رئيس مجلس النواب العراقي: في المرحلة السابقة لم يكن هناك احترام للقانون وللبرلمان

الجبوري أكد في حديث لـ {الشرق الأوسط} أنه من دون علاقات عميقة مع محيطه العربي لن يحقق العراق شيئا

سليم الجبوري
سليم الجبوري
TT

رئيس مجلس النواب العراقي: في المرحلة السابقة لم يكن هناك احترام للقانون وللبرلمان

سليم الجبوري
سليم الجبوري

عندما اقتحمت عوائل ضحايا مجزرة قاعدة سبايكر التي راح ضحيتها ما يقرب من ألفي شاب عراقي كانوا جنودا في القوات المسلحة، في يونيو (حزيران) الماضي، مبنى مجلس النواب العراقي قبل 3 أسابيع، عالج سليم الجبوري، رئيس مجلس النواب الموضوع بحكمة وذكاء دلت على حنكته في مواجهة أول الأزمات التي تسببت بها القيادة العسكرية، بينما تفاقمت في مستهل عمل البرلمان، إذ استدعى (الجبوري) القيادات العسكرية ومن ضمنهم وزير الدفاع، سعدون الدليمي، واستضاف عوائل الضحايا تحت قبة البرلمان واستمع للجميع في جلسة بثت عبر التلفزيون ليحيل القضية إلى التحقيق. هذا الاختبار العملي دفع بالجبوري (43 سنة) الحاصل على شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة بغداد، إلى الواجهة أكثر من ذي قبل، وتبعته جلسة منح الثقة لحكومة حيدر العبادي، إذ بدا، وباسم الدستور، حاسما وقويا في مجابهة القلاقل والسجالات التي أراد البعض إثارتها.
ويحتاج الجبوري المتحدر من محافظة ديالي، شرق بغداد، والقيادي في الحزب الإسلامي المؤتلف مع تحالف القوى الوطنية (سني)، إلى 48 ساعة لإتمام مهامه اليومية.
«الشرق الأوسط» التقت الجبوري وكان لها معه حوار في ما يلي نصه:
* تسلمتم رئاسة مجلس النواب العراقي والأوضاع داخليا وإقليميا ملغومة بالأزمات، من بين كل الأزمات.. ما أولوياتكم؟
- عندما تواجه تحديا تتشابك فيه أزمات الأوضاع الأمنية مع الأزمات السياسية ووصلنا فيه إلى حالة اللادولة، وبالتالي فإن أبرز أولوياتنا وأهمها هي أن نوجد معالم الدولة ومؤسساتها من خلال عمل سياسي كان البعض يراهن عليه ويعتقد بفشله وعدم نجاحه وفي ظل اضطراب أمني وصلت فيه التحديات إلى أسوار بغداد، وكان هناك انهيار أمني في محافظات، وشبه انهيار في محافظات مختلفة، لذلك علينا العمل أولا لإثبات وجود معالم الدولة والانطلاق نحو بناء مؤسساتها المدنية ونظامها والإيمان بتوجهاتها انطلاقا من الممارسة الديمقراطية التي أفرزتها الانتخابات.
* كنت عضوا في مجلس النواب السابق الذي انتهت فترته من دون أن يقدم نتائج ملموسة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية، ماذا ستقدمون في هذه الدورة البرلمانية؟
- واحدة من معاناتنا في المرحلة السابقة هي أن قيمة البرلمان كانت ضعيفة في نفوس الناس، وأسهم في خلق هذه الصورة، وبالدرجة الأولى الإعلام، في تشويه صورة مجلس النواب، وكذلك العلاقة المحتدمة والصراع بين المجلس والسلطة التنفيذية، كما أسهمت في رسم هذه الصورة سلوكيات بعض البرلمانيين وغياب الأعراف البرلمانية، وهذا يعني إسقاط هيبة السلطة التشريعية في أعين الناس، وأصبح مجلس النواب غير ذي هيبة في تفكير المواطنين، وعليه إذا أردنا أن نحيي البرلمان ونبرهن للعراقيين على أننا في ظل سلطة تشريعية حاكمة ولها مهام واضحة ودستورية فلا بد من أن نعيد الأعراف الدستورية، وهذا ما شرعنا به نحن منذ بداية عملنا في رئاسة مجلس النواب.
* وما التشريعات التي ستعملون على إنجازها راهنا؟
- قانون مجلس الاتحاد والمحكمة الاتحادية وقانون الأحزاب وقانون حرية التعبير عن الرأي، وأوجدنا أسلوبا جديدا وضمن إطار دستوري لأن تكون هيئة الإعلام والاتصالات تابعة للبرلمان وضمن رقابة مجلس النواب.
* حسب الدستور العراقي فإن مجلس النواب هو أعلى سلطة في العراق، لكننا لاحظنا أن السلطة التنفيذية (الحكومة) كانت هي الأقوى في المرحلة السابقة؟
- يفترض أن مجلس النواب هو أعلى وأقوى سلطة في البلد، وهذا ما يجب أن يكون عليه الوضع، لكن للأسف في المرحلة السابقة لم يكن هناك احترام للقانون ولا لمجلس النواب وهيبته، وبالتالي كان هناك شعور بأن هيمنة الحكومة هي النافذة والقادرة على أن تفرض إرادتها وعلى أن تسلب دور مجلس النواب في تنفيذ وتحقيق دوره الدستوري، على سبيل المثال، فإن البرلمان لم يستطع استدعاء قيادات أمنية وعسكرية طوال الفترة الماضية، الدورة البرلمانية السابقة، وهذا يدل على عدم الاعتراف بوجود البرلمان وقراراته في الاستجواب والتحقيق والوصول إلى الحقائق، وهذه واحدة من المسائل التي أعتقد أنها تحتاج إلى الثقة، ثقة الناس بأن من يمثلهم قادر على تحقيق ما يريدون ولا يعلو أحد على القانون.
* وما الذي تغير الآن، كيف تمكنتم من استدعاء وزير الدفاع العراقي سعدون الدليمي والقيادات العسكرية على خلفية مجزرة سبايكر؟
- نحن أوصلنا رسائل لوزارة الدفاع والقيادة العسكرية بأننا لسنا عدائيين ولا نهدف من خلال استدعائهم تحت قبة البرلمان الإطاحة بهم أو بمؤسسة الجيش العراقي الذي نحترمه، وأفهمناهم أن مفهوم الفصل بين السلطات يعني التعاون بين هذه السلطات لتحقيق قضايا كثيرة تهم البلد والشعب، ثم حصل تفاهم غير معلن بين الرئاسات الثلاث، مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء، بأننا نتفاهم في القضايا الاستراتيجية بعيدا عن الإعلام لتحقيق هدف معين مفاده كيف نحقق قوة ونبرهن على سلطة المؤسسة التشريعية مع الحفاظ على توازن وهيبة السلطة المؤسسة التنفيذية ورئاسة الجمهورية، هذا الاتفاق الذي حصل، حتى رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، وافقنا بهذا الجانب بدرجة كبيرة، وعليه فأنا أعتقد أن السلطة التنفيذية إذا أرادت أن تحافظ على وجودها فلا بد أن تحترم مقررات مجلس النواب وتعطيه قدرا أكبر من الاعتراف والاهتمام بقراراته.
* ذكرتم الإعلام مرتين، اتهمتموه مرة بأنه أسهم بتشويه صورة مجلس النواب، وثانية قلتم إن اتفاقاتكم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تجري بعيدا عن الإعلام، وكأن الإعلام هو سبب خراب الأوضاع أو سلب هيبة البرلمان، هل بالفعل تعتقدون ذلك؟
- الإعلام لعب دورا كبيرا، سلبا أم إيجابا، لخلق قناعات لدى الناس في تحقيق نوع من الرضا أو الرفض، حتى باتجاه مؤسسات الدولة وشخصياتها، وهذا أمر لا يمكن إغفاله، والإعلام في العراق خاصة تحول إلى مؤسسات صنع القرار، وهناك الكثير من القيادات السياسية أو الحكومية صارت تحاول أن تسوق قراراتها بالطريقة التي تبدو فيها هذه القرارات مرضية أو مقبولة من قبل الإعلام، وهناك الكثير من القرارات التي كانت صحيحة، لكن أسلوب تسويقها كان مشوها وغير صحيح بفعل الماكينة الإعلامية.
* لكن للإعلام مهماته المعروفة في نشر الخبر والبحث عن الحقائق؟
- نعم، الإعلام مهم، ومهم جدا، ومن جانبنا حاولنا الانفتاح على القنوات الإعلامية ليس خشية منه أو نتجنب الهجمات التي تعرض لها مجلس النواب في المرحلة الماضية، وإنما حتى نعطي الحقائق ونكون شفافين في إيصال المعلومة مثلما هي وأعتقد نحن نجحنا حتى الآن في هذا الجانب.
* أمضى مجلس النواب السابق فترات طويلة من ولايته منشغلا بالمناكفات والاختلافات والسجالات السياسية بين الكتل الممثلة داخل البرلمان حتى إن اعتراض هذه الكتلة أو تلك على بعض التشريعات كان يجري نكاية ببعض الكتل وفوتوا على المجلس والشعب العراقي فرصة تشريع قوانين للصالح العام، ترى كيف ستتجاوزون هذه الحالة في مجلسكم اليوم؟
- عندنا اليوم مشروع سنعمل به وهو أن نجمع عددا من أعضاء مجلس النواب لتشكيل ما يشبه البرلمان المصغر وندمج معهم عددا من المفكرين الذين يتمتعون برؤية وطنية واضحة من خارج المجلس، أي ليسوا من البرلمانيين، وقد نستعين بشخصيات نافذة في الحكومة شريطة أن يكون لقراراتها وأفكارها أثر عملي على أرض الواقع لمناقشة القضايا الاستراتيجية المتعلقة ببناء الدولة، وهذا أهم موضوع في جانب الإصلاح السياسي وأعني قضية بناء الدولة، لتبقى المناكفات موجودة بين الكتل السياسية، وحتى إذا لم نتفق، لكن علينا الشروع ببناء مؤسسات مدنية في كل جوانب الدولة، وأعني القضاء والثقافة والإعلام والاقتصاد والخدمات والمجتمع، وما إلى ذلك.
* خلال دورة برلمانية كاملة، أكثر من 4 سنوات، لم يتمكن مجلس النواب من إصدار تشريعات مهمة حسبما يقول العراقيون، تشريعات لقوانين تهم الناس، بل إن أغلب التشريعات حسمت لصالح امتيازات البرلمانيين، ما هو تعليقكم على ذلك؟
- أتصور أن هناك تشريعات مهمة صدرت لصالح العراقيين منها قانون الضمان الاجتماعي وبعض القضايا الجوهرية التي أصدرتها اللجان المختصة، ولكن من كان يعوق إصدار هذه التشريعات كقوانين هو السلطة التنفيذية، ثم إن اهتمامات مجلس النواب كثيرة. ودعوني أعلن لكم وللمرة الأولى أنه سيقوم البرلمان بمحاسبة إنجازاته وتقييمها بناء على تقرير وبحث جرى إعداده من جهات ليست برلمانية، بل من منظمات المجتمع المدني يتناول عمل البرلمان السابق وسيجري عرضه بسلبياته وإيجابياته على جلسة الأسبوع المقبل داخل قبة البرلمان، ويتناول التقرير نسب الإنجاز والإخفاقات والنجاح وعدد الأعضاء الملتزمين والمتغيبين وعدد أيام العطل والدوام، لن يجري ذكر أسماء حتى لا نتعدى على خصوصية البعض، لكننا سنقرر استراتيجية عملنا المقبل على ضوء أخطاء الفترة الماضية، وهذا التقرير جرى إنجازه وتوزيعه على النواب وستجري مناقشته يوم الخميس المقبل.
* استضفتم عوائل ضحايا مجزرة قاعدة سبايكر في البرلمان بعد اقتحامهم لبناية مجلس النواب، واستدعيتم القيادات العسكرية المسؤولة، ولكن هل هناك من نتائج تظهر الحقائق للرأي العام؟
- هذه الحادثة حصلت في ظل غياب البرلمان، في يونيو الماضي، وجئنا على أنقاض مجزرة معالمها ضائعة، وما زالت أرض الجريمة هي أرض معركة والأدلة ضائعة، والشهود متناقضين وليسوا متفقين، واختلطت في الجريمة أطراف متعددة وخيوطها متشابكة، وفي قصص الجنود هناك اختلافات، للعشائر كان هناك دور والقيادات الأمنية إفاداتها متناقضة، ونحن كل الذي فعلناه استضفنا عوائل الضحايا واستدعينا القيادات العسكرية بما فيها وزير الدفاع، وبعثنا وبشكل رسمي وغير رسمي أطراف إلى القاعدة للتحقق، جمعنا ما عندنا من أدلة وأحلناها إلى لجنة مكلفة التحقيق بالجريمة وما زالت تعمل ونحن في انتظار النتائج.
* لكنّ عددا من أعضاء مجلس النواب اعترضوا خلال جلسة استدعاء القيادات العسكرية بسبب عدم حضور القائد العام للقوات المسلحة السابق، نوري المالكي؟
- إذا أثبتت التقارير ونتائج التحقيق مسؤولية رئيس الحكومة السابق أو تحمله جانبا من هذه المسؤولية سنعلن ذلك لتأخذ الإجراءات مسارها، ونحن حملنا القيادات الميدانية التي هي على مستوى عال في الجيش، وكذلك وزير الدفاع، مسؤولية ما حدث ووجهنا سؤالا حول عدم حضور القائد العام للقوات المسلحة السابق، علما بأن عملية استدعاء القيادات العسكرية جرت خلال ساعات الليلة التي سبقت جلسة البرلمان التي استضفنا فيها عوائل ضحايا جريمة سبايكر. وفي السياقات الاعتيادية يجب مراعاة ظروف من يجري استدعاؤهم ولا ينبغي فرض هذا الوقت السريع، لكننا فعلنا ذلك وكان هناك قادة معنيون في عمليات حديثة ومقاتلة «داعش»، وحضر من حضر وأستطيع القول إن 10 من القيادات العسكرية والأمنية استجابت للاستدعاء.
* ومن سيتحمل مسؤولية انكسار الجيش وانسحابه في الموصل أمام «داعش»، وجريمة سبايكر، وقصف الفلوجة والرمادي بالبراميل المتفجرة، والمآسي التي تحدث في ديالي، أم أنكم ستدعون المرحلة تمر بلا حساب؟
- من المؤكد أن هناك من يتحمل مسؤولية ما حدث، لكننا في حالة حرب، إذا صحت التسمية، حرب إبادة ضد شعبنا، وحدث نوع من التخاذل الذي أصاب قياداتنا العسكرية، والانهيار الأمني أصبح واضحا، وهناك أطراف كثيرة تتحمل المسؤولية ولكن نسب هذه المسؤولية حسب دور ومكانة ومركز كل طرف في الموضوع، وبالنسبة لي من الصعوبة أن أحدد على من تقع المسؤولية الأكبر فيما حدث، لكني أقول إن سوء الإدارة للسلطة التشريعية منع المؤسسات من أن تلعب دورها، والجانب السياسي كان مربكا، وهذا اثر في نوع ردود الأفعال التي تصرفت بضوئها الناس، وأكبر مشكلة هي أن يتعاطف الناس مع الإرهابيين ظنا منهم أن هذا هو الخلاص من المأساة التي كانوا يعيشونها.
* باعتقادكم من هو المسؤول عن انسحاب الجيش من الموصل؟
- معروف وبشكل واضح وعلى المستوى العسكري فإن القائد العام للقوات المسلحة (السابق) هو من يتحمل هذه المسؤولية، وكذلك وزير الدفاع والقيادات العسكرية الميدانية، وكذلك الحكومة وجزء من المسؤولية تتحمله الجهة الرقابية التي لم تقم بدورها الحقيقي.
* هل هناك بوادر لحل الأزمة بين بغداد وأربيل؟
- نعم، هناك جانب من المسعى ناتج من مصلحة الجميع لحل الأزمة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وليس من مصلحة أي طرف أن تستمر أي أزمة بين بغداد وأربيل، نحن عندنا قانون النفط والغاز لا بد من حل إشكالاته، كما يجب حسم ملف المناطق المتنازع عليها، ولا بد من مشاركة الأكراد في صناعة القرارات المهمة التي تخص البلد، ووجود الوزراء الأكراد في الحكومة الاتحادية سيمنحها أهمية أكبر، وحتى هذه اللحظة لم يؤد الوزراء الأكراد القسم الدستوري.
* ماذا يشكل مؤتمر باريس من أهمية بالنسبة للعراق باعتقادكم؟
- هو بداية لوضع واهتمام دولي جديد لما يمر به العراق يتمثل بمعالجة الإشكالات الأمنية وذلك بمحاربة «داعش» والمجاميع الإرهابية والقضاء على الميليشيات، والتفاعل الأممي الكبير مع موضوع دعم العراق للخلاص من أزماته الأمنية أمر غير مسبوق، وما صدر عن المؤتمر هو تأكيد لما تقرر من قبل الدول الكبرى في محاربة «داعش»، وهذه بداية سيكون فيها للعراق دور كبير ومهم.
* هل هناك تصور لدى مجلس النواب لمعالجة الفراغ في موضوع علاقات العراق مع محيطه العربي؟
- نعم، هناك أكثر من طريقة لمعالجة هذا الموضوع الذي يحوز اهتمامنا، ودعني اكشف لكم أن مجلس النواب شرع بتشكيل وفود لزيارة الدول العربية بناء على دعوات وجهت للبرلمان من قبل المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات والمملكة الأردنية ومصر، وهذه الوفود تضم عددا من النواب ومن كتل مختلفة من أجل تطوير علاقات العراق مع الدول العربية، من دون علاقات عميقة مع محيطنا العربي نشعر بأننا لن نحقق شيئا وأن هناك إرباكا في الأمر.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.