عقوبات ترمب تعقّد عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران

عقوبات ترمب تعقّد عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران
TT

عقوبات ترمب تعقّد عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران

عقوبات ترمب تعقّد عودة الديمقراطيين إلى الاتفاق النووي مع إيران

ليست المرة الأولى التي يتصاعد فيها الجدل داخل الحزب الديمقراطي حول مصير الاتفاق النووي مع إيران الذي وقع عام 2015، لكن التطورات الأخيرة التي ألقت بظلالها على المشهدين الدولي والإقليمي، وكذلك على الصراع الداخلي بمناسبة السباق الرئاسي الأميركي، أثارت الكثير من التساؤلات حول مدى صحة الوعود التي يطلقها المرشحون الديمقراطيون بالعودة إلى هذا الاتفاق، من دون رؤية التحولات التي جرت والتي قد تحول دون ذلك في المستقبل.
معظم المرشحين الديمقراطيين بدا أنهم يدافعون بشكل رئيسي عن تركة باراك أوباما، التي يواصل دونالد ترمب تمزيقها، بحسب رأيهم. وفيما أعلن غالبيتهم عن رغبتهم في العودة إلى الاتفاق، إلا أن الأمر قد لا يكون بهذه السهولة.
يرى الكثير من المحللين والمراقبين الأميركيين، وخصوصا في الصحف «الليبرالية»، أنه حتى ولو خسر ترمب انتخابات عام 2020، فإن العقبات السياسية واللوجيستية قد تجعل من المستحيل العودة إلى الاتفاق النووي.
مع بداية عام 2021 عندما يتولى الرئيس الجديد مهامه، قد لا يتبقى من هذا الاتفاق أي شيء يمكن الدفاع عنه أو الحفاظ عليه، منذ أن انسحب ترمب منه العام الماضي. ولكن حتى ولو كان لا يزال قائما، فإن بنوده من المقرر أن تنتهي في السنوات القليلة المقبلة، وسيكون من الصعب جدا إلغاء العقوبات التي فرضها ترمب، فيما يتوقع أن تؤدي الانتخابات الإيرانية في تلك الفترة إلى تصاعد دور المتشددين المناهضين للاتفاق النووي أصلا. علما بأن طهران تواصل تخليها عنه تباعا عبر خرقها الكثير من بنوده، فضلا عن احتمال أن تكون الحرب قد اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، وخلقت وقائع سياسية جديدة.
اللافت أن المرشحين الرئاسيين الديمقراطيين، سواء من الوسطيين أو يمين الوسط أو اليساريين، يعترفون بهذه الوقائع. لكنهم يصرون على أن إشهار التمسك بالاتفاق النووي، بطاقتهم للفوز بتأييد قاعدة أوباما الشعبية، وتمييز أنفسهم عن ترمب، وإرسال رسالة إلى العالم، بما فيها إيران، بأن «الولايات المتحدة ستكون مرة أخرى شريكا موثوقا به».
يدافع هؤلاء عن الجهود التي أمضاها أوباما وسنوات التفاوض الطويلة لتوقيع الاتفاق النووي مع إيران. لكن مناهضيه يقولون إن مفاعيله وقضاياه ومدته تقترب من النهاية، ولا شيء يضمن ألا تعود إيران إلى أنشطتها النووية، خصوصا أنها وسعت من أنشطتها وتأثيراتها السياسية في المنطقة وزادت من ترسانتها الصاروخية.
ويحاجج مناصرو ترمب والحزب الجمهوري عموما بأن رفع العقوبات عن إيران سمح لها بمضاعفة مواردها وبتوسيع أنشطتها، بدلا من الرهان على تحولها دولة طبيعية كما كان يأمل أوباما.
التحذيرات التي يطلقها الديمقراطيون من احتمال اندلاع حرب مع إيران، يقابلها برودة وقدر كبير من ضبط النفس يصل إلى حد التلويح بإهمال ملفها ودخولها طي النسيان، فيما تعمل إيران على تعميق تناقضها مع دول العالم، مع تزايد عدد المتضررين، وتحول تأمين الملاحة في الخليج، إلى مطلب دولي.
الاتفاق النووي شكل قاسما مشتركا أساسيا في السياسة الخارجية بين المرشحين الديمقراطيين. وفي فبراير (شباط) الماضي، أصدرت اللجنة الوطنية الديمقراطية قرارا يدعو الولايات المتحدة إلى التمسك به مجددا.
وقال المرشح الوسطي بيت بوتيجيج عمدة ساوث بيند في ولاية إنديانا، في خطاب عن السياسة الخارجية الشهر الماضي: «إنه مهما كانت عيوب الاتفاق، فقد يكون أقرب إلى فن الصفقة».
وحده المرشح السيناتور كوري بوكر من ولاية نيوجيرسي، رفض التعهد بالعودة إلى الاتفاق النووي، وقال إذا أتيحت له الفرصة للاستفادة من صفقة أفضل، فلن يتردد في ذلك. بوكر مقرب من النشطاء المؤيدين لإسرائيل التي تعارض كليا الاتفاق النووي مع إيران.
ويرى الكثير من المسؤولين الأميركيين السابقين أن الوقائع الجارية تقود إلى التكهن بأن الاتفاق لن يكون قائما حتى بداية عام 2021. ورغم أن البعض يميل إلى تحميل ترمب مسؤولية سلوك طهران، التي تتدرج في تخليها عن الاتفاق، فإن الأمر يشكل معضلة للديمقراطيين. فقد بدأ بعضهم يشير إلى أن تعهدهم بالعودة إلى الاتفاق مشروط بامتثال طهران لشروطه.
وبمعزل عن النقاش حول من يتحمل مسؤولية انهيار الاتفاق، وعن احتمالات تغيير المشهد السياسي جراء الانتخابات المتوقعة سواء في الولايات المتحدة أو إيران، التي ستشهد هي الأخرى انتخابات عام 2021 تبرز حقيقة أخرى تتعلق بعناصر الاتفاق النووي نفسه، والقيود الدولية الموضوعة على إيران التي تقترب من الانتهاء.
فمن المقرر أن ينتهي الحظر الذي تدعمه الأمم المتحدة على مبيعات الأسلحة التقليدية لإيران في عام 2020، وبحلول عام 2023 ستدعو الأمم المتحدة إيران إلى تقييد برنامجها للصواريخ الباليستية. وعام 2025 ستنتهي مدة الاتفاق، مما يسمح لإيران باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة وتخصيب اليورانيوم فوق الحدود الحالية، ضمن خطوات أخرى.
وبموجب الاتفاق وافقت إيران على السماح على أساس دائم بعمليات تفتيش ومراقبة دولية معززة لأنشطتها النووية. فإيران طرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي دخلت حيز التنفيذ عام 1970، مما يعني أنها تعهدت بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية.
ومع ذلك، فإن منتقدي إيران سوف يشيرون إلى تحايلها السابق على تلك التعهدات فيما مواعيد انتهاء صلاحية الاتفاق، تلوح في الأفق بشأن عناصر منه كأسباب لعدم العودة إليه فعلا. ويقول البعض إن العودة إلى الاتفاق سيتطلب من الرئيس الأميركي الجديد رفع العقوبات ذات الصلة بالسلاح النووي، التي فرضها ترمب على إيران، وهذا بحد ذاته مشكلة معقدة. لكن العودة عن العقوبات ذات الصلة بالملف النووي قد لا تكون كافية. فالعقوبات التي فرضها ترمب تحت عنوان «أقصى قدر من الضغط على إيران»، تجاوزت بكثير العقوبات السابقة.
العودة عن تصنيف «الحرس الثوري» الإيراني كمنظمة إرهابية، قد يشكل وحده مشكلة للديمقراطيين، الذين يعتبر الكثير منهم سواء كانوا من المرشحين أو من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب بأنه كذلك. وإذا أصرت إيران على رفع العقوبات عن «الحرس الثوري»، فقد يتسبب الأمر في مشكلة سياسية حقيقية للرئيس الديمقراطي.
ويعتبر البعض وخصوصا من الديمقراطيين أن بعض صقور إيران قد يكونون هم السبب في دفع ترمب لفرض تلك العقوبات المعقدة والصعبة، التي قد تمنع الرئيس الجديد من العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 بعدما أمعنوا في سياسات التحدي والاستيلاء. وقد يستغل ترمب هذا الأمر لمهاجمة خصمه الديمقراطي متهما إياه بتعريض الأمن القومي للولايات المتحدة للخطر، إذا ما قرر العودة إلى الاتفاق.
في المقابل بات واضحا أن لغة جديدة قد دخلت على قاموس الديمقراطيين. حتى جو بايدن المرشح الأوفر حظا حتى الساعة للفوز بترشيح الحزب، قال أخيرا إنه لن يعود إلى الاتفاق إلّا بعد امتثال إيران، متعهدا في الوقت نفسه بإدخال تعديلات عليه لتقويته وتوسيعه.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».