ماذا سيتبقى من شعر الجواهري؟

في ذكرى رحيله الثانية والعشرين

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري
TT

ماذا سيتبقى من شعر الجواهري؟

محمد مهدي الجواهري
محمد مهدي الجواهري

قبل اثنين وعشرين عاماً، رحل أحد أهم قاماتنا الشعرية العربية، الذي عاش قرناً كاملاً، طولاً بعرض، ذلك هو الشاعر الكبير «محمد مهدي الجواهري» الذي شكَّل ذاكرة بلدٍ بأكمله، فلم يقترن اسم بلدٍ مثلما اقترن العراق بالجواهري، حيث يروي لنا الشاعر «محمد حسين آل ياسين» أنَّه كان صاعداً في قطار متجهٍ نحو ريف المغرب في الجنوب، ويقابله معلمٌ مغربي يسكن ذلك الريف، وحين سمع حديث آل ياسين غريباً بلكنته العراقية، بادره ذلك المعلم وقد عرف أنه عراقي: ولكن هل أنت من بلد الجواهري؟ أي خلودٍ أعظم من هذا، حيث يقترن بلدٌ باسم شاعر، ولا أظن أنَّ شاعراً حصل على هذا المجد العظيم، ما عدا «شكسبير». ولكن الحديث الآن عن «الجواهري» يجب أنْ يتحوَّل من التمجيد الذي كتب كثير منه في حياة الجواهري وبعدها، إلى حديثٍ آخر يتجه نحو الفحص والتحليل.
فلا أظن أنَّ كلمة مديحٍ سترفع شأن الجواهري المرتفع أصلاً، إنَّما القراءة الجادَّة بعد هذا الغياب هي التي ستمنح الجواهري عمراً أطول، فما الذي يريده الشاعر بعد وفاته غير أنْ تبقى بعضُ نصوصهِ تدور على ألسنة الناس، وأنْ يكون دائماً حديث أهل الأدب والمعرفة، فما الذي سيتبقى من شعر الجواهري؟ هل المناهج الدراسية، وكتب القراءة والمطالعة، سبب في خلود بعض الشعراء؟ لقد خلد من لم يستحق الخلود، بسبب توجهات الدولة وفلسفتها؛ أقول: هل مناهج الإعدادية والمتوسطة هي النافذة الوحيدة التي تجعل من الشاعر حياً دائماً؟ وما الفائدة في أنْ يكون الجواهري دائراً على ألسنة الطلاب، وأنْ يكون عبئاً على طلبة السادس في حفظ قصيدته «يا دجلة الخير»، وحفظ حياته وتعليمه، وبهذا يتحوَّل إلى كابوس لهؤلاء الطلبة، يكرهون - بسببه - دجلة والشعر كله، وربَّما ينسونه بعد انتهاء الامتحان.
فكيف يمكن للجواهري أنْ يبقى مشعاً؟ وهل ذكرى وفاته يمكن أن تجعل منا نحن عشاقه أكثر عقلانية في النظر فيما تركه من قصائد كثيرة كثيرة؟ ولكن ألا يحق لنا أنْ نتساءل عن كمية الشعر الذي تسلل إلى هذه القصائد؟ ذلك أنَّ شخصية «الجواهري» الطاغية، سياسياً واجتماعياً وصحافياً وأدبياً، أسهمتْ بغلق العيون عن كثير من التساؤلات التي يحق لنا نحن عشاق هذا المارد الذي فتحنا أعيننا على قصائده وتمرده، وتمنينا أنْ نسكن المنافي، كما كان، وأنْ نمدح ونشتم في اللحظة نفسها، ذلك أنَّ قدرة «الجواهري» وحيواته الخاصة حوَّلت شخصيته إلى مغناطيس لجذب معظم العاملين في الأدب، والشعر خصوصاً، وأنْ يتشبهوا بهذا المارد الكبير، ويتمنَّوا أنْ يكون في حياتهم جزءٌ يشابه الجواهري، ولكننا لا نفهم أنَّ الزمن يتغير، وأنّ لكل زمن دولة ورجال، ما عدا الجواهري الذي بقي الرجل الأوحد لكل الأزمنة التي عاشها، ذلك أن الملكية حافظت عليه كثيراً، وهو الذي هجاها وأوغل في هجائه لها.
وبعد أن تحوَّل نظام الحكم من ملكي إلى جمهوري في 58، أيضاً تبنَّاه العسكر، ولم يفرط به، والجواهري نفسه كتب للعسكر، وللجمهورية بشكل عام، ولعبد الكريم قاسم الذي لم يدم الوداد بينهما طويلاً، حتى انقطع حبله، بعد اعتراضات كثيرة وجهها الجواهري لرجال الحكم، حتى أنه يذكر في مذكراته ويصف العلاقة بينه وبين عبد الكريم قاسم بالمسرحية، حيث يقول: «أما وقد قاربت مسرحية هذه الازدواجية المتبادلة بين زعيم أوحد وبين مزعوم أوحد أيضاً نهايتها... فموقفي في يوم عيد العمال وقصيدتي بكم نبتدي وإليكم نعود، ومفهوم أنها تريد أن تقول: نعم للعمال وللشغيلة، ولا لعبد الكريم قاسم». وأوشك أن يُسجن في أيام النظام الجمهوري، لكنَّه اختار العيش في المنفى في «براغ» ما يقارب 9 سنوات، هي من أخصب فترات الجواهري وأغزرها شعرياً.
وأزعم أنَّ مرحلة «براغ» هي من أخصب المراحل التي مر بها «الجواهري»، ذلك أنَّه تخلَّص من كثير من الزوائد الشعرية، وأنَّ البلاغة لديه اتخذت مساراتٍ مختلفة أكثر التصاقاً ببلاغة الحياة الجديدة عليه، تلك الفترة التي كان يقول عنها في مذكراته إنها «كانت الفترة التي عشتها في براغ فترة عز ودلال». وبهذا انتقل الجواهري من بطون الكتب التي شكلت معظم مرجعياته الثقافية إلى الحياة بكامل بهجتها وأناقتها. ففي براغ، تحوَّل إلى شاعرٍ آخر مختلف، وكأنَّه غيره، فبدأ يكتب عن بائعة السمك في «الجيك»، ويكتب عن الثلج على رؤوس الجبال، ويكتب عن مقاهي براغ الساحرة، وعن طبيعتها الخلابة:
براها سلامٌ كلما خفق
الصباح على الهضابِ
ما نفضَّتْ ريحُ الصبا
قارورة العطرِ المذابِ
ما طارحته حمامة بهديلها
شجو التصابي
براها سلامٌ ما اكتسى
ألقُ السنا مزقَ الضبابِ
أو قصيدته عن بائعة السمك في براغ، حيث يقول:
دلفنا لحانوت سماكة
نزوَّدُ بالسمك الكابري
فلاحت لنا حلوة المشترى
تلفت كالرشا النافرِ
تشد الحزام على بانة
وتفتر عن قمر زاهرِ
من الجيك حسبك من فتنة
تضيق بها رقية الساحر
فقلنا: علينا جعلنا فداك
بما اخترتِ من صيدك النادرِ
وفي هذه القصيدة، يصور لنا الجواهري حديثاً للسمكة معهم، وكيف يسمحون لأنفسهم بأكلها، وهي تحاورهم، أي «السمكة»:
فجاءت بممكورة بضة
لعوب كذي خبرة ماكرِ
تنفضُّ بالذيل عطر الصبا
وتخدع بالنظر الخادرِ
تكاد تقول أمثلي يموت
لعنت ابن آدم من جائرِ
أما في الصبا لي من شافع؟
أما لابنة الشيك من زاجرِ
وأهوتْ عليها بساطورها
فيا لك من جؤذرٍ جازرِ
وثنَّتْ فشبَّتْ عروسُ البحار
وخرَّتْ على الجانب الآخرِ
وللجواهري نصوص غاية في المتعة، حين يتحدث على لسان بعض الحيوانات، وهي تجربة قليلة لديه، ولكنَّها رائقة ممتعة، حيث يقول في قصيدة «الراعي»:
لفَّ العباءة واستقلا
بقطيعه عجلا وسهلا
وانصاع يسحب خلفه
ركباً يعرَّسُ حيث حلا
يومي فتفهم ما يريد
ويرتمي فتهبُّ عجلى
وتكاد تُعرب بالثغاء
هلا وحيَّهلا وهلَّا
وبهذا، استطاع الجواهري، أو تمكنتْ الحياة الجديدة أو المختلفة عليه من تغيير مزاجه، وأسهمتْ بتحوله فكرياً ولغوياً، حيث بدأت زاوية النظر تأخذ مساراً جديداً في لغته، وبدأت موضوعاتٌ أخرى كان يأنف من الخوض بها، إلا أنه الآن ركب في مركب بلاغة مختلفة عن تجربته السابقة، أكثر مطواعية من البلاغة التي ورثها، والتي أدمنها في الكتب التاريخية، وفي أشعار الأقدمين.
الآن، وبعد مرور 22 عاماً على رحيله، ما الذي يمكن أنْ نتحدث به عن الجواهري الشاعر؟ ذلك أنَّ كل شيءٍ انتهت صلاحيته أو ستنتهي، السياسة والصحافة، والمجتمع وصراعاته، والدين وتخلَّيه عن العمامة، وبقي الذي بين أيدينا الجواهري الشاعر، ولكن هذا الشاعر هل كلُّه شعر؟
وهل نصوصه التي دارت على ألسنة الناس، ووثَّقت أقدامه على الأرض، هل كلها ممتلئة بالشعر، أم أنَّ ما يحفظه هؤلاء الناس بعيد عن جوهر الشعر؟ فلو أخرجنا الهمَّ السياسي والاجتماعي والديني من القصائد كلِّها ما الذي سيتبَّقى من الجواهري؟ وهنا، أذكر مقولة لـ«عبد الرزاق عبد الواحد» ذكرها لنا مرة، فقال: لو متُّ سيذهب ثلثا شعري أدراج الرياح، وسيبقى القليل القليل، وذكر مسرحية «الحر الرياحي، وقصيدة الزائر الأخير، ومجموعة الصوت، وبعض النصوص القليلة».
ولو رجعنا إلى نصوص عبد الرزاق التي يعتقد بخلودهن بعد رحيله، ماذا نجد؟ سنرى أنَّ معظم هذه النصوص خالية من الوظيفية والغرضية الواضحة، وأن الغرض من كتابة هذه النصوص هو الشعر، إذ لا غرض إلَّاه. وعند هذه الزاوية المهمة، أظنُّ أنَّ نسبة كبيرة من نصوص «الجواهري» سيأكلها الزمن، خصوصاً النصوص التي تُدار على الألسن بوصفها شواهد وأمثلة يُستشهدُ بها لدعم حالة سياسية، أو لتوصيفها، أو لعلاج حالة اجتماعية.
وفي الحقيقة، فإنَّ معظم ما كتبه الجواهري من شعر يدور في فلك السياسة هو قصائد خالية من الشعرية، ومنقادة للحس السياسي والاجتماعي، وفيها من الوعظ الكثير، علماً بأنَّ الشاعر ليس واعظاً، أو حكيماً يضرب الأمثلة ويدل الناس؛ هذه ليست مهنته، وما سيبقى هو الهم الذاتي الحقيقي الذي عبر به الجواهري عن الجواهري نفسه، دون أنْ يتقمص روح الأمة، أو الجماهير، فمتى ما تقمص هذه الروح سيتحوَّل إلى ناطقٍ إعلامي.
أما حديثه الذاتي، فهو الأهم والأجمل والأبقى شعرياً، لذلك ستبقى «يا نديمي» و«أيها الأرق» و«الراعي» و«رسالة مملحة» و«يا أم عوف»، ومعظم ما كتبه في براغ. أما الشعر السياسي والصراعات الاجتماعية، فستتحول إلى وثائق تاريخية تدعم الباحثين ربَّما في بحوثهم، ولكن من الصعب أنْ تصمد شعرياً، رغم عظمة «الجواهري»، لذلك أظنُّ أنَّه من الوفاء لهذه التجربة العظيمة أنْ نراجعها ونسائلها، لا أنْ نمتدحها فقط، فالتجارب الكبرى هي محطة للأسئلة والمراجعات الدائمة، وما الجواهري إلا فنارنا الأكثر إضاءة، واسمنا الذي نفخر به أمام العالم، ذلك أنني دائماً أرددُ بيته الشهير الذي يفخر فيه حتى على الملائكة بقوله:
إذا تحدَّاك في عليائها مَلَكٌ
يزهو عليك فقلْ إنَّي من البشرِ

- شاعر وأكاديمي عراقي



عمرو يوسف: استمتعتُ بتعقيدات «الفرنساوي» النفسية

مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)
مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)
TT

عمرو يوسف: استمتعتُ بتعقيدات «الفرنساوي» النفسية

مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)
مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (منصة يانغو بلاي)

أكد الفنان المصري عمرو يوسف أنّ شخصية المحامي «خالد مشير» في مسلسل «قانون الفرنساوي» هي التي سعت إليه، وأنّ مُخرج العمل ومؤلفه قال له: «لا أرى ممثلاً غيرك في هذا الدور». وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «الشخصية جاذبة وثرية، ولها أبعاد نفسية مركَّبة».

وقال إنّ «المسلسل حقق نجاحاً كبيراً رغم عرضه عبر منصة مشفَّرة»، مؤكداً أن الدراما الناجحة تبدأ من السيناريو، وأنّ استعداده وفَهْمه للعمل قبل التصوير و«بروفات الترابيزة» التي جمعته بأبطاله، وراء هذه الإجادة، لافتاً إلى أنه يستعد لتصوير الجزء الثاني من فيلم «شقو»، وأنّ السينما تظلُّ السؤال الصعب بالنسبة إليه.

وقدَّم عمرو يوسف في مسلسل «قانون الفرنساوي»، الذي عُرض أخيراً، شخصية «خالد مشير»، المحامي البارع الذي يتمتّع بذكاء حاد، والشهير في الأوساط القضائية بلقب «الفرنساوي»، والذي يجد نفسه متهماً بقتل حبيبته السابقة، ويخوض صراعاً يحبس الأنفاس لكشف براءته.

عمرو يوسف يؤكد أنّ السينما تظلّ السؤال الأصعب (حسابه على فيسبوك)

وحقَّق المسلسل، المكوَّن من 10 حلقات، ردود فعل واسعة منذ بداية عرضه عبر منصتَي «يانغو بلاي» و«إس تي سي» السعودية، وحتى انتهاء حلقاته.

ويؤكد يوسف أنّ الدراما الناجحة تبدأ من السيناريو، وهو الذي يستفز الممثل ليقدّم أداء جيداً، ولو لم يترك هذا التأثير عليه فلن تستطيع أن تحصل منه على أفضل شيء. وأضاف: «يحدث أحياناً أن نرى ممثلين بأدوار قوية جداً وأداء قوي، ثم يظهرون بمستوى أقل في عمل آخر. هذا ليس عيب الممثل، لكن الكتابة لم تستفزّه، كما أن المخرج لم يوجّهه بشكل كافٍ ليستخرج أفضل ما عنده».

ويلفت الفنان إلى دور المخرج «الذي قد يجعل من النجم وجهاً جديداً، ومن الوجه الجديد نجماً»، وفق تعبيره، مضيفاً: «خصوصاً في السينما التي تعتمد على المخرج بشكل أساسي، في حين تعتمد الدراما التلفزيونية على الكتابة بالدرجة الأولى. طبعاً التمثيل مهم والإخراج أيضاً، لكن الكتابة هي نقطة الانطلاق الأساسية. آدم عبد الغفار مخرج واعد جداً، رغم أنه المسلسل الأول الذي يُخرجه بعدما قدَّم فيلماً قصيراً».

وكي يصل إلى هذا الأداء، عمل عمرو طويلاً على الشخصية، مثلما يقول: «أستفيد جداً من (بروفات الترابيزة)، حيث نجلس جميعاً ونستمع إلى بعضنا، ونصل إلى مرحلة ندخل فيها التصوير ونحن نحفظ السيناريو وندرك جميع جوانب الشخصيات. وحين أبدأ في التعلُّق بالشخصية، أناقش المخرج، لأنه قد تكون لديّ وجهة نظر تختلف عن المؤلف نفسه، وآدم عبد الغفار أعطانا سيناريو مُحكَماً ومكتوباً بطريقة رائعة».

وتظلّ للفنان إضافاته، مثلما يقول: «كلّ ممثل يضفي على الشخصية من روحه، كما أن مشاعر (الفرنساوي) كانت مختلطة ومعقَّدة، وتعرَّض لأزمات منذ طفولته غيَّرت مجرى حياته، وواجه صدمات عاطفية، فهي تركيبة مليئة بالأبعاد النفسية، وهذه من الأشياء الممتعة لي أن أجد شخصية بهذا الثراء الدرامي».

وعن فريق العمل، يُتابع: «بيننا انسجام كبير. فالفنانون الكبار جمال سليمان وسوسن بدر وأحمد فؤاد سليم وبيومي فؤاد، والشباب جنا الأشقر وإنجي كيوان وأحمد بهاء، كلهم أحبّوا المشروع، وظهرت هذه الكيمياء على الشاشة».

أبطال مسلسل «قانون الفرنساوي» (الملصق الدعائي)

ويُبدي يوسف سعادته بالتأثير الذي تركه المسلسل، قائلاً إنه «حاز إجماعاً، لأنه يخاطب الجميع. وسمعت كلاماً أسعدني، كما أشاد به النقّاد، مما يؤكد أنه لا تعارض بينهما، ولا خلاف على العمل الجيد».

ويضيف: «هذا النجاح كنا نراه على قنوات مفتوحة، ما يُعدُّ نجاحاً استثنائياً كونه عُرض عبر منصة مشفَّرة (يانغو بلاي)». ويرى أن القائمين عليها اهتموا كثيراً بالمشروع عبر حملة دعائية ناجحة، رغم عرضه في توقيت يشهد فترة ركود بعد زخم الموسم الرمضاني.

ويشير إلى أنه كان مهموماً بالحفاظ على الشخصية والتحكُّم بأفعالها وطريقة أدائها، مؤكداً أنه ليس ثمة مشهد سهل في المسلسل. ويلفت إلى مشهد مواجهته مع شخصية المحامي التي قدَّمها أحمد فؤاد سليم، وكذلك مشهد المواجهة بينه وبين شخصية جمال سليمان، إذ كان معنيّاً طوال الوقت بهذا المشهد لأنه موقف محوري ضمن السياق.

ويؤكد عمرو يوسف أنه يحاول ألا يحمل الشخصية التي يؤدّيها إلى بيته، وأنّ طلباته خلال انشغاله بالتصوير بسيطة ومعروفة، مشيراً إلى أنه يحب أن تقرأ زوجته كندة علوش أي عمل يقدّمه ويهمّه الاستماع إلى رأيها، لكنها لم تقرأ سيناريو مسلسل «قانون الفرنساوي»، واستمتعت بمشاهدته مثل الجمهور.

ويقرأ عمرو يوسف حالياً أكثر من سيناريو، كما يستعد لتصوير الجزء الثاني من فيلم «شقو»، مؤكداً أن العثور على سيناريو جيّد أمر صعب، وأنه ركز على السينما خلال العامين الماضيين، وقدَّم 4 أفلام «حقَّقت نجاحاً وإيرادات مهمة»، وفق قوله. وهي أفلام «شقو»، و«ولاد رزق 3» في 2024، وفي 2025 «السلم والتعبان» و«درويش»، لافتاً إلى أنّ السينما تظلُّ دائماً السؤال الصعب لأن نجاحها مرهون بشبّاك التذاكر.


ساندي بيلا: «سفن دوجز» رفع سقف طموحي فنياً

الفنانة اللبنانية ساندي بيلا (إنستغرام)
الفنانة اللبنانية ساندي بيلا (إنستغرام)
TT

ساندي بيلا: «سفن دوجز» رفع سقف طموحي فنياً

الفنانة اللبنانية ساندي بيلا (إنستغرام)
الفنانة اللبنانية ساندي بيلا (إنستغرام)

قالت الفنانة اللبنانية ساندي بيلا إن مشاركتها في فيلم «سفن دوجز» بدأت بشكل مفاجئ تماماً، بعدما تلقت اتصالاً من مديرة أعمالها تخبرها فيه بوجود مشروع سينمائي ضخم يجري التحضير له، مؤكدة أنها منذ اللحظة الأولى شعرت بأن العمل مختلف عن أي تجربة مرت بها من قبل.

وأضافت الفنانة لـ«الشرق الأوسط» أنها انجذبت مباشرة لشخصية «جيسيكا»، لأن الدور يحمل تفاصيل كثيرة ومساحة تمثيلية مغرية، وهو ما جعلها تتحمس بشدة لخوض التجربة دون تردد، مع معرفتها بحجم الإنتاج والأسماء المشاركة في الفيلم.

أوضحت ساندي بيلا أن أكثر ما جذبها في المشروع لم يكن فقط ضخامته الإنتاجية أو وجود نجوم عالميين، وإنما إحساسها بأن الشخصية حقيقية وقريبة منها نفسياً، مؤكدة أن «هذا النوع من الأدوار هو الذي يحمسني كممثلة، لكونه يمنحني فرصة لاكتشاف مناطق جديدة داخل نفسي».

واعتبرت أن اجتماع كل هذه العناصر، من التصوير في السعودية، والإنتاج الضخم، والعمل مع فريق عالمي، جعل التجربة تبدو استثنائية منذ بدايتها، لذلك اتخذت قرارها سريعاً وسافرت مباشرة لبدء التحضيرات والتدريبات المكثفة.

وعن التحضير للعمل قالت إنه «استمر لفترة طويلة وتطلب التزاماً كاملاً، لأن الأمر لم يكن مجرد حفظ حوار أو تنفيذ مشاهد حركة عادية، بل بناء شخصية تعيش داخل عالم مليء بالمطاردات والأكشن والإيقاع السريع»، مشيرة إلى أنها خضعت لتدريبات يومية قاسية استمرت لأكثر من شهرين، وكانت تتدرب ساعات طويلة بشكل متواصل، حتى في أيام الإجازات، بسبب رغبتها في الوصول لأعلى درجة من الجاهزية البدنية والنفسية قبل بدء التصوير.

وأكدت ساندي أن «التجربة كانت مرهقة للغاية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من التصوير جرى خلال شهر رمضان وفي أجواء شديدة الحرارة، بينما كانت مشاهد الأكشن تتطلب حركة مستمرة ومجهوداً بدنياً ضخماً يمتد أحياناً حتى ساعات الفجر الأولى»، لافتة إلى أنها كانت تعاني أحياناً من شدة الإرهاق، لكنها كانت تحاول دائماً ألا ينعكس ذلك على أدائها أمام الكاميرا، لكون طبيعة الشخصية كانت تحتاج إلى حضور قوي وطاقة مستمرة طوال الوقت.

ساندي بيلا شاركت في «سفن دوجز» (إنستغرام)

وعدّت أصعب مشاهد الفيلم بالنسبة لها «أحد مشاهد المطاردة فوق سطح مبنى مرتفع»، موضحة أن المشهد احتاج إلى ساعات طويلة من التصوير بسبب تعقيد الحركة والركض المستمر تحت الشمس، إضافة إلى الصيام والإجهاد البدني الكبير، وأشارت إلى أنها أثناء قراءة السيناريو لم تتوقع أن يتحول المشهد إلى هذا المستوى من الصعوبة، لكن طبيعة العمل نفسها كانت تعتمد على تطوير مشاهد الأكشن بشكل يومي داخل موقع التصوير، وهو ما رفع سقف التحدي بصورة أكبر كثيراً مما تخيلته.

وعن تجربتها مع المخرجين عادل العربي وبلال فلاح، قالت الفنانة اللبنانية إن أكثر ما ميّزهما هو منحهما الممثل مساحة كبيرة للنقاش والتفكير داخل الشخصية، مؤكدة أنهما كانا يستمعان لكل التفاصيل والملاحظات باهتمام شديد، ويحاولان دائماً خلق أجواء مريحة داخل موقع التصوير تساعد الممثل لتقديم أفضل ما لديه.

كما تحدثت ساندي عن كواليس العمل مع النجمة الإيطالية مونيكا بيلوتشي، مؤكدة أنها تعلمت منها الكثير على المستوى المهني والإنساني، وأكثر ما لفت انتباهها هو التزامها الشديد وتواضعها الكبير رغم مكانتها العالمية.

وأضافت أن «بيلوتشي كانت دقيقة للغاية في مواعيدها، هادئة داخل الكواليس، وتتعامل مع الجميع ببساطة واحترام شديدين، ووجود فنانة مثلها داخل موقع التصوير كان درساً حقيقياً في الاحتراف، لأن نجاحها الكبير لم يمنعها أبداً من التعامل بروح متواضعة ومريحة مع كل فريق العمل».

وتطرقت إلى التعاون مع أحمد عز وكريم عبد العزيز مع وجود العديد من المشاهد التي تجمعها معهما، مؤكدة أن «روح التعاون داخل الكواليس كانت من أكثر الأشياء التي ساعدت على تجاوز صعوبة التجربة، لأن الجميع كان يعمل بروح واحدة بهدف تقديم فيلم يخرج بأفضل صورة ممكنة ويترك أثراً لدى الجمهور»، وفق تعبيرها.

وأكدت أنها تشعر بأن التجربة قد تمثل نقطة تحول مهمة في مسيرتها الفنية، لكونها منحتها فرصة للعمل وسط أسماء كبيرة وتجربة إنتاجية عالمية، لافتة إلى أنها لن تتردد في الموافقة على استكمال الدور في جزء جديد من العمل مع حرصها على متابعة ردود الفعل من الجمهور.


«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)
عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)
TT

«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)
عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)

لم تكن «اللحمة» مجرد طعام على موائد المصريين، بل كانت دائماً تحمل معنى أكبر، فهي دليل وليمة محترمة، وعلامة على «الستر» و«الهيبة»، وقد تكون سبباً في أزمة عائلية، أو أمنية بسيطة لشخص فقير يتمنى أن يظفر ولو بقطعة منها.

من مطابخ الحارة الشعبية، إلى موائد الباشوات، وثّقت السينما المصرية منذ زمن «الأبيض والأسود» علاقة الشعب المصري باللحوم، تارة باعتبارها رمزاً للرخاء، ومرات عديدة كحُلم بعيد المنال، وصولاً إلى زمن تصاعدت فيه أسعارها بشكل كبير، وباتت مثار جدل يومي بين الأسر المتوسطة والفقيرة.

ظلت اللحوم تمثل أزمة مجتمعية وسياسية منذ سبعينات القرن الماضي في مصر، ففي الثمانينات طالب الرئيس السادات بمقاطعة شراء اللحوم لمدة شهر لمواجهة جشع التجار والارتفاع المتواصل في أسعارها، كما توسعت الدولة على مدى سنوات في طرح منافذ وشوادر لتوفير اللحوم بأسعار أقل.

ورغم تحذيرات خبراء التغذية من أضرارها الصحية، فإن غرام المصريين بها لم يتأثر، وظلت «سيدة المائدة» لمن استطاع، وأمنية غالية لمن لا يملك ثمنها.

محل الجزارة في فيلم «على باب الوزير» (يوتيوب)

ومع حلول عيد الأضحى المبارك الذي يرتبط أساساً باللحمة، يعود السؤال القديم الذي طرحته السينما لعقود بصيغ مختلفة: «هل اللحمة مجرد طعام... أم حكاية اجتماعية كاملة عن الطبقية والكرامة والفرحة؟»، فقد تحولت على يد صناع الأفلام من تفصيلة عابرة في مشهد مطبخ، أو فوق «طبلية ناس غلابة»، يتولى رب الأسرة توزيعها بين أولاده، إلى مرآة حقيقية تكشف تغير المجتمع المصري، وأحلامه الصغيرة عبر الزمن.

في فيلم «الحفيد» الصادر عام 1974، تُصر الأم التي تؤدي دورها الفنانة كريمة مختار على شراء زوجها لـ«البفتيك» إحدى قطعيات اللحوم المميزة، لتكون السفرة عامرة أمام أسرة زوج ابنتهم؛ ما يعكس مكانة اللحم رمزاً للوجاهة الاجتماعية، ويقول لها مدبولي بغيظ «و «البوفتيك.. لازم البوفتيك عشان محدش يقول حاجة».

وفي فيلم «على باب الوزير» 1982، يقع عادل إمام في حب يسرا ابنة الجزار «حلاوة العنتبلي» الذي يؤدي دوره صلاح نظمي، ويذهب لطلب يدها من والدها فيسأله: «أنت عارف أنا مين، أنا حلاوة ملك اللحمة، عارف يعني إيه لحمة؟» فيرد عليه: «أعرفها (طشاش) بمعنى معرفة نادرة، ومع معرفته بغش العنتبلي للحوم يستدعي أصدقاءه ليَدعوا أنهم من لجان تفتيش الصحة، ويقوموا بالاستيلاء على أموال محل الجزارة، ويحملوا اللحوم إلى سيارتهم، ويقول عادل إمام: «هنعمل عليها شوربة عشان نتأكد إنها سليمة».

ويتصدر الفنان عادل إمام بمشاهد عديدة تتعلق بـ«اللحمة» في أفلامه، ففي فيلم «عصابة حمادة وتوتو» الذي قام ببطولته في ذات العام مع لبلبة، يثير بشكل ساخر مستوى الدخل والقدرة الشرائية للمواطن في ظل الغلاء ووصول سعر كيلو اللحم إلى 5 جنيهات في مشهد يصبح أكثر سخرية لو تمت مقارنته بالسعر الحالي «الذي تضاعف 100 مرة» بعدما وصل سعر الكيلو الآن نحو 500 جنيه (الدولار يعادل نحو 53.09 جنيه مصري) أي أن سعر الكيلو 10 دولارات، وفي فيلم «بخيت وعديلة» بعدما أصبح صاحب ثروة يطلب كميات كبيرة من الطعام بالفندق، وينقض عليها وهو يردد بسعادة: «أنا من البلد دي».

ولا يمكن أن ننسى دور النجم الكوميدي الكبير في فيلم «الإرهاب والكباب» الذي كتبه وحيد حامد وأخرجه شريف عرفة، وقد ربط بين معاناة البطل في رحلته لنقل طفله إلى مدرسة قريبة من سكنه، ليتحول بين لحظة وأخرى إلى إرهابي يهدد العاملين والمترددين على «مُجمع التحرير»، وحينما يتصدى وزير الداخلية الذي أداه كمال الشناوي للتفاهم معهم لإطلاق سراح المحتجزين ويسألهم عن طلباتهم، يطلبوا جميعاً تناول «الكباب» وهم يتغنون به «الكباب الكباب يانخلي عيشتكو هباب»، هذا الكباب المعروف بأسعاره الباهظة للمواطن العادي، والمُعد من لحوم يتم شيها، تُقدم مع الكفتة المعدة أيضاً من اللحوم.

فيلم «بوحة» ارتكز على العمل في المذبح (السينما دوت كوم)

ويلفت الناقد أحمد سعد الدين إلى أفلام أخرى للزعيم حضرت فيها مشاهد أيقونية للحم مثل «سلام يا صاحبي» و«حتى لا يطير الدخان» مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «عادل إمام كبطل شعبي تخاطب أفلامه الطبقة الشعبية، وتنقل نبضها تعامل مع (اللحمة) كرمز مهم، لأن الفقير لا يستطيع شراءها، وقد عبر عنها بشكل واقعي»، مؤكداً أن معظم هذه الأفلام من إخرج محمد عبد العزيز، وهو مخرج كوميدي بالأساس، لكنها لم تخل من نقد للمجتمع أو تقديم هذه المشاهد بشكل أقرب للكوميديا السوداء.

ومن الكوميديا إلي الواقعية كانت اللحمة حاضرة في فيلم «حين ميسرة» للمؤلف ناصر عبد الرحمن والمخرج خالد يوسف الذي تعرض لطبقة المهمشين اجتماعياً واقتصادياً، وفي يوم عيد الأضحى حيث ينالهم بعض لحوم الأضاحي، نجد الأسرة مجتمعة لتشارك في عمل «فتة العيد»، ورغم البؤس الذي يبدون عليه جميعاً فإن انغماسهم في تحضير اللحم يرسم بسمة وسعادة نادرة على وجوههم.

بينما أطلت اللحمة مجدداً مع الكوميديا من خلال الفنان أحمد حلمي في فيلم «عسل أسود» 2010، عبر شخصية الشاب الذي هاجر إلى الولايات المتحدة طفلاً، ويعود لمصر حاملاً جواز سفر أميركياً، وفي أحد المشاهد بينما يجلس على الرصيف بعدما تعرض لسرقة متعلقاته، يتفاجأ بمن تتجه نحوه وتعطيه كيساً من اللحم «تؤدي دورها الراقصة دينا»، فيبدو مندهشاً ويسألها ما هذا ؟ تخبره بأنها «تقوم بتوزيع اللحمة على الغلابة»، فيرد عليها أنا مصري «وهو اسمه في الفيلم» لترد عليه «تبقى غلبان وتستحق».

لم تغب اللحمة عن السينما المصرية؛ ما يعكس تقديرها والحنين إليها وإلى «عوالمها» و«قطعياتها» و«حلوياتها»، فقد ترددت في أفلام عديدة على غرار «بوحة» لمحمد سعد حيث مشاهد كوميدية لطقوس الذبح، خصوصاً الـ«إيفيه» الشهير: «تصدق سلخت قبل ما أدبح». كما ظهر محل الجزارة في فيلم «معبودة الجماهير» حيث تحول العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ لصبي جزار عند المعلم «محمد رضا»، وفي «السفيرة عزيزة» 1961 لسعاد حسني وشكري سرحان، و«المدبح» 1985 لنادية الجندي، و«السلخانة» 1982 لمديحة كامل وعادل أدهم، وحتى فيلم «جوازة في جنازة» 2025 حيث يعمل شريف سلامة وأسرته في تجارة اللحوم، ويمثلون طبقة الأثرياء الجدد.

وقال المؤلف ناصر عبد الرحمن الذي طرح مشاهد اللحمة في أفلام «حين ميسرة»، و«دكان شحاتة» و«أبو هيبة» إن «اللحمة أغلى سلعة غذائية لها علاقة بالجوع»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هناك نوع من التضامن يتحقق في عيد الأضحى حيث يتناولها الغني والفقير، لذا يُطلق عليه الفقراء (عيد اللحمة) وهو ما يتحقق أيضاً في شهر رمضان مثلما عبرت عنه في (دكان شحاتة)»، لافتاً إلى أنه يقدم رؤيته بشكل واقعي كون «اللحمة» جزءاً من الخطاب اليومي للمجتمع المصري.

ربما تغيرت الأسعار، وتبدلت الموائد، واختفت «صينية اللحمة» من بيوت عديدة، غير أن السينما المصرية احتفظت دائماً بصورة قديمة لعائلة مجتمعة حول «سفرة العيد» وقطعة لحم كانت وستظل تعكس «الهيبة» و«التمني»، وتحقق قدراً من الفرح والسعادة.