ارتفاع الضغوط الدولية على مادورو قد يؤتي ثماره في إنجاح المحادثات مع المعارضة

مدير جهاز المخابرات المنشق: دور المستشارين الكوبيين يزداد... ويشكّلون الحلقة الضيّقة لحماية الرئيس

خوان غوايدو رئيس البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة قال إنه توجد ظروف  يمكن من خلالها التعامل مع الأزمة السياسية في فنزويلا وحلها (إ.ب.أ)
خوان غوايدو رئيس البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة قال إنه توجد ظروف يمكن من خلالها التعامل مع الأزمة السياسية في فنزويلا وحلها (إ.ب.أ)
TT

ارتفاع الضغوط الدولية على مادورو قد يؤتي ثماره في إنجاح المحادثات مع المعارضة

خوان غوايدو رئيس البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة قال إنه توجد ظروف  يمكن من خلالها التعامل مع الأزمة السياسية في فنزويلا وحلها (إ.ب.أ)
خوان غوايدو رئيس البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة قال إنه توجد ظروف يمكن من خلالها التعامل مع الأزمة السياسية في فنزويلا وحلها (إ.ب.أ)

قالت مصادر مواكبة للمحادثات التي بدأت يوم الأربعاء الماضي في جزيرة «باربادوس» بين المعارضة الفنزويلية ونظام مادورو برعاية الحكومة النرويجية: «إن الأجواء التي خيّمت على الجلستين الأوليين تختلف كثيرا عن تلك التي سادت الجولة السابقة في أوسلو.. وإن ثمة احتمالات بالتوصل إلى اتفاق حول تحديد إطار للمفاوضات في المرحلة المقبلة».
وتأتي هذه الجولة من المحادثات في أعقاب ارتفاع الضغوط الدولية على مادورو بعد وفاة أحد ضبّاط سلاح البحرية الفنزويلية تحت التعذيب والتقرير الذي صدر عن مكتب المفوّضة السامية لحقوق الإنسان مؤكداً الاتهامات الكثيرة الموجهة للنظام بانتهاكه الحريات وممارسة الاعتقالات التعسفية والتعذيب المنهجي في السجون السياسية.
في هذه الأثناء كان المدير السابق لجهاز المخابرات السياسية الفنزويلية كريستوفر فيغيرا يدلي بتصريحات يؤكد فيها أن «النظام يستخدم أجهزة الدولة لقمع خصومه السياسيين الذين يتعرّض معظمهم للتهديد والتعذيب بصورة منتظمة». وكان فيغيرا، الذي كان أحد مدبّري محاولة الانقلاب الفاشلة في 30 أبريل (نيسان) الماضي التي أدت إلى إطلاق سراح الزعيم المعارض «ليوبولدو لوبيز» الذي كان يخضع للإقامة الجبرية، قد فرّ إلى كولومبيا حيث مكث شهرين، ومنها انتقل إلى ميامي حيث يقيم حاليّاً.
ويقول فيغيرا إنه اقترح على مادورو في مطلع هذا العام «حلّ الجمعية التأسيسية، أو إلغاء صلاحياتها، والسعي بشكل جدي مع المعارضة المعتدلة لإيجاد مخرج سريع من الأزمة الخطيرة التي تعيشها فنزويلا». ويضيف المدير السابق للجهاز الذي يخشاه الفنزويليون أكثر من أي جهاز أمني آخر، أنه عاد وكرر اقتراحه على مادورو مرتين، في فبراير (شباط) ثم في أواخر مارس (آذار)، ودعاه إلى إجراء انتخابات يشترط لها أن ترفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على فنزويلا، لكن مادورو «اعتبر هذا الموقف انهزاميّاً وجباناً» وطلب عدم إثارته مرة أخرى.
ونفى فيغيرا أنه كان على اتصال بالمخابرات الأميركية كما روّجت أوساط النظام بعد انشقاقه، مؤكدا أن الولايات المتحدة «هي التي طلبت عقد اجتماع مع المخابرات الفنزويلية عن طريق الملحق العسكري في الجمهورية الدومينيكية.. وأن مادورو هو الذي كلّفني عقد هذا الاجتماع الذي أطلعته على كل تفاصيله».
عن المحاولة الانقلابية التي انتهت بالإفراج عن الزعيم المعارض ليوبولدو لوبيز، الموجود حاليا في مقرّ السفير الإسباني في كاراكاس، وفشلت في إحداث التمرد العسكري المرتقب لإسقاط النظام، يقول فيغيرا إنها «لم تفشل كليّاً، وكثير من التطورات التي نشهدها اليوم، مثل محادثات باربادوس، هي من نتائج تلك الحركة». ويضيف فيغيرا أن الاتهامات التي وردت في تقرير المفوّضة السامية لحقوق الإنسان صحيحة، لكنها لا تعطي صورة كافية عن الانتهاكات الجسيمة التي تحصل، مضيفا: «كل الذين يعترضون على سياسة مادورو أو ينتقدون مواقفه، يعتبرون أعداء النظام ويتعرضون للملاحقة الميدانية وتخضع اتصالاتهم الإلكترونية والهاتفية للتنصّت، وغالباً للتهديد المباشر والاعتقالات التعسفية». ويؤكد فيغيرا أن «مادورو هو الذي يعطي الأوامر شخصياً بملاحقة خصومه السياسيين.. وهو أكثر قسوة في معاملة القادة العسكريين الذين ينتقدون تصرفاته أو يشكّك هو في ولائهم المطلق.. إنها آلة جهنمية للتعذيب المنهجي».
وعن دور المستشارين الكوبيين يقول فيغيرا إنهم يشكّلون الحلقة الضيّقة لحماية مادورو، «كان عددهم في الماضي لا يتجاوز الخمسة عشر، لكن بعد التطورات الأخيرة ارتفع هذا العدد إلى المئتين تقريباً». أما عن قادة الوحدات والأجهزة العسكرية فيقول: «إن معظمهم رهينة المصالح والمنافع الشخصية التي تدرّها عليهم مناصبهم، ويخضعون لابتزاز النظام الذي يملك أدلة على تورطهم في كل أنواع الفضائح».
وعن الدور الروسي في الأزمة الفنزويلية يقول فيغيرا: «العلاقة مع روسيا بدأت تجارية، ثم تطورت إلى علاقة عسكرية بعد أن اشترت فنزويلا أسلحة ومنظومات تكنولوجية حربية روسية. وفي الأشهر الأخيرة يتوافد خبراء عسكريون روس إلى فنزويلا بصورة منتظمة».
وعلى صعيد متصل قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف: «إن فنزويلا أصبحت من أهم شركائنا الاستراتيجيين، لا بل من حلفائنا.. ونحن نقدّر بكل صدق الدعم الذي يقدّمه لنا الأصدقاء الفنزويليون في مجالات كثيرة، ويؤيدون مواقفنا في الجمعية العامة للأمم المتحدة... ويساعدوننا في إدارة ما نأمل في أن يتحوّل إلى مقاومة دولية موحّدة ضد العقوبات الأميركية خارج الحدود الإقليمية».
وتجدر الإشارة إلى أن روسيا هي الدولة الدائنة الثانية، بعد الصين، لفنزويلا، وداعم رئيسي لنظام مادورو بعد أن اعترفت أكثر من خمسين دولة بشرعية رئيس البرلمان خوان غوايدو. ويقول ريابكوف: «إننا نتواصل باستمرار مع فنزويلا التي نقدّم لها الدعم الاقتصادي في هذه الظروف الصعبة، والمشورة اللازمة في مجالات عدة».
وكانت موسكو قد أرسلت نحو مائة من المستشارين العسكريين إلى فنزويلا في أبريل (نيسان) الماضي، فيما تحدثّت أنباء عن إرسال شركات أمنية خاصة روسية لأعداد غير محددة من الخبراء العسكريين إلى كاراكاس في الفترة الأخيرة. لكن نائب وزير الخارجية الروسي أكّد أن «المعدات العسكرية الروسية التي أرسلت إلى فنزويلا لم تؤثر في أي لحظة على توازن القوى في المنطقة».
وبعد أن يوجّه ريابكوف انتقادات شديدة لسياسة واشنطن في الأزمة الفنزويلية وتهديداتها المتكررة بالتدخل العسكري، يقول: «إن المخرج الوحيد من هذه الأزمة هو الآن على طاولة المفاوضات»، مؤكداً أن روسيا تشارك في الحوار الذي ترعاه النرويج بين النظام والمعارضة.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».