كتّاب مصريون: القراءة لا ترتبط بموسم معين أكان حاراً أم بارداً

محمود أبو عيشة  -  سمير مؤمن  -  هدى توفيق  -  طلال سيف
محمود أبو عيشة - سمير مؤمن - هدى توفيق - طلال سيف
TT

كتّاب مصريون: القراءة لا ترتبط بموسم معين أكان حاراً أم بارداً

محمود أبو عيشة  -  سمير مؤمن  -  هدى توفيق  -  طلال سيف
محمود أبو عيشة - سمير مؤمن - هدى توفيق - طلال سيف

- طلال سيف: السفر قراءة
بالطبع تفرض عليك أجواء الطقس فرضياتها، كما يفرض عليك واقعك المعيش فرضياته هو الآخر، فهناك جدل مستمر بصفتك كاتبا وقارئا بينك وبين تلك الفروضات الجبرية. لكن المسائل لا تسير على علتها في اتجاه أحادي. قد يكون الصيف هو موسمي المفضل للكتابة، فجل منتجي الأدبي والفكري تقريبا ابن شرعي لموسم الصيف. ولأنني من عشاق معسكرات القراءة، فقد يأخذني ذلك المعسكر موسما كاملا، لكن هذا ضد قاعدتي الأساسية. لا أفضل القراءة في الصيف. لكن الاضطرار يدفعني أحيانا لكسر القاعدة، فمثلا إذا ما مررت بأزمة نفسية، كانت «ياسين وبهية» لنجيب سرور، هي طبيبي الخاص بغض النظر عن طبيعة الطقس. الشتاء بطبعه كسول عندي. يكون مشحونا بالقراءات المستمرة، أتابع خلاله المستجدات الإقليمية والعالمية من الإصدارات الحديثة، وربما أعيد بعض القراءات القديمة. رغم ذلك أعود إلى فكرة الاضطرار التي دفعنني لإعادة قراءة يوسف إدريس ونجيب محفوظ ويحيى حقي وصموئيل بكيت وغيرهم في موسم الصيف.
أعتقد أن القراءة لها بصمة تشبه البصمة الوراثية عند كل إنسان. كل منا له عاداته وطقوسه الخاصة حيال القراءة، ولا يمكنني الجزم بأن هناك مقاربات، لذا شاركت في هذا السؤال الذي أعتبره مهما، لكونه قد يؤرشف كاستبيان للأجيال القادمة، مثلما يفعل الغرب بأدق تفاصيل الكتاب. السؤال يدفعني، إلى طرق باب مهم للمعرفة، وهو اللغة البصرية وباقي الميكانيزمات الحسية التي تقرأ معرفيا، كالأذن والسمع والشم واللمس. كل تلك الميكانيزمات تقرأ هي الأخرى بشكل مغاير للمتعارف عليه تقليديا تحت مفهوم القراءة. فالصيف عندي طليق لتلك الحواس، فأسير في الأرض رحالة، ضاربا في كل شبر من مصر، بحثا عن المعرفة، وكذلك السفر إلى دول مختلفة، فزيارة المتاحف الوطنية في تلك الدول قراءة. النقاش مع أهلها قراءة. الأكل في مطاعمهم قراءة. فالصيف موسم لسياحة القراءة «الميكانيزمية» وليس للقراءة التقليدية. ربما لا تتوفر الظروف لكثير من الزملاء لمثل تلك الرحلات، لكن ليس هناك ما يمنع من قراءة جداريات معابد مصر بدءا من الأهرامات وحتى أبي سمبل، مرورا بالدير البحري وهابو والرامسيوم وسوبك، وغيرها. رغم أن تلك الرحلات يعدها الكثير من رحلات الشتاء، لكنني أفضلها صيفا أو شتاء، عشقا في المصري القديم وتزودا بالمعرفة غير المسبوقة في تاريخ البشرية. الآن يمكنني الجزم يأن طبيعتي في القراءة التقليدية شتوية خالصة، أما الصيف فهو للكتابة أو القراءة الميكانيزمية. فهي عادات مرتبطة بالشخصية، ربما تتغير مع مرور الزمن وربما تعيش للنهاية مع المبدع كحالتي الشخصية التي تنتظر الصيف دائما كي تبدأ في عمل جديد.
- مؤمن سمير: أساطير ثقافية
لأسبابٍ تخص فتراتٍ بعينها وتوجهاتٍ كانت تتبنى ترويج أفكار وأشكال وصورٍ وأكليشيهات لأغراض صحافية وإعلامية كانت للأسف تهتم باستثمار أي شيء وكل شيء، سادت قديما عدة اعتقادات تنتمي للثقافة أو بالأحرى لدوائر النميمة التي تحيط بالثقافة، منها أن الشتاء هو موسم إنجاز المشاريع الإبداعية المؤجلة (فلا تحادثوني من فضلكم إلا بعد ثلاثة أشهر على الأقل!) وأن الصيف هو موسم التخفف من كل شيء، من أي التزام بإنجازٍ ما ومن أي وعد (فلا يليق أن تطالبني بشيء وأنا مختنقٌ هكذا يا أخي!)، ومن القراءات الجادة التي تفيد بشكل واسع ثقافة الكاتب ومشروعه الإبداعي، لصالح الكتب الخفيفة التي تكون مضيعة للوقت والعمر السريع اللهاث.
القراءة لا ترتبط بموسم معين بل هي رهن بتوفر الكتاب الجيد والوقت المناسب (المستقطع من هموم ومتطلبات الحياة اليومية) وباتساع المناخ النفسي والروحي للقراءة... والأمور نفسها تصلح للكتابة، فحينما تلح الفكرة وتكون القابلية لاقتناصها في مرحلة الجاهزية فهذا هو الوقت المناسب سواء كان المطر يدك عظام الشوارع أو كانت الحرارة تشوي النظرات والأحلام... كما لم يعد شكل الكُتَّاب يُعيِّنهم خاصة وسط الآخرين الذين صارت ملابسهم جزءاً من شخصياتهم وليس باعتبارهم (أعضاء نقابة ما) مثلا! وهكذا لم تعد اختيارات المبدع الشخصية في الموسيقى والسينما والفنون الشكلية... إلخ، مرهونة بعناوين وأقواس من المحتم ألا يسبح خارجها؛ فالحياة صارت مفتوحة في كل شيء: في الأفكار والتوجهات بل العادات والتقاليد... كل الأمور قابلة لإعادة التدقيق وطرح أسئلة ونوافذ لا تتوقف. وغالباً لن تتوقف أبدا ما دام الإنسان حياً.
- محمود أبو عيشة: أعيش بين القراءة والكتابة
لا شك أن المناخ العام إضافة إلى الطقس يؤثر في نوعية حياة الناس وفي القلب منها القراءة، لكن هذا ينطبق على القراء إذا كانوا يقرؤون أصلا لأنه للأسف القراءة لم تكن يوما من أولويات الناس في مجتمعاتنا المرحومة، فالأصل في الحياة الغرائز وأصلها الجنس ثم الشراب والطعام فلا وقت للناس في جحيم الغلاء إلا السعي على بطونهم وهم معذورون. أما نحن أرباب الحرفة فلا عمل لنا سوى القراءة والكتابة وهي أصل حياتنا ومستودعها، ولهذا فأنا مثلا أعيش بين قوسين هما القراءة والكتابة، حيث أبنى مشروعي الأدبي الروائي بالأخص بصبر وانتظام. لذلك إيقاع الصيف بطقسه الجواني المغوي يساعدني أكثر في إنجاز مشروعي، وإعادة النظر والقراءة والتساؤل حوله، حول ما هو واقع بالفعل، وما يجب أن يكون، أما الصيف بتقلباته ودرجات الحرارة المرتفعة، فهو دائما عكس هذا الإيقاع، خاصة أنني مهموم حاليا بعمل روائي يضيء الفترة التي سبقت ثورة 20 يناير (كانون الثاني) 2011 وما أعقبها من أحداث لا تزال مشتبكة مع الواقع الراهن. وضمن ما أفعله في التجهيز لهذا العمل قراءات ومراجعات خاصة لبعض أعمال نجيب محفوظ وحواراته، وأيضا كتاب الدكتورة يمنى طريف الخولي عن الحتمية والحرية والاغتراب، إضافة إلى أعمال أخرى تساعدني على المضي في الرواية، لكن أرجو الصيف أن يكون لطيفا حتى أنجز ما أريد.
- هدى توفيق: فوبيا الصيف
أعتقد أنه لا توجد قراءة خفيفة أو ترويحية في ممارسة فعل القراءة، ولأنني صراحة أقرأ من خلال برنامج يخص ترتيب أفكاري ويحدد طبيعة المشروع الإبداعي القادم بوجه عام، لذا أحاول أن ألتزم به بقدر الإمكان، هذا بالإضافة إلى متابعة إنتاج الأصدقاء الأدبي الذي أستطيع الحصول عليه من المشهد الثقافي، لكن هذا أيضا يخف في الصيف وتقل ساعات القراءة معي، إضافة لسبب صحي يخصني، وهو حساسية الصيف المرهقة التي تزول بانتهاء موسم الصيف فقط، لكن بالطبع برنامج القراءة لا يتغير ومعيار انتقاء الكتب ليس له ارتباط بخفته أو ثقله في الصيف أو بقية فصول العام، هو واحد، حسب الذائقة بالطبع، ولعدة سنوات مع كل موسم صيفي، يزداد ضيقي لشعوري أنني لا أستطيع الكتابة بانتظام بسبب الجو والحساسية ووصلت معي في بعض الأحيان إلى الشعور بالاكتئاب، لأني مكبلة، وأسيرة هذا الفصل الموسمي أكثر من بقية فصول العام.
وعندما أتذكر أنه قادم بداية من شهر مايو (أيار) أتجهم، وأحزن لأنني سأتألم، ولأنني لن أكتب كما أريد، وسأكتفي بفعل القراءة وهذا أيضا قليل نسبيا عن بقية فصول العام، لكن بدأت أنظر للأمر برؤى أخرى، وهي الراحة الإجبارية من أجل التأمل والتفكير الطويل وضرورة الالتزام الصحي بالقانون الجديد، غير الكسل والاسترخاء المفروضين علي، وقلت لنفسي، لم لا تتغير الفكرة من ضيق إلى وجهة نظر؟!، أقبلها أو أرفضها حتى أتصالح أو أتعارك مع الطبيعة وأحاول أن أبحث خلف الأفكار، وخلف البشر، ونحن نتلهى طويلا وكثيرا من كثرة انشغالنا عن تمحص ورؤية الأشياء والأشخاص، لتتحول الفكرة الضد إلى حوار داخلي بيني وبين الطبيعة وهذه الحالة القسرية التي فجرها قدوم فصل الصيف في حياتي، وأتساءل: لم لا؟ ونحن أحيانا نُلهم بأشياء خارج إرادتنا حتى ولو كانت في حقيقتها غير جيدة لنا، لكننا دوما لا بد أن نتعامل معها حتى لو كانت مصدر ضيقنا وألمنا في الماضي والحاضر والمستقبل، فساعات الانتظار لشهور طويلة، دون كتابة مستمرة أو منظمة، أصبحت شيئا جيدا لي الآن. جميل أن تنظر لسقف غرفتك، أن تشاهد التلفزيون ببلاهة، أن تأتي الأفكار المختبئة، أن تتذكر الماضي، أن تتخيل مدى معاناة الآخرين الذين يعانون أكثر منك من شدة المرض أو اليأس أو الحيرة فكلها أجواء مرضية سواء جسدية أو نفسية وأنت بهذه المعاناة لا شيء أمام ما يعانونه ليس في فصل الصيف فقط وإنما طوال العام وربما لسنوات... أكثر ما يخرجني من هذه الحالة هو سماع الشعر وقراءته خاصة الشعر القديم، والحديث منه يملؤني بالحياة والوجود وأنا أشعر بهذه القسرية في ألا أمارس فعلي القراءة والكتابة يوميا وبانتظام... أما ما يطرح من قراءات للصيف فهذا بالطبع ليس مرتبطا بقاعدة عامة أو روشتة قرائية، خاصة أن عالم النت والتواصل الاجتماعي طغى إلى حد كبير على القراءة المعرفية العميقة، لكن الأمر لا يخلو من الثراء المعرفي والإبداعي أيضا.



ريما الرحباني: زياد توفي بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير»

خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
TT

ريما الرحباني: زياد توفي بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير»

خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)
خلال صلاة الوداع... فيروز وريما الرحباني وشقيقة فيروز هدى حداد (خاص الشرق الأوسط)

بعد نحو عام على رحيل الموسيقار اللبناني زياد الرحباني، عادت شقيقته المخرجة ريما الرحباني إلى الواجهة بمنشور مطوّل عبر صفحتها على «فيسبوك»، الأحد، كشفت فيه للمرة الأولى روايتها بشأن الأيام الأخيرة من حياة شقيقها، ووجّهت اتهاماً مباشراً إلى أطباء قالت إن زياد كان يثق بهم، محمّلة إياهم مسؤولية ما وصفته بـ«خطأ أو إهمال طبي كبير».

ويأتي منشور ريما بعد فترة طويلة من الصمت، وفي ظل تداول واسع لمعلومات وتكهنات حول صحة زياد وظروف وفاته. وكانت ريما قد عادت إلى التواصل عبر «فيسبوك» في يونيو (حزيران) الماضي، بعد غياب طويل، قبل أن تتوالى منشوراتها المتعلقة بشقيقها وبإرث العائلة.

صورة لريما الرحباني مع شقيقها زياد تتصدر صفحتها في «فيسبوك»

وفي أحدث منشوراتها، قالت ريما إن الموضوع كان في الأصل شأناً عائلياً خاصاً، وإنها لم تكن ترغب في كشف تفاصيله، لكنها اضطرت إلى الحديث بعدما، بحسب تعبيرها، جرى تداول معلومات وتكهنات على نطاق واسع وتحويلها إلى «حقائق» في الإعلام ومواقع التواصل.

زياد لم يمت بسبب الكبد

وبدأت ريما بتفنيد عدد من الروايات التي قالت إنها انتشرت بعد وفاة شقيقها، مؤكدة أن زياد لم يتوفَّ بسبب مشكلة في الكبد أو البنكرياس، ولم يكن قد وصل إلى مرحلة زراعة الكبد.

كما نفت أن يكون زياد قد كان بحاجة إلى أموال من أي جهة، سواء من الدولة أو من غيرها، رافضة بشدة ما وصفته بالشائعات المتعلقة بوضعه المالي.

وشددت على أن والدته، الفنانة فيروز، وشقيقته (ريما) كانتا إلى جانبه طوال حياته، لا سيما في الفترة الأخيرة، مؤكدة أن علاقتهما به لم تنقطع، وأنهما بقيتا إلى جانبه حتى النهاية.

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

وفي أكثر أجزاء المنشور حساسية، رفضت ريما الروايات التي توحي بأن زياد استسلم لمرضه أو فقد الرغبة في الحياة.

وأكدت أن شقيقها «لم يستسلم ولم يملّ من الحياة ولم يقرر الرحيل»، واصفة إياه بأنه كان متعلقاً بالحياة، يحبها ويخاف الموت، بل ويخاف على نفسه منه.

وقالت إن زياد كان، على الرغم من شخصيته الثورية والمتمردة، مؤمناً على طريقته، مشيرة إلى أنه كان يردد الصلاة المسيحية «السلام عليك يا مريم» بصورة متواصلة منذ نحو 15 عاماً، أمام أفراد عائلته.

عاد إلى بيت العائلة بعد آخر حفلاته

وكشفت ريما أن زياد أقام مع والدته وشقيقته بعد آخر حفلة له في رحبة (شمال لبنان)، في إشارة إلى المرحلة الأخيرة من حياته.

وأشارت إلى أن شقيقها، الذي غادر منزل العائلة في وقت مبكر من حياته ولم يعد إليه، اختار في مرحلة مرضه وتعبه أن يبقى إلى جانب أسرته، لأنه كان يخشى أن يبقى وحيداً.

سيدة تحمل صورة زياد الرحباني خلال وداعه الأخير يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وفي وصف شديد العاطفة لعلاقتهما، قالت ريما إن زياد كان يحتاج إلى وجود والدته وشقيقته إلى جانبه، موضحة أن والدته كانت تحبه حباً مطلقاً، بينما كانت هي تشعر به وتفهمه من دون الحاجة إلى كثير من الكلام، معتبرة أن هذا النوع من التواصل كان تحديداً ما يحتاج إليه في تلك المرحلة.

خطأ أو إهمال طبي

ثم انتقلت ريما إلى النقطة الأكثر إثارة في منشورها، إذ قالت إن زياد «رحل نتيجة خطأ أو إهمال طبي من أطباء كان يثق بهم»، مضيفة أنه كان يرفض بصورة قاطعة استشارة أطباء آخرين.

وبحسب روايتها، فإن هؤلاء الأطباء «لم يؤمنوا به» كما كان هو يثق بهم، معتبرة أن ما حصل كان «خطأ كبيراً جداً».

وأعربت ريما عن غضبها الشديد من المسؤول عن ذلك، قائلة إنها، رغم كونها مسيحية وما يفرضه ذلك من دعوة إلى المسامحة، تجد نفسها للمرة الأولى غير قادرة على المسامحة.

وأضافت، في وصفها لشقيقها، أن زياد لم يكن شخصاً «يُخطأ معه»، حتى لو كان مريضاً وعنيداً ومتعباً، في إشارة إلى اعتقادها بأن حالته كانت تستدعي تعاملاً طبياً مختلفاً.

فيروز وزياد الرحباني خلال تحضيرات حفل دبي عام 2003 (أ.ف.ب)

ولم تقدم ريما تفاصيل أكثر.

عودة ريما إلى الواجهة بعد صمت طويل

وتكتسب عودة ريما الرحباني إلى الحديث عن شقيقها أهمية إضافية في سياق عودتها التدريجية إلى مواقع التواصل بعد فترة من الغياب.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، نشرت ريما مقطعاً من أغنية فيروز «راحوا»، في ذكرى والدها عاصي الرحباني، في أول ظهور لافت لها بعد رحيل شقيقيها زياد وهلي الرحباني، وهو المنشور الذي أثار تفاعلاً واسعاً.

ثم عادت في نهاية يونيو إلى الحديث بصورة مباشرة عن علاقتها بزياد، واضعة حداً لما وصفته بالشائعات المتعلقة بوجود قطيعة دائمة بينهما، ومؤكدة عمق العلاقة التي جمعتهما، رغم الخلافات التي وقعت بينهما في مراحل مختلفة.

وفي يوليو (تموز)، تصاعد حضورها الإعلامي مجدداً مع موقفها الرافض إقامة مبادرات لتكريم زياد في الذكرى الأولى لرحيله، مؤكدة أن موقفها مرتبط باحترام إرادته وإرثه الفني.

ريما الرحباني... دفاع مستمر عن إرث العائلة

ولا يمكن فصل موقف ريما الأخير عن مسار طويل من دفاعها عن إرث عائلة الرحباني، وفي مقدمته إرث والدها عاصي الرحباني ووالدتها فيروز وشقيقها زياد.

فريما لطالما تعاملت بحساسية شديدة مع كل ما يتعلق بالأعمال الفنية والحقوق المرتبطة بإرث العائلة، ودخلت خلال السنوات الماضية في سجالات علنية حول طريقة تقديم أعمال الرحابنة وإعادة استخدامها وتكريم أصحابها.

وفي مواقفها الأخيرة، بدا هذا الهاجس أكثر وضوحاً، إذ رفضت ما اعتبرته محاولات لاستغلال اسم زياد أو إعادة تقديم أعماله بعيداً عن رؤيته وإرادته. وقد أثارت مواقفها قبيل الذكرى الأولى لرحيله جدلاً واسعاً، خصوصاً بعدما أعلنت رفضها لأي مبادرات تكريمية لا تتوافق مع ما كان يريده شقيقها.

صاحب الحق يصحح

وفي ختام منشورها، قالت ريما إنها لم تكن ترغب في كشف هذه التفاصيل، لأن ما جرى كان شأناً خاصاً لا يعني أحداً، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى التدخل بعدما كثرت الروايات والأخبار والتكهنات، وتحولت، بحسب تعبيرها، إلى معلومات يتعامل معها البعض باعتبارها حقائق.

وأكدت أنها ستكتفي بما سمّته «العناوين»، معربة عن أملها في ألا تضطر مستقبلاً إلى نشر «النشرة الكاملة» التي تتضمن تفاصيل أكثر.


محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
TT

محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)
الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

لا يُذكَر الممثل بعدد أعماله، بِقَدر ما يُحفَر اسمُه ووجهُه في ذاكرة الجمهور لجودة اختياراته وأدائه الآسِر. على هذه القاعدة يسير الفنان السعودي محمد الدوخي متأنياً في إطلالاته، وتاركاً بصمة من الصعب محوُها مع كل شخصيةٍ يقدّمها.

هو «فهد القضعاني» في فيلم «مندوب الليل»؛ ذاك الشاب الذي يصارع الدنيا وحيداً، متأرجحاً بين طيبةٍ طفوليّة وغضبٍ دفين فرضته قسوة الحياة. وإن كان مروره أسرع في السلسلة القصيرة «الخلّاط +»، فلا تقلّ شخصية صاحب الدكّان الكفيف والغامض أهميةً. مزج الدوخي فيها ما بين الغرابة والباطنيّة ليبقى «أبو مرداع» عالقاً في الأذهان. أما الكوميديا، المكان الذي انطلق منه، فعاد إليها الدوخي عام 2025 بشخصية «سطّام» في فيلم «رهين» من إخراج أمين الأخنش والذي يُعرَض حالياً على «نتفليكس».

الدوخي إلى جانب الفنان السعودي الراحل محمد الطويان في أحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

البطولة ليست أولويّة

يحمل الدوخي كل شخصياته في قلبه وسجلّه بفخر، لكنه يرغب دائماً في السير إلى الأمام. في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول الممثل السعودي إنه يريد الغوص في مناطق متعددة داخله، متجنّباً «تكرار الدور نفسه بأسماء وملابس مختلفة». مخطّطُه للسنوات المقبلة من مسيرته واضحٌ أمام عينيه: «أبحث عن الشخصية التي تجعلني أشعر بشيء من الخوف، وتدفعني إلى تحدّي نفسي والتساؤل ما إذا كنت قادراً بالفعل على تقديمها».

في فيلمَيه الأخيرَين، لعب الدوخي بطولةً مطلقةً. رغم ذلك، فهو لا يهجس بمفهوم البطولة: «صحيح أنني قدَّمت تجربتين سينمائيَّتين بطلاً أول، لكني لا أبحث عن البطولة لمجرّد أن يظهر اسمي في مقدّمة العمل». ويضيف ألّا إشكالية لديه في تقديم دور أصغر، شرط أن يكون مؤثّراً ومكتوباً بأسلوب جيّد.

الدوخي في كواليس تصوير فيلم «مندوب الليل» (صور الفنان)

«مندوب الليل»

رغم النجاح الذي حقَّقه «مندوب الليل» حاصداً إعجاب النقّاد والجمهور وأرقاماً استثنائية على شبّاك التذاكر وعلى منصة «نتفليكس»، فإنّ الدوخي لا يتعامل معه على أنه لحظة مجدٍ واحتفال فحسب. ينظر الممثل إلى تلك التجربة وكأنها درس من دروس المهنة: «في (مندوب الليل) تعلّمت أن أعيش داخل الشخصية، وأن أتقبّل ألّا أكون محبوباً أو مضحكاً طوال الوقت». هذا بعضُ ما أخذه الدوخي من «فهد القضعاني»، لكنّ الفيلم منحَه المزيد. لا يُنكر الفنان السعودي أنّ «مندوب الليل» شكَّل نقطة تحوُّل حقيقية في مسيرته: «لأنه قدّمني إلى الجمهور والوسط السينمائي بصورة أكثر جدّيّةً وتعقيداً ممّا ألِفوه سابقاً»، بعيداً عن الشخصية الكوميدية التي ارتبط بها لسنوات.

ليس من السهل نسيان «فهد القضعاني» ولا تجربة «مندوب الليل»، التي رفعت من توقعات الجمهور العربي حيال الدوخي والسينما السعودية على حدٍّ سواء. لكنّ بقاء الفيلم عالقاً في الأذهان، لا يعني بالضرورة بقاء الممثل عالقاً في وهج الشخصية خوفاً من ألّا يقدّم أفضل منها، «تفكير مثل هذا قد يدفعني إلى تقليد التجربة السابقة بدلاً من التطوّر»، يقول الدوخي. فالنجاح الحقيقي بالنسبة إليه «ليس في تكرار الفيلم نفسه، بل في تقديم شخصية مختلفة تماماً يصدّقها الجمهور أيضاً». ويضيف: «أريد أن يصبح (مندوب الليل) محطةً مهمةً في المسيرة، لا العمل الوحيد الذي يختصر المسيرة».

«أبو مرداع»

بين محمد الدوخي والمخرج السعودي علي الكلثمي شراكة استراتيجيّة أثمرت أعمالاً مميزة، وأغنَت استوديوهات «تلفاز 11» المنغمسة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، ذات المحتوى الدسِم والخارج عن المألوف. معاً خاضا العالميّة بوصول «مندوب الليل» و«الخلّاط» إلى «نتفليكس».

الدوخي والمخرج علي الكلثمي تحضيراً لأحد مشاهد «مندوب الليل» (صور الفنان)

عن شخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+»، يقول الدوخي إنها منحته «مساحة كبيرة للتجريب واللعب، لكنها في الوقت ذاته أثبتت أن الكوميديا ليست سهلة كما يبدو». وسط أجواء تمزج ما بين الغرابة والتشويق والأكشن والجريمة والكوميديا السوداء، وتحت إدارة المخرج عزيز الجسمي، تَحرَّك «أبو مرداع» بنظّارتَيه السوداوَين زارعاً مفاجأةً في كل مشهد. فهكذا هي روح «الخلّاط»، أنه «يضع الشخصيات في مواقف مألوفة، ثم يدفعها إلى أقصى الاحتمالات»، وفق الدوخي.

وهكذا يفعل كاتب العمل ومنتجُه المخرج علي الكلثمي الذي يدفع بالممثلين إلى أقصى قدُراتهم الأدائيّة. يصِف الدوخي علاقتهما بأنها أبعد من مجرّد شراكة مهنيّة وفنية، بل «رفقة عمر وأخوّة». ويضيف: «علي يعرف كيف يكتشف مساحةً مختلفةً داخل الممثل، وأحياناً يُبصر فيه ما لا يراه الممثل في نفسه». ويتوقع الدوخي لتلك العلاقة أن تستمر «ما دامت ثمة شخصيات وأفكار نستطيع من خلالها مفاجأة الجمهور». وعن ذلك الجمهور تحديداً يقول إنه صار صديقَه، بِغَضّ النظر عمّا إذا كانت هناك شخصيات وأعمال جديدة أم لا.

محمد الدوخي بشخصية «أبو مرداع» في «الخلّاط+» (صور الفنان)

مسيرة الدوخي محفوفة بالتحوّلات

لطالما سار محمد الدوخي على إيقاع التحوّلات الاستراتيجية في حياته ومهنته. لم يَكن المسار يوحي بدايةً بأنه سيخوض الفن، إلّا أنّ الشغف انتصر على سائر الاحتمالات الأخرى، فدخل الفنان السعودي عالم صناعة المحتوى من بابه العريض. تحوّل إلى نجم كوميدي أول على المنصات الرقميّة، وهو يبدو ممتنّاً لتلك المرحلة، إذ يقول: «لم أتعامل مع صناعة المحتوى على أنها جسر يأخذني إلى السينما أو التلفزيون. لكنها كانت بمثابة مدرسة وجامعة تعلمت فيها كيف أصل إلى الجمهور، وكيف أصنع الشخصية، وأفهم الإيقاع والتوقيت الكوميدي».

ثم جاءت النقلة إلى الشاشة الواقعية وتحديداً إلى عالم السينما، فكان «التحدّي الأصعب التخلّص من بعض العادات التي اكتسبتها في المحتوى القصير وتقديم الأداء بناءً على رؤية المخرج»، وفق تعبير الدوخي.

ملصق فيلم «رهين» من بطولة الدوخي ويُعرَض حالياً على «نتفليكس» (إنستغرام)

من الكوميديا إلى الدراما والتشويق

نقلة نوعيّة أخرى سجّلتها مسيرة الدوخي الفنية، يوم خطا الممثل باتّجاه الدراما والتشويق بعد مشوار طويل في عالم الكوميديا. انطلاقاً من رغبةٍ لديه في التنويع وعدم البقاء محصوراً ضمن إطارٍ واحد، تجرّأ على نوعٍ آخر من الأداء: «الدراما والتشويق يعتمدان أكثر على الصمت والنظرة والحالة الداخلية للشخصية على غرار ما حصل في (مندوب الليل)». لا يُخفي الدوخي أنَّ ذلك الانتقال أثار قلقَه، «لكنه خوفٌ صحّي». يضيف مؤكّداً أنَّ الدراما والأكشن لن يأخذاه كُلياً من الكوميديا، لتبقى السينما هي الأساس بالنسبة إليه لأنها «تمنح الممثل فرصةً مختلفةً لبناء الشخصية وتركِ أثرٍ يبقى طويلاً في ذاكرة الجمهور».

لحظة سعوديّة استثنائيّة

يفرح محمد الدوخي لكونه جزءاً من «لحظةٍ سعوديةٍ استثنائية تشهد نهضةً» ثقافية وفنية غير مسبوقة، لكنه يتعامل بواقعيّة مع الأمر: «صحيح أنّ ما يحصل يمنحنا شعوراً بالفخر، لكنه يضع علينا مسؤولية في الوقت ذاته. لا يكفي أن نكون جزءاً من النهضة، بل يجب أن نرتقي إلى مستوى الفرصة ونصنع أعمالاً تعيش وتعبّر عن المجتمع بتنوّعه، لا مجرّد أعمال مرتبطة بحماسة المرحلة». يأتي هذا التفكير المنطقيّ نتيجةً لمعرفته بـ«الجمهور الذي أصبح أكثر وعياً وتطلّباً».

الدوخي في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» عام 2025 (إنستغرام)

الدوخي مقتنع بأنّ «النهضة لا تُقاس بعدد الأعمال، بل بجودتها وقدرتها على البقاء وصناعة هوية حقيقية للسينما السعودية». وهو مُدركٌ أنَّ أجمل ما في «التجربة السعودية الحاليّة أنها انطلقت من قصص شديدة المحَلّية، واستطاعت الوصول إلى جمهور عربي وعالمي».

بهويّتها الأصيلة ولهجتها الحقيقيّة، ومن خلال إنتاجاتٍ وحكاياتٍ تحترم عين المُشاهِد وعقلَه، سافرت السينما السعوديّة خارج المملكة. استقطبت جمهوراً غريباً عن البيئة السعودية، لكنه لم يجد صعوبةً في التماهي والتعاطف مع شخصياتٍ مثل «فهد القضعاني»، الذي أمسى بطلاً عابراً للحدود.


«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

«الراكب رقم 53»... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

عندما صعد الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1988 إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، لم يكن يعلم أنه ذاهب نحو الموت فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية، ودهاليز استخباراتية حوَّلت جثته إلى لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

شبكة «نتفليكس» بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أعادت إلى الأذهان في المسلسل الدرامي القصير «تفجير بان آم 103» اسم جعفر الذي ولد في إحدى بلدات البقاع وهاجر مع عائلته بحثاً عن الأمان والفرص في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان الأميركية.

فور وقوع الكارثة، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية. هنا، برز اسم جعفر، الطالب في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سيراكيوز، كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية، خاصة أنه كان العربي الوحيد على متن الرحلة (الراكب رقم 53). افترضوا أنه ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً قنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية.

غير أن التحقيقات أكدت خلو أمتعته اليدوية تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي. ولكن رغم هذه التبرئة القضائية، بقي اسمه راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.