إضعاف الدولار... مهمة أميركية معقدة

سيشكل مرحلة جديدة في تعامل الولايات المتحدة مع الاقتصاد الدولي

يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدولار أقل قوة... لكنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق (رويترز)
يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدولار أقل قوة... لكنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق (رويترز)
TT

إضعاف الدولار... مهمة أميركية معقدة

يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدولار أقل قوة... لكنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق (رويترز)
يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدولار أقل قوة... لكنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق (رويترز)

أخذت الحرب التجارية بين واشنطن وبكين خلال الأسبوع الحالي منعطفاً غير متوقع من الصين التي تركت قيمة عملتها المحلية تتهاوى بشكل حاد، واستجابت الولايات المتحدة للأمر رسمياً بتسمية الصين «متلاعباً دولياً بالعملات». وكشفت المواجهة المشار إليها عن تركيز الإدارة الأميركية على ضعف العملات الأجنبية – والقوة المقابلة للدولار الأميركي – على اعتباره يشكل «عبئاً» على اقتصاد الولايات المتحدة. والآن، يراهن المستثمرون على احتمالات تدخل الولايات المتحدة بنشاط في الأسواق المالية، فيما سوف يعد خرقاً كبيراً للالتزام المعلن منذ عقود طويلة للعملات العائمة الحرة. ويقول مايكل فيرولي، كبير خبراء الاقتصاد لدى «جيه بي مورغان تشيس»: «إنه أمر مهم للغاية لاعتقادي أنه يشكل مرحلة جديدة في الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع الاقتصاد الدولي». لكن، وفي حين أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرغب في إضعاف قيمة الدولار، إلا أن التخطيط لذلك من الأمور المعقدة. وفيما يلي السياق الواجب الانتباه إليه لفهم منهج الولايات المتحدة المتغير إزاء الدولار.
> ما وجه الاستفادة من الدولار الضعيف؟
العملة الضعيفة تجعل صادرات الدولة أرخص بالنسبة للمشترين في الخارج؛ مما يمنح الدولة ميزة تنافسية في مواجهة البلدان الأخرى. وخلال السنوات الماضية، كان اليوان الصيني – الضعيف اصطناعياً – يدعم النمو الصيني كقاعدة تصنيعية لأرجاء العالم كافة. وكانت الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على السلع الصينية تهدف إلى رفع أسعار تلك المنتجات بمجرد دخولها الأراضي الأميركية، ودفع المواطنين الأميركيين إلى الإحجام عن شرائها. وكانت إحدى وسائل الصين للرد على تلك الإجراءات هي إضعاف عملتها المحلية بهدف تقويض آثار الرسوم الجمركية بأن تجعل منتجاتها أرخص سعراً.
ولذلك السبب؛ عندما سمحت الصين بانخفاض سيطرتها على اليوان بشكل حاد مقابل الدولار في يوم الاثنين، اعتبر المراقبون الأمر علامة على اشتداد إيقاع الحرب التجارية القائمة بين الولايات المتحدة والصين. وتعززت قيمة العملة منذ ذلك الحين؛ مما أسفر عن تهدئة التوترات بدرجة ما، لكن الصين ليست الشريك التجاري الوحيد الذي يعاني من مشاكل مع الرئيس الأميركي.
على سبيل المثال، في يونيو (حزيران) الماضي، بعد إعلان البنك المركزي الأوروبي أنه قد يعيد تفعيل برامج التحفيز المالي لدعم اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وجه الرئيس ترمب الاتهامات إلى الاتحاد بتخفيض قيمة اليورو، «مما يجعل من منافستهم - غير المنصفة - للولايات المتحدة أمراً يسيراً». وقال الرئيس ترمب مغرداً على «تويتر»: «لقد كانوا يفعلون ذلك من دون مراعاة لأحد طيلة السنوات الماضية، جنباً إلى جنب مع الصين». وللدولار الضعيف فوائد أخرى، فمن شأنه تعزيز أرباح الشركات على سبيل المثال. فهناك 40 في المائة تقريباً من أرباح كبريات الشركات الأميركية تنشأ من الخارج، وضعف الدولار يعني مزيداً من إسهامات المبيعات الخارجية في الحد الأدنى من الأرباح. ومن شأن الأرباح المرتفعة المساعدة في تعزيز أسواق الأسهم الأميركية. ولا أسرار في ذلك. لكن في الماضي كانت الحكومات تتهرب مترددة من إضعاف قيمة عملاتها المحلية، بسبب خشيتها من أن يسفر الأمر عن ارتفاع كبير وسيئ في التضخم، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً بأنه من أكبر مخاطر العملات الضعيفة. وفي هذه الأيام، أصبح التضخم حول العالم منخفضاً بمعدلات لا تُصدق مع القليل للغاية من علامات الارتفاع هنا أو هناك. ويقول آلان راسكين، كبير المخططين الاستراتيجيين في «دويتشه بنك» فرع نيويورك: «لدينا الخلفية الكلية شبه الكاملة المشجعة لصناع السياسات على إضعاف العملة».
> كيف تحول الأمر إلى سلاح تجاري؟
تعتبر أسواق العملات الأجنبية كاللعبة «صفرية النتائج»؛ إن انخفضت العملة الصينية مقابل الدولار فإن الدولار يتعزز في مقابل العملة الصينية بحسب التعريف. لذلك؛ سواء تعمدت الصين تخفيض قيمة اليوان أو تراجع اليورو بسبب قلق تجار العملات بشأن النمو الاقتصادي في المنطقة، فإن الأثر النهائي في كلتا الحالتين هو الدولار الأميركي القوي. وتميل العملات القوية إلى إضعاف صادرات البلاد وتعزيز استهلاك المنتجات الأجنبية؛ مما قد يؤدي إلى ارتفاع العجز التجاري بصورة كبيرة. وجعل الرئيس ترمب من تخفيض العجز التجاري مع الصين هدف إدارته المحوري، ونقطة حاسمة من وراء حرب الرسوم الجمركية التي اندلعت في عام 2018. بيد أن هذه الإجراءات عادت بنتائج متفاوتة حتى الآن. إذ اتسع العجز السلعي الأميركي مع الصين بالغاً رقماً قياسياً هو 43 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل أن يتراجع بصورة كبيرة منذ ذلك التاريخ. وهو يحوم الآن حول 30 مليار دولار في الشهر.
ومن الناحية النظرية، إذا انخفضت قيمة الدولار مقابل اليوان الصيني، فمن شأن ذلك أن يحقق الكثير على صعيد تقليل العجز التجاري مما يمكن للرسوم الجمركية تحقيقه إن استمرت، ومن المحتمل أن يقدم للرئيس الأميركي فرصة تحقيق الانتصار السياسي في الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. وغرد الرئيس ترمب في يوليو (تموز) الماضي قائلاً: «تتلاعب الصين وأوروبا كثيراً بالعملات، وتضخان الكثير من الأموال في نظمهما الاقتصادية بهدف التنافس مع الولايات المتحدة، وينبغي علينا مواكبة الأمر؛ وإلا سنكون مثل الحمقى الجالسين في أدب وهم يشاهدون البلدان الأخرى يواصلون ممارسة ألعابهم – تماماً كما فعلوا طيلة السنوات الماضية!».
- صعوبات كبرى
وإن استطاعت البلدان الأخرى إضعاف قيمة العملات، فلماذا لا تفعل الولايات المتحدة الأمر نفسه؟ هي تستطيع ذلك من الناحية النظرية، لكن الأمر لن يكون سهلاً من الناحية العملية أبداً.
يرجع الأمر جزئياً إلى أن أسواق العملات كبيرة للغاية. إذ يجري تداول أكثر من 5 تريليونات دولار من العملات على مستوى العالم في تلك الأسواق يومياً، وهناك 4 تريليونات دولار من تلك التداولات تتعلق بالدولار الأميركي.
وتسيطر الصين على اليوان نظراً لأنها تستطيع الاستعانة بالقوة الشرائية اللانهائية في مصرفها المركزي، الذي ينشر السعر الرسمي للعملة في كل يوم يسمح فيه المصرف بمقدار معين من التداول في العملة.
ويملك المصرف المركزي الصيني المقدرة على طباعة اليوان بهدف إضعافه في حالة ارتفاع سعر الصرف لأكثر من المطلوب. وعلى الجانب الآخر، تحتفظ الصين بنحو 3 تريليونات دولار من الاحتياطي الذي يمكنها ضخه في الأسواق لمنع العملة المحلية من بلوغ مستويات الضعف الخارجة عن السيطرة.
ولا تعمل الولايات المتحدة الأميركية بهذه الطريقة في الآونة الراهنة. ولا يزال لديها بعض المقدرة على التدخل في الأسواق المالية من خلال استخدام صندوق استقرار أسعار الصرف، وهو الأداة المالية الخاضعة لسيطرة وزير الخزانة الأميركي مع ما يقرب من 100 مليار دولار من القوة الشرائية تحت تصرفه.
ويقول جوزيف غاغنون، الزميل البارز لدى معهد «بيترسون للاقتصاد الدولي»: «ما لم يمنح الكونغرس وزارة الخزانة التفويض بتعزيز صندوق استقرار أسعار الصرف، فلن يكون لدى الوزارة الكثير من الزخم الذي تستعين به».
وفي الشهر الماضي، قال لاري كودلو، مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي، نظر البيت الأبيض في إمكانية التدخل لإضعاف الدولار قبل اتخاذ القرارات ضده. وفي اليوم نفسه، رغم ذلك، تناقضت تصريحات الرئيس ترمب مع السيد كودلو؛ إذ قال للصحافيين، إن الخيارات كافة مطروحة أمامه على الطاولة. وصرح الرئيس الأميركي قائلاً: «أستطيع فعل ذلك في وقت قصير إن أردت، ولم أقل إنني لن أفعل شيئاً حيال الأمر».
في الماضي، عندما أراد الساسة الأميركيون تغيير قيمة الدولار، كان يتوجب عليهم تنسيق الجهود مع عدد من البلدان المعنية. وهذا ما حدث في عام 1985، عندما خططت الولايات المتحدة لاتفاقية تهدف إلى إضعاف قيمة الدولار كجزء من اتفاق كان معروفاً باسم «اتفاق بلازا».
وبطبيعة الحال، كانت تلك البلدان هم الحلفاء الاستراتيجيون للولايات المتحدة. غير أن إقناع الصين حالياً بتعزير قيمة عملتها المحلية لمساعدة الولايات المتحدة الأميركية على أضعاف قيمة الدولار، هو موقف مختلف تماماً.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الدولار يستقر أمام العملات الرئيسية بدعم من الطلب على الملاذات الآمنة

الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر أمام العملات الرئيسية بدعم من الطلب على الملاذات الآمنة

حافظ الدولار الأميركي على تماسكه أمام العملات الرئيسية، الجمعة، مستفيداً من الطلب عليه بوصفه ملاذاً آمناً، عقب موجة بيع طالت أسهم الذكاء الاصطناعي في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (شنغهاي، سنغافورة )
الاقتصاد بيث هاماك خلال كلمة أمام النادي الاقتصادي في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

مسؤولة في «الفيدرالي»: خفض التضخم إلى 2 % يتطلب مزيداً من رفع الفائدة تدريجياً

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، الخميس، إن البنك المركزي الأميركي لا يزال أمامه مزيد من العمل لخفض التضخم إلى مستهدفه.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ )
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار (أ.ب)

الدولار يتراجع بعد الانتخابات الأميركية مع تحسن شهية المخاطرة

واصل الدولار تراجعه أمام العملات الرئيسية، يوم الخميس، عقب الفوز الواسع للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد عرض رقائق الذهب في متجر تجزئة للذهب مملوك للدولة في سورابايا، جاوة الشرقية (أ.ف.ب)

الذهب يقفز إلى أعلى مستوى في أسبوعين بدعم نتائج الانتخابات الأميركية

ارتفعت أسعار الذهب بنحو 2 في المائة، يوم الخميس، لتسجل أعلى مستوياتها في أسبوعين، مدعومة بتراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بعض المارة أمام لوحة إلكترونية تعرض سعر صرف الين الياباني الحالي مقابل الدولار الأميركي خارج مكتب وساطة في طوكيو (رويترز)

الأسهم والسندات ترتفع والدولار يتراجع بعد مكاسب الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس

انعكست المكاسب الواسعة التي حققها الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس على الأسواق العالمية؛ إذ ارتفعت الأسهم، بينما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«المركزي» التركي: سنواصل التشديد النقدي لحماية مسار خفض التضخم

متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
TT

«المركزي» التركي: سنواصل التشديد النقدي لحماية مسار خفض التضخم

متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)

قال محافظ البنك المركزي التركي فاتح قره خان، الجمعة، إن البنك سيواصل سياسة التشديد النقدي، وسيتمسك بالحذر؛ لحماية المكاسب التي تحققت في مسار خفض التضخم.

وفي تصريحات أدلى بها في أنقرة، أضاف أن سياسة التشديد النقدي حدّت من تأثير صدمات الإمدادات على التضخم في الآونة الأخيرة، رغم أن التحسن الذي كان مأمولاً في توقعات التضخم لم يتحقق بعد.


نمو الوظائف الأميركية يتجاوز التوقعات في أكتوبر... والبطالة تتراجع إلى 4.1 %

مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

نمو الوظائف الأميركية يتجاوز التوقعات في أكتوبر... والبطالة تتراجع إلى 4.1 %

مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ارتفع عدد الوظائف في القطاعات غير الزراعية بالولايات المتحدة بأكثر من المتوقع في أكتوبر (تشرين الأول)، في حين تراجع معدل البطالة إلى 4.1 في المائة، في مؤشر إلى استمرار صمود سوق العمل، ما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مجالاً أوسع للتركيز على التضخم الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وقفز عدد الوظائف بواقع 165 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد زيادة معدلة بالرفع بلغت 60 ألف وظيفة في سبتمبر (أيلول)، وفقاً لما أفاد به مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل يوم الجمعة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع عدد الوظائف بـ65 ألفاً، بعد زيادة سابقة أُعلن عنها بلغت 29 ألف وظيفة في سبتمبر.

وتراوحت التقديرات بين 35 ألفاً و125 ألف وظيفة. وقدّر الاقتصاديون أن الاقتصاد يحتاج إلى استحداث ما لا يقل عن 40 ألف وظيفة شهرياً لمواكبة نمو السكان في سن العمل. وتراجعت نقطة التعادل، المعروفة بهذا الاسم، من نحو 150 ألف وظيفة في عام 2024، نتيجة تقلص حجم القوى العاملة.

وانخفض معدل البطالة من 4.2 في المائة في سبتمبر.

وأدى انخفاض عمليات التسريح لمستويات تاريخية، إلى جانب الزيادة الأخيرة في الوظائف الشاغرة، إلى تعزيز احتمالات تشديد أوضاع سوق العمل. لكن الاقتصاديين ومسؤولي البنك المركزي الأميركي أكدوا أن سوق العمل لا تشكل مصدراً لمخاطر التضخم. ويرى بعض الاقتصاديين أن تقلص المعروض من العمالة، في ظل تشديد القيود على الهجرة وإحالة أعداد من العاملين إلى التقاعد، هو المحرك الرئيسي لانخفاض معدل البطالة نسبياً.

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة. ويتوقع اقتصاديون رفع أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول). ومن الممكن أن يقدم تقرير التضخم الاستهلاكي لشهر أكتوبر، المقرر صدوره يوم الثلاثاء المقبل، مؤشرات إضافية بشأن مسار السياسة النقدية في مطلع عام 2027.

وعلى الرغم من صمود سوق العمل، لا تزال مكاسب الوظائف متأخرة عن وتيرة النمو الاقتصادي؛ إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 3.4 في المائة خلال الربع الثالث، مدفوعاً بقوة الإنفاق الاستهلاكي والزيادة الكبيرة في استثمارات الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي.

وقال اقتصاديون إن أصحاب العمل ربما بالغوا في التوظيف بعد جائحة «كوفيد-19»، وإن بعض الشركات لا تزال غير متأكدة من احتياجاتها من الموظفين في ظل دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها. وأضافوا أن حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، تزيد أيضاً من تردد أصحاب العمل في زيادة أعداد موظفيهم.

وأدت محدودية فرص العمل إلى صعوبة عثور الشباب والخريجين الجدد من الجامعات وبعض العاطلين عن العمل على وظائف.

كما أسهم الاستياء من الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب الغضب من الصراع في الشرق الأوسط، الذي دخل الآن شهره التاسع، في فقدان الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترمب السيطرة على الكونغرس، بعدما حقق الديمقراطيون أداء قوياً في انتخابات التجديد النصفي التي جرت هذا الأسبوع.


مؤشرات «ناسداك» ترتد مع تعافي أسهم الرقائق بعد موجة بيع حادة

شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
TT

مؤشرات «ناسداك» ترتد مع تعافي أسهم الرقائق بعد موجة بيع حادة

شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» في تعاملات الجمعة، مع استعادة أسهم شركات الرقائق بعض مكاسبها، عقب موجة بيع حادة قادتها أسهم التكنولوجيا، محت نحو 3 تريليونات دولار من القيمة السوقية لشركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وسط مخاوف من أن تؤدي سيطرة الحزب الديمقراطي على الكونغرس الأميركي إلى تشديد القيود التنظيمية على الذكاء الاصطناعي.

وكان مؤشر «ناسداك» المجمع قد سجل، الخميس، أكبر تراجع يومي له منذ 19 شهراً، ليدخل رسمياً منطقة التصحيح، كما اتجه نحو تسجيل خسائر للأسبوع الرابع على التوالي، وفق «رويترز».

وقالت جين غيبونز، استراتيجية الأسهم لدى شركة «جيفريز»: «ننظر إلى موجة البيع التي شهدتها الأسواق الخميس باعتبارها رد فعل على التطورات، لا تحولاً جوهرياً في الأساسيات، إذ جاءت نتيجة تداخل المخاوف المتعلقة بالإنفاق على الذكاء الاصطناعي والسياسات الاقتصادية والتضخم».

وجاءت الخسائر الحادة عقب فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، في وقت سابق من الأسبوع، بما في ذلك بعض الولايات الرئيسية التي تستضيف مراكز بيانات، الأمر الذي أثار مخاوف من تباطؤ التوسع في إنشاء مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي. وكان التفاؤل بالنمو السريع لهذا القطاع قد دفع أسواق الأسهم إلى تسجيل مستويات قياسية خلال العام الحالي.

وسجل مؤشر التقلبات في بورصة شيكاغو «فيكس»، المعروف بمؤشر الخوف في «وول ستريت»، أكبر قفزة يومية له منذ نحو 19 شهراً خلال جلسة الخميس، قبل أن يتراجع قليلاً الجمعة إلى 26.70 نقطة.

وحتى الساعة 6:24 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي 471 نقطة، أو 0.91 في المائة، فيما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.29 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بنسبة 1.41في المائة.

وتباين أداء أسهم الشركات التكنولوجية العملاقة وأسهم النمو، فيما ارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة 4.5 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعدما تكبد في الجلسة السابقة أسوأ خسارة يومية له منذ يناير (كانون الثاني) 2025، حين أثار ظهور نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني منخفض التكلفة «ديب سيك» اضطراباً في «وول ستريت».

كما صعدت أسهم شركات الرقائق الأخرى، بما فيها «إيه إم دي» و«إنتل» و«برودكوم» و«ميكرون تكنولوجي»، بنسب تراوحت بين 4.6 في المائة و8.2 في المائة.

وامتد التعافي إلى شركات تشغيل مراكز البيانات، مثل «آيرين» و«أبلايد ديجيتال»، وشركات البنية التحتية السحابية المتخصصة، مثل «كور ويف» و«نيبيوس غروب»، إلى جانب شركات المرافق وموردي المعدات المرتبطين بقطاع الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم «جي إي فيرنوفا» و«كونستليشن إنرجي»، بعدما تكبدت هذه الأسهم خسائر حادة في الجلسة السابقة.

وارتفع سهما «تسلا» و«سبيس إكس»، بقيادة إيلون ماسك، بنسبة 2 في المائة و4 في المائة على التوالي، بعد تراجعهما بقوة خلال الجلستين السابقتين.

وكان الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام، الخميس، قد شكل ضغطاً إضافياً على الأسهم، في ظل مخاوف من تأجيج التضخم بفعل تكاليف الطاقة، وما قد يترتب على ذلك من اتجاه البنوك المركزية العالمية إلى رفع أسعار الفائدة. واستقرت العقود الآجلة لخام برنت إلى حد كبير خلال تعاملات الجمعة.

ورغم ارتفاع أسعار النفط في الجلسة السابقة، فإنها كانت تتجه نحو تسجيل تراجعات أسبوعية حادة، ما يضع مؤشر قطاع الطاقة ضمن «ستاندرد آند بورز 500» على مسار خسارة تتجاوز 11 في المائة خلال الأسبوع.

في المقابل، كان المؤشر الأوسع نطاقاً «ستاندرد آند بورز 500» يتجه نحو تسجيل أسوأ أداء أسبوعي له منذ مارس (آذار) 2025، حين أثارت المخاوف المرتبطة بالسياسات الجمركية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية.

ويتجه اهتمام المستثمرين إلى تقرير الوظائف الأميركي لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، المقرر صدوره عند الساعة 8:30 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بحثاً عن مؤشرات بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة. ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، تسعّر الأسواق احتمالاً يتجاوز 65 في المائة لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول).

وعلى صعيد تحركات الأسهم الفردية، هبط سهم شركة البرمجيات «أتلاسيان» بنسبة 14.1 في المائة عقب إعلان نتائجها للربع الأول، في حين قفز سهم منصة تأجير أماكن الإقامة «إير بي إن بي» بنسبة 12.2 في المائة، بعدما رفعت الشركة توقعاتها لنمو الإيرادات خلال عام 2026.