هل يخضع الإنفاق بسخاء في الدوري الإنجليزي لمعايير واقعية؟

البطولة شهدت صفقات باهظة فاشلة كثيرة وأخرى قليلة حالفها النجاح

فان دايك ولوكاكو... صفقة نجحت مع ليفربول وأخرى حالفها الفشل في مانشستر يونايتد
فان دايك ولوكاكو... صفقة نجحت مع ليفربول وأخرى حالفها الفشل في مانشستر يونايتد
TT

هل يخضع الإنفاق بسخاء في الدوري الإنجليزي لمعايير واقعية؟

فان دايك ولوكاكو... صفقة نجحت مع ليفربول وأخرى حالفها الفشل في مانشستر يونايتد
فان دايك ولوكاكو... صفقة نجحت مع ليفربول وأخرى حالفها الفشل في مانشستر يونايتد

يمكن القول إن مالك نادي نيوكاسل يونايتد، مايك آشلي، في الدوري الإنجليزي الممتاز هو المكافئ للكابتن روم، ذلك البحار الذي يدير سفينته بطريقة مختلفة عن «جميع القباطنة الآخرين»، في الوقت الذي يشعر فيه جمهور نيوكاسل يونايتد بالإحباط بسبب رحيل هداف الفريق أيوزي بيريز بعد أيام قليلة من رحيل المدير الفني الإسباني رفائيل بينيتيز.
وفي الحقيقة، يعرف مالك نيوكاسل أكثر من غيره فيما يتعلق بالأمور التجارية، والدليل على ذلك أنه حقق الكثير من المكاسب المالية بفضل خبراته الكبيرة في الأسواق والأوراق المالية. ورغم أن النقاد قد يتهمونه بأنه لا يلقي بالاً للأمور الأخرى، فلا يمكن إنكار أن نجاح آشلي في بيع لاعب مقابل 30 مليون جنيه إسترليني لم يكلف النادي سوى 1.5 مليون جنيه إسترليني فقط قبل خمس سنوات يعد شيئاً لافتاً للنظر.
ومن المؤكد أن هناك حالة من الجدل حول بيع النادي للمهاجم الذي ساعدت أهدافه نيوكاسل يونايتد على البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز في الموسم الماضي، مثلما هو الحال فيما يتعلق بتخلي النادي عن خدمات المدير الفني رفائيل بينيتيز، لكن طالما أن آشلي مستمر في شراء لاعبين بأسعار زهيدة وبيعهم بأسعار مرتفعة فإنه سيشعر بأنه قادر على التغلب على كل الاحتجاجات والنتائج السيئة الأخرى.
وكان آلان بارديو يتولى قيادة نيوكاسل يونايتد عندما تعاقد النادي مع بيريز قادماً من نادي تينيريفي الإسباني في عام 2014. وكان غراهام كار لا يزال في مهمة البحث عن لاعبين جدد للنادي. ولم يدم كار، الذي اكتشف لاعبين مهمين مثل يوهان كاباي وبابيس سيسيه وشيخ تيوتي، في منصبه طويلاً بعد تعاقد النادي مع رفائيل بينيتيز. وكان جمهور النادي قد بدأ يتساءل عما إذا كان كار لا يبحث عن المواهب الشابة في أماكن أخرى غير فرنسا وألمانيا، لكن بعد فترة وجيزة وجد نيوكاسل يونايتد وسيلة للتغلب على الأسعار الخرافية للاعبين في الدوري الإنجليزي الممتاز من خلال البحث عن لاعبين في أماكن جديدة.
وبدأ ستيف وولش يفعل الشيء نفسه في ليستر سيتي بعد بضع سنوات، فلم يتعاقد فقط مع جيمي فاردي من نادي فليتوود المغمور، لكنه كون فريقاً قوياً حصل على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز بفضل تعاقده مع الجزائري رياض محرز والفرنسي نغولو كانتي من لوهافر وكاين، على التوالي. ولم تتكلف خزينة ليستر سيتي سوى أقل من 7.5 مليون جنيه إسترليني فقط للتعاقد مع هؤلاء اللاعبين الثلاثة (كان كانتي هو الوحيد الذي تجاوز سعره مليون جنيه إسترليني، حيث وصل إلى 5.6 مليون جنيه إسترليني)، بينما باع ليستر سيتي محرز وكانتي مقابل 92 مليون جنيه إسترليني. ومن الواضح أن هذه هي الكيفية التي يجب بها إدارة الأعمال التجارية في عالم كرة القدم، خاصة عندما تكون الفرصة في المنافسة على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز صعبة. لكن ستيف وولش ورونالد كومان فشلا في تكرار نفس التجربة في نادي إيفرتون.
وقد عين إيفرتون كومان مديراً فنياً للفريق بسبب التطور الذي أحدثه في نادي ساوثهامبتون، وبسبب اعتماده على اللاعبين الشباب من أكاديمية الناشئين بالنادي وتعاقده مع المدافع الهولندي العملاق فيرجيل فان دايك من سيلتك الأسكتلندي مقابل 13 مليون جنيه إسترليني. وعندما انتقل فان دايك إلى ليفربول بعد ثلاث سنوات مقابل 75 مليون جنيه إسترليني، تم تهنئة ساوثهامبتون على الطريقة التي يعمل بها كشافو اللاعبين في النادي وعلى تحقيق مكاسب مالية كبيرة من بيع اللاعبين، رغم أن نادي سيلتك هو الآخر قد حقق مكاسب مالية كبيرة من صفقة فان دايك، الذي تعاقد معه من غرونينغن الهولندي في عام 2013 مقابل 2.6 مليون جنيه إسترليني فقط.
وفي حين أن معرفة كومان بكرة القدم الهولندية هي التي أقنعته بالتعاقد مع فان دايك في صفقة كان ينظر إليها في ذلك الوقت على أنها تحمل الكثير من المغامرة، إلا أنه كان من الواضح أن عدداً قليلاً من الكشافة من الأندية الكبرى في الدوري الإنجليزي الممتاز كانوا يراقبون كرة القدم الأسكتلندية بحثاً عن المواهب الشابة هناك، وإلا لكانوا قد اكتشفوا أندي روبرتسون، الذي حصل على لقب دوري أبطال أوروبا مع ليفربول، قبل أن يحضره هال سيتي إلى إنجلترا من نادي دندي يونايتد مقابل 2.85 مليون جنيه إسترليني في عام 2014.
وحتى بعد قضاء ثلاثة مواسم حافلة بالأحداث مع نادي هال سيتي، لم يكن روبرتسون هدفاً واضحاً للأندية الكبرى، رغم أن صفقة انتقاله إلى ليفربول والتي بلغت ثمانية ملايين جنيه إسترليني أصبحت الآن واحدة من أفضل صفقات انتقال اللاعبين خلال العشر سنوات الأخيرة. فهل ستكون صفقة انتقال بيريز إلى ليستر سيتي مقابل 30 مليون جنيه إسترليني صفقة مميزة أيضاً، أم أن ليستر سيتي قد دفع أكثر من اللازم للتعاقد مع هذا اللاعب لأنه يعتقد أنه سيحصل على الكثير من الأموال مقابل بيع هاري ماغواير الذي يمكن أن يكون في طريقه إلى مانشستر يونايتد؟ في الحقيقة، لا توجد وسيلة لمعرفة ذلك الأمر بالتأكيد.
وعلى سبيل المثال، لم يكلف النجم المصري محمد صلاح خزينة ليفربول سوى 37 مليون جنيه إسترليني، لكن هل يتمكن بيريز من تقديم نفس الأداء الذي يقدمه صلاح مع الريدز؟ ومع ذلك، يجب الإشارة إلى أن 37 مليون جنيه إسترليني كان رقماً قياسياً في تاريخ ليفربول في عام 2017. وفي حين أنه لا يمكن إنكار أن هناك موهبة في اكتشاف اللاعبين والتعاقد معهم بأسعار زهيدة، فقد يكون التمسك بالتعاقد مع لاعب معين ولو بسعر كبير نجاحاً كبيراً أيضاً، والدليل على ذلك إصرار ليفربول على التعاقد مع فان دايك وجعله المدافع الأغلى في العام، لكن اللاعب الهولندي قدم مستويات تثبت أنه يستحق تماماً المبلغ الذي دفعه ليفربول للتعاقد معه.
وفي الآونة الأخيرة، حطم مانشستر سيتي الرقم القياسي لأغلى صفقة في تاريخه للمرة الثانية على التوالي. ورغم كل ما يقال عما ينفقه مانشستر سيتي على التعاقد مع اللاعبين، فإنه لا يزال بعيداً كل البعد عن الأرقام القياسية المسجلة باسم الأندية الإنجليزية الأخرى في هذا الصدد، ويبدو أنه تردد في الدخول في مزايدة مع مانشستر يونايتد من أجل التعاقد مع ماغواير.
ورغم أن مانشستر سيتي قد دفع قيمة الشرط الجزائي في عقد اللاعب الإسباني رودري مع أتليتكو مدريد والتي تصل إلى 62 مليون جنيه إسترليني، فإن ليفربول ومانشستر يونايتد لديهما لاعبان تتجاوز قيمة انتقالهما أكثر من ذلك. إن احتمال رحيل بول بوغبا وروميلو لوكاكو عن مانشستر يونايتد، ربما بمقابل مادي أقل مما دفعه النادي للتعاقد معهما، يعكس بشكل واضح مخاطر دفع مبالغ مالية كبيرة للتعاقد مع اللاعبين.
وينظر إلى فان دايك على أنه يستحق تماماً المبلغ المالي الضخم الذي دفعه ليفربول للتعاقد معه، وبالتالي اعتقد ليستر سيتي أنه يجب أن يحصل على مقابل مادي كبير من أجل التخلي عن خدمات ماغواير، لكن ذلك لا يعني أن كل مدافع يصل سعره إلى 75 مليون جنيه إسترليني سيقدم نفس الأداء الذي يقدمه فان دايك.
ويعتمد نجاح الخطوة التالية لهاري ماغواير إلى حد كبير على النادي الذي سينضم إليه في نهاية المطاف، رغم ضرورة التأكيد على أن ماغواير قد تألق في جميع الأندية التي لعب لها حتى الآن، فمع نادي شيفيلد يونايتد، الذي بدأ معه مسيرته الكروية، حصل ماغواير على لقب أفضل لاعب في العام في كل موسم من المواسم الثلاثة التي لعبها للفريق. لكن من الواضح أن ستان تيرننت، رئيس الكشافة بنادي هال سيتي، كان هو الوحيد الذي يتابع اللاعب في ذلك الوقت! والآن، قد ينتهي الأمر بأن يدفع أحد الأندية الغنية مبلغاً قياسياً من أجل التعاقد مع ماغواير، رغم أنه قبل خمس سنوات من الآن كان يمكن التعاقد معه مقابل 2.5 مليون جنيه إسترليني فقط!


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.