العربية الفصحى والإنجليزية لغة نساء الـ «دواعش» في الهول

10734 امرأة مع أطفالهن يتحدرون من جنسيات غربية وروسية في قسم المهاجرات بالمخيم

أحد أسواق مخيم الهول شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
أحد أسواق مخيم الهول شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
TT

العربية الفصحى والإنجليزية لغة نساء الـ «دواعش» في الهول

أحد أسواق مخيم الهول شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)
أحد أسواق مخيم الهول شمال شرقي سوريا (الشرق الأوسط)

في قسم منعزل داخل مخيم الهول شرق الحسكة يطلق عليه «فيز المهاجرات»، يقف حراس مدججون بالسلاح من «قوات سوريا الديمقراطية» على بابه. يمنعون دخول أي شخص إلا بإذن من إدارة المخيم وقوات الأمن الداخلي. هذا المكان يبدو أنه مخصص لنساء عناصر «داعش» وأبنائهن.
نساء؛ بملامح أوروبية وروسية وآسيوية وعربية قطعنَ مسافات طويلة لتحقيق حلم تبيّن أنه وهم في الواقع وسحابة صيف، قدمن من ألمانيا وبلجيكا وفرنسا ومن هولندا ودول غربية كثيرة، بالإضافة إلى روسيات ومن الشيشان وأذربيجانيات ومن إندونيسيا وماليزيا وتركيا، إلى جانب عربيات من تونس والمغرب ومصر وغيرهنّ من اللاتي خرجنّ من بلدة الباغوز بريف دير الزور الشرقي، بعد القضاء على وجود التنظيم المتطرف في سوريا بشهر مارس (آذار) العام الجاري.
- 160 امرأة وطفل
كثير من النساء تساءلن بغضب واستغراب وارتسمت علامات الحيرة على وجوههن وأردن الحصول على إجابات شافية، فالمخيم يؤوي نساءً وأطفالاً تخلى عنهم آباؤهم من عناصر التنظيم إما بالذهاب إلى جبهات القتال وقتلوا؛ أو استمروا بالقتال واستسلموا في الباغوز وهم محتجزون خلف القضبان ومصيرهم مجهول، كما تخلت عنهم حكوماتهم وترفض معظم الدول استعادة رعاياها رغم مطالبات الأكراد وحليفتها الولايات المتحدة.
وتقول سيدة ألمانية إنها قدمت إلى سوريا بداية 2015 وتزوجت من مقاتل ألماني في صفوف التنظيم ليقتل بعد عام من زواجهما ثم تزوجت من مقاتل روسي. شرحت أنه لم يتبقَ معها مال كافٍ لتصرف على نفسها وطفليها، وقالت: «لم أعد أملك المال لأعيش هنا ولا توجد اتصالات كي أطلب من عائلتي هناك في بلدي»، تساءلت: «متى سنخرج من هنا؟ يجب إخراجنا سريعاً! حالتي تزداد سوءاً كل يوم».
وهذه السيدة و160 امرأة وطفلاً ألمانياً ينتظرون من حكومتهم السماح لهم بالعودة، لكن دولتهم ومعظم الدول الغربية رفضت استعادة رعاياها من مواطنيها الموجودين في مخيم الهول والمحتجزين لدى «قوات سوريا الديمقراطية».
هذه الألمانية أم لطفلين، الأول ولد من زوجها الألماني الذي قتل بغارة جوية من طيران التحالف، والثاني ولد بالباغوز من مقاتل روسي لا تعلم عنه شيئاً، إذا كان على قيد الحياة أم قتل في المعارك الدائرة قبل فرارهم، لتضيف: «لهذه الدرجة أصبحت عبئاً على حكومتي حتى ترفض استقبالي، ماذا فعلت! كنت ملازمة المنزل طوال الوقت ولم أرتكب جريمة، لقد خدعت كحال الجميع»، على حد تعبيرها.
في هذه البقعة الصحراوية من سوريا والتي تبعد نحو 30 كلم عن الحدود العراقية؛ تتعدى درجات الحرارة 45 درجة مئوية، فالمخيم الذي صمم لاستقبال 20 ألف شخص بحده الأقصى؛ تجاوز عدد قاطنيه الآن سبعين ألفاً، غير أن بعض النسوة لم تستسلمن لحالة الانتظار وافتتحنّ سوقاً محلية، وعلى جانبي الشارع الرئيسي نُصبت أكشاك تعرض مواد غذائية وخضراوات وفاكهة صيفية، بالإضافة إلى مأكولات شعبية خاصة بجنسية صاحبة المحل وبعض أنواع الحُلي والإكسسوار و«الميك أب».
وفي السوق، حيث ضجيج الأطفال والنساء اللواتي يتحدثون بجميع لغات العالم، بينما اللغة المشتركة بين البائعة وزبائنها عموماً تكون الإنجليزية أو العربية الفصحى، وقالت سيدة تتحدر من إندونيسيا: «إن هذه الأشياء كانت محرمة أيام (الدولة)، أما اليوم بات بالإمكان عرضها وبيعها ومعظم النساء تقمن بشرائها».
أما الخضراوات والفاكهة عرضت في صناديق مصفوفة، توجد بداخلها طماطم وباذنجان وبصل، فضلاً عن الكرز والمشمش والخوخ، وبقربها حفاظات للأطفال وعلب حليب، مع اكتظاظ المارة والبائعات المتجولات، وكل من تسكن هذا القسم لا تعلم ما ينتظرها. وبالقرب من السوق وقف طابور جلهم من الأطفال وبعض النسوة أمام ماكينة بيع البوظة، تنتظر فتاة روسية رفعت النقاب عن وجهها وظهرت عيناها الزرقاوان، دورها لتشتري ما لم تتذوقه منذ سنوات، لكنها عندما انتبهت لعدسة الكاميرا قامت بغطاء وجهها بخمارها الأسود، وطلبت بصوت عالٍ مسح صورتها، فهذه الفتاة و2010 امرأة روسية مع طفلها ينتظرون في هذا القسم سلطات بلادها لاستعادتهم.
- ضحايا «دعاية إعلامية»
عززت المشاهد المروعة المتتالية عن مجريات الحرب في سوريا مشاعر التعاطف والدعم؛ وأدى انتشارها كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي إلى إثارة عواطف كثير من مواطني بلدان قريبة وبعيدة، لكنهم وقعوا في نهاية المطاف في شراك دعاية «داعش» الإعلامية، الذي عمل منذ نهاية 2013 من خلال شبكاته السرية على إدخال المقاتلين والنساء المهاجرات الأجانب إلى سوريا.
إحداهن مواطنة بلجيكية كانت طفلة بعمر 15 سنة عندما جاءت إلى سوريا نهاية 2014. ما زالت تتمسك بوهم أنها ساعدت نساء سوريا وأطفالها من ظلم النظام الحاكم، حيث قضت ست سنوات في هذا البلد التي مزقتها نيران الحرب، لم تخفِ تأثرها بتلك الصور والمشاهد التي عرضتها منصات التواصل الاجتماعي.
وعندما سئلت عن العملية الانتحارية التي وقعت في عاصمة بلادها عام 2016. وراح ضحيتها 32 مدنياً تبناها تنظيم «داعش» الإرهابي وأعلن مسؤوليته عنها آنذاك، أعربت أنها كانت ضحية وأخبرت أنها تنتظر بفارغ الصبر سلطات دولتها للموافقة على عودتها وأطفالها الثلاثة، الذين أنجبوا من ثلاثة آباء من جنسيات مختلفة، وأردفت قائلة: «نعم هذا كان قراري، في بلدي بلجيكا لم يكن بإمكاني ارتداء الخمار، ولذا كنت هناك»، في إشارة إلى المناطق الجغرافية التي كانت خاضعة لسيطرة «داعش» قبل طردهم على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركية وبلجيكا من بين دول الأعضاء.
وعلى مد النظر تمتد صفوف متراصة من الخيام رسم عليها شعار المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين، وسط هبوب رياح جافة مغبرة وأكوام من النفايات وخزانات ضخمة حمراء اللون يتزود منها قاطنو المخيم بالمياه، فاللجنة الدولية للصليب الأحمر قدمت هذه الصهاريج إلى جانب بناء المطابخ في كل قسم مع دورات المياه والحمامات.
على كل حبل أو سور خيمة تشاهد مزيجاً من الألوان الزاهية غير الأسود التي كانت ترتديه جميع النساء والفتيات اللواتي يعشن في هذه البقعة؛ الوردي، والأزرق، والأحمر، والأخضر، والأصفر، هي ألوان الملابس المغسولة من فساتين، وبيجامات وقمصان، وجوارب أطفال.
ونقلت مواطنة فرنسية أن النسوة الروسيات والمتحدرات من دول المغرب العربي هم الأسوأ فهن كنّ آخر من خرجنّ من الباغوز، عبرت عن مشاعرها بالندم ليس فقط لوضعها الحالي، ولكن يعود إلى قبل دحر التنظيم بسنوات طويلة، وأكدت أنها حاولت وبمساعدة أسرتها الهرب لإخراجها من ذلك الجحيم على حد وصفها، وقالت: «اتفقنا مع مهرب بالفعل ولكن الأذرع (الدولة) الأمنية ألقوا القبض عليه وقتلوه، أما أنا سُجنت بالرقة شهراً، وصادروا كل وثائقي، بعدها حاولت عدة مرات لكنني فشلت».
أما سكان هذا القسم جلهم من الأطفال، فهم يشكلون تقريباً ثلث تعداد سكان المخيم، يتحدثون بجميع اللغات العالمية واللغة المشتركة بينهم كانت العربية بلكنة الفصحى، أحياناً يبدو عليهم الخجل على وجوههم وترتسم علامات الفضول في أعينهم، لكن هذه الظروف حتماً ليست المكان الملائم لينمو فيها هؤلاء الأطفال ويترعرعوا، فالبعض منهم كان في صفوف «أشبال الخلافة» إبان سيطرة تنظيم «داعش» على مساحات جغرافية بسوريا والعراق المجاور.
- نساء «مهاجرات»
أمام مستودعات توزيع السلال والحصص الغذائية المقدمة من برنامج الغذاء العالمي ومنظمة أميركية، تنتظر طوابير لا تنتهي من النساء، وكان بالإمكان مشاهدة سيدات حوامل وأخريات يحملنّ أطفالاً رضع حديثي الولادة.
في السوق كانت روسية برفقة صديقتها من أوكرانيا يتجولنّ لشراء مستحضرات تجميل، ومن خلال النقاب الذي كانتا ترتديانه ظهر أنهما مجرد مراهقتين، وذكرت الفتاة الروسية أن عمرها 20 سنة وعندما سافرت إلى سوريا كانت بعمر 15 سنة، أما الأوكرانية أكدت أنها وقعت ضحية عملية احتيال وكيف خدعوها بالعمل مع منظمة إنسانية برواتب عالية، وبعد وصولها اكتشفت زيف ادعاءاتهم.
ونقلت الروسية أنها لا تزال فتاة ورفضت كل عروض الزواج من مقاتلين روس وغيرهم، وقالت: «نساء الحسبة والمشرفات عن المهاجرات ضغطنّ لقبول الزواج لكنني رفضت».
فيما قالت الأوكرانية إنها حاولت كثيراً الهرب من مناطق التنظيم سابقاً دون جدوى، وأضافت: «كنت أجهل جغرافية المكان وكلما أتفق مع مهرب يكون نصاباً، ثلاث مرات احتالوا علي وسرقوا أموالي وبقيت في مناطقهم حتى خرجنا من الباغوز»، وكحال الأخريات من المهاجرات، أعربت الأوكرانية أن صبرها نفد، وأصبحت حالة الانتظار كابوساً تعيشه مرغمة، وهناك 134 سيدة وابنها يتحدرون من أوكرانيا بمخيم الهول.


مقالات ذات صلة

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

العالم إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

قضت محكمة إسبانية، الجمعة، بالسجن 10 سنوات على زعيم خلية «إرهابية» نشطت في برشلونة، و8 سنوات على 3 آخرين بتهمة التخطيط لهجمات ضد أهداف روسية في المدينة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وذكرت «المحكمة الوطنية» في مدريد، في بيان، أنها أدانت «4 أعضاء في خلية إرهابية متطرفة مقرُّها برشلونة، حدّدوا أهدافاً روسية لتنفيذ هجمات ضدَّها في عاصمة كاتالونيا بشمال شرقي إسبانيا. وأضافت المحكمة، المسؤولة خصيصاً عن قضايا «الإرهاب»، أنها برّأت شخصين آخرين. وجاء، في البيان، أن زعيم الخلية «بدأ تحديد الأهداف المحتملة، ولا سيما المصالح الروسية في عاصمة كاتالونيا، وأنه كان في انتظار الحصول على موادّ حربية». وأوض

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

أعلنت السلطات الألمانية، الثلاثاء، القبض على سوري، 28 عاماً، في هامبورغ للاشتباه في تخطيطه شن هجوم ارهابي. وأعلن المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، والمكتب الإقليمي للشرطة الجنائية في ولاية هامبورغ، ومكتب المدعي العام في الولاية أنه يُشتبه أيضاً في أن شقيق المتهم الذي يصغره بأربع سنوات، ويعيش في مدينة كمبتن ساعده في التخطيط. ووفق البيانات، فقد خطط الشقيقان لشن هجوم على أهداف مدنية بحزام ناسف قاما بصنعه.

«الشرق الأوسط» (هامبورغ)
العالم هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

حكمت محكمة هولندية، اليوم (الخميس)، على أربع نساء، أعادتهنّ الحكومة العام الماضي من مخيّم للاجئين في سوريا، بالسجن لفترات تصل إلى ثلاث سنوات بعد إدانتهنّ بتهم تتعلق بالإرهاب. وفي فبراير (شباط) 2022 وصلت خمس نساء و11 طفلاً إلى هولندا، بعدما أعادتهنّ الحكومة من مخيّم «الروج» في شمال شرقي سوريا حيث تُحتجز عائلات مقاتلين. وبُعيد عودتهنّ، مثلت النساء الخمس أمام محكمة في روتردام، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية، حيث وجّهت إليهن تهمة الانضمام إلى مقاتلين في تنظيم «داعش» في ذروة الحرب في سوريا، والتخطيط لأعمال إرهابية. وقالت محكمة روتردام، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ النساء الخمس «قصدن ساحات ل

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
العالم قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

أفادت صحيفة «بيلد» الألمانية بسقوط قتيلين عقب إطلاق نار بمدينة هامبورغ اليوم (الأحد). وأوضحت الصحيفة أنه تم استدعاء الشرطة قبيل منتصف الليل، وهرعت سياراتها إلى موقع الحادث. ولم ترد مزيد من التفاصيل عن هوية مطلق النار ودوافعه.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

أعلن الادعاء العام الألماني في مدينة كارلسروه، اليوم (الخميس)، تحريك دعوى قضائية ضد شابين إسلاميين بتهمة الإعداد لشن هجوم في ألمانيا باسم تنظيم «داعش». وأوضح الادعاء أنه من المنتظر أن تجري وقائع المحاكمة في المحكمة العليا في هامبورغ وفقاً لقانون الأحداث. وتم القبض على المتهمَين بشكل منفصل في سبتمبر (أيلول) الماضي وأودعا منذ ذلك الحين الحبس الاحتياطي. ويُعْتَقَد أن أحد المتهمين، وهو كوسوفي - ألماني، كان ينوي القيام بهجوم بنفسه، وسأل لهذا الغرض عن سبل صنع عبوة ناسفة عن طريق عضو في فرع التنظيم بأفغانستان. وحسب المحققين، فإن المتهم تخوف بعد ذلك من احتمال إفشال خططه ومن ثم عزم بدلاً من ذلك على مهاج

«الشرق الأوسط» (كارلسروه)

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.