ماذا سيتبقى من شعر الجواهري؟

في ذكرى رحيله الثانية والعشرين

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري
TT

ماذا سيتبقى من شعر الجواهري؟

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري

قبل اثنين وعشرين عاماً، رحل أحد أهم قاماتنا الشعرية العربية، الذي عاش قرناً كاملاً، طولاً بعرض، ذلك هو الشاعر الكبير «محمد مهدي الجواهري» الذي شكَّل ذاكرة بلدٍ بأكمله، فلم يقترن اسم بلدٍ مثلما اقترن العراق بالجواهري، حيث يروي لنا الشاعر «محمد حسين آل ياسين» أنَّه كان صاعداً في قطار متجهٍ نحو ريف المغرب في الجنوب، ويقابله معلمٌ مغربي يسكن ذلك الريف، وحين سمع حديث آل ياسين غريباً بلكنته العراقية، بادره ذلك المعلم وقد عرف أنه عراقي: ولكن هل أنت من بلد الجواهري؟ أي خلودٍ أعظم من هذا، حيث يقترن بلدٌ باسم شاعر، ولا أظن أنَّ شاعراً حصل على هذا المجد العظيم، ما عدا «شكسبير». ولكن الحديث الآن عن «الجواهري» يجب أنْ يتحوَّل من التمجيد الذي كتب كثير منه في حياة الجواهري وبعدها، إلى حديثٍ آخر يتجه نحو الفحص والتحليل.
فلا أظن أنَّ كلمة مديحٍ سترفع شأن الجواهري المرتفع أصلاً، إنَّما القراءة الجادَّة بعد هذا الغياب هي التي ستمنح الجواهري عمراً أطول، فما الذي يريده الشاعر بعد وفاته غير أنْ تبقى بعضُ نصوصهِ تدور على ألسنة الناس، وأنْ يكون دائماً حديث أهل الأدب والمعرفة، فما الذي سيتبقى من شعر الجواهري؟ هل المناهج الدراسية، وكتب القراءة والمطالعة، سبب في خلود بعض الشعراء؟ لقد خلد من لم يستحق الخلود، بسبب توجهات الدولة وفلسفتها؛ أقول: هل مناهج الإعدادية والمتوسطة هي النافذة الوحيدة التي تجعل من الشاعر حياً دائماً؟ وما الفائدة في أنْ يكون الجواهري دائراً على ألسنة الطلاب، وأنْ يكون عبئاً على طلبة السادس في حفظ قصيدته «يا دجلة الخير»، وحفظ حياته وتعليمه، وبهذا يتحوَّل إلى كابوس لهؤلاء الطلبة، يكرهون - بسببه - دجلة والشعر كله، وربَّما ينسونه بعد انتهاء الامتحان.
فكيف يمكن للجواهري أنْ يبقى مشعاً؟ وهل ذكرى وفاته يمكن أن تجعل منا نحن عشاقه أكثر عقلانية في النظر فيما تركه من قصائد كثيرة كثيرة؟ ولكن ألا يحق لنا أنْ نتساءل عن كمية الشعر الذي تسلل إلى هذه القصائد؟ ذلك أنَّ شخصية «الجواهري» الطاغية، سياسياً واجتماعياً وصحافياً وأدبياً، أسهمتْ بغلق العيون عن كثير من التساؤلات التي يحق لنا نحن عشاق هذا المارد الذي فتحنا أعيننا على قصائده وتمرده، وتمنينا أنْ نسكن المنافي، كما كان، وأنْ نمدح ونشتم في اللحظة نفسها، ذلك أنَّ قدرة «الجواهري» وحيواته الخاصة حوَّلت شخصيته إلى مغناطيس لجذب معظم العاملين في الأدب، والشعر خصوصاً، وأنْ يتشبهوا بهذا المارد الكبير، ويتمنَّوا أنْ يكون في حياتهم جزءٌ يشابه الجواهري، ولكننا لا نفهم أنَّ الزمن يتغير، وأنّ لكل زمن دولة ورجال، ما عدا الجواهري الذي بقي الرجل الأوحد لكل الأزمنة التي عاشها، ذلك أن الملكية حافظت عليه كثيراً، وهو الذي هجاها وأوغل في هجائه لها.
وبعد أن تحوَّل نظام الحكم من ملكي إلى جمهوري في 58، أيضاً تبنَّاه العسكر، ولم يفرط به، والجواهري نفسه كتب للعسكر، وللجمهورية بشكل عام، ولعبد الكريم قاسم الذي لم يدم الوداد بينهما طويلاً، حتى انقطع حبله، بعد اعتراضات كثيرة وجهها الجواهري لرجال الحكم، حتى أنه يذكر في مذكراته ويصف العلاقة بينه وبين عبد الكريم قاسم بالمسرحية، حيث يقول: «أما وقد قاربت مسرحية هذه الازدواجية المتبادلة بين زعيم أوحد وبين مزعوم أوحد أيضاً نهايتها... فموقفي في يوم عيد العمال وقصيدتي بكم نبتدي وإليكم نعود، ومفهوم أنها تريد أن تقول: نعم للعمال وللشغيلة، ولا لعبد الكريم قاسم». وأوشك أن يُسجن في أيام النظام الجمهوري، لكنَّه اختار العيش في المنفى في «براغ» ما يقارب 9 سنوات، هي من أخصب فترات الجواهري وأغزرها شعرياً.
وأزعم أنَّ مرحلة «براغ» هي من أخصب المراحل التي مر بها «الجواهري»، ذلك أنَّه تخلَّص من كثير من الزوائد الشعرية، وأنَّ البلاغة لديه اتخذت مساراتٍ مختلفة أكثر التصاقاً ببلاغة الحياة الجديدة عليه، تلك الفترة التي كان يقول عنها في مذكراته إنها «كانت الفترة التي عشتها في براغ فترة عز ودلال». وبهذا انتقل الجواهري من بطون الكتب التي شكلت معظم مرجعياته الثقافية إلى الحياة بكامل بهجتها وأناقتها. ففي براغ، تحوَّل إلى شاعرٍ آخر مختلف، وكأنَّه غيره، فبدأ يكتب عن بائعة السمك في «الجيك»، ويكتب عن الثلج على رؤوس الجبال، ويكتب عن مقاهي براغ الساحرة، وعن طبيعتها الخلابة:
براها سلامٌ كلما خفق
الصباح على الهضابِ
ما نفضَّتْ ريحُ الصبا
قارورة العطرِ المذابِ
ما طارحته حمامة بهديلها
شجو التصابي
براها سلامٌ ما اكتسى
ألقُ السنا مزقَ الضبابِ
أو قصيدته عن بائعة السمك في براغ، حيث يقول:
دلفنا لحانوت سماكة
نزوَّدُ بالسمك الكابري
فلاحت لنا حلوة المشترى
تلفت كالرشا النافرِ
تشد الحزام على بانة
وتفتر عن قمر زاهرِ
من الجيك حسبك من فتنة
تضيق بها رقية الساحر
فقلنا: علينا جعلنا فداك
بما اخترتِ من صيدك النادرِ
وفي هذه القصيدة، يصور لنا الجواهري حديثاً للسمكة معهم، وكيف يسمحون لأنفسهم بأكلها، وهي تحاورهم، أي «السمكة»:
فجاءت بممكورة بضة
لعوب كذي خبرة ماكرِ
تنفضُّ بالذيل عطر الصبا
وتخدع بالنظر الخادرِ
تكاد تقول أمثلي يموت
لعنت ابن آدم من جائرِ
أما في الصبا لي من شافع؟
أما لابنة الشيك من زاجرِ
وأهوتْ عليها بساطورها
فيا لك من جؤذرٍ جازرِ
وثنَّتْ فشبَّتْ عروسُ البحار
وخرَّتْ على الجانب الآخرِ
وللجواهري نصوص غاية في المتعة، حين يتحدث على لسان بعض الحيوانات، وهي تجربة قليلة لديه، ولكنَّها رائقة ممتعة، حيث يقول في قصيدة «الراعي»:
لفَّ العباءة واستقلا
بقطيعه عجلا وسهلا
وانصاع يسحب خلفه
ركباً يعرَّسُ حيث حلا
يومي فتفهم ما يريد
ويرتمي فتهبُّ عجلى
وتكاد تُعرب بالثغاء
هلا وحيَّهلا وهلَّا
وبهذا، استطاع الجواهري، أو تمكنتْ الحياة الجديدة أو المختلفة عليه من تغيير مزاجه، وأسهمتْ بتحوله فكرياً ولغوياً، حيث بدأت زاوية النظر تأخذ مساراً جديداً في لغته، وبدأت موضوعاتٌ أخرى كان يأنف من الخوض بها، إلا أنه الآن ركب في مركب بلاغة مختلفة عن تجربته السابقة، أكثر مطواعية من البلاغة التي ورثها، والتي أدمنها في الكتب التاريخية، وفي أشعار الأقدمين.
الآن، وبعد مرور 22 عاماً على رحيله، ما الذي يمكن أنْ نتحدث به عن الجواهري الشاعر؟ ذلك أنَّ كل شيءٍ انتهت صلاحيته أو ستنتهي، السياسة والصحافة، والمجتمع وصراعاته، والدين وتخلَّيه عن العمامة، وبقي الذي بين أيدينا الجواهري الشاعر، ولكن هذا الشاعر هل كلُّه شعر؟
وهل نصوصه التي دارت على ألسنة الناس، ووثَّقت أقدامه على الأرض، هل كلها ممتلئة بالشعر، أم أنَّ ما يحفظه هؤلاء الناس بعيد عن جوهر الشعر؟ فلو أخرجنا الهمَّ السياسي والاجتماعي والديني من القصائد كلِّها ما الذي سيتبَّقى من الجواهري؟ وهنا، أذكر مقولة لـ«عبد الرزاق عبد الواحد» ذكرها لنا مرة، فقال: لو متُّ سيذهب ثلثا شعري أدراج الرياح، وسيبقى القليل القليل، وذكر مسرحية «الحر الرياحي، وقصيدة الزائر الأخير، ومجموعة الصوت، وبعض النصوص القليلة».
ولو رجعنا إلى نصوص عبد الرزاق التي يعتقد بخلودهن بعد رحيله، ماذا نجد؟ سنرى أنَّ معظم هذه النصوص خالية من الوظيفية والغرضية الواضحة، وأن الغرض من كتابة هذه النصوص هو الشعر، إذ لا غرض إلَّاه. وعند هذه الزاوية المهمة، أظنُّ أنَّ نسبة كبيرة من نصوص «الجواهري» سيأكلها الزمن، خصوصاً النصوص التي تُدار على الألسن بوصفها شواهد وأمثلة يُستشهدُ بها لدعم حالة سياسية، أو لتوصيفها، أو لعلاج حالة اجتماعية.
وفي الحقيقة، فإنَّ معظم ما كتبه الجواهري من شعر يدور في فلك السياسة هو قصائد خالية من الشعرية، ومنقادة للحس السياسي والاجتماعي، وفيها من الوعظ الكثير، علماً بأنَّ الشاعر ليس واعظاً، أو حكيماً يضرب الأمثلة ويدل الناس؛ هذه ليست مهنته، وما سيبقى هو الهم الذاتي الحقيقي الذي عبر به الجواهري عن الجواهري نفسه، دون أنْ يتقمص روح الأمة، أو الجماهير، فمتى ما تقمص هذه الروح سيتحوَّل إلى ناطقٍ إعلامي.
أما حديثه الذاتي، فهو الأهم والأجمل والأبقى شعرياً، لذلك ستبقى «يا نديمي» و«أيها الأرق» و«الراعي» و«رسالة مملحة» و«يا أم عوف»، ومعظم ما كتبه في براغ. أما الشعر السياسي والصراعات الاجتماعية، فستتحول إلى وثائق تاريخية تدعم الباحثين ربَّما في بحوثهم، ولكن من الصعب أنْ تصمد شعرياً، رغم عظمة «الجواهري»، لذلك أظنُّ أنَّه من الوفاء لهذه التجربة العظيمة أنْ نراجعها ونسائلها، لا أنْ نمتدحها فقط، فالتجارب الكبرى هي محطة للأسئلة والمراجعات الدائمة، وما الجواهري إلا فنارنا الأكثر إضاءة، واسمنا الذي نفخر به أمام العالم، ذلك أنني دائماً أرددُ بيته الشهير الذي يفخر فيه حتى على الملائكة بقوله:
إذا تحدَّاك في عليائها مَلَكٌ
يزهو عليك فقلْ إنَّي من البشرِ

- شاعر وأكاديمي عراقي



معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

TT

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

تُقدّم الفنانة تارا الخازن، في معرضها الفردي «بين الأنفاس»، صوراً عن لبنان الذي تراه حالة داخلية تتشكَّل بين شهيق وزفير. المعرض، المُقام في صالة «بلو روز» بمنطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، يُحاول التقاط اللحظة الفاصلة التي يُعلّق فيها الإنسان حياته مؤقّتاً كي يستمرّ. وبين الأعمال، تصبح الصورة وقفة ومحاولة فَهْم.

تعود فكرة المعرض إلى مسير طويل قطعته الفنانة عبر لبنان في ربيع 2023. كان الهدف الحركة نفسها. وفي يومياتها، تكتب عن الحاجة إلى الركض. إلى فكّ قبضة رغبات قديمة. إلى التقاط نَفَس كامل. هذا الدافع الشخصي تحوَّل إلى بنية عمل. فالكاميرا وسيلة نجاة، وحين تضيق الحياة، يُختصر العالم في إطار يُمكن احتماله.

صور تارا الخازن تبحث عن مساحة للفهم (الشرق الأوسط)

يبحث «بين الأنفاس» عن التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه. صورة «عيد ميلاد أمي» في تنورين مثلاً، التي تُسجّل احتفالاً عائلياً، تضعنا أمام علاقة مضطربة مع الزمن. فالاحتفال محاولة لتثبيت شيء يتفلّت. كأنّ الصورة تقول إنّ العائلة في بلد قَلِق تصبح شكلاً من أشكال الصمود الرمزي، فيحتفل أفرادها كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأنّ الاستمرارية لا تزال ممكنة.

في أعمال أخرى، تنتقل تارا الخازن من البشر إلى الأشياء من دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في «طيور من سلك» بصيدا، نرى مجسّمات تشبه الطيران. الصورة لا تُحمَّل معنى مباشراً لتترك للمُشاهد أن يقرأ ثمن الحرّية حين تُصنَع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيّلة التي تحاول التعويض في بلد يُتقن اختراع رموز للانعتاق فيما الواقع يُضيِّق الخناق.

الشارع والسوق يحضران في المعرض على هيئة مساحات للعيش الممكن. في «شارع علي» و«سوق صيدا»، لا تُراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مُفتعلة. الكاميرا قريبة ومتأنّية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى الممتدَّة. تُريد معنى آخر للمعرض أن يتكشّف، فيفهم زائره أنّ الحياة تُصاغ في هذا العادي المُتكرّر الذي يتطلَّب جهداً هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

الشارع يُصوَّر مثل إيقاع حياة يُعاد كلّ يوم (تارا الخازن)

تبلغ هذه المقاربة ذروتها في «أطفال عليا» من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تُقدّم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمَيْن. بين اللعب والوعي المُبكر، وبين الخفَّة والثقل. قوة الصورة في ما لا تقوله. في الأسئلة التي تتركها معلّقة حول ما يُحمَّل لهؤلاء الصغار من أدوار قبل أوانها. وحول الفارق بين ما يُفترض أن تكونه الطفولة وما يُفرَض عليها أن تكون.

طفولة تقف على الحافة بين اللعب والوعي المبكر (تارا الخازن)

ثم تأتي «اصطدمتُ بجدار» من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري. هي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. فالجدار نفسي، مما يجعلها صورة عن الوصول إلى حدّ ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك لا تصرخ، فتترك الوجع مستتراً ومضبوطاً، كأنّ الفنانة تعي أنّ التعب لا يحتاج دائماً إلى إعلان كي يكون صريحاً.

يصبح النظر فعلاً بديلاً عن الكلام (تارا الخازن)

يتوسَّع المعرض أيضاً ليشمل فعل المُشاركة. تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تُتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، ينقلهم من موقع المُشاهدة إلى موقع الظهور. ومع ذلك، لا تُعدّ الفكرة تفاعلية بالمعنى الشائع. إنها فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت على أنها وسيلة لتماسُك الفنانة، فهي تتحوَّل إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكوَّن أمام العيون ويؤكّد أنّ الضعف الإنساني جماعي.

تختبر الصورة قدرتها على الإمساك بما يتفلّت (الشرق الأوسط)

يأتي «بين الأنفاس» في لحظة مفصلية من تجربة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، وإنما الإصرار على التفاصيل المُنفلتة، والإقرار بأنّ الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردُّد الإيجابي، إن صحَّ التعبير، يمنح الصور قيمتها. فهي لا تدَّعي السيطرة على الواقع وإنما تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

القراءة القيّميّة لكامي حجّار لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة (الشرق الأوسط)

يُواكب التنسيق القيّمي للمتخصّصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى من دون أن يطغى عليه. فالقراءة القيّميّة لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. ثمة ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها. وذلك يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مُشاركة للجمهور.

تتعلَّم العين أن تنظر ببطء كي لا تفقد المعنى (تارا الخازن)

يقترح «بين الأنفاس» أن نمنح الصورة حقّها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يُطالِب الفنّ بأن يشرح نفسه سريعاً. فما يفعله هذا المعرض فعلياً هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يُواجه فكرة باتت تحكُم علاقتنا بالصور كلّها، وليس بالفنّ وحده. فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوُّن. فالصور المُختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوض جَمْع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف، حتى صار التكيُّف بذاته سؤالاً.


«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)
أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)
TT

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)
أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

عبر رهان على كوميديا الموقف التي تدور داخل شقّة مؤلِّف سينمائي شاب يواجه صعوبات في إخراج مشروعه الأول إلى النور، تدور أحداث الفيلم المصري الجديد «مؤلف ومخرج وحرامي»، الذي يتقاسم بطولته أحمد فتحي ومي كساب، وانطلق عرضه الأول الخميس، ليبدأ رحلة المنافسة على تصدّر شباك التذاكر في مصر.

الفيلم من تأليف ميشيل نبيل، ويشارك في بطولته ميمي جمال، ومحمد أوتاكا، وياسر الطوبجي، وإبرام سمير، وشريف حسني، وهو من إخراج أسامة عمر. وتدور معظم أحداثه في يوم واحد تقريباً داخل منزل السيناريست «نبيل شرابي» وزوجته «منى».

تنطلق الأحداث من مكتب «نبيل»، أو «بلبل» كما يُطلق عليه، وهو مكتب خصّصه لكتابة مشروعاته السينمائية التي يواجه صعوبة في تسويقها، في حين تنفق زوجته «منى»، التي تعمل مصفّفة شعر للسيدات، على شؤون المنزل، وتتعامل معه باستخفاف لعدم ثقتها بما يكتبه من أعمال فنّية.

أحمد فتحي في العرض الخاص للفيلم (حسابه على «فيسبوك»)

داخل المنزل الذي تدور فيه جميع المَشاهد تقريباً، تظهر شخصيات تنشأ بينها مواقف كوميدية قائمة على كوميديا الموقف، بدءاً من السيدات اللواتي يقصدن الزوجة للتزيُّن، مروراً بالحالة النفسية التي يعيشها «نبيل» نتيجة بقائه في المنزل لمدّة طويلة وعدم قدرته على التركيز بسبب الضجيج، وصولاً إلى تراكم السيناريوهات التي كتبها من دون أن تنجح في فتح باب رزق ثابت له.

تنقلب حياة «نبيل» بعدما يطرق الباب مَن يخبره بفوزه بجائزة مسابقة شارك فيها بسيناريو أحد أفلامه، بقيمة 400 ألف دولار، على أن تُسلَّم له في اليوم التالي داخل شقته مع تسجيل حلقة خاصة يتحدّث خلالها عن تجربته في الكتابة. ومع هذا الخبر، تتبدّل ملامح الحياة داخل المنزل، وتتغيّر نظرة المحيطين به، بدءاً من زوجته وصولاً إلى الجيران.

وخلال تطوّر الأحداث، تظهر تحوّلات متسارعة قبل تسلّم الجائزة المالية، مع سعي جميع الشخصيات إلى الاستفادة من المبلغ لتحسين أوضاعهم، بدءاً من الزوجة، مروراً بزوج والدته، وصولاً إلى محاولات للسرقة والاستحواذ على المال بطرق مختلفة.

ويتحوّل «نبيل» بعد الإعلان عن فوزه من شخص مهمَل لا يكترث بمظهره ولا يلتفت إليه أحد، إلى شخص يسعى الجميع للتقرّب منه والتودّد إليه، بل وطرح أفكار عليه للاستفادة من قيمة الجائزة، أخذاً في الحسبان أنه لن يكون بحاجة إلى هذا المبلغ الكبير.

وأكدت بطلة العمل مي كساب أنّ الفيلم يسجّل التعاون الـ11 بينها وبين أحمد فتحي، مشيرة إلى وجود تفاهم بينهما أمام الكاميرا، ومؤكّدة حماستها للتجربة لإعجابها بالسيناريو، إضافة إلى أنها لم تقدّم شخصية مصفّفة الشعر من قبل في أي عمل فنّي.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وعبّرت عن أملها في أن يُحقق الفيلم إيرادات جيدة في صالات السينما وينال إعجاب الجمهور، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حرصت خلال التحضير على الاستعانة بمصفّف شعر حقيقي، وتعلُّم المهنة بشكل احترافي، حتى أكون واقعية عند تقديم المَشاهد».

من جهته، قال المؤلّف ميشيل نبيل لـ«الشرق الأوسط» إنّ العمل على كتابة الفيلم استغرق نحو 8 أشهر، مرتكزاً على فكرة الصراع الذي يعيشه الفرد بين طموحه الإبداعي والتزامات الحياة اليومية، التي تدفعه أحياناً إلى البحث عن وظائف تؤمّن له الحدّ الأدنى من الدخل.

وأضاف أنّ صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً في إدخال الشخصيات المختلفة إلى المنزل من دون أن تبدو مُقحمة على الأحداث، لافتاً إلى أنّه لم يُجرِ تعديلات كبيرة على النص بعد الاستقرار على الأبطال الرئيسيين.

وعن المقارنة بين اسم الفيلم وفيلم «مواطن ومخبر وحرامي» للراحل داود عبد السيد، أكّد عدم وجود أي تشابه أو علاقة بين العملين.

بدوره، أشار المخرج أسامة عمر إلى صعوبات التصوير في موقع واحد وخلال يوم واحد، ممّا استلزم تنسيقاً دقيقاً مع مدير التصوير ومسؤولي الإضاءة، مؤكداً أنّ التفاهم بين بطلَي العمل، وخبرته السابقة في التعاون معهما، سهَّلا كثيراً من تفاصيل التحضير.


«صحراء X العلا 2026» تجمع 11 فناناً رائداً في أعمال ضخمة داخل المشهد الصحراوي

عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)
عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)
TT

«صحراء X العلا 2026» تجمع 11 فناناً رائداً في أعمال ضخمة داخل المشهد الصحراوي

عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)
عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)

تكشف النسخة الرابعة من معرض «صحراء X العلا 2026» عن مجموعة من الأعمال الفنّية الأرضية، والمنحوتات، والتركيبات الفنّية، التي يقدّمها 11 فناناً رائداً ضمن المشهد الطبيعي الفريد للعلا.

وافتتح «صحراء X العلا 2026» أبوابه لاستقبال الزوّار من مختلف أنحاء العالم، لاستكشاف أعمال فنية ضخمة أُنجزت خصوصاً للمعرض الذي تقدّمه فنون العلا بالتعاون مع «ديزرت X»، ويضم أعمالاً ترتكز في جوهرها على علاقة مباشرة مع بيئة العلا المتفرّدة.

عمل الفنان أغنيس دينيس (فنون العلا)

«سديمٌ لا يُعدّ»

استلهمت نسخة هذا العام موضوعها الشعري «سديم لا يُعدّ» من إبداعات الكاتب اللبناني-الأميركي جبران خليل جبران، فتتحوّل القطع الفنّية والتركيبات المؤقتة إلى نقاط مضيئة على خريطة جديدة ترسم ملامح خيال متّسع بلا قيود، وتتشكَّل فيها آفاق لم يكن تصوّرها ممكناً من قبل.

وينسج هذا الموضوع رابطاً بين تأمّلات جبران المفتوحة وآفاق العلا، بوصفها مشهداً طبيعياً يحمل طبقات من التاريخ والذاكرة والخيال، لتغدو الصحراء فضاءً تتجدَّد فيه الرؤى وتتَّسع احتمالات الإبداع.

عمل الفنانة بسمة فلمبان (فنون العلا)

وعلى امتداد تاريخ يشمل قنوات المياه القديمة، وطريق البخور، وبدايات الملاحة اعتماداً على النجوم، تجمع القيّمتان المشاركتان زوي ويتلي ووجدان رضا فنانين من أجيال مختلفة، من السعودية والعالم العربي ومناطق أخرى من العالم، ليشكّل كلّ منهم نقطة مرجعية تُضيء على مسارات مشتركة من التلاقي الإنساني.

وتنبثق الأعمال الفنّية من قلب الرمال، وتنسجم مع الأخاديد التي شكّلتها الرياح والتكوينات الطبيعية في الصحراء، بحثاً عن مساحة يلتقي فيها الحسّي بما يتجاوز الملموس، في أعمال لا تُعنى بالاستدامة الزمنية بقدر ما تفتح مجالاً للتأمّل.

ويقدّم المعرض رؤى فنّية تتراوح بين أعمال ذات حضور هادئ وأخرى ذات أثر بصري طاغٍ، بين ما يحتضن الزائر وما يفرض حضوره بحجم الأعمال الضخمة، ويشكّل كلّ تكليف فني نقطة لقاء وتجربة حسّية ضمن فضاء العلا الصحراوي المفتوح.

عمل الفنان السعودي محمد الفرج (فنون العلا)

محطّة لافتتاح «وادي الفنّ»

ويُعدّ المعرض إحدى المحطات البارزة ضمن النسخة الخامسة من مهرجان فنون العلا 2026، كما يأتي بوصفه جزءاً من البرنامج التمهيدي لافتتاح «وادي الفن»؛ الوجهة الثقافية العالمية المرتقبة للأعمال الفنية الضخمة المتفاعلة مع المشهد الطبيعي.

ومن المقرَّر افتتاح «وادي الفن» في العلا عام 2028، وستُعرض أعمال فنية بشكل دائم لفنانين من مختلف أنحاء العالم ضمن المشهد الطبيعي الصحراوي في شمال غربي السعودية.

عمل الفنان هيكتور زامورا (فنون العلا)

وسيضمّ «وادي الفنّ» 5 أعمال فنّية ضخمة صُمِّمت خصوصاً للموقع، من إنجاز كلٍّ من منال الضويان من السعودية، وأغنيس دينيس من المجر، ومايكل هايزر من الولايات المتحدة، وأحمد ماطر من السعودية، وجيمس توريل من الولايات المتحدة الأميركية.

وتُمثّل هذه الأعمال الخمسة الانطلاقة الرسمية لمجموعة من المشروعات الفنّية الدائمة التي ستُطوَّر في «وادي الفن»، الممتدّ على مساحة نحو 65 كيلومتراً مربعاً، على أن تتواصل برامج التكليف والمعارض مستقبلاً مع إعلان مزيد من الفنانين والأنشطة ضمن هذا المشروع الثقافي العالمي.

وتستمر فعاليات «صحراء X العلا 2026» من 16 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 28 فبراير (شباط) المقبل، بإشراف قيّميّ مشترك لكلٍّ من وجدان رضا وزوي ويتلي، مع عودة نيفل وايكفيلد ورنيم فارسي مديرَيْن فنيَيْن لنسخة 2026.

ويشارك في هذه النسخة الفنانون: سارة عبدو، ومحمد الفرج، ومحمد السليم، وطارق عطوي، وبحريني دينش، وماريا ماغدالينا كامبوس بونس، وأغنيس دينيس، وإبراهيم الصلحي، وبسمة فليمبان، وفيبا غالهوترا، وهيكتور زامورا.