أوروبا والهجرة... انزلاق لجهة اليمين المتطرف

الرهان على اختراق مفاصل الدولة قاسم مشترك يجمع بين الجماعات المتشددة

مواطنون ألمان في وقفة احتجاجية ضد اتساع ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا الشهر الماضي (أ.ف.ب)
مواطنون ألمان في وقفة احتجاجية ضد اتساع ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

أوروبا والهجرة... انزلاق لجهة اليمين المتطرف

مواطنون ألمان في وقفة احتجاجية ضد اتساع ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا الشهر الماضي (أ.ف.ب)
مواطنون ألمان في وقفة احتجاجية ضد اتساع ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا الشهر الماضي (أ.ف.ب)

في الأيام الأخيرة، حذر موقع «ميديا بارت» الفرنسي الشهير في تقرير له من مغبة خطر انزلاق اليمين المتشدد في أوروبا نحو العنف... ما الذي يستدعي الموقع المعروف بيقظته للحركات المغرقة في الأصولية والعلمانية الأوروبية المتطرفة الجافة إلى إصدار مثل هذا التحذير؟ وهل هناك ما هو جديد ومثير يمكن أن يزخم ويدعم مسيرة النازيين والفاشيين الأوروبيين مرة جديدة؟

أغلب الظن أن الموقع كان مستدلاً في استنتاجه هذا بتوقيف خلية للنازيين الجدد في إيطاليا وبحوزتها قذيفة صاروخية كانت مملوكة للجيش القطري، معتبراً أن توقيف هذه المجموعة جاء بعد سلسلة من الأحداث التي شهدتها أوروبا، والتي توضح جنوح بعض أعضاء أقصى اليمين إلى التطرف.
هل الحركات اليمينية الأوروبية باتت تمثل خطراً حقيقياً مصحوباً بالعنف في داخل القارة العجوز؟ وإذا كان ذلك كذلك، فمن يدعمها من جهة؟ وما هي محفزات الأحداث التي تجعل منها لاعباً قوياً في الفترة المقبلة؟
الناظر إلى الداخل الفرنسي بعين فاحصة في الفترة الأخيرة يدرك كيف أن الاستخبارات الفرنسية وإن كانت توجه دوماً جهودها لمتابعة الإرهاب الأصولي الإسلاموي، لا سيما بعد عمليات «القاعدة» و«داعش» هناك في السنوات الأخيرة، فإن مراقبة اليمين الأوروبي المتطرف (خصوصاً أن بعض الخلايا الفرنسية اليمينية مؤخراً كادت تتسبب في كوارث) قد باتت تشكل جزءاً مهماً من الاستراتيجية الوطنية في هذا المجال.
يعلم القاصي والداني أن إشكالية الهجرة والمهاجرين، القانونيين منهم وغير الشرعيين، قد شكلت - ولا تزال - واحدة من أهم وأخطر الذرائع التي يستغلها دعاة الشعبوية اليمينية المتطرفة في طريق مغازلة صفوف الجماهير الأوروبية، والترويج لأطر فكرية مزعجة، من نوعية «أسلمة أوروبا» و«الاستبدال الكبير»، تلك النظرية التي روج لها الباحث الناشط السياسي الفرنسي «رينو كامو».
ولعل قرارات الدول الأوروبية الأخيرة الخاصة بإيجاد آلية لتوزيع المهاجرين سوف تفعل فعل الزيت عندما يصب على النار فيزيد أوراها اشتعالاً... ماذا عن ذلك؟
الأسبوع الماضي، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن 14 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي وافقت على «آلية تضامن» جديدة اقترحتها ألمانيا وفرنسا لتوزيع المهاجرين على دول التكتل.
أما مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة والشؤون الداخلية والمواطنة، ديمتريس أفراموبولوس، فقد أكد من ناحيته أن وزراء الخارجية الأوروبيين قد عملوا على التوصل إلى استراتيجية من شأنها مساعدة المهاجرين في ليبيا، وتنظيم عمليات النقل الإنسانية، وكذلك العودة الطوعية.
يعن لنا هنا أن نتساءل: هل مثل هذا القرار كفيل بإشعال الأصوليات اليمينية الأوروبية، تلك التي تؤمن بالجذور الثقافية والإيمانية لأوروبا المسيحية، الرافضة لاستقبال أعداد من البشر يمكنها أن تكون عاملاً مهدداً لمستقبل القارة على أكثر من صعيد؟
الشاهد أن إيطاليا التي يتنامى فيها اليمين الأوروبي المتشدد إلى حد التطرف قد رفضت المشاركة في مثل هذا اللقاء، وتغيب وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني الذي كرر بعد اختتام أعمال الاجتماع أن «بلاده لا ينبغي أن تبقى معسكراً لبروكسل وباريس وبرلين يأوي إليه اللاجئون».
والتساؤل المطروح: هل هناك من يدعم يمين إيطاليا المتطرف بنوع خاص؟ بمعنى: هل هناك أموال بعينها تجد طريقها إلى الداخل الإيطالي بداية لدفع الإيطاليين في طريق عودة الفاشية القديمة، وإن من خلال أصوات وأثواب أكثر عصرانية؟
هناك قصة بدأت فصولها مؤخراً في وسائل إعلام أوروبية، تربط بين ما يجري من تنامٍ وتصاعد لتلك الحركات من جهة، وبين ما بات يصطلح على تسميته «الأوليغارشية الروسية» من جهة ثانية؛ تحتاج القصة إلى قراءة معمقة، غير أنها في اختصار غير مخل موصولة بادعاءات أوروبية لم يقطع أحد بالمرة بصحتها بالمطلق، تدور حول رغبة الكرملين، والثعلب الروسي فلاديمير بوتين، في إضعاف أوروبا إلى أبعد حد ومد، بهدف واحد، وهو التمهيد لفكرة القارة الأوراسية، تلك التي تكون فيها الكلمة والغلبة لموسكو، والقادرة على التحكم في شؤون الأوروبيين.
أجزاء القصة تذهب إلى أن أطرافا أوروبية بعينها تجد ذاتها الآن متهمة بتلقي أموال من الروس لتنفيذ مخططات بوتين، وفي القلب من تلك الأطراف في إيطاليا بنوع خاص زعيم حزب «الليغا»، ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ماتيو سالفيني، ومستشاره جيانلوكا سافويني.
ولعل المتابع لوسائل الإعلام الإيطالية يدرك أن هناك أدلة ملموسة في أيدي المحققين، وقد تسربت لوسائل الإعلام الإيطالية، منها تسجيل صوتي بين ثلاثة رجال أعمال روس، ونظراء لهم من إيطاليا، قد التقوا في فندق «متروبول» في موسكو، حيث كان من المقرر رسمياً التباحث في قضايا نفطية، إلا أن الاجتماع في حقيقته كان للتغطية على دعم غير قانوني لحزب الرابطة، وزعيمه سالفيني.
كثيراً جداً ما تندر الأوروبيون على نظرائهم الأميركيين بشأن أموال التبرعات، تلك التي جعلت الديمقراطية الأميركية، كما يقال، تباع على الأرصفة من جهة، ومن ناحية أخرى ساهمت الأموال عينها في تجذير حضور الجماعات اليمينية الأميركية، التي يبدو أنها انتقلت إلى أوروبا، عبر جسرين: واحد آيديولوجي، والآخر مالي عبر التبرعات ذاتها.
الناحية الفكرية الأميركية التي أثرت تأثيراً سيئاً للغاية على الأوروبيين تمثلت في الرجل الذي قاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت أبيض، وعبر مغازلة تيار اليمين الأميركي، والحديث دون شك عن المستشار ستيف بانون، هذا الذي هجر أميركا إلى أوروبا، وهناك بدأ في بلورة مشروعه العنصري الرافض لغير الأوروبيين في أراضي القارة العجوز، من خلال اجتماعاته مع قيادات اليمين المتطرف في أوروبا، من ماريان لوبان في فرنسا إلى فيكتور أوربان في المجر، سعياً منه إلى إطلاق ثورة شعبوية في القارة الأوروبية، تمر عبر تنظيم مختلف التشكيلات اليمينية المتطرفة في كل أوروبا.
كان حلم بانون أن تهيمن التنظيمات اليمينية المتشددة إلى حد التطرف على الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة، غير أن هذا الحلم في واقع الأمر لم يتحقق. ففي المحصلة، شهدت أصوات اليمين المتطرف ارتفاعاً وثباتاً، لكنها لم تكن في كل الأحوال بمثابة نصر مبين، غير أن هذا لا يعني إنكار نجاح اليمين المتطرف في استقطاب كثير من الأطراف المحايدة، لا سيما في ضوء الدعم المالي الأميركي هذه المرة... ماذا عن هذا؟
مؤخراً، طفت على سطح الأحداث معلومات تشير إلى أن اليمين الأميركي المتطرف قد أنفق ما لا يقل عن 50 مليون دولار من «الأموال السوداء» لتمويل حملات اليمين المتطرف الأوروبي على مدى العقد الماضي.
ولأن معظم تلك المؤسسات الأميركية هي أقرب ما تكون إلى الهيئات الخيرية، فإنه ليس هناك ما يجبرها على كشف مصادر إنفاق أموالها، وقد كانت تلك الأموال مساعداً لستيف بانون في السعي لاستئجار منشأة دينية تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، لتدريب أجيال جديدة من الأوروبيين اليمينيين المتطرفين، قبل أن تحبط خططه بسبب احتجاجات السكان المحليين على أنشطة من هذا النوع، تعمق الشقاق والفراق في الداخل الأوروبي، وبشكل غير مسبوق.
لم تكن إيطاليا وحدها الغارقة في أموال الفاشية الأوليغارشية الروسية من ناحية، وأموال الإمبريالية الفوقية الأميركية من ناحية ثانية، فهناك - على سبيل المثال لا الحصر - النمسا، حيث فضيحة نائب مستشار النمسا زعيم حزب الحرية المضطر للاستقالة هاينز كريستيان شتراخه، التي تكشفت في مايو (أيار) الماضي، بفعل فضيحة «إييبيزا» التي دارت حول عروض مالية لقاء تسهيل مصالح روسية في النمسا.
يمكن للمرء أن يتفهم تنامي وتصاعد حركات اليمين الديني والآيديولوجي في إيطاليا بسبب أوضاعها المالية المتعثرة، ويمكن للمشهد أن ينسحب على النمسا جراء أطماع براغماتية لمسؤولين حكوميين، لكن ماذا عن ألمانيا، تلك القاطرة الاقتصادية التي تقود أوروبا بأكملها؟ وهل تصاعد ونمو التيار اليميني فيها مرده الحاجة إلى حفنة دولارات؟
قصة ألمانيا تحتاج حتماً إلى صفحات طوال، لا سيما أن الخلايا اليمينية هناك حققت نتائج خطيرة وكبيرة، من خلال قدرتها على التغلغل في مفاصل الدولة الألمانية، وتحديداً في صفوف الأمن والجيش، مثلما تفعل جماعات الإسلام السياسي في الشرق، وفي الغرب إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
أحدث التقارير في هذا الإطار هو الذي نشرته وكالة «بلومبرغ» في 14 يوليو (تموز) الجاري، والذي تؤكد فيه أن بعض الأحزاب الأوروبية بدأت تتخلص ممن يثبت تبنيه للفكر اليميني المتطرف، إلا أن بقية التقرير تزعج الأوروبيين جراء معرفتهم بحقائق تثبت أن الجماعات اليمينية تمكنت من غرس عملاء لها داخل صفوف القوات المسلحة والشرطة في بلادهم.
هل أضحت أوروبا مخترقة بالفعل من الأصوليين ومن المتطرفين اليمينيين الأوروبيين؟
في يوليو (تموز) الماضي، كانت هيئة حماية الدستور الألمانية تعلن في تقرير لها أن النجاحات التي أحرزت في عملية تجريد عناصر يمينية متطرفة، مثل أنصار حركتي «مواطنو الرايخ» و«المواطنون المستقلون»، من السلاح لا تعني انقضاء التحذير من هذا الخطر.
والمثير أن تقريراً فرنسياً ألمانياً، صدر الأسابيع القليلة الماضية، تحدث عن القاسم المشترك الذي يجمع بين الجماعات المتطرفة، سواء كانت يمينية أو أوروبية أو إسلامية، والذي يكمن حتماً في رهاناتها المتواصلة على اختراق مفاصل الدولة، خصوصاً تلك التي تتعلق بالجيش والأمن والاستخبارات.
هل لا تزال الإسلاموفوبيا عنصراً محفزاً لكثير من الجماعات اليمينية الأوروبية المتطرفة؟
ذلك كذلك بالفعل. ففي دراسة أجراها باحثون لصالح مؤسسة «بيرتلزمان» الألمانية بمدينة غوترزلوه في ألمانيا، أشار نصف المستطلعة آراؤهم إلى أن الإسلام يبقى تهديداً جذرياً لأوروباً، مما يعني أن هناك إشكالية تعميم في الواقع الراهن الألماني خاصة، والأوروبي عموماً، ما تمثل في أسوأ صورة معاصرة في الدنمارك مؤخراً، رغم أنها من الدول الاسكندنافية المتمتعة بكثير من الرفاهية، والتي لا يتوجب أن يعرف التشدد طريقه إليها.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».