اتفاق تركي ـ أميركي على مركز عمليات لإنشاء «المنطقة الأمنية» شمال سوريا

أكار: أكملنا كل الخطط ونرغب في التحرك مع واشنطن

TT

اتفاق تركي ـ أميركي على مركز عمليات لإنشاء «المنطقة الأمنية» شمال سوريا

اتفق الجانبان التركي والأميركي خلال المباحثات العسكرية التي أجريت على مدى 3 أيام في أنقرة، على إنشاء مركز عمليات مشترك في أنقرة، في أقرب وقت ممكن، لإنشاء وتنسيق وإدارة منطقة أمنية في شمال سوريا.
وقال بيان لوزارة الدفاع التركية، صدر أمس الأربعاء، عقب جولة المباحثات الثانية بين الوفدين التركي والأميركي، إنه تم استكمال المباحثات مع المسؤولين العسكريين الأميركيين حول المنطقة الأمنية المخطط إنشاؤها شمال سوريا، وتم التوصل إلى اتفاق لتنفيذ التدابير التي ستتخذ في المرحلة الأولى، من أجل إزالة الهواجس التركية، في أقرب وقت.
وأضاف البيان أن الاتفاق يقضي بإنشاء مركز عمليات مشترك في تركيا خلال أقرب وقت، لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الأمنية في سوريا، وأنه تم الاتفاق مع الجانب الأميركي على جعل المنطقة الأمنية «ممر سلام»، واتخاذ كل التدابير الإضافية لضمان عودة السوريين إلى بلادهم. ولم يتطرق البيان إلى تفاصيل أخرى.
وفي السياق ذاته، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن المباحثات بين الوفدين العسكريين التركي والأميركي بشأن المنطقة الأمنية المقترحة في شمال شرقي سوريا، جرت في «أجواء إيجابية وبناءة للغاية»، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الجيش التركي أكمل استعداداته لعملية عسكرية محتملة في منبج وشرق الفرات. وقال أكار: «سررنا لرؤية محاورينا الأميركان اقتربوا من وجهات نظرنا. جرت الاجتماعات في أجواء إيجابية وبناءة للغاية».
وأكد الوزير التركي، في كلمة أمس (الأربعاء) أمام الاجتماع الحادي عشر لسفراء تركيا بالخارج المنعقد في أنقرة، رغبة بلاده في العمل والتحرك مع الحلفاء الأميركيين، مضيفاً: «نود العمل والتحرك سوياً مع حلفائنا الأميركيين، وقلنا مراراً وتكراراً إننا سنفعل ما يتوجب القيام به إذا لم يكن ذلك ممكناً» في إشارة إلى القيام بعملية عسكرية في شرق الفرات، وإقامة المنطقة الأمنية بمعرفة تركيا وحدها.
ولفت أكار إلى استكمال تركيا جميع خططها حول المنطقة الأمنية بسوريا، قائلاً: «استكملنا جميع خططنا وتمركز قواتنا على الأرض؛ لكن قلنا أيضاً إننا نرغب في التحرك مع الولايات المتحدة».
ونشرت تركيا آلافاً من قواتها منذ أشهر على الحدود السورية، استعداداً لعملية عسكرية تستهدف «وحدات حماية الشعب الكردية»، المكون الرئيس لتحالف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) الحليف الوثيق للولايات المتحدة في الحرب على «داعش» في سوريا. كما جهزت فصائل المعارضة السورية المسلحة الموالية لها ووضعتها على أهبة الاستعداد.
وجولة المباحثات الثانية الجارية في أنقرة حول المنطقة الأمنية، كانت الثانية بعد جولة أجريت خلال زيارة المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري إلى أنقرة، على رأس وفد في 23 يوليو (تموز) الماضي، وفشلت بسبب تباين المواقف بشأن عمق المنطقة وأبعادها، والجهة التي تسيطر عليها (والتي تريد تركيا أن تكون هي وحدها المسيطرة هناك) وسحب وحدات الحماية الكردية وكذلك أسلحتها الثقيلة.
وقال جيفري، عقب المباحثات، إن تركيا تبنت موقفاً «متصلباً جداً. الأتراك يريدون منطقة أعمق من المنطقة التي نعتقد أنها منطقية».
واقترحت واشنطن منطقة أمنية بعمق خمسة كيلومترات تمثل شريطاً منزوع السلاح، يدعمه شريط ثانٍ بعمق تسعة كيلومترات يخلو من الأسلحة الثقيلة، أي أنها تمتد لمسافة تقل عن نصف المسافة التي تطالب بها تركيا، وهي 32 كيلومتراً.
وترغب الولايات المتحدة في أن يكون هناك وجود عسكري من حلفاء أوروبيين في التحالف الدولي للحرب على «داعش» لحفظ الأمن في المنطقة الأمنية؛ لكنها لم تتلقَّ رداً إيجابياً على عرضها من جانب كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.
وقالت تركيا إنه لا بد أن تكون هي الدولة الوحيدة صاحبة السيطرة على المنطقة، وإنها مؤهلة لذلك؛ لكن الولايات المتحدة لا تزال تعارض هذا الأمر.
وقال آرون ستاين، مدير برنامج الشرق الأوسط، في معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركي لـ«رويترز»: «عندما تقول أنقرة إنها تريد السيطرة على منطقة بعمق 32 كيلومتراً، فلا يمكن أن توافق الولايات المتحدة على ذلك». وأضاف أنه في ضوء تعثر المفاوضات، فمن المرجح أن تتحرك تركيا من جانب واحد. وأشار إلى عدة أهداف عسكرية محتملة من بينها مناطق حول مدينة منبج في الشمال السوري، ومدينتي تل أبيض وكوباني الحدوديتين.
وتعمل قوات أميركية بدرجات متفاوتة في هذه المناطق الثلاث، الأمر الذي يعني أن القوات الأميركية تخاطر بأن تجد نفسها وسط اشتباكات إذا ما تحركت تركيا.
وقال مسؤول أمني تركي، إن الخلافات بين الجانبين على عمق المنطقة تتقلص؛ لكنها لم تختفِ تماماً: «الولايات المتحدة وصلت إلى نقطة قريبة من اقتراحنا؛ لكن لم يمكن التوصل إلى اتفاق كامل»، موضحاً أن تركيا تصر على العمق الذي تقترحه بالكامل مثلما أقره الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه في تغريدة في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ حيث تحدث عن منطقة بعمق 20 ميلاً.
وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمام اجتماع سفراء تركيا بالخارج، أول من أمس: «تركيا لا يمكن أن تشعر بالأمان ما لم يتم القضاء على هذا الكيان الذي ينتشر كالسرطان على امتداد حدودنا الجنوبية» في إشارة إلى الوحدات الكردية.
وأضاف: «إذا لم نفعل اليوم ما هو ضروري، فسنفعل ذلك بدفع ثمن أكبر فيما بعد»، مشيراً إلى عملية جديدة في الأراضي السورية بعد عملية «درع الفرات» في 2016، وعملية «غصن الزيتون» في العام الماضي، لإخراج مقاتلي «وحدات حماية الشعب»، من منطقة عفرين في الشمال السوري.
ووسط المفاوضات مع الجانب الأميركي، والتصريحات المتبادلة بشأن المنطقة الأمنية، ما بين التهديد التركي بعملية منفردة شرق الفرات، والرفض الأميركي لأي عمل أحادي، دفعت تركيا بتعزيزات عسكرية تركية كبيرة، أول من أمس، إلى الحدود مع سوريا قبالة مدينتي عين العرب (كوباني) شرقي حلب، ورأس العين شمال الحسكة.
وتضمنت التعزيزات التركية ناقلات جند وعربات مدرعة ووحدات من «الكوماندوز»، وصلت إلى مدينتي سروج قبالة عين العرب وجيلان بينار قبالة رأس العين، في إطار التحضيرات للعملية العسكرية المحتملة في شرق الفرات.
وقال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، عمر تشيليك، إن أنقرة تمتلك بمفردها القدرة على إنشاء منطقة أمنية شمال سوريا، لحماية أمنها القومي.
وأضاف تشيليك، خلال مؤتمر صحافي بمقر الحزب الحاكم الليلة قبل الماضية، إن تركيا تبحث إنشاء «منطقة أمنية» أو «ممر سلام» يكون مظلة للسوريين، ويساهم في السلام العالمي والإقليمي والأمن القومي التركي.
وأشار إلى أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أوضح بخصوص التطورات المتعلقة بمنطقة شرق الفرات، أن التقييم لاتخاذ خطوات فعلية في المنطقة قد وصل إلى مراحله النهائية، وذلك تماشياً مع الاحتياجات الأمنية في تركيا.
وأضاف أن تركيا عاقدة العزم وبكل وضوح على الدفاع عن أمنها القومي بالحوار أو الدبلوماسية أو القوة الناعمة أو الخشنة، وأن الدعم الذي توفره بعض الدول (في إشارة إلى الدعم الأميركي للوحدات الكردية) يشكل ملاذاً آمناً للإرهابيين في منطقة شرق الفرات، وأن تركيا تنتظر من حلفائها موقفاً أكثر إيجابية.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.