آلاف من غارات {الدرون} والعمليات السرية الأميركية أضعفت «القاعدة» لكن لم تنه الحرب

خبراء يتوقعون وضعا مشابها مع «داعش».. وتقديرات استخبارية بأن التنظيم لديه بين 20 و31 ألف مقاتل

صورة أرشيفية لطائرة من دون طيار في قاعدة قندهار الأميركية افغانستان (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطائرة من دون طيار في قاعدة قندهار الأميركية افغانستان (أ.ف.ب)
TT

آلاف من غارات {الدرون} والعمليات السرية الأميركية أضعفت «القاعدة» لكن لم تنه الحرب

صورة أرشيفية لطائرة من دون طيار في قاعدة قندهار الأميركية افغانستان (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطائرة من دون طيار في قاعدة قندهار الأميركية افغانستان (أ.ف.ب)

في إعلانه عن عزم الولايات المتحدة على إضعاف و«في النهاية تدمير» مجموعة منشقة عن تنظيم القاعدة في العراق وسوريا، وضع الرئيس باراك أوباما هدفا بأن الولايات المتحدة ينبغي عليها هزيمة جماعة من الأعداء المتطرفين الذين تواجههم منذ وقوع أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.
في خلال حربين، شملتا شن آلاف من الغارات بطائرات من دون طيار ومئات من العمليات السرية حول العالم، استطاعت الولايات المتحدة إضعاف تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له، ودمرت قدراته بصورة قللت من التهديد الذي يمثله للولايات المتحدة.
ومن المتوقع أن يتسع نطاق هذا الصراع مرة أخرى، إذ صرح مسؤولون عسكريون أميركيون يوم الخميس بأنهم حصلوا على تفويض جديد للبدء في استهداف قادة تنظيم (داعش) الذي يعد خصما لتنظيم القاعدة . ولكن حتى بعد تحذير أوباما من أن العملية «سوف تستغرق وقتا للقضاء على سرطان» مثل داعش، إلا أن التوقيت الذي خرجت فيه تصريحاته - بعد مرور 13 عاما من الهجمات التي استهدفت مركز التجارة العالمي والبنتاغون – يؤكد على عدم وصول الولايات المتحدة إلى خط النهاية بعد سلسلة من الصراعات التي وصلت إلى ما يشبه الحرب الدائمة.
ورغم أن الحروب التقليدية في العراق وأفغانستان انتهت بالضرورة، فإن الولايات المتحدة ما تزال تحارب تابعي «القاعدة» في دول منها باكستان والصومال واليمن. ولم يتم القضاء على أي من تلك الجماعات، أو حتى أضعفت قوتها بدرجة تسمح بإيقاف عمليات مكافحة الإرهاب.
كان الاستثناء الوحيد الظاهر لهذا النمط هو تنظيم القاعدة في العراق، وهو التنظيم الذي تفكك تقريبا حتى عاد مرة أخرى للظهور في صورة داعش. بعد الاستيلاء على مناطق في سوريا والعراق في غضون ستة أشهر، وقطع رأس صحافيين أميركيين، أصبح التنظيم مرة أخرى في مواجهة الولايات المتحدة.
قال تشارلز والد، الجنرال المتقاعد في القوات الجوية الأميركية الذي أشرف على بداية الحرب الجوية في أفغانستان عام 2001: «لن نرى نهاية هذا الأمر في حياتنا». تستطيع الغارات الجوية والبرية التي يشنها التحالف إضعاف داعش وإجباره على تسليم الأراضي التي استولى عليها، على حد قول والد. ولكن «لن تكون هناك مرحلة ما يمكن أن نعلن فيها جميعا فجأة تحقيق النصر. هذه هي الصورة التي سيكون عليها العالم لفترة طويلة».
بعد يوم من خطاب أوباما، صرح مسؤولون استخباراتيون بأن وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) انتهت من إجراء تقييم جديد لنقاط قوة داعش، يظهر فيه أن حجم التنظيم زاد إلى الضِعف في الشهور الأخيرة. في تصريح لمتحدث باسم (سي آي إيه) اشترط عدم ذكر اسمه، قال: «تقدر الوكالة استعانة تنظيم داعش بعدد يتراوح ما بين 20 ألف إلى 31.500 مقاتل في العراق وسوريا، بناء على مراجعة جديدة لتقارير استخباراتية وردت من جميع المصادر ما بين مايو (أيار) وأغسطس (آب)، في زيادة عن التقدير السابق تبلغ 10.000 مقاتل». وأضاف قائلا: «هذا العدد الجديد يعكس زيادة في عدد المنضمين إلى التنظيم بفضل قوة عمليات التجنيد منذ يونيو (حزيران) بعد النجاحات الميدانية وإعلان التنظيم لدولة الخلافة والنشاط الكبير في ميدان المعركة وحصوله على معلومات استخباراتية إضافية».
في الوقت ذاته، بدأت تفاصيل تتعلق بالكيفية التي سيشن بها البنتاغون الهجوم الجديد في الظهور. صرح مسؤولون عسكريون أميركيون بأنهم حصلوا على تفويض جديد بشن غارات جوية ضد قادة التنظيم ومن بينهم أبو بكر البغدادي، الذي نصب ذاته في بداية العام الحالي على رأس دولة خلافة جديدة.
كانت هذه الأهداف بعيدة عن إطار بنود الحملة الجوية الضيقة التي وصفها أوباما بالجهود الإنسانية لحماية أفراد الأقليات الدينية وأيضا حماية الدبلوماسيين الأميركيين من مقاتلي داعش في العراق. وصف مسؤولو البنتاغون مهمتهم التي تم تغييرها بالتحول من الدفاع إلى الهجوم. قال الأدميرال جون كيربي، المتحدث باسم البنتاغون: «سوف نكثف جهودنا داخل العراق، لا شك في ذلك».
وفي تصريحات كيربي إلى الصحافيين يوم الخميس الماضي، رفض تقديم إجابة مباشرة عندما سئل عما إذا كان البنتاغون لديه الآن ضوء أخضر لمطاردة أشخاص، ولكنه قال: «إحدى الوسائل التي تمكنك من تدمير قدرات عدو مثل داعش هي أن تكون هجوميا. ويتضمن ذلك قدرتهم على القيادة والسيطرة، وإرشاد قواتهم».
صرح كيربي بأن القوات الأميركية الإضافية المكونة من 475 جنديا الذين أمر أوباما بإرسالهم إلى العراق سوف تصل في خلال «الأسبوع المقبل ونحوه». ومن بينهم فرقة مكونة من 125 جنديا سوف يقومون بتشغيل طائرات استطلاع أميركية لأول مرة من أربيل، عاصمة الإقليم الكردي. وصرح كيربي بأن المسؤولين ما زالوا يدرسون أي أنواع الطائرات التي سيتم إرسالها إلى أربيل ولكن لن يتضمن السرب طائرات «درون» من دون طيار.
تستهدف الحملة التنظيم الإرهابي الذي أثار توسعه السريع وتكتيكاته الوحشية انزعاج المسؤولين الأمنيين الغربيين، رغم وجود ارتباك كبير وخلاف حول حجم التهديد الذي يشكله التنظيم ضد الولايات المتحدة. وكان تنظيم داعش استولى على مدن في كل من سوريا وشمال العراق، وجمع أموالا وسلاحا بمعدل يفوق أي عدو آخر تابع لـ«القاعدة». ولكن حتى الآن لا يرتبط التنظيم بأي مخطط إرهابي عالمي.
اعترف أوباما بهذه النقطة في خطابه، ولكنه حذر من تنامي الخطر إذا تُرك تنظيم داعش من دون محاسبة.
يأتي تنظيم داعش خلفا لتنظيم القاعدة في العراق الذي كان يمثل قوة إرهابية عنيفة أسسها أبو مصعب الزرقاوي وكان يسعى إلى تأجيج الصراع في البلاد قبل أن يتغلب عليه زعماء القبائل السنية الذين أفزعتهم تكتيكاته ومولتهم الولايات المتحدة وفرق الكوماندوز الأميركية. انهار التنظيم تماما حتى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية قدرت فقدانه لـ95 في المائة من أعضائه عندما انسحبت القوات الأميركية من العراق في عام 2011.
ولكن من تبقوا من التنظيم انتقلوا إلى سوريا واستفادوا من الفوضى التي أسفرت عنها الحرب الأهلية هناك – بالإضافة إلى استياء السنة من الحكومة الشيعية في العراق – من أجل إعادة تجميع ذاتهم مرة أخرى. وفي العام الحالي، ساءت العلاقات بين داعش و«القاعدة»، وأطلق التنظيم على ذاته اسم الدولة الإسلامية.
وصرح مات أولسن، مدير المركز القومي الوطني لمكافحة الإرهاب، في مؤتمر صحافي أقيم مؤخرا حول داعش: «لا تعني هزيمة جماعة بالضرورة أنك ستكون ناجحا في القضاء على كل شخص انضم إليها في أي وقت مضى».
«حتى لو نجحت في القضاء على التهديد الذي يمثلونه، لا يعني ذلك أن كل شخص انضم إلى التنظيم سوف يتبنى نظرة عالمية جديدة».
وصرح مؤيدو أوباما بأن تصريحاته تستهدف إلى حد كبير إعداد البلاد لصراع آخر. وقال آدم شيف، عضو مجلس النواب الديمقراطي عن كاليفورنيا وهو عضو في لجنة الاستخبارات في المجلس: «من الصعب حشد الجماهير لشن الحرب إذا لم تكن تتحدث عن إضعاف العدو».
وقال شيف: «في غضون أعوام يمكننا الوصول إلى مرحلة لا يشكل فيها داعش تهديدا كبيرا لأرض الوطن أو المنطقة. وفيما يتعلق بالقضاء على تنظيم يشبه داعش؟ قد يتطلب ذلك وقتا أطول».
ذكر أوباما عمليات مكافحة الإرهاب ضد فرعي «القاعدة» في اليمن والصومال كنموذجين للاستراتيجية التي تستهدف داعش. ولكن تحمل هذه المقارنة إشكالية، حيث إن العناصر الأساسية في هاتين الدولتين غير موجودة في سوريا، بما فيها وجود حلفاء مؤثرين على الأرض، وحرية مطلقة لتحليق الطائرات الأميركية بما فيها طائرات من دون طيار.
في الصومال، أمضت الولايات المتحدة معظم العقد الماضي في تنظيم وتمويل قوة دولية بالوكالة تتكون من 18 ألفا من قوات الاتحاد الأفريقي لمواجهة حركة الشباب المتصلة بـ«القاعدة» .
بدأت القوة الأفريقية في الاستحواذ على أراض من التنظيم الإسلامي، في حين كان الجيش الأميركي يستهدف قادته بالغارات الجوية وضربات طائرات «درون»، ومنها غارة جوية شنت في الأول من سبتمبر أدت إلى مقتل أحد المشاركين في تأسيس التنظيم.
وفي اليمن، تملك الولايات المتحدة سلطة لا حدود لها تقريبا لتجوب بطائراتها سماء البلاد. وتحظى قوات مكافحة الإرهاب اليمنية بدعم أميركي من تمويل وتدريب ومعلومات استخباراتية.
ومن جانب آخر، صرح خبراء بأن الولايات المتحدة تستطيع أن تتوقع تعاونا مشتركا من العراق ولكن ليس من سوريا. ورغم خسارة الرئيس بشار الأسد سيطرته على مساحات من الأرض، فإنه بالتأكيد يحتفظ بسيطرة على المجال الجوي للبلاد، وفقا لما صرح به الميجور جيمس بوس، وهو جنرال متقاعد في القوات الجوية الأميركية. فحتى إن استطاعت الطائرات الأميركية أن تهرب من بطاريات إطلاق الصواريخ السورية على الأرض، تستطيع القوات الجوية السورية أن تطلق مقاتلاتها لمطاردة وإسقاط الطائرات من دون طيار، التي تحلق بسرعات منخفضة نسبيا.
وقال بوس بأنه إذا أردنا إرسال طائرات من دون طيار إلى سوريا: «سيكون علينا القيام بذلك بموافقة ضمنية من القوات الجوية السورية. وسيعتمد ذلك على مدى تشدد السوريين في دفاعهم عن مجالهم الجوي».
يذكر أنه حتى مع استخدام طائرات من دون طيار وقوات برية، لا تزال الحملتان اللتان ذكرهما أوباما في اليمن والصومال بعيدتين عن الانتهاء. فقد قتلت حركة الشباب 67 شخصا في العام الماضي في حصار استمر ثلاثة أيام لمركز تجاري مزدحم في نيروبي. وأمضى تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وهو فرع «القاعدة» في اليمن، عدة أعوام من دون أن يشن هجوما كبيرا، ولكنه لا يزال يشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة يفوق ذلك الذي يمثله داعش. يضيف أولسن: «كذلك لا نرى أي مؤشر على أن اهتمامهم أو قدراتهم قد خفتت».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



السعودية: انطلاق فعاليات «صيف التدريب التقني» تحت شعار «حنا ندورك»

جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

السعودية: انطلاق فعاليات «صيف التدريب التقني» تحت شعار «حنا ندورك»

جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

تنطلق في التاسع عشر من يوليو (حزيران) الحالي فعاليات «صيف التدريب التقني» ضمن مبادرة حملات تحفيز الالتحاق بالتدريب التقني والمهني، إحدى مبادرات برنامج تنمية القدرات البشرية ضمن برامج «رؤية السعودية 2030»، وذلك بتنظيم من الإدارة العامة للتدريب التقني والمهني في خمس مناطق في السعودية، وبإشراف الإدارة العامة للأنشطة.

وتستهدف الفعاليات طلاب وطالبات المرحلة الثانوية العامة وأولياء أمورهم، من خلال برامج وأنشطة نوعية تُقام في الرياض، والمدينة المنورة، والقصيم، ومكة المكرمة، والمنطقة الشرقية، بهدف تعريفهم ببرامج التدريب التقني والمهني، وإبراز الفرص التعليمية والمهنية التي يوفرها، وتعزيز ارتباط مخرجاته باحتياجات سوق العمل.

ويتضمن البرنامج خمس فعاليات رئيسة تتمثل في كأس التدريب التقني لكرة القدم في الرياض، وكأس المدينة للذكاء الاصطناعي في المدينة المنورة، ومعسكر الروبوتات والذكاء الاصطناعي في القصيم، ومبادرة بصمة مهارة للتجميل والأزياء في مكة المكرمة، وبطولة التدريب التقني للرياضات الإلكترونية في المنطقة الشرقية.

وتسهم تلك الفعاليات في الوصول إلى المستهدفين عبر تجارب تفاعلية تجمع بين المنافسة والتطبيق والتعريف بالمسارات التدريبية ضمن فعاليات الحملة الإعلامية الرابعة «حنا ندورك».


استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي واعتقالات بعد أزمة الطائرة الإيرانية

حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)
حوثيون يحتفلون بهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة بجوار عربة إطفاء (رويترز)

تحولت تداعيات محاولة هبوط طائرة إيرانية في الأراضي اليمنية، الاثنين الماضي، من أزمة سياسية وعسكرية إلى مصدر خوف للسكان في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، بعدما أعقبتها حملات اعتقال واسعة وإجراءات أمنية غير مسبوقة في صنعاء والحديدة، بذريعة ملاحقة خلايا تجسسية وإرهابية، وسط مخاوف من أن يقود التصعيد إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية.

وأجبر الجيش اليمني طائرة تابعة لشركة الطيران الإيرانية «ماهان إير»، على الهبوط في مطار الحديدة، بعد أن اخترقت الأجواء اليمنية رغم التحذيرات التي أطلقتها السلطات اليمنية، واستهدفت القوات الجوية اليمنية مدارج الهبوط والإقلاع في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين الذين كانوا حشدوا أنصارهم لتنظيم استقبال استعراضي لوفدهم القادم من الأراضي الإيرانية.

وبينما أبدى سكان صنعاء والحديدة مخاوفهم من تبعات التصعيد الحوثي على حياتهم، شنت الجماعة حملات اعتقالات واسعة النطاق في المدينتين، طالت العشرات ممن لم يُكشف عن هوياتهم، بعد فرض حصار مطبق على المنازل والحارات التي جرت فيها الحملات.

وذكر شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أن عدداً من الحارات المحيطة بشارع تونس في مديرية الثورة، في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، شهدت استنفاراً وحصاراً استمرا قرابة يومين كاملين، وتسببا بحالة من الهلع في أوساط السكان، بعد أن نشرت أجهزة الأمن الحوثية عدداً كبيراً من عناصرها الملثمين وعرباتها المدرعة في المداخل وأقدمت على اقتحام منازل واعتقال عددٍ غير معروف من ساكنيها.

صورة لهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة التقطها أحد السكان (إكس)

وقيّدت عناصر الجماعة حركة تنقل أهالي الحارات التي نفذت فيها حملات الاعتقال، ولم تسمح بخروج أي شخص، في حين كان يجري احتجاز كل من يقترب منها أو يحاول الدخول إليها، ويجري التحقيق معه داخل العربات التابعة للحملة، قبل أن يقرّر قادة الحملة إطلاقهم أو اعتقالهم ومنعهم من التواصل مع أقاربهم.

مخاوف واعتقالات

كشفت مصادر مطلعة عن إجبار الجماعة الحوثية كل من أُفرج عنهم على التعهد بعدم الإفصاح، لأي كان، عمّا جرى خلال التحقيق معه، أو الكتابة والنشر في مواقع التواصل الاجتماعي، متوعدة بملاحقتهم في حال مخالفة هذا التعهد.

ونقلت المصادر عن أحد الشهود أنه جرى احتجازه والتحقيق معه ساعات عدة بسبب مروره في شارع تونس ووقوفه للسؤال عن سبب الإجراءات الأمنية المشددة، ولم يتم الإفراج عنه إلا بعد استكمال التحريات بشأنه.

غبار ودخان في مطار صنعاء بعد ضربات للجيش اليمني رداً على خروق الحوثيين وإيران (أ.ف.ب)

وحسب ما نقلت المصادر عمن جرى احتجازهم والتحقيق معهم، فإن الجماعة تزعم أنها كانت بصدد ضبط خلايا إرهابية وتجسسية تنشط في الحي وتستعد لتنفيذ عمليات تستهدف شخصيات ومواقع أمنية وعسكرية.

وشهدت أغلب شوارع وأحياء صنعاء ومدينة الحديدة (غرب) إجراءات أمنية مشددة، وانتشاراً للعربات التابعة لأجهزة أمن الجماعة، وتكثيف أعمال تفتيش المارة والسيارات، وإغلاق بعض الشوارع والمنافذ.

ووفقاً لتقدير المصادر، فإن هذه الإجراءات ترتبط بمخاوف الجماعة من رد الجيش اليمني على التصعيد الذي أقدمت عليه الجماعة بدعم من النظام الإيراني، وذلك باختراق السيادة اليمنية وإرسال طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء دون إذن من السلطات الشرعية.

كما شهدت مدينة الحديدة اعتقالات على نحو واسع النطاق طالت العشرات من السكان في عدد من الأحياء والشوارع المحيطة بالمطار، دون الكشف عن الأسباب والدوافع، في حين رجّح متابعون أن المستهدفين بالحملة ممن التقطوا صوراً بهواتفهم لهبوط الطائرة الإيرانية ونشروها في مواقع التواصل الاجتماعي.

الجماعة الحوثية نفَّذت حملات اعتقال وانتشار أمني بعد أزمة الطائرة الإيرانية (أ.ف.ب)

وقال شاهد عيان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر الجماعة كثفت من انتشارها في مختلف الشوارع والأحياء، خصوصاً جهة الشرق، بالقرب من المطار، وأوقفت العشرات لتفتيش هواتفهم.

حسابات التصعيد

قوبلت الإجراءات الحوثية والإيرانية بغضب واستنكار واسعين؛ لما تمثله من تعقيد للأزمة اليمنية وزيادة لمعاناة السكان في ظل تردي الأحوال المعيشية وتراجع المساعدات الإغاثية الدولية.

وتحدث سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن مخاوفهم من أن تؤدي الخطوات التصعيدية الحوثية، والعمليات العدائية ضد منشآت حيوية في جنوب السعودية، إلى المزيد من التدهور الاقتصادي وأزمات في المواد والسلع الضرورية.

وفسّر مدرس وأكاديمي في جامعة صنعاء الأعمال التصعيدية الحوثية بمحاولة فرض شروط معقدة لأي تسوية سياسية متوقعة في المستقبل، حيث تحاول الجماعة تحسين وضعها التفاوضي بعدما واجهته من خسائر اقتصادية وعسكرية بسبب الضربات الأميركية والإسرائيلية رداً على عملياتها في البحر الأحمر والمواجهة التي اصطنعتها مع تل أبيب.

الجيش اليمني منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء بعدد من الضربات (أ.ف.ب)

وذهب الأكاديمي الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته؛ حفاظاً على سلامته، إلى أن الجماعة توجه رسائل اختبار لقياس ردات الفعل المحلية والإقليمية والدولية، وأن ثمة احتمالات لأن تكون تلقت توجيهات إيرانية بذلك، للحصول على مكاسب مزدوجة للطرفين في ظل التوتر الذي ما يزال قائماً في المنطقة.

وبيَّن الأكاديمي، أن قادة الجماعة الحوثية الذين يسيطرون على جامعة صنعاء، يتناقلون يومياً أحاديث عن لقاءاتهم بقيادات عليا أو تلقيهم اتصالات تحثهم على المزيد من التعبئة في أوساط الطلاب وموظفي الجامعة والأكاديميين.

وكشف عن استعدادات كبيرة كانت الجماعة تجريها لتنظيم حفل استقبال كبير لوفدها العائد من طهران في مطار صنعاء، قبل أن تضطر إلى إلغائه بعد تلقيها تحذيرات بعدم السماح بهبوط الطائرة فيه.

ويخشى اليمنيون أن يقود هذا التصعيد إلى مزيد من التشديدات الأمنية وتقييد الحريات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الإنسانية؛ ما يجعل المدنيين الطرف الأكثر تأثراً بأي مواجهة أو حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود اليمن.


تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
TT

تصعيد الحوثيين يُهدد واردات اليمن ويعمق الأزمة الإنسانية

تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)
تعطل الملاحة يهدد تدفق الواردات إلى اليمن (إعلام محلي)

تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع عودة التصعيد العسكري للحوثيين، بالتزامن مع تداعيات استئناف الحرب على إيران، التي بدأت تلقي بظلالها على حركة التجارة وإمدادات السلع إلى البلاد، في وقت حذّرت فيه الأمم المتحدة من اتساع رقعة الجوع وتراجع قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة بسبب النقص الحاد في التمويل.

وقالت مصادر حكومية وأخرى تجارية لـ«الشرق الأوسط» إن موردي السلع يواجهون صعوبات متزايدة في إيصال الشحنات إلى البلاد، مع استمرار الاضطرابات التي تشهدها حركة الملاحة في المنطقة.

وأوضحت المصادر أن مئات الحاويات لا تزال عالقة في موانئ إقليمية منذ أشهر نتيجة تعطل خطوط الشحن المرتبطة بمضيق هرمز، في حين تتصاعد المخاوف من تأخر وصول شحنات جديدة وارتفاع إضافي في تكاليف النقل.

وينعكس هذا الوضع مباشرة على أسعار السلع، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، في وقت يعاني فيه السكان أصلاً تراجع القدرة الشرائية وانهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.

الحوثيون يصعّدون رغم التحذيرات الدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، ارتفعت أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الجولة الأولى من الحرب بأكثر من 20 في المائة، في حين كانت الزيادات أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد فرض الجماعة رسوماً جمركية مرتفعة على شحنات القمح والدقيق الواردة عبر الموانئ الخاضعة للحكومة، تجاوزت 100 في المائة، ما أدى إلى زيادة أسعار الدقيق، وهو الغذاء الرئيسي لمعظم السكان، ولا سيما في المحافظات الجبلية.

تحذيرات أممية

وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية واتساع انعدام الأمن الغذائي.

ووفق تقرير أممي حديث، فإن استمرار النزاع، وتراجع التمويل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكلفة الواردات، عوامل تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أشد من الفقر والجوع، ما لم تتوفر موارد إضافية تضمن استمرار برامج الإغاثة.

وأشار التقرير إلى أن 18.3 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مع توقع انتقال مزيد من المديريات إلى مرحلة الطوارئ الغذائية، ووصول بعض المناطق إلى مستويات كارثية من الجوع.

كما أوضح أن 22.3 مليون شخص -يمثلون أكثر من ثلثي سكان اليمن- سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، بينهم 5.2 مليون نازح داخلياً، إضافة إلى المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

تمويل متراجع

وحذّرت الأمم المتحدة من أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه أزمة تمويل غير مسبوقة، إذ لم يتجاوز ما جرى توفيره حتى نهاية مايو (أيار) 12.7 في المائة من إجمالي 2.16 مليار دولار تحتاج إليها خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، الأمر الذي دفع وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها وحصر تدخلاتها بالحالات الأشد احتياجاً.

الأطفال والنساء يظلون الأكثر تضرراً من سوء التغذية في اليمن (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن الأطفال والنساء يظلون الفئة الأكثر تضرراً في اليمن، مع توقع إصابة 2.2 مليون طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 500 ألف يعانون سوء التغذية الوخيم، إلى جانب 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة معرضات لسوء التغذية.

وأضاف التقرير الأممي أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية في اليمن أصبحت خارج الخدمة كلياً أو جزئياً، في وقت يزيد فيه استمرار تفشي الكوليرا والحصبة والدفتيريا، إلى جانب تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، من احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة، في حين يحتاج 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي.