ماذا سيتبقى من شعر الجواهري؟

في ذكرى رحيله الثانية والعشرين

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري
TT

ماذا سيتبقى من شعر الجواهري؟

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري

قبل اثنين وعشرين عاماً، رحل أحد أهم قاماتنا الشعرية العربية، الذي عاش قرناً كاملاً، طولاً بعرض، ذلك هو الشاعر الكبير «محمد مهدي الجواهري» الذي شكَّل ذاكرة بلدٍ بأكمله، فلم يقترن اسم بلدٍ مثلما اقترن العراق بالجواهري، حيث يروي لنا الشاعر «محمد حسين آل ياسين» أنَّه كان صاعداً في قطار متجهٍ نحو ريف المغرب في الجنوب، ويقابله معلمٌ مغربي يسكن ذلك الريف، وحين سمع حديث آل ياسين غريباً بلكنته العراقية، بادره ذلك المعلم وقد عرف أنه عراقي: ولكن هل أنت من بلد الجواهري؟ أي خلودٍ أعظم من هذا، حيث يقترن بلدٌ باسم شاعر، ولا أظن أنَّ شاعراً حصل على هذا المجد العظيم، ما عدا «شكسبير». ولكن الحديث الآن عن «الجواهري» يجب أنْ يتحوَّل من التمجيد الذي كتب كثير منه في حياة الجواهري وبعدها، إلى حديثٍ آخر يتجه نحو الفحص والتحليل.
فلا أظن أنَّ كلمة مديحٍ سترفع شأن الجواهري المرتفع أصلاً، إنَّما القراءة الجادَّة بعد هذا الغياب هي التي ستمنح الجواهري عمراً أطول، فما الذي يريده الشاعر بعد وفاته غير أنْ تبقى بعضُ نصوصهِ تدور على ألسنة الناس، وأنْ يكون دائماً حديث أهل الأدب والمعرفة، فما الذي سيتبقى من شعر الجواهري؟ هل المناهج الدراسية، وكتب القراءة والمطالعة، سبب في خلود بعض الشعراء؟ لقد خلد من لم يستحق الخلود، بسبب توجهات الدولة وفلسفتها؛ أقول: هل مناهج الإعدادية والمتوسطة هي النافذة الوحيدة التي تجعل من الشاعر حياً دائماً؟ وما الفائدة في أنْ يكون الجواهري دائراً على ألسنة الطلاب، وأنْ يكون عبئاً على طلبة السادس في حفظ قصيدته «يا دجلة الخير»، وحفظ حياته وتعليمه، وبهذا يتحوَّل إلى كابوس لهؤلاء الطلبة، يكرهون - بسببه - دجلة والشعر كله، وربَّما ينسونه بعد انتهاء الامتحان.
فكيف يمكن للجواهري أنْ يبقى مشعاً؟ وهل ذكرى وفاته يمكن أن تجعل منا نحن عشاقه أكثر عقلانية في النظر فيما تركه من قصائد كثيرة كثيرة؟ ولكن ألا يحق لنا أنْ نتساءل عن كمية الشعر الذي تسلل إلى هذه القصائد؟ ذلك أنَّ شخصية «الجواهري» الطاغية، سياسياً واجتماعياً وصحافياً وأدبياً، أسهمتْ بغلق العيون عن كثير من التساؤلات التي يحق لنا نحن عشاق هذا المارد الذي فتحنا أعيننا على قصائده وتمرده، وتمنينا أنْ نسكن المنافي، كما كان، وأنْ نمدح ونشتم في اللحظة نفسها، ذلك أنَّ قدرة «الجواهري» وحيواته الخاصة حوَّلت شخصيته إلى مغناطيس لجذب معظم العاملين في الأدب، والشعر خصوصاً، وأنْ يتشبهوا بهذا المارد الكبير، ويتمنَّوا أنْ يكون في حياتهم جزءٌ يشابه الجواهري، ولكننا لا نفهم أنَّ الزمن يتغير، وأنّ لكل زمن دولة ورجال، ما عدا الجواهري الذي بقي الرجل الأوحد لكل الأزمنة التي عاشها، ذلك أن الملكية حافظت عليه كثيراً، وهو الذي هجاها وأوغل في هجائه لها.
وبعد أن تحوَّل نظام الحكم من ملكي إلى جمهوري في 58، أيضاً تبنَّاه العسكر، ولم يفرط به، والجواهري نفسه كتب للعسكر، وللجمهورية بشكل عام، ولعبد الكريم قاسم الذي لم يدم الوداد بينهما طويلاً، حتى انقطع حبله، بعد اعتراضات كثيرة وجهها الجواهري لرجال الحكم، حتى أنه يذكر في مذكراته ويصف العلاقة بينه وبين عبد الكريم قاسم بالمسرحية، حيث يقول: «أما وقد قاربت مسرحية هذه الازدواجية المتبادلة بين زعيم أوحد وبين مزعوم أوحد أيضاً نهايتها... فموقفي في يوم عيد العمال وقصيدتي بكم نبتدي وإليكم نعود، ومفهوم أنها تريد أن تقول: نعم للعمال وللشغيلة، ولا لعبد الكريم قاسم». وأوشك أن يُسجن في أيام النظام الجمهوري، لكنَّه اختار العيش في المنفى في «براغ» ما يقارب 9 سنوات، هي من أخصب فترات الجواهري وأغزرها شعرياً.
وأزعم أنَّ مرحلة «براغ» هي من أخصب المراحل التي مر بها «الجواهري»، ذلك أنَّه تخلَّص من كثير من الزوائد الشعرية، وأنَّ البلاغة لديه اتخذت مساراتٍ مختلفة أكثر التصاقاً ببلاغة الحياة الجديدة عليه، تلك الفترة التي كان يقول عنها في مذكراته إنها «كانت الفترة التي عشتها في براغ فترة عز ودلال». وبهذا انتقل الجواهري من بطون الكتب التي شكلت معظم مرجعياته الثقافية إلى الحياة بكامل بهجتها وأناقتها. ففي براغ، تحوَّل إلى شاعرٍ آخر مختلف، وكأنَّه غيره، فبدأ يكتب عن بائعة السمك في «الجيك»، ويكتب عن الثلج على رؤوس الجبال، ويكتب عن مقاهي براغ الساحرة، وعن طبيعتها الخلابة:
براها سلامٌ كلما خفق
الصباح على الهضابِ
ما نفضَّتْ ريحُ الصبا
قارورة العطرِ المذابِ
ما طارحته حمامة بهديلها
شجو التصابي
براها سلامٌ ما اكتسى
ألقُ السنا مزقَ الضبابِ
أو قصيدته عن بائعة السمك في براغ، حيث يقول:
دلفنا لحانوت سماكة
نزوَّدُ بالسمك الكابري
فلاحت لنا حلوة المشترى
تلفت كالرشا النافرِ
تشد الحزام على بانة
وتفتر عن قمر زاهرِ
من الجيك حسبك من فتنة
تضيق بها رقية الساحر
فقلنا: علينا جعلنا فداك
بما اخترتِ من صيدك النادرِ
وفي هذه القصيدة، يصور لنا الجواهري حديثاً للسمكة معهم، وكيف يسمحون لأنفسهم بأكلها، وهي تحاورهم، أي «السمكة»:
فجاءت بممكورة بضة
لعوب كذي خبرة ماكرِ
تنفضُّ بالذيل عطر الصبا
وتخدع بالنظر الخادرِ
تكاد تقول أمثلي يموت
لعنت ابن آدم من جائرِ
أما في الصبا لي من شافع؟
أما لابنة الشيك من زاجرِ
وأهوتْ عليها بساطورها
فيا لك من جؤذرٍ جازرِ
وثنَّتْ فشبَّتْ عروسُ البحار
وخرَّتْ على الجانب الآخرِ
وللجواهري نصوص غاية في المتعة، حين يتحدث على لسان بعض الحيوانات، وهي تجربة قليلة لديه، ولكنَّها رائقة ممتعة، حيث يقول في قصيدة «الراعي»:
لفَّ العباءة واستقلا
بقطيعه عجلا وسهلا
وانصاع يسحب خلفه
ركباً يعرَّسُ حيث حلا
يومي فتفهم ما يريد
ويرتمي فتهبُّ عجلى
وتكاد تُعرب بالثغاء
هلا وحيَّهلا وهلَّا
وبهذا، استطاع الجواهري، أو تمكنتْ الحياة الجديدة أو المختلفة عليه من تغيير مزاجه، وأسهمتْ بتحوله فكرياً ولغوياً، حيث بدأت زاوية النظر تأخذ مساراً جديداً في لغته، وبدأت موضوعاتٌ أخرى كان يأنف من الخوض بها، إلا أنه الآن ركب في مركب بلاغة مختلفة عن تجربته السابقة، أكثر مطواعية من البلاغة التي ورثها، والتي أدمنها في الكتب التاريخية، وفي أشعار الأقدمين.
الآن، وبعد مرور 22 عاماً على رحيله، ما الذي يمكن أنْ نتحدث به عن الجواهري الشاعر؟ ذلك أنَّ كل شيءٍ انتهت صلاحيته أو ستنتهي، السياسة والصحافة، والمجتمع وصراعاته، والدين وتخلَّيه عن العمامة، وبقي الذي بين أيدينا الجواهري الشاعر، ولكن هذا الشاعر هل كلُّه شعر؟
وهل نصوصه التي دارت على ألسنة الناس، ووثَّقت أقدامه على الأرض، هل كلها ممتلئة بالشعر، أم أنَّ ما يحفظه هؤلاء الناس بعيد عن جوهر الشعر؟ فلو أخرجنا الهمَّ السياسي والاجتماعي والديني من القصائد كلِّها ما الذي سيتبَّقى من الجواهري؟ وهنا، أذكر مقولة لـ«عبد الرزاق عبد الواحد» ذكرها لنا مرة، فقال: لو متُّ سيذهب ثلثا شعري أدراج الرياح، وسيبقى القليل القليل، وذكر مسرحية «الحر الرياحي، وقصيدة الزائر الأخير، ومجموعة الصوت، وبعض النصوص القليلة».
ولو رجعنا إلى نصوص عبد الرزاق التي يعتقد بخلودهن بعد رحيله، ماذا نجد؟ سنرى أنَّ معظم هذه النصوص خالية من الوظيفية والغرضية الواضحة، وأن الغرض من كتابة هذه النصوص هو الشعر، إذ لا غرض إلَّاه. وعند هذه الزاوية المهمة، أظنُّ أنَّ نسبة كبيرة من نصوص «الجواهري» سيأكلها الزمن، خصوصاً النصوص التي تُدار على الألسن بوصفها شواهد وأمثلة يُستشهدُ بها لدعم حالة سياسية، أو لتوصيفها، أو لعلاج حالة اجتماعية.
وفي الحقيقة، فإنَّ معظم ما كتبه الجواهري من شعر يدور في فلك السياسة هو قصائد خالية من الشعرية، ومنقادة للحس السياسي والاجتماعي، وفيها من الوعظ الكثير، علماً بأنَّ الشاعر ليس واعظاً، أو حكيماً يضرب الأمثلة ويدل الناس؛ هذه ليست مهنته، وما سيبقى هو الهم الذاتي الحقيقي الذي عبر به الجواهري عن الجواهري نفسه، دون أنْ يتقمص روح الأمة، أو الجماهير، فمتى ما تقمص هذه الروح سيتحوَّل إلى ناطقٍ إعلامي.
أما حديثه الذاتي، فهو الأهم والأجمل والأبقى شعرياً، لذلك ستبقى «يا نديمي» و«أيها الأرق» و«الراعي» و«رسالة مملحة» و«يا أم عوف»، ومعظم ما كتبه في براغ. أما الشعر السياسي والصراعات الاجتماعية، فستتحول إلى وثائق تاريخية تدعم الباحثين ربَّما في بحوثهم، ولكن من الصعب أنْ تصمد شعرياً، رغم عظمة «الجواهري»، لذلك أظنُّ أنَّه من الوفاء لهذه التجربة العظيمة أنْ نراجعها ونسائلها، لا أنْ نمتدحها فقط، فالتجارب الكبرى هي محطة للأسئلة والمراجعات الدائمة، وما الجواهري إلا فنارنا الأكثر إضاءة، واسمنا الذي نفخر به أمام العالم، ذلك أنني دائماً أرددُ بيته الشهير الذي يفخر فيه حتى على الملائكة بقوله:
إذا تحدَّاك في عليائها مَلَكٌ
يزهو عليك فقلْ إنَّي من البشرِ

- شاعر وأكاديمي عراقي



أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
TT

أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)

قال الممثل السوداني أمين بن رشيد إنه لم يرغب في تقديم شخصية «عثمان» التي يجسدها في فيلم «لمن يجرؤ»، بوصفها رجلاً ينتظر الشفقة، مؤكداً أن هشاشته أمام ظروف المنفى لا تسلبه كرامته أو قدرته على الحب والاختيار.

وأضاف بن رشيد، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن ما جذبه إلى «عثمان» هو إصراره على مواصلة الحياة رغم الخوف، ورغبته في أن يحب وأن يشعر بأنه محبوب، لافتاً إلى أن المنفى يفسر جانباً من تجربته، لكنه لا يختصر هويته؛ لأن بحث الشخصية عن الحب يرتبط أيضاً بمحاولتها استعادة حريتها، والإحساس بأنها لا تزال قادرة على الحلم، واتخاذ القرارات.

ويتناول الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» الذي انطلق عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وعرض أخيراً في مهرجان «الجونة السينمائي» علاقة تنشأ في بيروت بين «سوزان»، التي تؤديها الممثلة الفلسطينية هيام عباس، وهي أرملة في الستينات من عمرها، و«عثمان» الشاب السوداني الذي يعيش بلا أوراق رسمية، وبين فارق العمر واختلاف الخلفيات، ورفض المحيطين بهما، يحاول الاثنان حماية علاقتهما، بينما يضاعف اضطراب الواقع من حولهما صعوبة البحث عن حياة مشتركة، ويضع مشاعرهما أمام اختبارات تتجاوز ما يملكانه من رغبة في البقاء معاً.

وأوضح بن رشيد أن فهم شخصية «عثمان» اقتضى تخيّل حياة تسبق ظهوره الأول على الشاشة، بما تحمله من خسارات وذكريات وأمور يحتفظ بها لنفسه مشيراً إلى أنه بحث عما تركته هذه التجارب في نظرات الشخصية وحركتها وطريقتها في الاقتراب من الآخرين، حتى يشعر المشاهد بوجود ماضٍ يؤثر فيها، من دون أن يحتاج الفيلم إلى روايته كاملاً أو تفسير كل تصرف يصدر عنها.

ولفت إلى أن وضع «عثمان» القانوني يفرض عليه شعوراً مستمراً بعدم اليقين، يمتد أثره إلى أبسط تفاصيل يومه وقدرته على تصور المستقبل، موضحاً أنه أراد إبقاء هذا القلق حاضراً في الأداء من دون إظهاره في كل لحظة، فيواصل الحب والرغبة واتخاذ القرارات، بينما يظل احتمال فقدان ما يبنيه قائماً، وهو التوتر الذي وجده أساسياً في فهم الشخصية.

وأضاف أمين بن رشيد أن تداخل الحب مع الحاجة إلى الأمان كان من الجوانب التي حرص على تركها مفتوحة داخل الشخصية؛ إذ يمكن للقاء عاطفي أن يصبح ملاذاً لإنسان يعيش عدم الاستقرار، من دون أن ينفي ذلك صدق مشاعره. موضحاً أن «عثمان» يحمل احتياجات تتجاوز علاقته بـ«سوزان».

هيام عباس وأمين بن رشيد في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن فارق العمر لم يكن نقطة الانطلاق في بناء العلاقة مع البطلة، بل تاريخ كل شخصية وما تحمله من جراح ووحدة ورغبات، وما يمكن أن تجده لدى الأخرى. مشيراً إلى أن الوصول إلى ألفة مقنعة تطلّب الإصغاء والحضور والاستعداد للمفاجأة، لقناعته بأن صدق العلاقة أمام الكاميرا ينشأ من تفاعل الممثلين وثقتهما بما يحدث بينهما في أثناء المشهد.

واستعاد بن رشيد توجيهاً من المخرجة دانيال عربيد ظل حاضراً في ذهنه خلال العمل، حين قالت له إنها تريد إظهار الحب، موضحاً أن هذه الرؤية أثرت في تعامله مع مشاهد القرب العاطفي دفعته إلى البحث عن الحنان وحاجة كل شخصية إلى الأخرى، والانتباه إلى النظرات ومساحات الصمت وطريقة وجود «عثمان» بجوار «سوزان»، حتى يصل إحساسهما إلى المشاهد من دون تأكيد مباشر.

وتابع أن العمل إلى جانب هيام عباس عزز لديه أهمية أن يظل الممثل منفتحاً على شريكه، مهما بلغ استعداده للمشهد، مشيراً إلى أن التحضير يمنحه فهماً للشخصية، لكنه يحتاج في أثناء التصوير إلى استقبال ما يحدث أمامه والاستجابة له، وهذه التجربة عمّقت ثقته بأداء يسمح للمشهد بالتطور.

وعن غضب «عثمان» أمام رفض الآخرين للعلاقة التي تربطه بالبطلة، أوضح بن رشيد أنه يرتبط بشعوره بأنهم يحكمون عليه قبل معرفته، فيجد نفسه موزعاً بين الدفاع عن كرامته وحماية علاقته بسوزان، لافتاً إلى أنه حاول التعبير عن هذا التوتر بدرجات مختلفة، فيظهر الغضب أحياناً، ويبقى مكبوتاً أحياناً أخرى، بينما يحاول «عثمان» ألا يمنح نظرات المحيطين به القدرة على تقرير مصير ما يجمعه بالمرأة التي يحبها.

صناع الفيلم خلال حضور عرضه العالمي الأول في برلين (إدارة مهرجان برلين)

وأكد أنه لم يكن مطالَباً بالاتفاق مع جميع قرارات الشخصية كي يؤديها، بل بفهم دوافعها وما يجعلها ممكنة بالنسبة لها، خصوصاً أن تصرفاً يبدو غامضاً من الخارج قد يصبح مفهوماً عند النظر إلى تاريخ صاحبه ومخاوفه ورغباته.

وأعرب بن رشيد عن أمله في أن يرى المشاهد في «عثمان» رجلاً يحب ويرغب ويشك في نفسه، ويحمل كبرياءه وضعفه معاً، بعيداً عن التصنيفات التي تسبق أحياناً معرفة الأفراد، مؤكداً أن ما يهمه في السينما هو قدرتها على تقريبنا من أشخاص نجهل حكاياتهم، وإتاحة التعرف إلى ما يجمعنا بهم، مع الاحتفاظ بخصوصية تجاربهم وما يميز مساراتهم.

وعن طموحاته المقبلة، قال إنه يتطلع إلى شخصيات معقدة تمر بتحولات عميقة، وتتيح له الخروج من الصورة التي قد يتوقعها الآخرون منه، معرباً عن رغبته في خوض أدوار تاريخية ونفسية، وتجارب تتطلب أداءً جسدياً مختلفاً، أو تنتمي إلى عوالم خيالية مع سعيه إلى بناء مسيرة دولية تتسع لشخصيات تتنوع أصولها وحكاياتها.


مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

تراهن مصر على السياحة النيلية لتعزيز قدرة هذا النمط على جذب مزيد من السائحين والاستثمارات السياحية، بعد الاتفاق مع شركة صينية متخصصة لبناء وتشغيل سفينتين سياحيتين «5 نجوم» للعمل في رحلات نيلية بين الأقصر وأسوان.

جاء ذلك ضمن لقاءات عقدها وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، مع مسؤولي ومديري شركة «Century Cruises of China»، إحدى الشركات الصينية الكبرى العاملة في مجال السياحة النهرية على مستوى العالم، التي تتمتع بحضور قوي في السوقين الصينية والأميركية، خلال المشاركة المصرية في بورصة لندن الدولية للسياحة (WTM London 2026). وبحث الوزير مع مسؤولي الشركة سبل التعاون المشترك في مجال السياحة النيلية، وتعزيز الاستثمارات والتوسع في هذا المنتج السياحي المهم. وفق بيان للوزارة.

واستعرض مسؤولو الشركة الصينية حجم أعمالها في مصر، وخططها التوسعية المستقبلية بالسوق المصرية، مشيرين إلى اعتزامها بناء وتشغيل سفينتين سياحيتين في مصر من فئة الخمس نجوم، للعمل في مجال السياحة النيلية بين مدينتي الأقصر وأسوان، على أن يتم تشغيلهما اعتباراً من عام 2028.

السياحة النيلية تزدهر في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

وأوضحوا الخطط التسويقية لإطلاق هذه السفن ومناقشة إمكانية التعاون مع الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي لتنفيذ حملات ترويجية مشتركة ومتنوعة للترويج للسفينتين والبرامج التي تنظمها الشركة لمنتجات سياحية أخرى، مثل سياحة الحوافز والمؤتمرات.

وأبدى شريف فتحي ترحيبه بالخطط الاستثمارية التي تعتزم الشركة تنفيذها في مصر، مؤكداً أن التوسع في بناء وتشغيل السفن السياحية ذات المستوى المتميز من شأنه دعم الطاقة الاستيعابية لمنتج السياحة النيلية، وتعزيز تنافسية مصر في مجال السياحة الفاخرة.

وتراهن مصر على تنوع الأنماط السياحية بها، مثل السياحة الثقافية والترفيهية والشاطئية والعلاجية والبيئية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وتنضم السياحة النيلية لهذه الأنماط بوصفها نمطاً سياحياً قابلاً للاستثمار فيه وتعزيز مقوماته في مصر، خصوصاً في العاصمة والمدن التي تزدهر فيها السياحة الثقافية وتنتشر بها المواقع الأثرية مثل الأقصر وأسوان.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «الاستثمار الصيني في السياحة النيلية من شأنه أن يعزز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق السياحية، كما أن التوجه لبناء وتشغيل سفينتين بين الأقصر وأسوان باستثمارات صينية لا يؤدي لزيادة الطاقة الفندقية أو الاستيعابية للسياحة النيلية فقط، بل يمتد أثره ليشمل الاستفادة من خبرات كبيرة في السياحة النهرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كما أن هذا التوجه يعطي تجربة سياحية تجمع بين الرفاهية والسياحة والتاريخ، وتجمع بين الإقامة الفندقية والرحلات النيلية وزيارة المواقع السياحية في الأقصر وأسوان، ويجذب شريحة من السائحين مرتفعي الإنفاق».

السياحة النيلية لها أشكال ومظاهر عدة (الشرق الأوسط)

لافتاً إلى ضرورة «دعم هذا التوجه بتحسين ودعم الخدمات والإنشاءات، مع ضرورة مشاركة الشركات في التشغيل والتنظيم».

ويؤكد أن هذا التوجه «فرصة لتحويل السياحة النيلية لتجربة سياحية عالمية على مدار العام، ويربط بين السوقين السياحيتين المصرية والصينية، ويؤدي إلى جذب الاهتمام العالمي بهذه السياحة، ما يعود بالنفع على السياحة النيلية وعلى التنمية السياحية، خصوصاً بمحافظات الصعيد».

وسبق أن أعلنت وزارة السياحة المصرية عن خطط لتنمية وتعزيز السياحة النيلية، ضمن خطتها للترويج للأنماط والمقاصد السياحية المصرية في حملات دعائية، أو عبر المعارض السياحية، وتستهدف مصر نمواً في قطاع السياحة، ليصل عدد السائحين إلى 30 مليون شخص سنوياً بحلول عام 2030.


«البحرين السينمائي» يحتفي بمشوار يسرا الفني

يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
TT

«البحرين السينمائي» يحتفي بمشوار يسرا الفني

يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)

توّج مهرجان البحرين السينمائي الفنانة المصرية يسرا بجائزة «الإنجاز مدى الحياة» خلال حفل افتتاح دورته السادسة، الذي أقيم الخميس، بحضور وزير الإعلام البحريني الدكتور رمزان بن عبد الله النعيمي، وعدد من الشخصيات الفنية البحرينية ونجوم السينما العربية.

وظهرت الفنانة يسرا بإطلالة لافتة، وقالت خلال تسلمها الجائزة: «لقد مضى على حياتي الفنية 50 سنة من عمري وأنا أحب الفن وأقدره، والحب الذي بيني وبينكم وبين كل الناس في جميع أنحاء العالم كان وراءه الفن». وأضافت: «أشكركم لأنكم تمنحونني جائزة على مدى الحياة، وقد شرفت أنني تعاملت مع أهم المخرجين والفنانين في تاريخ الفن المصري والعربي، وحقيقة لم أشعر بمُضي هذه السنوات، لكنني أؤكد لكم أنني أعيش بمحبتكم ومساندتكم».

وعبّرت يسرا عن سعادتها بالتكريم، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أشعر بسعادة كبيرة لهذا التكريم وتزداد سعادتي أن يحظى الفن في الوطن العربي بتقدير كبير، وأن تكون قيمته كبيرة لدى الجمهور، وأشكر مهرجان وجمهور البحرين، وأقدر كثيراً الرقي والذوق الذي يتعاملون به».

ويأتي تكريم «البحرين السينمائي» ليسرا، بحسب المهرجان، احتفاء بمسيرة فنية ممتدة رسّخت حضورها في السينما العربية، وجعلتها واحدة من أبرز نجمات الشاشة على مدى عقود، وتقديراً لأعمالها الفنية التي اتسمت بالتنوع والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية، واستمراراً لحضورها الفني على مدى أجيال متعددة، وطرحها أفلاماً لامست قضايا المجتمع والإنسان.

كما شهد حفل الافتتاح تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي، ومنحه جائزة «الريادة في الثقافة السينمائية البحرينية» تقديراً لدوره في تأسيس «نادي البحرين للسينما» قبل أكثر من نصف قرن، ما وفّر مساحة للحوار عبر أجيال تفاعلت مع الفن السابع، وهو النادي الذي يقيم مهرجان البحرين السينمائي سنوياً.

تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي (وكالة أنباء البحرين - بنا)

وتشهد الدورة السادسة التي تقام خلال الفترة من 5 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي مشاركة نحو 90 فيلماً، تُعرض عبر عدد من المسابقات، تختص إحداها بالأفلام البحرينية، وأخرى بالأفلام الوثائقية، إلى جانب مسابقة أفلام الطلبة ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة التي تشهد مشاركات عربية، من بينها الفيلم المصري «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي، والفيلم اللبناني «لآخر رقصة» للمخرجة نور عقيقي، والفلسطيني «منع أمني» للمخرج تامر شوامرة، والسوري «نهار عابر» للمخرجة رشا شاهين، والمغربي «حدائق الجنة» للمخرجة صونيا الطراب.

وعَد الناقد السينمائي البحريني أسامة الماجد تكريم يسرا «هو تكريم لؤلؤة السينما العربية» وفق وصفه، مؤكداً أنها استحقت هذا الاحتفاء نظير ما قدّمته من أعمال خالدة وأدوار ما زالت عالقة في أذهان المشاهد العربي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هي فنانة تمتلك حضوراً خاصاً وقدرة على منح شخصياتها حياة تبقى معنا طويلاً، وتكريمها تقديراً لمسيرة ثرية بالعطاء والإبداع».

كا عَد تكريم البحريني نادر المسقطي وفاءً مستحقاً لأحد رموز الإبداع والثقافة السينمائية وأحد الرواد الأوائل الذين أسهموا في تأسيس الوعي بالفن السابع وترسيخ حضوره، عاداً أنه أمر مهم أن يحتفي المهرجان بمن وضعوا اللبنات الأولى لهذه المسيرة.

وأشار إلي أن «البحرين السينمائي» يواصل ترسيخ مكانته بخطوات واثقة، وأن كل دورة تحقق تقدماً ملموساً عن سابقتها، سواء في عدد الأفلام المشاركة وجودتها، أو في تنوع الفعاليات واتساع آفاق اللقاء بين المبدعين.

ويرى الماجد أن «الورش التي يقيمها المهرجان تمنحه قيمة معرفية مهمة، وتفتح أمام الشباب مجالاً للتعلم والحوار والاحتكاك بأصحاب الخبرة، وتجعله مساحة لاكتشاف المواهب ومناقشة التجارب وتطوير أدوات صناعة الفيلم، وأن المهرجان يحضر بقوة على خريطة المهرجانات السينمائية العربية».

حضور عربي لافت في افتتاح «البحرين السينمائي» (وكالة أنباء البحرين - بنا)

فيما يرى الناقد المصري خالد محمود أن تكريم يسرا بمهرجان البحرين بمثابة حصاد لمشوار سينمائي قطعته بإصرار ونجاح، ومسيرة استثنائية لفنانة تركت أثراً في السينما المصرية والعربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «يسرا قدّمت أدواراً أثقلت تجربتها مع كبار مخرجي وفناني السينما المصرية بأعمال مهمة، على غرار أفلامها مع المخرج الراحل يوسف شاهين، ومع الفنان الكبير عادل إمام، الذي شاركته البطولة في أفلام عديدة سياسية وكوميدية»، مؤكداً أنها «لا تزال تواصل حضورها الفني بنفس الإصرار والحماس».

وبدأت يسرا مسيرتها الفنية منتصف سبعينات القرن الماضي، عبر أدوار البطولة في أفلام «فتاة تبحث عن الحب»، و«قصر في الهواء» و«شباب يرقص فوق النار»، ولقبت في ذلك الوقت بـ«نجمة أفلام العلب»، بعد أن ظلّت أفلامها حبيسة العلب بعد تصويرها لعدة سنوات، لتنطلق مسيرتها بعد ذلك بأدوار لافتة، من بينها «الإنسان يعيش مرة واحدة» أمام الفنان عادل إمام، وإخراج سيمون صالح، و«لا تسألني من أنا» أمام الفنانة الراحلة شادية وإخراج أشرف فهمي، و«الصعاليك» إخراج داوود عبد السيد، وتواصلت أفلامها مع المخرج الكبير يوسف شاهين في «إسكندرية كمان وكمان»، و«المهاجر»، و«إسكندرية نيويورك».