إبداعنا العربيّ... أليس جديراً بالترجمة؟

الأمر مرهون بمؤسسات رسمية عربية تحتضنها منظمات دولية مثل {اليونيسكو}

موريس بلانشو  -  غلاف أسئلة الكتابة
موريس بلانشو - غلاف أسئلة الكتابة
TT

إبداعنا العربيّ... أليس جديراً بالترجمة؟

موريس بلانشو  -  غلاف أسئلة الكتابة
موريس بلانشو - غلاف أسئلة الكتابة

تُوصف الترجمة بأنّها شكلٌ من أشكالِ الاعتراف بالممارسة الإبداعية، وأداة قوية من الأدوات المطوِّرة للثّقافة العالمية التي استطاعت تجاوز تقليدية الفهم للترجمة، ذلك الفهم الذي بموجبه كان مؤرخو الثقافة ينكرون دور الترجمة في تطوير الثقافات الوطنية، ناظرين إليها بوصفها هي المنفى والاغتراب.
ولقد تغيرَ هذا الفهم مع أدبيات مرحلة ما بعد الحداثة التي صارت تولي الترجمة أهمية بالغة، فموريس بلانشو مثلاً رأى في كتابه (أسئلة الكتابة) أنّ للتّرجمة شكل الأدب، ورفض عدَّها اقترافاً لعصيان واستعادة أو إعادة لبرج بابل، متسائلاً لماذا لا ننظر إلى عمل المترجم، كما لو كان عملاً إبداعياً، يضاهي أو يحاكي الأصل في المظهر، من منطلق (أن العمل لا يكون أهلاً لأن يترجم إلا إذا أفصح عن استعداد للاختلاف) «أسئلة الكتابة، ص85»، مشبهاً المسألة بالتفاهم بين لغتين تتمكنان من جعل الفجوة بينهما منبعاً لمعنى جديد.
ولن نجانبَ الحقيقة إذا قلنا إنّ الترجمة ليست أكثر من تغيير للغة تغييراً أفقياً ضمن حيز أدبي كوني. وما سلسلة عمليات تحويل النصوص الأدبية وترجمتها سوى نوع من تسلسل الاستراتيجيات اللغوية الأدبية في شكل حلقاتٍ متواصلة من الحلول المستمرة.
والغاية الهروب من الفقر والجهل اللاأدبيين على حد تعبير باسكال كازانوفا، التي ذهبتْ إلى أنّ هذا الفهم العولمي للتّرجمة بإمكانه أنْ يمحو البؤسَ الأدبي، بمعنى أنّ كل كاتب ينتمي إلى أمة ليست محرومة من إرث أدبي، سيوفر له الخير الأدبي المناسب لازدراء البؤس والعكس صحيح، فتغدو الترجمة الأدبية ملاذاً وألفة وليست منفى أو غربة.
وبموجب هذا الفهم، تغدو الترجمة خير وسيلة للتقارب بين الثقافات والحضارات. وثقافتنا العربية بالعموم ومنجزنا الإبداعي بالخصوص بحاجة إلى الدراسة العالمية، علماً بأن أكثر الترجمات التي تمت خلال العقود الماضية كانت قليلة جداً، وانحصرت في الأدب العربي الكلاسيكي، خذ مثلاً الدراسات الروسية التي اقتصر أغلبها على الكتّاب المصريين، واهتمت بعض الدراسات الاستشراقية لكتاب بلغار وسويسريين وألمان وإسبان وإنجليز وفرنسيين بالأدب العربي المعاصر عموماً.
ورغم أنّ في هذا دلالة على تطور الاستشراق الأوروبي، فإنّه يستنهض دورنا بأهمية تعريف الآخر بما وصل إليه إبداعنا العربي من تطور وتجديد على طول خريطة الوطن العربي من المشرق إلى المغرب.
ولا يخفى أنّ للترجمة دورها المهم والفعّال في نشر النتاجات الأدبية العربية والتعريف بإبداعاتها في آداب اللغات المترجم إليها. ومن حسنات الجوائز الأدبية أنْ جعلت ترجمة الأعمال الإبداعية من ثمار الفوز بها، وفي ذلك منفعة ثقافية، تتحقق من جراء وصول صورة من صور إبداعنا إلى العالم. وهذا ما تفعله أيضاًأأن يترجم إلا إذا ا كبريات الجوائز العالمية بدءاً من جائزة البوكر الدولية وجائزة ألمانيا للكتاب وغيرهما.
وبالتأكيد يظلُّ الطموح أكبر من ذلك، فالجوائز لا تشمل بترجماتها كلَّ الإبداع العربيّ، وميدان اهتمامها يقتصر في الأغلب على الأدب الروائي وحده. وعدد الفائزين بها في كل عام لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة. وهو نزر بالقياس إلى حجم العطاء الثقافي في مشرق الوطن العربي ومغربه. ومن ثم سينزوي مبدعون آخرون لم يشركوا في الجوائز، ممن كرسوا جهودهم للأدب وحده. وكثير من هؤلاء المبدعين يمثلون الإبداع في أبهى صوره، لذا هم جديرون بتعريف الآخر بنتاجاتهم.
ولا شك أن التوسع في مجال ترجمة الإبداع العربي إلى أكثر من لغة عالمية، ليشمل مناحي متعددة منه، ولا سيما النتاجات التي تتمتع بالوعي الأصيل والصميم بالعملية الإبداعية ومتلازماتها الفكرية ذات الصلة بالرؤى النظرية وآفاقها الحداثية، ستكون له مردودات مهمة منها:
> ستعرف الآداب الأخرى بالمستوى الذي وصل إليه إبداعنا العربي وما بلغه من تقدم على المستويين الفني والفكري.
> اطلاع المؤسسات الثقافية الأجنبية والمتلقين في مختلف دول العالم على أسماء مبدعينا العرب.
> دفع الأدباء في مختلف البلدان إلى التفاعل الثقافي باتجاه الاستزادة الفنية وبالشكل الذي يقوي الصلات الثقافية والحضارية.
> إدامة الجسور الثقافية التي تسهم في تدعيم صلات الاندماج الثقافي والتعدد المعرفي والتنوع الحضاري والتي هي من السمات الإيجابية لمرحلة ما بعد العولمة التي تهدف إلى إلغاء الحدود والحواجز ما بين آداب الشعوب على اختلاف مشاربها وطوائفها وألوانها وألسنتها.
> فتح آفاق الارتقاء بالفنون الإبداعية إلى مستويات عالمية تسمح بالتوليد والاشتقاق داخل الفن الواحد من جهة وداخل الفنون بعضها بعضاً من جهة أخرى.
إن ثقافتنا عامة وفي حقل الدرس النقدي خاصة بحاجة ماسة إلى الترجمة إلى اللغات الأخرى من جهة، ومن جهة أخرى تعزيز انفتاح نقدنا المعاصر على مختلف الحقول المعرفية العالمية، بما يجعل الناقد العربي مواكباً نظيره الآخر، متابعاً جديده النظري والمعرفي. وهذا ما يقوم به اليوم مترجمون واعون للعملية إلا بداعية.
وإذا كنا نرى أهمية تحشيد الحركة الترجمية بإطار علمي مدروس ينتقي الجيد والمهم من الكتب بنظر حصيف لا يخبط خبط عشواء ولا يخاتل القارئ التفافاً أو مراءاة، فإننا أيضاً نتطلع إلى حركة ترجمية مماثلة، تعرَّف الآخر الغربي بنتاجاتنا الإبداعية، كي تتوازن عمليتا الانفتاح والتأثير، ويكون الآخر الغربي على دراية بالمستوى الذي بلغه نظيره العربي على الصعيدين التنظيري الإبستمولوجي والإجرائي، عارفاً مقدار الشوط الذي قطعه العقل العربي المعاصر والراهن وهو يشيّد معماره الثقافي مضيفاً ومقوماً ومبتكراً.
وهذا ما نتوسم أن يقوم به مترجمونا العرب قاطبة على أن يكون الاندماج الثقافي مع الآخر اندماجاً متبادلاً أو تبادلياً أخذاً وعطاءً واستقبالاً وإرسالاً. وليس نقلاً من دون إعادة. فلماذا تقتصر أغلب الترجمات العربية على نقل إبداعات الآخر إلينا وتغفل أن تترجم إبداعنا إلى الآخر؟
أهو شعور أن ليس في إبداعنا العربي ما هو جدير بالترجمة أم هو ضيق يد الحال أم هو الانبهار بالآخر الذي يجعلنا ننسى التعريف بأنفسنا؟ ألسنا نؤمن بالانفتاح الذي يقوم بالأساس على التفاعل والتحاور؟ أم نحن أقل من أن نكون كذلك؟
ومهما تكن الإجابات؛ فإن الأمر المهم يبقى مرهوناً بقيام مؤسسات رسمية عربية، كمنظمات أو هيئات أو مراكز، تحتضنها منظمات دولية كاليونيسكو مثلاً، مهمتها وضع الخطط الاستراتيجية التي بالعمل بها يتم توحيد الفعل الترجمي العربي وتنسيق عطاءات المترجمين، وبالشكل الذي يحقق لنا توازناً ثقافياً وتبادلاً معرفياً، سواء فيما يترجم من الآخر إلينا أو فيما يترجم منا إليه.



«الشرق الأوسط» في «كان» - 9: هل انتهى المهرجان بأقل الخسائر الممكنة؟

المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
TT

«الشرق الأوسط» في «كان» - 9: هل انتهى المهرجان بأقل الخسائر الممكنة؟

المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)
المخرج كريستيان مونجيو يحمل جائزة السعفة الذهبية عن فيلم «فيورد» (إ.ب.أ)

‫عكست جوائز مهرجان كان السينمائي التي تمّ منحها يوم السبت (الثالث والعشرين من الشهر) نتائج لم تكن متوقعة، حتى لدى العديد من النقاد الفرنسيين الذين كانوا عبّروا عن آرائهم في جداول بعض المنشورات والمجلات التي صدرت يومياً خلال الدورة المنتهية.

على سبيل المثال، لم يجد الفيلم الفائز بالسعفة الذهبية، وعنوانه «فيورد» (Fjord) الإعجاب الكبير الذي حازه لدى لجنة التحكيم. كان الصدى النقدي متراوحاً بين الوسط والقبول و(بنسبة محدودة) الجودة.

«مينوتور» حاز جائزة لجنة التحكيم الكبرى (سي جي فيلمز)

هذا على عكس فيلم «مينوتور» (Minotaur) الذي حصد جائزة لجنة التحكيم الكبرى للمخرج الروسي أندريه زفياغونتسف. أمّا «وطن» الذي اعتبره غالبية النقاد الأكثر جدارة بالفوز، فقد انتهى بجائزة أفضل مخرج نالها البولندي بافل بافليكوفسكي مناصفة مع فيلم أقل درجة بكثير عنوانه «الكرة السوداء» (The Black Ball أو La Bola Negra)، حسب عنوانه الأصلي الذي أخرجه شريكان إسبانيان، هما خافيير أمبروسي وبيلين مارتي لوش.

إنها دورة الجوائز التي مُنِحت مناصفة؛ ليس أن لجان التحكيم السابقة لم تعمد إلى هذا الاختيار سابقاً، لكنها لم توزّع جوائزها مناصفة على هذا النحو المتكاثر من قبل، فإلى جانب تقسيم جائزة أفضل إخراج إلى اثنين تم كذلك اعتماد ثنائية الفوز بالنسبة لجائزة التمثيل التي مُنحت لفرجيني إيفيرا (كما توقعنا هنا) وتاو أوكاموتو عن «على حين غرة» (All of a Sudden). وهذا ما تكرر أيضاً عند إعلان جائزة أفضل تمثيل التي فاز بها كل من إيمانويل ماكينا وفلنتين كامباين عن فيلم مشترك هو «جبان» للوكاس فونت.

جفرجيني إيفيرا وتاو أوكاموتو فازتا بجائزة أفضل ممثلة مناصفة عن فيلم «على حين غرة» (رويترز)

لكن اعتماد مبدأ المناصفة ليس سوى واحد من 4 ملاحظات أخرى سادت هذه الدورة، وبات بالإمكان الآن، وبعد انتهاء الدورة ومشاهدة العدد الأكبر من أفلام المسابقة الرسمية، تحديدها.

توقعات الناقد كانت نصف ناجحة، لا من حيث الأفلام التي فازت (مثل «وطن») أو فازت عبر ممثليها (كما حال الممثلة فرجيني إيفيرا التي نالت جائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة») بل على صعيد تلك التي لم يُقدر لها الفوز أيضاً (مثل «كريسماس مر» للأساني بدرو ألمودوفار).

إيمانويل ماكينا وفلنتين كامباين فازا مناصفة بجائزة أفضل تمثيل عن فيلم «جبان» للوكاس فونت. (رويترز)

مهرجان فرنسي... أولاً؟

• الملاحظة الأولى:

عدد الأفلام التي انتُخبت للمسابقة 22، من بينها 18 فيلماً من إنتاج فرنسي خالص أو من إنتاج فرنسي بالمشاركة مع دول أخرى. هذه من بينها «فيورد» الفائز بالسعفة الذهبية و«مينوتور» (الجائزة الكبرى) و«الكرة السوداء» و«وطن» (جائزة أفضل إخراج) كما باقي الأفلام التي فازت بالجوائز الأخرى بلا استثناء.

الأفلام الأربعة التي لم تشارك فرنسا بإنتاجها وتمويلها هي الفيلم الياباني «غَنم في الصندوق» (Sheep in the Box) والأميركي «نمر من ورق» (Paper Tiger) والكوري الجنوبي«أمل» (Hope) والإسباني «كريسماس مر» (A Bitter Christmas).

هذه ليست المرّة الأولى التي يتبدّى فيها أن غالبية الأفلام المتنافسة هنا (نسبة 90 في المائة أو نحوها) فرنسية بشكل أو بآخر لكنها مناسبة مكررة ما زالت تحث على التفكير من حيث مدى «دولية» المهرجان فعلاً.

الإجابة إنه دولي بما لا شك فيه نظراً لتعدد أصول هذه الأفلام ومصادرها الوطنية، لكنها تكشف عن الرابط بين الأفلام المنتجة جزئياً أو كلياً وتسويقها. كل فيلم من هذه الأفلام الثمانية عشرة تم الاتفاق عليه مسبقاً بين أصحاب الحقوق وشركات التوزيع الفرنسية.

حضور غير فعّال

• الملاحظة الثانية:

التجاهل الأميركي لمهرجان «كان» جاء واضحاً. فيلمان أميركيان في المسابقة الرسمية هما «نمر من ورق» و«أحب هذا الرجل»، وهذا عدد مناسب لمسابقة دولية لكن علينا ملاحظة أنهما فيلمان مستقلان وليسا من إنتاج استوديوهات هوليوود المعهودة. هذا التجاهل يشبه شرياناً مسدوداً.

قد يبدو ذلك جيّداً عند بعض النقاد الذين يناكفون هوليوود سياسياً وفكرياً، لكن على صعيد عملي هذا الغياب له تبعاته لأن «كان» (ربما على الأخص) هو المهرجان الذي عليه أن يدمج السينما الأميركية الرسمية في دوراته، كما كان الحال عندما قدّم فرنسيس فورد كوبولا وروبرت التمن ومارتن سكورسيزي وكلينت إيستوود بعض أفضل أفلامهم فيه.

احتفى المهرجان بنجمين أميركيين، هما جون ترافولتا الذي أهداه ميدالية خاصّة وتم تقديم فيلمه الأول كمخرج «حافلة مروحية ليلية باتجاه واحد» (Propeller One‪ - Way Night Coach).

الثاني هو فان ديزل الذي حضر العرض الخاص لفيلمه «السريع والهائج» (The Fast and the Furious) وسط احتفاء جماهيري كبير. المشكلة هي أن لا ترافولتا ولا ديزل فنانان فعليّان. لدى الأول بضعة أفلام ناجحة قام بتوفير أداء مقبول في بعضها، أما الثاني فليس لديه ما يوفّره سوى نجاح هذه السلسلة التي ليس من بينها فيلم يستحق الاستعادة في مهرجان أول كـ«كان».

أكثر من ذلك، هل لم يجد المهرجان اسماً آميركياً آخر للاحتفاء به؟ وماذا عن حقيقة أن الفيلم المختار لهذه المناسبة: «سريع وهائج» قديم (هذا ممكن غفرانه) لكنه ليس كلاسيكياً ولا هو بالفيلم الذي يستحق التقدير في هذه البيئة.

هذا لجانب حقيقة موازية: لا «نمر من ورق» ولا «الرجل الذي أحب» كانا عملين جديرين بالمشاركة. حال الفيلم الأول، للمخرج جيمس غراي، أفضل من الثاني بعض الشيء لكن الفيلم متعثّر في كيفية سرد أفضل لحكايته.

الفيلم المُستحق

• الملاحظة الثالثة:

هل كان فيلم السعفة أفضل فيلم بين تلك المتسابقة؟ سنجد هذا التساؤل مطروحاً في العديد من الدورات. ما يعجب النقاد لا يعجب الجمهور وما يعجب الجمهور لا يعجب لجنة التحكيم، ونتائجها كثيراً ما لا تلاقي التقدير ذاته لدى النقاد أو المشاهدين.

من «فيورد» الفائز بالسعفة (موبرا فيلمز)

لكن «فيورد»، الفيلم المعني هنا ليس الفيلم الأفضل بالمطلق. مخرجه الروماني كرستيان مونجيو سبق وحقق أفلاماً أفضل من هذه الدراما حول عائلة تترك رومانيا إلى النرويج لتحط في البلدة التي وُلدت فيها الزوجة لسبت (رينات رانيسف) قبل زواجها من الروماني ميهاي (سيباستيان ستان). ما يبتدّى سريعاً هو أن الزوجين متطرّفان دينياً. يدرك أهالي البلدة أن هذا التطرّف يعكس بيئة حياة غير صالحة لأولاد الزوجين. يدركون أن بعضهم يحمل علامات رضوض وتعنيف. والرسالة التي يريد المخرج إيصالها هي - بطبيعة الحال - مضادّة للتعاليم الدينية المتطرّفة التي ستؤدي إلى منوال نفسي سلبي على الأولاد (في المحور ابنة العائلة ذات الثماني عشرة سنة).

ليس أن الفيلم ركيك ولا يستحق قدراً من التقدير، لكنه لا يجيب عن كل طروحاته. يوجه ملاحظاته بنفَس بارد وبكاميرا تلاحظ أكثر مما تنفعل إيجاباً مع ما يدور. بذلك تتركنا النهاية أمام حالة تتوقف عند حدود قساوتها فقط.

في الوقت نفسه، كل فيلم حظى بالفوز هنا (مثل «وطن» و«مينوتور» و«رجل زمنه» (A Man of His Time) وسواها، يشكو من عدم اكتمال ما يدعو للتساؤل حول كيف حكمت لجنة التحكيم وتوصّلت إلى نتيجتها.

موجة غير طبيعية

• الملاحظة الرابعة:

هناك عدد أكبر من المعتاد من الأفلام التي تتناول مسائل المثلية الجنسية، بينها فيلم المسابقة الأميركي «أحب هذا الرجل» لإيرا ماكس. هذا يسرد حكاية رجل (رامي مالك) مصاب بالإيدز في أحداث تقع في الثمانينات. لم يفز الفيلم بجائزة كونه لا يستحق تبعاً لسذاجة موضوعه من بين عناصر درامية وفنية أخرى.

لكن المد في هذا الاتجاه لم يتوقف، وفيلمان من تلك الفائزة من هذا النوع، وهما الإسباني - الفرنسي «الكرة السوداء»، والفرنسي - البلجيكي - الهولندي «جبان».

عادة ما تعرض المهرجانات الدولية هذا النمط من الأفلام، لكن المعدّل العام، في المسابقة أو سواها، يبقى محصوراً في عدد محدود (ثلاثة في المتوسط) بينما حفل «كان» بستة أفلام (على الأقل) تؤكد توجّهاً واضحاً.

في نهاية المطاف، الدورة التاسعة والسبعين كانت، بالمقارنة، عادية كما حال الكثير من الدورات القريبة الماضية. لكن «كان» لا يزال في الريادة. عيد سينمائي شامل وكبير (ربما أكثر من الضروري) ومُكلف. كارنفال شاسع يريد أن يحتوي كل جانب وحقل من حقول السينما. هذا يرضي عديدين ليس من بينهم من يأتي بحثاً عن أفلام ذات قيمة فنية بالدرجة الأولى.


جراحو التجميل ومعضلة ابتكار «وجوه مدعومة بالذكاء الاصطناعي»

لاحظ الجراحون وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي» (شاترستوك)
لاحظ الجراحون وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي» (شاترستوك)
TT

جراحو التجميل ومعضلة ابتكار «وجوه مدعومة بالذكاء الاصطناعي»

لاحظ الجراحون وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي» (شاترستوك)
لاحظ الجراحون وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي» (شاترستوك)

يشعر جراحو التجميل بقلق متزايد إزاء انتشار ما يُعرف بـ«الوجه المُولّد بالذكاء الاصطناعي»، حيث يتزايد عدد المرضى الذين يأتون إلى عياداتهم حاملين صوراً غير واقعية مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لما يرغبون في الظهور به. ويتزايد عدد الأشخاص الذين يستخدمون برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتوليد صور وجوههم المثالية، والذين يأتون إلى عيادات الجراحين بطلبات مُلحة للحصول على بشرة خالية من العيوب، وعظام وجنتين منحوتة بدقة، وأنف مصقول، وتناسق شبه مثالي - وهي معايير تستغرق وقتاً طويلاً، ومكلفة للغاية، وفي كثير من الحالات، مستحيلة التحقيق بحسب تحقيق لصحيفة «ذا غارديان».

وبينما يستطيع الذكاء الاصطناعي التحكم في كل pixel، «لا تعمل الجراحة بالتأكيد على هذا المستوى الدقيق للغاية»، وفقاً للدكتور أليكس كاريديس، وهو جراح تجميل مقيم في غرب لندن. مع ذلك، بالنسبة للعديد من المرضى، تتشكل هذه التوقعات قبل وقت طويل من لقائهم بالجراح. ويشرح كاريديس مدى فعالية الصور المُولّدة بالذكاء الاصطناعي نفسياً في تحديد - وتعزيز - مُثُل المرضى الجمالية. بالنسبة للعديد من المرضى، تتشكل هذه التوقعات قبل وقت طويل من لقائهم بالجراح. قال أحد الجراحين: «بمجرد أن ترى صورة، تُحفر في ذهنك». ووافقه كاريديس الرأي، واصفاً صور الذكاء الاصطناعي بأنها «تُنقش» في أذهان المرضى، وقال إن زملاءه قد غمروا بها مؤخراً. كما يحرص الجراحون على التأكيد على أن نتائج جراحة التجميل ليست مضمونة على الإطلاق.

وقال نوجنت: «يجب أن يدرك المريض أن هناك اختلافات بين البشر في كيفية شفائهم، وكيفية تقدمهم في العمر، وما يمكن فعله. أقول للمرضى مسبقاً: ليس بإمكاني فعل أي شيء في الجراحة. لا أحد منا يتحكم بكل شيء»، لكن كاريديس يقول إنه عندما يبحث العملاء بعمق في إجراءات التجميل، غالباً ما يركزون على الصور ويتجاهلون «كل ما يحيط بهم من معلومات. هذه هي الخلاصة للجميع. بمجرد أن تُريهم شيئاً كهذا، ينتهي الأمر عند هذا الحد».

لاحظ الجراحون أيضاً وجود اتساق في جماليات «الوجه المُنشأ بالذكاء الاصطناعي»، وخاصةً التناظر المفرط - وهو أمر يمكن للذكاء الاصطناعي توليده بسهولة، لكن من المستحيل غالباً إعادة إنتاجه في الواقع. إذا كانت إحدى عينيك أعلى من الأخرى ببضعة ملليمترات، يمكن للذكاء الاصطناعي تغيير ذلك في ثوانٍ، وفقاً للدكتور جوليان دي سيلفا، جراح التجميل في شارع هارلي. لكن إعادة ترتيب البكسلات لا تعني إعادة ترتيب التشريح. قال: «من المستحيل تغيير مستوى العينين لأنه ثابت في العظام، ويقع الدماغ خلف محجر العين. لا يمكن تغيير موضع محجر العين بأمان». وأضاف دي سيلفا أن الذكاء الاصطناعي، عند تعديله لصور العملاء، غالباً ما يعتمد على معايير الجمال المتعارف عليها: بالنسبة للنساء، خط فك على شكل حرف V، وانحناءة واسعة على طول عظام الخدين، ووجه على شكل قلب؛ أما بالنسبة للرجال، فخطوط فك أعرض، وحواجب منخفضة، وجفون علوية أكثر امتلاءً. لكن دي سيلفا قلق أيضاً بشأن اتجاه متنامٍ آخر: وهو قيام الأطباء بنشر نتائج عمليات جراحية على وسائل التواصل الاجتماعي تبدو فعّالة بشكل مذهل، لكنه يشك في أنها قد تكون مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. قال: «أتذكر أنني شاهدت إحدى هذه الصور الأسبوع الماضي، وكررت مشاهدتها مراراً وتكراراً»، مستذكراً مقطع فيديو بدا فيه مريض وكأنه قد تم تعديله ليبدو أصغر بثلاثين عاماً. «ثم في المرة الثالثة التي شاهدته فيها، لاحظت... أن يديه كانتا بستة أصابع».


جيانكارلو إسبوزيتو لـ«الشرق الأوسط»: عشت «فوضى منظمة» في «7DOGS»

نفّذ الممثل الأميركي مشاهد الأكشن بنفسه (الشركة المنتجة)
نفّذ الممثل الأميركي مشاهد الأكشن بنفسه (الشركة المنتجة)
TT

جيانكارلو إسبوزيتو لـ«الشرق الأوسط»: عشت «فوضى منظمة» في «7DOGS»

نفّذ الممثل الأميركي مشاهد الأكشن بنفسه (الشركة المنتجة)
نفّذ الممثل الأميركي مشاهد الأكشن بنفسه (الشركة المنتجة)

قال الممثل الأميركي، جيانكارلو إسبوزيتو، إن مشاركته في فيلم «7DOGS» لم تكن مجرد خطوة جديدة في مسيرته الفنية، بل تجربة مختلفة جذبت انتباهه منذ اللحظة الأولى بسبب طبيعة المشروع وطموحه العالمي، موضحاً أن أكثر ما أثار حماسه هو فرصة العمل مع الممثلين المصريين كريم عبد العزيز وأحمد عز اللذين وصفهما بأنهما من أبرز نجوم السينما في العالم العربي.

وأكد جيانكارلو إسبوزيتو لـ«الشرق الأوسط» أنه كان مهتماً جداً بأن يرى كيف يعملان داخل موقع التصوير، وكيف يتعاملان مع الشخصيات والأداء وصناعة الفيلم بشكل عام، لافتاً إلى أنه بحث عنهما عندما عرض عليه الفيلم، وعرف الأعمال التي قدماها من قبل، ويدرك الشعبية التي يتمتعان بها في العالم العربي وليس داخل مصر فقط.

الممثل الأميركي في العرض الخاص للفيلم بالقاهرة (الشركة المنتجة)

وعدّ إسبوزيتو أن «الهدية الحقيقية» بالنسبة له داخل هذا المشروع كانت التصوير في السعودية، لأنها منحته فرصة لاكتشاف مكان جديد وثقافة مختلفة، إلى جانب العمل مع الثنائي الإخراجي عادل العربي وبلال فلاح، اللذين وصفهما بأنهما يمتلكان طاقة سينمائية استثنائية ورؤية حديثة لصناعة أفلام الأكشن.

وأشار إلى أن وجود الممثلة الإيطالية مونيكا بيلوتشي ضمن العمل أضاف للفيلم بُعداً عالمياً أكبر، مؤكداً أن اجتماع هذا العدد من النجوم والخبرات المختلفة داخل مشروع عربي واحد أمر نادر ومثير للغاية.

وأوضح أن ما يُميز «سيفن دوجز» بالنسبة له أنه لا يتعامل مع فكرة العالمية بوصفها شعاراً دعائياً فقط، بل يترجمها فعلياً داخل الفيلم من خلال تنوع الشخصيات والثقافات والخلفيات الإنسانية، وهو ما يمنح الجمهور فرصة لمشاهدة عمل يحمل روحاً عالمية حقيقية، لافتاً إلى أن الفيلم لا يعتمد فقط على الأكشن أو الضخامة الإنتاجية، بل أيضاً على التفاعل الإنساني بين شخصيات جاءت من أماكن مختلفة، لكنها تتحرك داخل عالم واحد.

الممثل الأميركي عبّر عن سعادته بالعمل مع كريم عبد العزيز وأحمد عز (الشركة المنتجة)

وعن تحضيراته لشخصية «رومان»، أوضح أن أكثر ما جذبه في الدور هو الجانب الجسدي والبدني للشخصية، لأنه يحب دائماً تنفيذ مشاهده الخطرة بنفسه، لشعوره بأن ذلك يمنحه ارتباطاً حقيقياً بالشخصية، ويجعل الأداء أكثر صدقاً على الشاشة، لافتاً إلى أنه اتخذ قراراً منذ البداية بأن يخوض كل التحديات الجسدية بنفسه داخل الفيلم، رغم صعوبة ظروف التصوير، خصوصاً في مشاهد الصحراء داخل السعودية.

وقال إن التصوير وسط الصحراء كان تجربة قاسية ومثيرة في الوقت نفسه، لأن الممثل لا يتعامل فقط مع أداء المشهد، بل مع الطبيعة نفسها، من حرارة مرتفعة وغبار ورياح ومساحات مفتوحة تفرض تحديات مستمرة على الجسد والتركيز، مؤكداً أن تلك الظروف جعلته يشعر بأن العمل يُشبه اختباراً بدنياً ونفسياً حقيقياً، وهو ما استمتع به كثيراً؛ لأنه يحب أن تدفعه الشخصيات التي يجسدها إلى مناطق جديدة وصعبة.

وأشار إلى أنه يحرص دائماً على الحفاظ على جاهزيته البدنية من خلال التدريبات المستمرة، سواء عبر الرياضة أو اليوغا وركوب الدراجات، لأن طبيعة أفلام الأكشن تتطلب أن يكون الممثل مستعداً لأي شيء في أي لحظة، مؤكداً أن أصعب مشاهده في الفيلم كانت تلك التي اضطر خلالها للتعلق بسيارة أثناء الحركة داخل الصحراء، في حين يقف على ركبتيه فوق منصة صغيرة ويحاول الحفاظ على توازنه الكامل خلال تنفيذ المطاردات والانفجارات والحركات القتالية.

وأوضح أن هذا النوع من المشاهد يحتاج إلى سيطرة هائلة على الجسد، تماماً كما يحتاج التمثيل إلى سيطرة على العقل والمشاعر، لأن الممثل لا يكتفي فقط بحفظ الحوار أو أداء الجمل بإحساس معين، بل يجب أن يكون قادراً أيضاً على التحكم الكامل في جسده أثناء تنفيذ المشاهد الحركية المعقدة، لا سيما عندما تكون الظروف المحيطة قاسية وغير مستقرة.

الممثل الأميركي مع مونيكا بيلوتشي (الشركة المنتجة)

وأضاف الممثل الأميركي أنه خلال تصوير مشاهد الصحراء كان مغطى بالكامل بالغبار والرمال، حتى إن الرمال كانت تدخل إلى عينيه ووجهه وأنفاسه، ومع ذلك كان عليه أن يُحافظ على تركيزه الكامل، وأن يواصل تنفيذ المشهد بدقة، لأن أي خطأ بسيط داخل هذا النوع من المشاهد قد يُفسد الإيقاع الكامل للعمل، أو يعرّض أحد أفراد الفريق للخطر.

ووصف تلك اللحظات بأنها «فوضى منظمة»، لأن تصوير مشاهد الأكشن يعتمد على تداخل عدد هائل من العناصر في الوقت نفسه، من السيارات والكاميرات والأسلحة وفريق المجازفات والمؤثرات، وكل عنصر يجب أن يتحرك في توقيت دقيق للغاية حتى تبدو النتيجة النهائية سلسة وطبيعية على الشاشة، مؤكداً أن هذا النوع من الفوضى هو أكثر ما يحبه في صناعة أفلام الأكشن، لأنه يمنحه شعوراً بالحياة والطاقة والحماس.

وأشار إلى أن أكثر ما أسعده في التجربة هو الشعور بروح الفريق داخل موقع التصوير، موضحاً أن الجميع كانوا يعملون بحماس كبير وكأنهم جزء من مشروع يريد أن يثبت شيئاً جديداً ومختلفاً في المنطقة العربية، لافتاً إلى أن هذا الإحساس بالطموح الجماعي كان واضحاً في كل تفصيلة، سواء على مستوى التمثيل أو الإخراج أو تصميم الأكشن أو الإنتاج.