هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

رفاقه يذكّرونه بالتاريخ القديم... والشعب يتطلع إلى «أمان» باباجان

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟
TT

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

يرجح مراقبون أتراك الآن أن تكون تركيا باتت على أعتاب مرحلة كبيرة من التغيير، أبرز عناوينها «أفول العصر الذهبي» لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بزعامة الرئيس رجب طيب إردوغان...
إنه أفول ربما صنعه إردوغان بيده، أو كان له الدور الأكبر فيه، بعدما فضّل إقصاء «رفاق دربه» الذين خاضوا معه مسيرة بناء الحزب وخروجه إلى النور عام 2001، ثم صعوده السياسي القوي ومحافظته على الغالبية على مدى 17 سنة، منذ أول انتخابات برلمانية خاضها في العام 2002.

يقف حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا اليوم، على أعتاب مرحلة جديدة قد تلقي به إلى مصير أحزاب مؤسس تيار «الإسلام السياسي» الدكتور نجم الدين أربكان. وبذا يتكرّر المشهد في أحد فصول إعادة التاريخ، يوم ذهب إليه إردوغان ليخبره هو ومجموعة من أعضاء حزب «الفضيلة»، قوامها 63 نائباً وعضواً بارزاً بالحزب، أبرزهم الرئيس السابق عبد الله غُل، ونائب رئيس الوزراء رئيس البرلمان الأسبق بولنت أرينتش، بقرارهم ترك الحزب.
وخلال الأسبوع الماضي، بعد مرور 18 سنة على تلك الواقعة، ذهب علي باباجان، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وزير الاقتصاد والخارجية وشؤون المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي سابقاً، وأحد مؤسسي «العدالة والتنمية»، إلى إردوغان ليخبره بمغادرة الحزب، ويسلمه تقريراً مطولاً يشرح فيه الأسباب التي دعته إلى هذه الخطوة... والتوجه إلى تأسيس حزب جديد.
ردّ فعل إردوغان لم يختلف كثيراً هذه المرة عن ردّ فعل «أستاذه» أربكان في حينه. ومثلما وصف أربكان مجموعة إردوغان وغُل بـ«المنشقين» و«المارقين»، ولأن إردوغان أكثر حدة، فإنه يصف الآن مَن يختلفون معه ويرغبون في إكمال الطريق بعيداً عنه بـ«الخونة»، ويتوقع لهم الفشل كما توقع له أربكان.

خسائر كاشفة

كانت الخسائر التي مني بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية الأخيرة، وبخاصة في بلدية إسطنبول الكبرى، معقل الإسلاميين «الأثير»، خسائر كاشفة التشظي والغضب المعتمل في داخله. وهذا بجانب حالة الأسف التي تعتري قياداته التاريخية على المآل الذي انتهى إليه حزبهم على يد إردوغان، بسبب نزعته في السيطرة على كل السلطات، وتبنيه خطاباً استقطابياً، وضع الحزب في مرمى الاتهامات بالتعالي والانفصال عن الجماهير، والتحوّل إلى حزب عائلي، يديره إردوغان.
بوادر التراجع وانفراط العقد كانت بادية لمَن يستطيع قراءة الأحداث في ضوء مسار السياسة التركية طوال السنوات الثماني الأخيرة، وصولاً إلى بداية الانحدار الواضح للحزب في انتخابات 7 يونيو (حزيران) 2015. في هذه الانتخابات فقد الحزب الغالبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً للمرة الأولى، ليلجأ إلى انتخابات مبكرة، بعدما عجز رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو عن تشكيل حكومة ائتلافية، ورفض إردوغان تكليف زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بتشكيل الحكومة الائتلافية وتفضيل خيار الانتخابات المبكرة. بالمناسبة، بات داود أوغلو أيضاً أحد الرفاق السابقين المرشحين لتأسيس حزب سياسي جديد.
ثم جاء المؤشر الأكثر وضوحاً على ما يعتمل داخل الحزب، عندما انحاز بعض قادته لخيار الديمقراطية، رافضين حكم الفرد، ورافضين التحوّل إلى النظام الرئاسي، الذي يجمع عملياً جميع السلطات في يد رئيس الجمهورية. ومرة أخرى، كان الاستفتاء على تعديل الدستور للتحوّل إلى النظام الرئاسي، الذي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017 كاشفاً عن تراكم الشعور بسخط رفاق إردوغان على مسلكه السياسي ونزوعه إلى الفردية. وبعد شهر واحد، ظهر ذلك مع استقالة أحمد داود أوغلو من منصبي رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية، بعد خلافات حادة مع إردوغان، حاول الطرفان عبثاً ألا تخرج إلى العلن. لكن أجواء الخلاف تسرّبت، واتضحت تماماً من طريقة الاستقالة، وما تعرض له داود أوغلو من حملة شعواء من جانب الجيش الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية، للنيل من سمعته والتشكيك في نزاهته.

ساعة الحقيقة

لقد احتاج أحمد داود أوغلو إلى 3 سنوات قبل أن يخرج ويكشف حقيقة الوضع داخل الحزب، وأسباب الضعف التي قادت إلى خسارته المدن الكبرى في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية يوم 31 مارس (آذار) الماضي، ثم الخسارة المهينة في جولة الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول بين مرشح المعارضة الفائز في الجولة الأولى أكرم إمام أوغلو ومرشح «العدالة والتنمية» بن علي يلدريم. وكانت اللجنة العليا للانتخابات قررت إجراءها في 23 يونيو الماضي، تحت ضغوط من الحزب الحاكم والرئيس إردوغان، لكن الردّ جاء صفعة قوية سدّدها الناخبون الذين منحوا إمام أوغلو فوزاً جديداً بفارق 800 ألف صوت.
ومن ثم، في رسالة داود أوغلو المطوّلة التي نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في 22 أبريل الماضي، شخّص رئيس الوزراء الأسبق «الأمراض التي استشرت في جسد حزب العدالة والتنمية»، ولخصها في «الاستعلاء على الشعب، والخصام مع مبادئ الحزب، وانفراد إردوغان بكل الأمور، وإلحاحه في الظهور المكثف واستخدامه خطاباً استقطابياً مروعاً، والسيطرة على وسائل الإعلام، وإهدار دولة القانون، والسماح بتدخل أسرته في حكم البلاد، والانحراف نحو اليمين القومي، ما أدّى إلى انحسار الحزب بسبب التحالف الضارّ مع حزب (الحركة القومية) داخل الأناضول وخسارة الغرب والمدن الساحلية».
هذا، وسبقت رسالة داود أوغلو إشارات ومواقف إزاء بعض القرارات والسياسات والقوانين من الرئيس السابق عبد الله غُل، حملت انتقادات لنهج إردوغان في إدارة البلاد، فضلاً عن رفض غُل النظام الرئاسي. ولذا يرى مراقبون أن داود أوغلو عازم على تأسيس حزب سياسي، ولقد تشاور مع غُل، الداعم لنائب رئيس الوزراء الأسبق باباجان في تأسيس حزب آخر. وكانت هناك رغبة من داود أوغلو في الجمع بين الحزبين، لكن اختلافات في المنهج حالت دون ذلك.
أما ساعة الحقيقة، فكانت في الخطوة التي أقدم عليها باباجان، وهي استقالته من حزب العدالة والتنمية. وسبقتها زيارته لإردوغان، بتنسيق مع غُل، لإبلاغه بأمر الاستقالة ونيته تأسيس حزب جديد، وتقديم ملف تضمن أسباب الانتقادات، ورصد أوجه انحراف حزب العدالة والتنمية عن مساره وقيَمه التي أُسّس عليها. وبعد استقالته من الحزب الحاكم، حذف اسم باباجان من مجموعة مؤسّسيه على موقع الحزب الرسمي، كما حُذف من قبل اسم الرئيس عبد الله غُل، بعد انتهاء فترة رئاسته عام 2014، وضغط إردوغان عليه كي لا يترشّح مجدداً.

رؤية للمستقبل

كشف باباجان في خطاب استقالته ما اعتبره انحرافات عن المبادئ في حزبه القديم. وجاء في الخطاب قوله: «كنت أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام 2001، وأنا فخور بأنني أسهمت قدر الإمكان في تطوير بلادنا. وإبّان شغلي مناصبي في حكومات الحزب كنت مؤمناً بالمبادئ والقيَم التي أعلنها حزبنا، ولكن خلال السنوات الأخيرة نشأت فجوة عميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ في كثير من أنواع الأنشطة، ما شكّل صدمة كبيرة بالنسبة لي، وأدى إلى انفصال بين العقل والقلب».
وتابع الوزير البارز السابق: «العالم تغير سريعاً، وتركيا تواجه تحديات كثيرة، وباتت بحاجة إلى رؤية استراتيجية جديدة للمستقبل، وبرامج جديدة تستجيب لروح العصر ولرغبة الأجيال الجديدة في تركيا التي تطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً». وأكد باباجان أنه يشعر مع كثيرين من زملائه، الذين التقاهم في الفترة الأخيرة «بالمسؤولية التاريخية للقيام بهذا العمل، الذي سيكون - حسب رأيه - ممكناً في حال إشراك كوادر جديدة... وفي هذا السياق يرى استمرار عضويته في حزب العدالة والتنمية أمراً مستحيلاً».
اليوم، يعتقد مراقبون أنه ليس من المتوقع لأي حزب جديد أن يكون بقوة «العدالة والتنمية» في بداياته. لكن هؤلاء يؤكدون، مع ذلك، أن حزباً يضم عبد الله غُل - حتى إذا كان محرّكاً وموجهاً من الخلف - وباباجان لا يُعد أمراً مطمئناً لإردوغان وحزبه، في ظل حالة الاستقطاب وتقارب الحظوظ في المحطات الانتخابية الأخيرة، وفي ظل توحّد قوى المعارضة والقبول الواسع الذي يتمتع به غُل وباباجان في أوساط «العدالة والتنمية» والأحزاب الأخرى.
وعلى الرغم من محاولة إردوغان التقليل من شأن أي حزب يخرج من رحم «العدالة والتنمية» بترديده أن «هناك كثيرين انشقوا عن (العدالة والتنمية) وحاولوا السير وحدهم وفشلوا. يشعرون أن مَن ينزل من القطار لا يمكن أن يعود إليه مرة أخرى»، فإنه يستشعر الخطر. ولهذا السبب يحمل بشدة على رفاقه القدامى، ويصفهم بـ«الخونة»... «الذين انقلبوا على الحزب الذي منحهم المناصب، ثم عندما أخذها منهم ليعطي غيرهم انشقوا عليه».
غير أن الثمن الفادح الذي بات على إردوغان دفعه بسبب سياساته وسحقه كل من يختلف معه - كما يقول المراقبون – قد يكون تفكك حزبه إلى 3 أحزاب. فبعد الهزيمة المهينة لحزبه في الانتخابات المحلية بإسطنبول، باتت المقولة الأكثر رواجاً في تركيا الآن، وخارجها أيضاً، إن إسطنبول التي دفعت بإردوغان إلى القمة هي التي ستنزله منها، لأنه هو صاحب مقولة «مَن يفوز بإسطنبول يفوز بتركيا».

ميلاد قوي

اليوم، يحضّر غُل وباباجان لمولد قوي لحزبهما الجديد، الذي من المنتظر أن يحمل اسم «الأمان». وهذا اسم يقول المراقبون إنه معبِّر بشكل كبير عن توق الأتراك إلى الأمان، بعد مناخ الترويع والاستقطاب الذي تعيشه البلاد في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، التي وقعت منذ 3 سنوات. ومعلوم أن البلاد شهدت بعدها حملة اعتقالات وإقالات وإغلاق لمنافذ الإعلام وتعطيل لسيادة القانون والحريات بشكل غير مسبوق.
ومما نُقل عن مقربين من باباجان، أن حزب «الأمان» يرجح أن يرى النور في سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إذا ارتُؤي التعجيل بإطلاقه، إذا ما تقرّرت الدعوة إلى انتخابات مبكرة. كما عُلم أنه سيضم خليطاً من الوجوه القديمة والجديدة الناجحة، وستكون له رؤية ذات أبعاد عالمية. وبحسب المصادر، بالإضافة إلى باباجان، تضم قائمة مؤسسي الحزب وجوهاً مشهوداً لها بدعم الديمقراطية والسلام، عندما عملت في حكومات «العدالة والتنمية»، في مقدمتها سعد الله أرجين، الذي كان وزيراً للعدل لسنوات عدة، ودشّن حزمة قوانين لدعم الديمقراطية، وبشير أطالاي وزير الداخلية الأسبق، الذي حاول خلال السنوات الماضية تدشين مفاوضات سلام مع الأكراد، ورئيس المحكمة الدستورية الأسبق سابق هاشم كيلتش، ووزير الثقافة والسياحة الأسبق أرطغرل غوناي، إضافة إلى مديرين لشركات استطلاعات الرأي، وتجار، ورجال أعمال، وكبار موظفين، ووجوه جديدة، غالبيتهم من الأكاديميين الذين يعملون بالخارج.

تشكيلة محكمة

جدير بالذكر أنه يُعرف عن باباجان (52 سنة) دقته الشديدة ومعاييره العالية، إذ إنه يعمل على التفاصيل الصغيرة لكل الخطط قبل الإعلان عنها. وهو اسم كبير في السياسة التركية، خاصة فيما يتعلق ببصمته على الاقتصاد، ويملك كل المؤهلات ليكون رئيساً، ما يجعل الأتراك ينتظرون حزبه بشغف كبير. كذلك يتوقع كثيرون أن يكون باباجان الشخص الذي سيُنهي حكم «العدالة والتنمية» لتركيا، في العام ذاته الذي كان يتطلع فيه إردوغان لإعلان الجمهورية الثانية «تركيا الجديدة» عام 2023. وهو يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، وسيشهد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي سيترشح فيها إردوغان مجدداً.
من ناحية أخرى، تقول جهات مقربة من باباجان، إنه ومجموعته لا يريدون الظهور بمظهر حزب شكّله «منشقون» عن حزب العدالة والتنمية، كما يسعى إردوغان إلى تصويرهم، ولذا بالنسبة لاسم الحزب، يهدفون إلى أن يكون مختلفاً عن «العدالة والتنمية»، ثم إنهم لا يسعون إلى تشكيل كتلة في البرلمان، رغم توقع أن ينضم إليهم 40 نائباً من نواب «العدالة والتنمية» يمثلون الكتلة الموالية للرئيس السابق غُل.
أيضاً يرفض باباجان ورفاقه أن يظهر في كوادر الحزب الجديد أشخاص وردت أسماؤهم في منظمات مختلفة، أو سبق اعتقالهم، أو صدرت بحقهم أحكام قضائية، أو كانوا على علاقة مع أشخاص سُجنوا أو صدرت بحقهم عقوبة السجن، أو فروا خارج البلاد، لقطع الطريق على محاولة إردوغان توجيه ضربة إلى الحزب والقضاء عليه في مهده. وبالتالي، فالشخصيات التي يفكرون بضمها للحزب شخصيات تتمتع بشعبية لدى الشارع في مناطقها أو في تركيا، وليست على خلاف مع أي جهة. والهدف هو دمج شخصيات من يمين ويسار الوسط والمحافظين والقوميين في حزب واحد جديد، يملأ الفراغ الحاصل في سياسة يمين الوسط... أما بالنسبة للرئيس السابق عبد الله غُل، فاختار أن يكون بمثابة «صانع ألعاب» فقط، ولا يفكر أن يكون ضمن كوادر الحزب، بحسب وصف كثير من المراقبين، ذلك أن غُل كان قد أعلن عقب انتهاء فترة رئاسته عام 2014 أنه لن يخوض غمار السياسة مجدداً.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟