المدينة هي القصيدة وحياة خفيفة ووادعة كما نراها في الأحلام

الموسم الحادي والأربعون لمنتدى أصيلة الثقافي

جانب من مدينة أصيلة
جانب من مدينة أصيلة
TT

المدينة هي القصيدة وحياة خفيفة ووادعة كما نراها في الأحلام

جانب من مدينة أصيلة
جانب من مدينة أصيلة

لم أكن لسنتين خلتا أعرف عن مدينة أصيلة المغربية سوى كونها مقراً للمنتدى الثقافي السنوي الذي يحمل اسمها منذ أن أسسه محمد بن عيسى، الكاتب والمثقف التنويري والوزير السابق، قبل أربعة عقود من الزمن، تحت عنوان «موسم أصيلة الثقافي الدولي». ورغم أن أصدقاء لي كثيرين، ممن أتيحت لهم زيارة المدينة أو المشاركة في منتداها الثقافي، كانوا يحدثونني عن جمال أصيلة وفرادتها العمرانية والهندسية، فإن البون كان شاسعاً بين ما سمعته من الأصدقاء وبين ما شاهدته بأم العين من معالم المدينة الصغيرة التي بدت لي شبيهة بمتحف فني وثقافي واسع، حتى ليتساءل المرء حقا وهو يتجول بين أحيائها المختلفة، كيف يمكن لبلدة صغيرة كهذه أن تضم بين جنباتها كل هذا القدر من الجداريات الفنية والمنمنمات والمكتبات العامة وقصور الثقافة والمساجد والملاعب الرياضية والمؤسسات التربوية المختلفة. أما فندق «أصيلة 32» الذي استضاف معظم المشاركين في الأنشطة الثقافية والفنية لهذا العام، فقد بدا متناغماً تماماً مع بساطة المدينة وفضائها الأليف. وهو إذ يطل على المحيط، كما على الكورنيش البحري الملاصق، يتيح لنزلائه أن يوزعوا نظراتهم بين الزرقة المترامية للمياه، وبين البيوت الأفقية المتخاصرة التي يعكس بياضها حرارة الشمس وطهارة قلوب ساكنيها في الآن ذاته. وكان علينا، نحن المشاركين في ندوة الشعر، أن نوزع أوقاتنا بين قاعة الفندق السفلية، وبين التجول على الكورنيش البحري أوفي شوارع المدينة وساحاتها وأحيائها، حيث تتواجه المعالم القديمة والحديثة في المدينة المبنية على الطراز الأندلسي، والتي سكنها الفينيقيون وأعطوها اسم أزيلا، ثم تحولت زمن الرومان إلى زيليس، قبل أن يطلق عليها العرب اسمها الحالي.
ثمة شعورٌ غامرٌ بالطمأنينة تمنحه المدينة لأبنائها، الذين يركنون رغم مصاعب الحياة وتحدياتها إلى هدوء دهري وسكينة عميقة، وإلى بطء الزمن الذي يتماهى مع النسيم في طراوته وانسيابه. أما الأسوار التي رفعها البرتغاليون لدى احتلالهم المدينة، لتكون سداً منيعاً في وجه الأعداء فلا تفلح في شطر الزمن المحلي إلى شطرين متضادين، بل يبدو الحاضر فضاءً للماضي، ويبدو الماضي ذخيرة للحاضر، وحصناً منيعاً يعصمه من التذرّر والإمّحاء، وبين الشطرين المتجاورين ثمة عربات وقاطرات صغيرة تتكفل بنقل الزائرين لا من مكان إلى آخر فحسب، بل من حقبة إلى حقبة ومن زمان إلى زمان. وإلى البيئة النظيفة التي تمتاز بها المدينة، فقد تمّ طلاء جدرانها وواجهاتها بالألوان المبهجة والمتناغمة، وتزيينها بالرسوم والنقوش والزخارف، كما تمت إقامة غير نصب وتمثال للكثير من رموز الفكر والأدب والفن وسط ساحاتها الكثيرة، بحيث تحولت المدينة برمتها إلى متحف واسع للألوان والمنحوتات وفنون التشكيل. ولعل كل ذلك لم يكن ليحدث لولا اللمسات الإبداعية الخاصة للوزير الفنان محمد بن عيسى، ابن المدينة ورئيس بلديتها منذ عقود، الذي عمد بموازاة موسمها الثقافي السنوي إلى ترميم الكثير من قصور المدينة ومبانيها، كما عمد إلى إنشاء الحدائق المختلفة التي تحمل أسماء مبدعين عرباً وعالميين، من أمثال محمود درويش، وبلند الحيدري والطيب صالح وتشكايا أوتامسي ومحمد عابد الجابري وآخرين.
لم يتح لي خلال الأيام القليلة التي قضيتها في أصيلة أن أتابع من أنشطة الموسم الثقافي الممتد لشهر كامل سوى الجزء المتعلق بالشعر، والذي توزع بين ندوتين نقديتين انعقدتا نهاراً تحت عنوان «الشعر العربي في مشهد ثقافي متحول»، إضافة إلى قراءات شعرية مسائية شارك فيها عدد من الشعراء العرب المدعوين. وحيث بدا العنوان المطروح للنقاش فضفاضاً إلى حد كبير، فقد ذهبت المداخلات والأوراق النقدية في غير زاوية واتجاه، بحيث بات من الصعب وضع الطروحات المقدمة في نسق أو نصاب محددين. فبعد أن تحدث الوزير المضيف عن الحاجة إلى الشعر في زمننا الراهن، أدار الشاعر والناقد شرف الدين ماجدولين الندوة الأولى، حيث قدم الشاعر والروائي المغربي محمد الأشعري مطالعة عميقة حول راهن الشعر العربي الذي لم يعد فن اليقينيات، بل فن الحيرة والشكوك، واعتبر أن على الشعر بما هو فضاء للحرية أن يتفاعل مع الجماليات الأخرى القادمة من جهة السينما والمسرح وفنون التشكيل. ونفى الناقد المصري صلاح فضل عن الشعر تهمة التراجع والانحسار؛ إذ كثير على لغة واحدة أن تشهد خلال فترة زمنية قصيرة ثلاث ثورات شعرية، هي الرومانسية والشعر الحر وقصيدة النثر، منوهاً بالدور الفاعل الذي يلعبه برنامج «أمير الشعراء» في مصالحة الشعر مع جمهوره وإعادته إلى بعض وهجه القديم. وفي حين اعتبر الناقد الأردني صلاح جرار أن على الشعر ألا يكون صوت صاحبه فحسب، بل صوت الجماعة التي ينتمي إليها وهي تكافح من أجل الحرية والوحدة والتقدم، دعا البحريني كريم راضي إلى شعر جديد يدير ظهره للملاحم وهاجس الخلود، ليحتفي بالهامشي والبسيط والمتواري من الأشياء. كما دعا الشاعر العراقي حميد سعيد إلى رؤية القصيدة من دواخلها المتحولة وغير المرئية، لا من جهة سطوحها البلاغية الظاهرة فحسب. وفي الجلسة الثانية التي تمحورت حول الشعر ووسائل الاتصال الحديثة.
في الجلسة النقدية الثانية التي أدارها الشاعر الأردني جريس سماوي، بدا الشاعر البحريني قاسم حداد بعيداً عن التفاؤل بمستقبل الشعر وجدواه في ظل التنافس القائم بين الأنظمة الحاكمة والمعارضات المختلفة حول تغييب الحرية وتعطيل العقل وتهميش الثقافة والإبداع. ولم يكن المشهد الشعري العربي أقل قتامة من وجهة الكاتب والمترجم التونسي حسونة المصباحي، الذي اعتبر أن عزلة الشاعر العربي وشعوره باليتم والتهميش، قد وفرا له فرصة التجديد وأخذ النص نحو مساحات مغايرة وغير مسبوقة. أما الشاعر المغربي المهدي أخريف فقد لاحظ وقوع الشعر العربي الراهن في النثرية والتنميط الأسلوبي، مشدداً على اعتبار الإيقاع، بما هو عصب الشاعر وبصمته الخاصة، أساساً في تشكّل اللغة وتحديد الهوية الإبداعية. وحيث رأى الناقد المغربي خالد بلقاسم أن لقراءة الشعر شروطاً ثقافية ومعرفية موازية لتلك التي تتطلبها الكتابة نفسها، اقترحت الشاعرة التونسية ربيعة الجلطي على الشعراء أن يفيدوا من منجزات العلم الحديث وكشوفه الصادمة، معتبرة في الآن ذاته بأن الوظيفة الأهم للشاعر هي الدفاع عن الحرية. وإلى جلستي النقد الصباحيتين كانت هناك جلستان مسائيتان مخصصتان للقراءات الشعرية، حيث تناوب على المنبر كلٌّ من الشعراء قاسم حداد، زهير أبو شايب، محمد الأشعري، حميد سعيد، جريس سماوي، ربيعة جلطي، علي عبد الله خليفة، ثريا ماجدولين، مباركة بنت البراء، إكرام عبدي وعمر الراجي. وقد استمعنا في كلتا الأمسيتين، ورغم تفاوت التجارب والمستويات، إلى الكثير من الأصوات التي انتزعت لنفسها مكانة مرموقة في خريطة الشعر العربي المعاصر. أما الشاعر والكاتب الإماراتي سلطان العميمي الذي لم يتمكن من المشاركة في الأمسية الثانية لظروف طارئة، فقد قرأ على مسامعنا في قاعة الفندق قصائد نثرية شديدة التكثيف، هي أقرب إلى قصيدة الومضة أو الحالة منها إلى أي مسمى آخر. ولن تفوتني في هذا السياق الإشارة إلى أن عدداً من الضيوف المدعوين، ممن لم ترد أسماؤهم في البرنامج الرسمي، من أمثال الشاعرة السورية نوال الحوار، والروائية لينا هويان الحسن، والإعلاميين اللبنانيين أحمد علي الزين وإسماعيل حيدر وعلي عجمي، قد شكلوا قيمة إنسانية ومعرفية مضافة إلى المنتدى، لما بثوه في كواليسه الخلفية وجلساته الحميمة من طاقة إيجابية وحيوية بالغة، ولما أشاعوه خلال السهرات واللقاءات الجامعة، من مناخات المرح والدفء والتواصل الأليف.
لا بد، في ختام هذه المقالة، من الإشارة إلى زيارتين خاطفتين لطنجة، عروس الشمال المغربي. كانت أولاهما برفقة الشعراء حيدر محمود وزهير أبو شايب وجريس سماوي، ورئيس الوزراء الأردني السابق عدنان بدران، والأخرى برفقة الشاعر المغربي أحمد الحريشي. والزيارتان على قصرهما كانتا كافيتين لمنحنا كل ما يحتاج إليه الخيال للوقوف على جاذبية المدينة المترعة بالألوان والروائح والمذاقات والرغبات الفائرة. فهنا على الذرى الشاهقة للحواس تتقاطع الذكورة والأنوثة في عناق رمزي يجرده الشعر من التسطيح والابتذال. وهنا حيث كل حقيقة مواربة، وكل رؤيا تتربى في عهدة الكتمان. هنا حيث يختلط الواقع بالأسطورة في الرواية التي تتحدث عن جنوح سفينة نوح باتجاه الغرب، لتنتزع طنجة اسمها من «الطين الذي جاء» بعد الطوفان. هنا حيث المغارة التي اتخذها هرقل مقراً له، بعد أن تكفلت قبضته الهائلة بإحداث الشرخ المائي الفاصل بين أوروبا وأفريقيا. وهنا حيث انزلق أبو عبد الله الصغير عن صخرة الأندلس، يمكن للمرء أن يعثر على الأسباب والمسوغات الفعلية التي دفعت محمد شكري إلى كتابة «الخبز الحافي»، وعلى العوامل التكوينية والمستجدة التي أعطت لطنجة فرادتها وحضورها الآسر، ومنحتها القدرة على إغواء العشرات من كتاب العالم وفنانيه، من أمثال بول بولز، وتينيسي وليمز، وبراين جيسن، وجان جينيه، وكُثر آخرين.



«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة السعودية الرياض خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، مع تنوع تشهده بين حي وآخر في الميزات المختلفة، والمظاهر الجاذبة.

وعلى الرغم من وجود إحدى فعاليات «الحوامة» في حي حطين (شمال الرياض) أثناء تصدِّي وزارة الدفاع السعودية لـ4 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه العاصمة، أُقيمت «الحوامة» في الحي ذاته بمشاركة العوائل، والأطفال الذين جابوا البيوت طلباً للحلوى وسط أجواء يغمرها الفرح والبساطة، ويسودها الأمن والاستقرار.

ونظّمت مؤسسة الحوامة هذه الفعالية، التي انطلقت عام 2015 كمبادرة بسيطة بين جيران الحي، وتحولت مع مرور السنوات إلى تجربة مجتمعية ينتظرها كثيرون كل عام.

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

وترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد، وارتبطت هذه المناسبة بعادات الجيران وتقاربهم، قبل أن تتراجع ممارستها مع تغير أنماط الحياة، غير أن إحياءها في مدينة الرياض جاء بدافع من مجموعة من سكان المنطقة لإعادة هذه العادة إلى الواجهة، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار، وتلقت توسعاً تدريجياً عاماً بعد آخر.

وقالت نجلاء المنقور، المديرة التنفيذية لـ«الحوامة»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهدف من الفعالية لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمتد إلى إحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، إضافة إلى تعزيز روح الجيرة والتواصل الاجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع هذه المظاهر في الحياة اليومية».

وأضافت المنقور أن «رسوم المشاركة، البالغة نحو 185 ريالاً (49 دولاراً)، تمثل مساهمة مجتمعية لدعم إقامة الفعالية، في غياب الرعايات الرسمية»، مشيرةً إلى أنها «تُستخدم لتغطية تكاليف التنظيم، بما في ذلك تجهيز الشوارع، وتركيب الإنارة والزينة، وإعداد أكياس الحلوى والأنشطة المصاحبة، بما يضمن تجربة آمنة ومنظمة للأطفال».

تحولت «الحوامة» من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات (تصوير: تركي العقيلي)

وشهدت «الحوامة» منذ انطلاقتها إقبالاً متزايداً، إذ تحولت من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات، ويتم خلالها توزيع الحلوى على الأطفال والعروض الترفيهية والثقافية المرتبطة بالتراث الشعبي، بالإضافة إلى الشوارع المزينة بالأنوار.

وبحسب المنقور، يحرص كثيرون على تكرار التجربة لما تحمله من أجواء تراثية واجتماعية مميزة، لكن تنظيم الفعالية لا يخلو من التحديات، حيث يحمل كثيراً من الجهد المطلوب لإقامتها سنوياً، ومع ذلك، يواصل فريق عمل المؤسسة الحفاظ على هذا التقليد وإحياءه بروح معاصرة.

وأكدت نجلاء حرصها على إقامة «الحوامة» في كل عام، واستيفاء التراخيص اللازمة من «أمانة الرياض»، إيماناً منها بأهمية استمرار هذا الموروث، مُنوِّهة أنه رغم التحديات، فإن الحماس الذي تبديه الأطفال والعائلات يدفعها إلى مواصلة العمل سنوياً بإصرار وشغف، وتسعى لتطوير الفعالية تدريجياً في السنوات المقبلة، مع الحفاظ على طابعها التراثي.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.


محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
TT

محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)

تحدث المؤلف محمد سيد بشير عن كواليس كتابته مسلسل «الست موناليزا»، الذي عُرض في موسم الدراما الرمضاني الحالي، وحقق جدلاً وحضوراً لافتاً، مؤكداً أن «الفكرة بدأت من رغبته في تقديم قضية لها علاقة بالمرأة، وأن هذا الشعور نتج من الحكايات التي تدور من حوله أو اطلع عليها عامة»، كما تحدث بشير عن علاقته بالمخرج محمد سامي، وتفاصيل الأيام الأخيرة من تصوير «الست موناليزا»، خصوصاً بعد وفاة والد الفنانة مي عمر بطلة العمل.

وقال محمد سيد بشير، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت حكاية (الست موناليزا) عندما تم التوافق بيني وبين الفنانة مي عمر على طرح قضية تخص المرأة، وشعرنا أن أحداث (الست موناليزا) هي هدفنا المشترك لتنفيذ الفكرة».

يذكر أن مسلسل «الست موناليزا»، مستوحى من قصة حقيقية، حسبما أكد الكاتب محمد سيد بشير، من بطولة مي عمر، وأحمد مجدي، وشيماء سيف، وسوسن بدر، ومحمد محمود، ومصطفى عماد، وإنجي المقدم، ومحمود عزب، ووفاء عامر، وإخراج محمد علي.

ويصف بشير الفنانة مي عمر بأنها «فنانة محترفة ومهنية جداً، ومن أمهر مَن عملت معهم في الدراما، فهي دؤوبة بشكل لا يوصف، وقبل بداية التصوير جمعتنا جلسات عمل مطولة فيما يتعلق بكل تفاصيل السيناريو، وهذا أفاد الشخصية التي خرجت للناس طبيعية على الشاشة ونالت إعجابهم».

الملصق الترويجي لمسلسل «الست موناليزا» (الشركة المنتجة)

وعن تعمده جذب الناس واستفزازهم عبر إظهار البطلة ساذجة وغبية أحياناً، أوضح بشير أنه عرض الشخصية بكل تفاصيلها، مضيفاً: «لدينا فئات بالمجتمع لا تملك الوعي الكافي، و(موناليزا) كانت طيبة، وليس لديها إدراك بالشخصيات السامة بالمجتمع، ولم تكن ساذجة كما يقال، لذلك كانت ضحية لهم».

ويستكمل بشير حديثه قائلاً: «(موناليزا) كانت تملك مشكلة فقد أسرتها منذ الصغر، ولذلك كانت متعلقة بكل مَن تحبهم وقلقة من فكرة ابتعادهم، وعندما أحبت (حسن) كان لديها هذه الأزمة ولم تكن ترغب في فقدانه، وبالتالي كانت تصدقه وتجد له مبررات طوال الوقت، وهذا الأمر استفز الجمهور الذي يرى المشكلة من منظوره ومدى وعيه وتربيته، ولا يعرفون أن هناك شخصيات بهذا الشكل فعلاً، ويملكون هذا الشعور»، مؤكداً أن الطيبة هي السبب في إيصال بعض الفتيات لمثل هذا المصير والتدمير المعنوي.

وعن استعانته أو تأثره أثناء الكتابة ببعض أبطال حوادث حقيقية شهيرة انتشرت أخيراً على «السوشيال ميديا» من بينها حادث «عروس المنوفية»، خصوصاً شخصيتي «الحماة والزوج»، نفى محمد سيد بشير هذا الأمر، مؤكداً أن «نهاية القصة الحقيقية التي استوحى منها (الست موناليزا) كانت أسوأ مما شاهده الناس، وأن هذا النوع من القصص كثير جداً، فقد عرض علينا بعد المسلسل أسوأ من ذلك وأتمنى ألا يخوض أحد مثل هذه التجربة مطلقاً».

كواليس مسلسل «الست موناليزا» (فيسبوك)

وكشف المؤلف المصري أن نهاية العمل كانت مكتوبة منذ البداية وقبل التصوير، ولم يحصل تعديلات أثناء العرض مثلما يعتقد البعض، مضيفاً: «عندما حدثت أزمة وفاة والد مي عمر، كان قد بقي 3 أيام تصوير ومروا بصعوبة بالغة، ولكن في حقيقة الأمر مي عمر كانت بطلة وقوية، وعلى قدر المسؤولية لاستكمالها التصوير في هذه الظروف، وعلى الرغم من قسوة الموقف لكنها عبرت بالعمل وفريقه لبر الأمان».

وعن حديث البعض عن وجود تدخلات مستمرة بالعمل من ناحية المخرج محمد سامي زوج الفنانة مي عمر، قال بشير إن «المخرج محمد سامي بالنسبة لي (الأب الروحي) وأول عمل لي ضمن ورشة كان من إخراجه، ولم أرَ منه أي تدخلات في (الست موناليزا) بل كان يعطينا رأيه ونتناقش معه ويدعمنا طوال الوقت، كما أنني حريص على التواصل معه دوماً للحديث عن أعمالي»، لافتاً إلى أن «السوشيال ميديا»، بالغت في هذا الجانب، خصوصاً أنه العمل الأول لمي عمر بعيداً عن محمد سامي سواء في الإخراج أو الكتابة.

ونفى محمد سيد بشير أن يكون المؤلف في أي عمل هو العامل الأساسي في تغيير جلد الفنان وتقديمه على الشاشة بشكل مختلف، مؤكداً أنه من أنصار العمل الجماعي، وأن جميع صناع العمل الدرامي يفضلون التغيير عادة، كما أن فريق (الست موناليزا)، كان يرغب في تقديم دراما مختلفة تنال رضا واستحسان الناس».