فريق دون آخر، قال سليم إن «هذا هو التفسير البلدي المحلي الذي لا يأخذ بعين الاعتبار أن بلداً كاملاً يُنظر إليه على أنه معطّل وبحالة خطر، لكنه في الواقع ليس اصطفافاً، بل ربما يكون دعوة لحلفاء واشنطن للسير في طريق الاحتواء الذي ربما لن يكون مخرجاً كاملاً، لكنه في الوضع اللبناني قد يكون تأجيلاً لأزمة لم يوجد الحل الكامل لها».

غطاء أمني واقتصادي مستمر
للعلم، يتصدّر حرص واشنطن على استمرار عمل المؤسسات، الأولويات الأميركية، لكن لا يمكن تحييده عن الملفات المرتبطة بالاستقرار اللبناني الذي يضمنه عمل المؤسسات، وهي ملفات تُعتبر الولايات المتحدة معنية بها. وهنا علّق رياض طبارة، سفير لبنان الأسبق في واشنطن، قائلاً: «هناك غطاء أمني واقتصادي دولي للبنان، إذ لا مصلحة لأحد، سوار الولايات المتحدة أو أوروبا أو حتى إيران بالإخلال به. وعادة تعتبر الولايات المتحدة رأس الحربة في توفير هذا الغطاء، وهي لا تتدخل في كل شاردة وواردة في الشأن اللبناني، إلا إذا كانت الأمور ستخرج عن السيطرة، وهو ما دفعهم أخيراً للتدخل».
ولفت طبارة إلى أن السفيرة الأميركية في بيروت «جالت على المسؤولين اللبنانيين، وأبلغتهم أن فقدان السيطرة على الاستقرار غير مسموح به. لكن الأمور (مع ذلك) لم تتجه نحو التهدئة، وهو ما دفع واشنطن لإصدار بيان تحذيري يحذر من المواجهات الطائفية».
وأعرب طبارة عن اعتقاده أن الأميركيين «جاهزون لاستخدام إجراءات صارمة لحماية الاستقرار، وكان البيان توجيهياً في مضمونه نحو عقد مصالحة ومنع الأمور من التدهور باتجاه منحى طائفي أو مواجهة طائفية غير مسموح بها».

3 محطات سابقة
لا ينفي جميع المطلعين على أن التدخل في البيان كان نادراً، لكنه يتشابه بالظروف مع ثلاث محطات سابقة دفعت واشنطن للتدخل مباشرة في الشأن اللبناني عندما كانت الأمور تفلت عن السيطرة.
السفير طبارة ذكر أن «كل حقبة كانت لها ظروفها، بدءاً من عام 1958 حين نفذ الجيش الأميركي إنزالاً على الشواطئ اللبنانية. وفي عام 1983 عندما بدا أن هناك محاولة لسيطرة أجنبية على القرار اللبناني ما دفع بالأميركيين للتدخل عسكرياً إلى جانب قوات إيطالية وفرنسية، قبل استهداف قوات (المارينز) الأميركية والقوات الفرنسية في بيروت بتفجيرات. وفي المرة الثالثة، بعدما رفض السوريون الانسحاب من لبنان وإعادة الوضع لفترة ما قبل التدخل السوري، فكان القرار 1559 في عام 2004. ليليه الدعم السياسي لـ(انتفاضة 14 مارس)، التي أدت إلى الانسحاب السوري من لبنان وإعادة الأمور إلى نصابها. والآن في ظل الصدام السياسي الذي أنذر بانفلات الأوضاع». ووفق طبارة «مع أن كلّ تدخل له حيثياته، فإن القاسم المشترك في التدخلات المباشرة هو أنه من غير المسموح أن تخرج الأمور عن السيطرة في لبنان، خصوصاً بعد الحرب الأهلية».

أولويات أميركية
ينظر كثيرون إلى أن التدخل الأميركي لحماية الاستقرار في هذه المرحلة، ينطلق من ملفات ترى الولايات المتحدة أن إنجازها أو الحفاظ عليها ضمن الوضع القائم (الستاتيكو) من أولوياتها. أبرز هذه الأولويات هي: الاستحقاق المقبل المرتبط باستخراج النفط والغاز في البحر المتوسط، وأمن الحدود الجنوبية، وتحييد لبنان عن لهيب الأزمة السورية، ووجود مليون لاجئ سوري في لبنان، والاستحقاقات المرتبطة بإيجاد حل للقضية الفلسطينية، واحتواء التمدد الإيراني الذي «يستفيد من الفوضى» في المنطقة، والدعم بالعتاد والتدريب للجيش اللبناني. غير أن طبارة ينظر إلى تلك الملفات على أنها تفاصيل، رغم أهميتها الكبيرة، خصوصاً أمن الحدود الجنوبية. إذ يشدد على أن «الأولوية المطلقة التي تعتبرها واشنطن بنداً أساسياً في لبنان يتمثل في السيطرة على الأوضاع، بحيث لا تندلع حرب أهلية يعجز الجميع عن احتوائها والسيطرة عليها، ومن شأن أي اهتزاز بالاستقرار أن يطيح بكل تلك الملفات التي يراها البعض أولويات».
في الوقت نفسه، يعتبر طبارة أنه «لا مصلحة لأحد في أن يتدهور الاستقرار في لبنان، لا الولايات المتحدة ولا إيران، رغم اختلاف الأسباب من وجهة نظر كل منهما»، مضيفاً: «بينما تتطلع واشنطن إلى أهمية الحفاظ على استقرار وضع الحدود الجنوبي وأمن إسرائيل، تأتي إيران ضمن الدول التي تفرض غطاء أمنياً أيضاً منعاً لتدهور الأمور، لأنه لا مصلحة لها بإضاعة ملايين الدولارات التي أنفقتها على الترسانة الصاروخية لـ(حزب الله)، وتكتنزها للاستخدام في أي مواجهة محتملة مع إسرائيل، والاستفادة منها في الصراع. وبالتالي، لا مصلحة لها بإضاعتها على حرب أهلية داخلية، وهو ما يدفعها للدخول في المنظومة التي تهدئ الأمور، وأن يبقى لبنان محيداً عن الصراع».

انقسام لبناني حول «بيان واشنطن»
> أدان «حزب الله» بشدة البيان الصادر عن السفارة الأميركية، واعتبره «تدخلاً سافراً وفظاً في الشؤون الداخلية اللبنانية، ويشكل إساءة بالغة للدولة ومؤسساتها الدستورية والقضائية»، ورأى أنه «تدخل مرفوض في نزاع سياسي محلي وقضية مطروحة أمام القضاء اللبناني القادر منفرداً على القيام بواجباته على أكمل وجه».
في حين جاءت آراء بعض السياسيين، حتى من القريبين من «حزب الله» أقل حدة، إذ قال نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي إن «بيان السفارة الأميركية فيه إيحاء بأن واشنطن تقف في صف حلفائها»، مشيراً في حديث تلفزيوني إلى أنه «وجد تراثاً لبنانياً قديماً باستقدام التدخل الخارجي في الخلاف الداخلي».
أما النائب السابق عمّار حوري، مستشار رئيس الحكومة سعد الحريري، فقد حذّر من أخذ الأمور بخفة، واعتبر أن «بيان السفارة الأميركية يُسلّط الضوء على المخاطر التي قد نواجهها»، مذكّراً «بأننا في مرحلة إعادة تصنيف دولي على الصعيد الاقتصادي، وأننا نسعى لاستثمار مقررات (سيدر)، من خلال دعم دولي، وكل هذا لا يتأتى إلا من خلال علاقات طيبة مع دول العالم».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟