مخاطر «الأخبار الزائفة» تهدد المسار الانتخابي في تونس

مخاوف من تحوّل حماسة المرشحين إلى استنزاف لهامش حرية الإعلام

مخاطر «الأخبار الزائفة» تهدد المسار الانتخابي في تونس
TT

مخاطر «الأخبار الزائفة» تهدد المسار الانتخابي في تونس

مخاطر «الأخبار الزائفة» تهدد المسار الانتخابي في تونس

تخيم أسئلة عدة على المشهد الإعلامي التونسي خلال هذه الفترة، من بينها كيف سيتعاطى الإعلاميون مع مختلف الأحداث السياسية في تونس خاصة ما تعلق منها بتغطية الفعاليات كافة المرتبطة بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في الثلث الأخير من السنة الحالية؟ وهل سينجح الإعلاميون في تفادي حالات الشد والجذب التي تعرفها الساحة الانتخابية في ظل صراعات سياسية حادة ترافق الانتقال الديمقراطي المنشود؟
تساؤلات عدة تشمل استفساراً ملحاً، وهو: ما مقدار تأثر الإعلام التونسي بالتعديلات التي صادق عليها البرلمان التونسي نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي، والتي منع من خلالها أصحاب المؤسسات الإعلامية من الترشح إلى الانتخابات بشقيها الرئاسي والبرلماني نتيجة الخشية من استغلال تلك المؤسسات في الدعاية السياسية لفائدتهم؟ وما هي الحدود القانونية والأخلاقية التي تتحكم في قطاع الإعلام التونسي حتى يبقي على حياده، ويبتعد عن إغراءات السياسيين وأصحاب المصالح المالية؟
أسئلة على الطاولة في الشهور الأخيرة، إلا أن وفاة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يوم 25 يوليو (تموز) الماضي كان وقعها كبيراً على وسائل الإعلام التونسية التي استغلت الحدث لتؤكد مدى ولائها لمبادئ الجمهورية والتزامها بقيم الديمقراطية والحرية. حيث أدت وفاة الرئيس السبسي قبل بضعة أشهر من انتهاء ولايته إلى تسريع الجدول الزمني الانتخابي مع انتخابات رئاسية في أقل من 40 يوماً، قد تكون نتيجتها «مليئة بالمفاجآت». وغداة الهدنة السياسية التي فرضتها جنازة أول رئيس منتخب ديمقراطياً بالاقتراع العام، استؤنفت الهجمات السياسية مجدداً. وقال الخبير في الشأن التونسي يوسف الشريف «ما زالت الأمور غامضة للغاية».
من جهته، يقول المحلل سليم الخراط «إذا استطاعت الطبقة التي تصف نفسها بأنها (تحديثية) ومناهضة للإسلاميين، التجمع من جديد، فسيكون بإمكانها إعادة تشكيل كتلة انتخابية مهمة - لكن كل المؤشرات تدل على أننا نسير نحو معارك شخصية»، وفق «رويترز».
وإذا كانت السلطات الرئيسية بيد البرلمان اليوم، إلا أن الرهانات كبيرة لأنه مع عكس الجدول الزمني الانتخابي، فإن زخم الانتخابات الرئاسية سيلقي بظلاله على الانتخابات التشريعية في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، التي ستكون جولة ثالثة تقريباً كما يقول بعض النواب، وسيكون للإعلام دور كبير في تلك المحطات.
وفي هذا السياق، احتكرت التلفزة التونسية (الوطنية الأولى) حق البث إلى بقية وسائل الإعلام التونسية والدولية، ولم تطمس معالم الجنازة كما فعلت سنة 2000 مع الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، وقدمت تغطية نموذجية للحدث على مدى أربع ساعات متواصلة «كفَّرت» بها عن ذنبها السابق، ومؤكدة على حياد الإعلام تجاه مختلف الأطراف السياسية، وهو ما قد يكون له انعكاسات إيجابية على تغطية الحملات الانتخابية والاهتمام بالأحزاب السياسية الصغيرة باعتبار أن الإعلام العمومي قد يلعب في هذا المجال دور القاطرة لبقية وسائل الإعلام.
وتخشى أطراف سياسية عدة من تزايد مقدار الأخبار الزائفة في الإعلام التونسي بمختلف أصنافه، وبخاصة في ظل احتدام الجدل السياسي بين الأطراف السياسية المرشحة للعب أدوار سياسية مهمة، ومحاولات تشويه المنافسين، ويتساءل مراقبون حول مدى خشية تلك الأحزاب من دخول المال الفاسد إلى المشهد الإعلامي التونسي، وكيف يمكن غربلة الساحة الإعلامية التونسية لصالح إعلام قادر على الإفادة وتجاوز حالة الشك التي غالباً ما يتحدث عنها الإعلاميون التونسيون نتيجة اختلاف طرق العمل وقبول شق من الإعلاميين مبدأ السبق الصحافي على حساب شرف المهنة الصحافية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها من التساؤلات، من الضروري التأكيد على النقلة النوعية والكمية التي عرفها الإعلام التونسي والتي ترجمت خاصة من خلال ضعف الرقابة على محتوى الإعلام الذي تقدمه مختلف وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، والابتعاد عن عدد من ممارسات النظام السابق عبر «الصنصرة» وتنفيذ الرقابة المسبقة على محتوى تلك البرامج بمختلف أصنافها، غير أن مراقبين يرون أن هامش الحرية الكبير الذي أتيح للتونسيين قد استغل في جانب منه لأغراض شخصية ضيقة بعيدة عن أهداف الإعلام النزيه والمحايد الذي يطالب به الرأي العام التونسي.
في هذا السياق، نظمت الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري المعروفة في تونس باسم «الهايكا» ملتقى دولياً تحت عنوان «الإنترنت والشبكات الاجتماعية ومسار الانتخابات»، وأكدت من خلاله على ضرورة التصدّي للأخبار الزائفة وخطاب العنف الذي يتمّ الترويج له عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبخاصة خلال الفترات الانتخابية وهو ما من شأنه أن يهدد المسار الديمقراطي ويخلف مخاطر على مستوى الانتخابات، وذلك عبر إيجاد آليات كفيلة بذلك على غرار إنشاء منصّة لمقاومة الأخبار الزائفة.
وفي الشأن ذاته، قال نوري اللجمي، رئيس «الهايكا» إن سيلاً جارفاً من الأخبار الزائفة والانتهاك للمعطيات الشخصية يملأ شبكات التواصل الاجتماعي التي باتت مؤثرة على الوضع الاجتماعي وتسبق وسائل الإعلام التقليدية في نشر المعلومات والأخبار، ومن الضروري أن تساهم هذه الشبكات في حماية الديمقراطية، وتأكيد نجاحها عوضاً عن تهديدها، على حد تعبيره.
ومن ناحيته، دعا رياض بوحوشي، الخبير التونسي في مجال تكنولوجيا المعلومات، إلى ضرورة تكوين الإعلاميين لمواجهة الأخبار المغرضة التي قد تقف وراءها أطراف سياسية واجتماعية مستفيدة من الفوضى ونشر البلبلة. كما أشار إلى أن نحو 7 ملايين تونسي من مختلف الأعمار يستعملون شبكة التواصل الاجتماعي بشكل يومي، ومن الممكن الاستفادة من هذا الدخول الجماعي إلى العالم الافتراضي، بما ذلك الصحافة الإلكترونية التي باتت تحتل مكانة مهمة في المشهد الإعلامي، لتفنيد الأخبار الزائفة والمحافظة على مناخ انتخابي سليم.
يذكر أن برنامجاً أوروبياً مخصصاً لدعم المؤسسات المستقلة في تونس، أطلق خلال الشهر الماضي ويمتد على ثلاث سنوات من 2019 إلى 2021 بتمويل من كل من الاتحاد الأوروبي بنسبة 90 في المائة ومن قبل مجلس أوروبا بنسبة 10 في المائة، وهو يهدف إلى دعم قدرات الهيئات التونسية المستقلّة ومساعدتها على أداء المهام الموكلة إليها في مجالي التعديل والرقابة على المحتويات الإعلامية.
ويسعى الجانب الأوروبي إلى وضع قانون للتصدّي لمسألة التلاعب بالمعلومة بهدف دعم وتقوية الإطار القانوني، الذي اعتبر غير مؤهّل لمواجهة الأخبار الزائفة والمعلومات الخاطئة في المنظومة الرقميّة الحالية.
وفي السياق ذاته، قال محمود الذوادي، رئيس مركز تونس لحرية الصحافة (مركز مستقل لمتابعة أداء المشهد الإعلامي التونسي) لـ«الشرق الأوسط»، إن المركز ينظم من فترة إلى أخرى دورات تدريبية لفائدة الإعلاميين حول كيفية التحقق من صدق المعلومات من خلال مصادر موثوق بها، وهو كذلك يعتمد على ميثاق شرف المهنة كأداة مرجعية لاحترام أسس العمل الإعلامي.
وأشار الذوادي إلى ضرورة الاعتماد على تقاطع مصادر المعلومة المتوفرة، والتأكد من صحتها عبر أكثر من مصدر إعلامي وعدم الانسياق وراء ما يسمى «البوز»؛ حتى يتفادى الإعلامي الوقوع في الخطأ المهني، وما يترتب عنه من مشاكل مهنية لمن ينشر خبراً زائفاً، على حد تعبيره.
وأفاد الذوادي بأن الفترة المقبلة سيشتد فيها حماس المترشحين للانتخابات، سواء في شقها الرئاسي أو البرلماني، وقد يسعى هؤلاء لاستغلال هامش حرية الإعلام للتأثير على الإعلاميين في فترة أولى، ثم التأثير من خلالهم على الرأي العام، وهذا ما يتطلب حنكة إضافية من قبل العاملين في قطاع الإعلام سواء الحكومي أو الخاص؛ إذ إنهما يخضعان لنفس مقاييس العمل الصحافي، وفق قوله.
وفي تقييمه للواقع الإعلامي التونسي، قال الذوادي إن الإعلام الحكومي أكثر حذراً في تناول المعلومات وقد يمثل خلال الفترة المقبلة مرجعاً مهماً في التأكيد على ممارسة المهنة بحرفية وتفادي الانزلاق في الإبهار الإعلامي دون الاستناد إلى حقائق قاطعة.
واعتبر الذوادي أن التوظيف السياسي لوسائل الإعلام قد يكون منتشراً ليس في تونس فحسب بل في أعرق الديمقراطيات في العالم، وقد يأخذ أشكالاً مختلفة حتى لا يقع الكشف عنه بسهولة، لكن الإعلاميين لهم سلطة تقديرية خلال تغطيتهم الأحداث، وعليهم الابتعاد عن الدعاية المجانية أو الهجوم غير المبرر على سياسيين أو مرشحين للانتخابات. وأضاف الذوادي، أن الإعلامي مطالب بالحذر، وألا يكون بوق دعاية لفائدة أي طرف سياسي، أو أداة طيعة في يد أي وسيلة إعلامية.
ودعا من ناحية أخرى، إلى ضرورة مراجعة ظروف عمل الإعلاميين التونسيين واحترام القوانين المنظمة لقطاع الإعلام وضمان مرتبات وأجور محترمة للقانون المنظم لعمل المؤسسات الإعلامية، حتى لا يكون الإعلامي التونسي الطرف الضعيف في حلقة العلاقات الاجتماعية في تونس.
وفي دراسة أجراها مركز تونس لحرية الصحافة، اتضح من خلالها أن الإعلام التونسي كان منحازاً إلى الحكومة في تغطيته للاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها تونس بداية السنة الماضية، وهذا ما قد يكون مؤثراً على الانتخابات المقبلة. وتمخضت هذه الدراسة عن دعوة الإعلاميين إلى الالتزام بالضوابط والأخلاقيات المهنية والدقة في الوصول إلى المعلومات، وكشفت عن تخوفات من استغلال قاعات التحرير الصحافي لتوجيه الراي العام وعدم احترام إرادة الإعلامي عند تغطية الأحداث.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».