وثائق جديدة تدين رئيس سان جيرمان بالتلاعب في سوق الانتقالات

المسؤول القطري طالب بدفع أموال بشكل غير شرعي لوكيل اللاعب الأرجنتيني باستوري

الخليفي في دائرة  الاتهامات مجدداً
الخليفي في دائرة الاتهامات مجدداً
TT

وثائق جديدة تدين رئيس سان جيرمان بالتلاعب في سوق الانتقالات

الخليفي في دائرة  الاتهامات مجدداً
الخليفي في دائرة الاتهامات مجدداً

كشفت وثائق جديدة تورط القطري ناصر الخليفي رئيس نادي باريس سان جيرمان في تلاعب مالي بسوق الانتقالات من أجل إتمام بعض الصفقات لصالح فريقه، وأفادت معلومات بأن الخليفي قدم مدفوعات سرية لأحد الوكلاء لإتمام صفقة انتقال اللاعب الأرجنتيني خافيير باستوري من باليرمو إلى باريس سان جيرمان، وأدلى أيضاً بمعلومات غير صحيحة أمام قاض فرنسي، ما يشكل خرقاً لقانون اللعب المالي النظيف.
وكشفت الوثائق أن الخليفي وقع على خطاب عام 2011، كان موجهاً إلى فريق العمل المعاون لأمير قطر الحالي تميم (قبل توليه المسؤولية عقب تنازل والده حمد بن خليفة عن الحكم في 2013) يطلب منه سداد 2 مليون يورو إلى وكيل أعمال اللاعب خافيير باستوري من أجل إتمام انتقال لاعب خط الوسط الأرجنتيني من نادي باليرمو إلى سان جيرمان في صفقة بلغت قيمتها 40 مليون يورو بجانب مكافآت إضافية عام، وذلك علاوة على 200 ألف دولار «نفقات» جرى طلبها لحساب شركة قطرية خاصة تدعى «أوريكس كيو إس آي»، يديرها شقيقه.
جدير بالذكر أنه يحظر على أي رئيس ناد أن يسدد بشكل شخصي أموالاً لوكيل أعمال، وتبعاً للمادة السابعة من قانون «الفيفا» المتعلق بالوسطاء، فإن «أي مدفوعات مقابل خدمات من جانب وسيط يجري تسديدها حصراً من قبل عميل الوسيط إلى الوسيط».

من ناحيته، أكد الاتحاد الفرنسي لكرة القدم لـ«الغارديان» وموقع «ميديا بارت» الإلكتروني الفرنسي أن مثل هذه المدفوعات تشكل خرقاً لتنظيماته وأيضا لقانون فيفا الخاص باللعب المالي النظيف. وأوضح الدوري الفرنسي لكرة القدم للمحترفين أن هذا يمثل كذلك خرقاً للمادة 122 - 17 من القانون الرياضي التي تنص على أن اللاعبين والأندية فقط مسموح لهم بتقديم أموال لوكلاء أعمال اللاعبين. وأضاف في بيان أصدره أنه: «وبالتالي، لا يحق لرئيس ناد أن يسدد على نحو شخصي مباشر أموال عمولة لوكيل أعمال».
ويوحي الخطاب السري المكتوب بالعربية، كذلك بأن الخليفي قدم معلومات غير دقيقة إلى رينو فان رومبيك، القاضي الفرنسي الذي يتولى إجراء تحقيقات فساد مالي تخص رئيس سان جيرمان ومجموعته، وذلك عندما أخبره بأنه لا يملك سلطة التوقيع. ووفقا للمحاضر أخبر الخليفي القاضي بأنه: «لم يكن لدي حق التوقيع ـ ولم يمكن بمقدوري إصدار أوامر بصرف أي نفقات» إلى «أوريكس كيو إس آي» عام 2011 ومع ذلك، فإن الخطاب كتب على ورق يخص الشركة ووقع عليه الخليفي بنفسه.
وقد جرى تضمين الخطاب كنسخة «بي دي إف» أرسلت عبر البريد الإلكتروني في خضم مجموعة ضخمة من الوثائق التي اطلعت عليها «الغارديان» و«ميديا بارت». وجرى تكميل المعلومات الواردة في الخطاب بوثائق صادرة عن «فوتبول ليكس»، حصلت عليها مجلة «دير شبيغل» الألمانية.
وعلى ما يبدو، تصف الوثائق عملية أمر بها أمير قطر الحالي تهدف لدفع عمولة لم يتم الكشف عن قيمتها إلى وكيل أعمال عبر الخليفي وشركة «أوريكس كيو إس آي».
تجدر الإشارة إلى الخطاب الذي يبدو واضحاً أنه صادر عن الخليفي موجه إلى «سعادة الشيخ خالد بن خليفة آل ثاني، رئيس فريق العاملين المعاون لتميم ولي العهد(حينها)»، ويتضمن الجزء الخاص بموضوع الخطاب العبارة التالية: «عمولة لوكيل أعمال اللاعب خافيير باستوري ونفقات شركة (أوريكس كيو إس آي)».
وفي ثنايا الخطاب، كتب الخليفي أن خطابه صادر «بناءً على التوجيهات الشفهية الصادرة عن الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ولي العهد، بخصوص دفع عمولة لوكيل الأعمال المسؤول عن اللاعب خافيير باستوري تبلغ 2 مليون يورو مقابل انتقاله من نادي باليرمو الإيطالي إلى باريس سان جيرمان، بجانب نفقات تخص (أوريكس كيو إس آي) تصل إلى 200 ألف دولار أميركي».
بعد ذلك، حدد الخطاب تفاصيل الجهات التي سيجري توجيه المدفوعات إليها، قبل أن يضيف الخليفي: «نشكركم على مساعدتكم وتعاونكم معنا. تفضلوا رجاءً سعادتكم بالغ احترامي».
وعندما تواصلت «الغارديان» مع المحامين الممثلين للخليفي وطرحت عليهم أسئلة تفصيلية، أجابوا في البداية بأن الدول التي تقود المقاطعة ضد قطر هي التي تروج لكميات ضخمة من المعلومات المضللة والوثائق المفبركة التي تذكر دولة قطر ونشاطات الكثير من مواطنيها. وأضاف المحامون: «في ظل مثل هذه الظروف... لا يمكن لعميلنا الإقرار بصحة المادة التي وصفتموها، أو النتائج المتنوعة التي خلصتم إليها منها». لكن المحامين لم يبرروا لماذا كذب موكلهم عندما نفى أنه يملك حق التوقيع على أي مكتوبات تخص المدفوعات الخاصة بالنادي أو أي نشاط رياضي، وأنه لم يتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه الأفعال.
جدير بالذكر أن «الغارديان» و«ميديا بارت» حصلتا على معلومات دقيقة تشير إلى أن الخليفي تمكن من الوصول إلى رسالة البريد الإلكتروني المتعلقة بباستوري، بجانب ترجمة إنجليزية للخطاب المطبوع المرفق بها. ومنذ ذلك الحين، لم يقدم فريق المحامين المعاون له أي ردود أخرى. كما رفض ممثلون عن أمير قطر التعليق على المدفوعات التي قدمها بناء على طلب الخليفي.
يذكر أن السلطات الفرنسية قد فتحت تحقيقا مع الخليفي الشهر الماضي واتهمته بـ«الفساد النشط». وبحسب مصادر متطابقة، استدعى القاضي الفرنسي رينو فان رويمبيكي الخليفي للاستماع إليه في التحقيقات المالية الخاصة بدفعتين بقيمة إجمالية تبلغ 3.5 مليون دولار يعود تاريخهما إلى خريف العام 2011 من قبل شركة «أوريكس شركة قطر للاستثمارات الرياضية» التي يديرها خالد شقيق ناصر الخليفي، لصالح شركة تسويق رياضية يديرها بابا ماساتا دياك، نجل الرئيس السابق للاتحاد الدولي لألعاب القوى.
وبحسب التقارير، كانت الدوحة في تلك الفترة تأمل في استضافة بطولة العالم لألعاب القوى 2017 ويسعى قضاة التحقيق إلى تبيان ما إذا كان لامين دياك الذي تولى رئاسة الاتحاد بين العامين 1999 و2015، قد قام بناء على هاتين الدفعتين بتأخير موعد إقامة البطولة في الدوحة إلى فصل الخريف بدلا من الصيف نظرا للحرارة المرتفعة في دول الخليج، وأيضا السعي إلى كسب تصويت بعض أعضاء الاتحاد الدولي لصالح الدوحة.
وأتى كشف توجيه الاتهام بعد يومين من خطوة مماثلة بحق الرئيس التنفيذي لمجموعة «بي إن» القطري يوسف العبيدلي بالفساد مع لامين دياك، في تحقيق بشكوك في فساد بشأن ترشيح الدوحة لاستضافة مونديال القوى 2019 الذي من المقرر أن يقام في قطر من 27 سبتمبر (أيلول) إلى 6 أكتوبر (تشرين الأول).
وأوضحت المصادر الفرنسية أن الدفعتين اللتين تثيران الشبهات تم تحويلهما إلى شركة بابا ماساتا دياك في 13 أكتوبر والسابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، أي قبل أربعة أيام من تصويت الاتحاد الدولي على منح حق استضافة مونديال 2017، والذي فازت به لندن.
وأفاد مصدر مقرب من الملف بأن هاتين الدفعتين كانتا في إطار اتفاق بين «أوريكس» وشركة «بامودزي» التابعة لبابا ماساتا دياك، تلتزم بموجبه الأولى بشراء حقوق البث التلفزيوني لمونديال القوى مقابل 32.6 مليون دولار، لكن بشرط أن يتم منح حق الاستضافة إلى الدوحة.
وأوضحت أن ما أثار تساؤل التحقيق الفرنسي، هو أن المبالغ التي دفعت قبل قرار الاتحاد الدولي كانت «غير قابلة للرد».
من جهته، قال وكيل أعمال باستوري، مارسيلو سيمونيان إنه «لم يعرف» شركة «أوريكس كيو إس آي» وإنه لم يتفاوض مع الخليفي بخصوص انتقال اللاعب. وقال: «تحدثنا وتبادلنا التصافح بالأيدي مع الخليفي، لكن المفاوضات جرت عبر الهاتف مع ليوناردو (مدير شؤون الرياضة لدى باريس سان جيرمان)».
يذكر أن سيمونيان يملك 50 في المائة من الحقوق الاقتصادية المرتبطة باللاعب في إطار اتفاق ملكية طرف ثالث، وبالتالي يحق له نصف أجر الانتقال البالغ 40 مليون يورو فيما عدا المكافآت الإضافية ـ رغم أنه لا يزال في خلاف مع باليرمو حول المبلغ.
أيضاً، مثل وكيل الأعمال الأرجنتيني نادي باليرمو في الاتفاق، رغم أن القواعد الفرنسية والدولية تحظر اضطلاع وكيل ما بتمثيل عدة أطراف في الصفقة ذاتها، الأمر الذي دفع باريس سان جيرمان للامتناع عن دفع مقابل مادي له نظير إتمام الصفقة.
ومع ذلك، يبدو أن وثائق سرية من «فوتبول ليكس» تكشف أنه في 15 سبتمبر 2011، بعد شهر من إنجاز الصفقة، اتصل زميل لسيمونيان بالمحامي الفرنسي إيمانويل مولان بخصوص صفقة باستوري ـ وطلب منه التواصل مع باريس سان جيرمان للحصول على المبلغ الذي يدين به النادي لسيمونيان. أيضاً، توحي وثائق «فوتبول ليكس» بأن سيمونيان كان على علم بهذا الطلب.
وتبعاً لهذه الوثائق، اتصل موظف يعمل في شركة مولان للمحاماة بسيمونيان والشخص المقرب منه في اليوم التالي ليخبرهما أن مولان تواصل مع باريس سان جيرمان، وأن النادي أكد أن المبلغ جرى سداده بالفعل. ولم تتضمن الوثائق أي إشارة لحجم المبلغ المشار إليه.
ولدى مواجهته بهذه المعلومات، أنكر سيمونيان اقترافه أي خطأ، وأجاب: «ربما أخطأتم في قراءة أو ترجمة الوثائق على نحو كبير». وقال: «لا أذكر مثل هذه المراسلات المتبادلة»، مضيفاً: «لم أطلب من باريس سان جيرمان أموالاً قط بخصوص صفقة باستوري».
وقال: «لم أتلق أنا ولا إيمانويل مولان أي عمولة بخصوص صفقة انتقال باستوري. ولم يكن باستطاعتي الحصول على عمولة لأنني أشارك في ملكية اللاعب».
أما مولان فرفض التعليق على طلب الحصول على أموال من باريس سان جيرمان، لكنه رفض «بأقوى العبارات» أي اتهام له باقتراف خطأ أو التواطؤ فيما يخص صفقة انتقال باستوري أو الأسلوب الذي جرى إبلاغ السلطات الفرنسية بخصوصها.
 


مقالات ذات صلة

تركيا: إمام أوغلو يلمح لتأسيس حزب جديد بقيادة أوزيل لتجاوز أزمة «الشعب الجمهوري»

شؤون إقليمية رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو رافعاً يد أوزغور أوزيل عقب إعلان فوزه برئاسة حزب «الشعب الجمهوري» خلال المؤتمر العام للحزب في 2023 الذي أبطله القضاء التركي في مايو الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: إمام أوغلو يلمح لتأسيس حزب جديد بقيادة أوزيل لتجاوز أزمة «الشعب الجمهوري»

لمح رئيس بلدية إسطنبول المعارض المحتجز، أكرم إمام أوغلو إلى احتمال تأسيس حزب جديد بقيادة أوزغور أوزيل لسلل أزمة إبعاده عن رئاسة حزب"الشعب الجمهوري

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا محكمة القطب الجزائي المختص في قضايا الفساد بالجزائر (الإذاعة الحكومية)

السجن 7 سنوات لوزير السكن الجزائري السابق عبد الوحيد طمار

أصدرت محكمة العاصمة الجزائرية المتخصصة في قضايا الإجرام المالي والفساد، الاثنين، حكماً بالسجن 7 سنوات حبساً نافذاً على وزير السكن السابق عبد الوحيد طمار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

الزيدي يلغي مشروعاً لتطوير «مطار بغداد» بسبب شبهات فساد

المشروع تضمن «بناء صالة حديثة للمسافرين تصل سعتها إلى 15 مليون مسافر سنوياً، وتأهيل المدارج والبنى التحتية للمطار».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شمال افريقيا أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شهدت الأيام الأولى من حملة انتخابات الثاني من يوليو (تموز) بالجزائر تطورات مفاجئة خلطت أوراق الأحزاب وجعلتها في ورطة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (تويتر)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.