تبعات حادثة الجبل تهدد الحكومة اللبنانية

«التقدمي» عاتب على عون... و«ثغرات» في إدارة المواجهة مع جنبلاط

TT

تبعات حادثة الجبل تهدد الحكومة اللبنانية

حذرت مصادر وزارية لبنانية، واسعة الاطلاع، من تبعات الخلاف بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري، على خلفية إصرار الأول على إحالة مقتل اثنين من مرافقي وزير في الجبل على المجلس العدلي، في مقابل تفضيل الثاني اعتماد الحل السياسي والاحتكام إلى القضاء، لتحديد من هو المسؤول.
ورأت أن هذا الخلاف يمكن أن ينعكس على الوضع الحكومي، ويدفع باتجاه تعطيل جلسات مجلس الوزراء، وتحويل الحكومة إلى مجرد هيئة تشرف على إدارة التأزم السياسي، في ظل ظروف دقيقة يمر بها البلد، وتستدعي الإسراع بالاستجابة لخريطة الطريق التي أقرها «مؤتمر سيدر» للخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت المصادر الوزارية لـ«الشرق الأوسط»، إن «الوضع اللبناني لا يحتمل إقحام البلد في اشتباك سياسي يؤدي إلى تعطيل جلسات مجلس الوزراء، بذريعة الخلاف حول إحالة حادثة قبرشمون على المجلس العدلي»، وقالت إن «هذا الأسبوع مع عودة الحريري إلى بيروت سيكون حاسماً لجهة تحديد مصير جلسة مجلس الوزراء، لأنه من غير الجائز ترحيلها، فيما بات على الحكومة الانعقاد للنظر في التعديلات المقترحة على مشروع الموازنة، تمهيداً لإحالته على البرلمان لمناقشته وإقراره».
واعتبرت المصادر أن «هناك أصولاً لإحالة حادثة قبرشمون على المجلس العدلي تبدأ في التحقيق القضائي لتبيان ما إذا كانت الحادثة ناجمة عن نصب كمين لوزير شؤون النازحين صالح الغريب، أو لغيره، من قبل محازبي (الحزب التقدمي الاشتراكي)، احتجاجاً على زيارة رئيس (التيار الوطني الحر) وزير الخارجية جبران باسيل إلى بلدة كفر متى في قضاء عاليه».
ورأت أن «إحالة هذه الحادثة، من دون أي تحقيق قضائي، تعني أن هناك من يود توجيه تهمة جاهزة إلى (التقدمي)، وصولاً إلى تحميله مسؤولية كل ما حدث»، وسألت: «لماذا يصر البعض على أن يستبق التحقيق؟ وهل يكفي الركون إلى ما صدر عن وزير الدفاع الوطني إلياس بو صعب، وعن خصوم وليد جنبلاط لإلصاق التهمة بـ(التقدمي)؟».
وأوضحت أنه «يُفترض في هذه الحالة ترك الأمر للقضاء، الذي يحدد من خلال ما لديه من معطيات وأدلة ما إذا كانت الحادثة تأتي في سياق نصب كمائن، أو تهديد السلم الأهلي والإضرار بأمن الدولة، خصوصاً أن جنبلاط كان بادر منذ اللحظة الأولى إلى التجاوب مع الوساطة التي يقوم بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وتسليمه كل من يُشتبه به بأنه على علاقة بهذه الحادثة».
في هذا السياق، تساءلت المصادر عن سبب عدم تجاوب رئيس «الحزب الديمقراطي اللبناني»، طلال أرسلان، بتسليم من هم في موضع الشبهة، «خصوصاً أن (التقدّمي) تقدّم من اللواء إبراهيم بلائحة بأسماء المشتبه بهم لمشاركتهم في الحادثة». وكشفت أن شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي المكلّفة من قبل النيابة العامة التمييزية التحقيق مع المطلوبين أفرجت عن ثلاثة منهم «لعدم وجود أدلة تثبت ضلوعهم أو مشاركتهم في الحادثة».
ولفتت المصادر الوزارية إلى أن «هناك إمكانية لاستيعاب التداعيات المترتبة عن هذه الحادثة، شرط عدم السماح لأطراف خارجية، تحديداً النظام في سوريا، بالتدخّل، خصوصاً أنه يرعى المحاولات الجارية لتطويق جنبلاط». ونقلت عن «التقدمي» عتبه الشديد على رئيس الجمهورية على خلفية قوله أخيراً «إن ما حدث في عاليه ليس عارضاً، يجب ألا يتكرّر، وما حصل في عام 1983 لن يتكرّر اليوم، وحرية تنقّل اللبنانيين في المناطق يجب أن تبقى مصانة».
وعزت المصادر العتب إلى أن «رئيس الجمهورية استبق التحقيق القضائي، وتبنّى وجهة نظر فريق معين، إضافة إلى أنه ليس مضطراً إلى استحضار ما حصل في عام 1983 عندما كان قائداً للواء الثامن في الجيش اللبناني المتمركز في حينها على جبهة عاليه - سوق الغرب». وأشارت إلى أن «عون هو الرئيس المنتخب، ولم يكن مضطراً إلى استحضار محطة من محطات الحرب الأهلية في لبنان».
وأعربت عن أملها «بأن يلعب الدور الذي يجمع بين اللبنانيين، خصوصاً أن جنبلاط كان وضع ملف حادثة الشويفات بين يديه لإيجاد المخرج الذي يعيد الهدوء إلى هذه البلدة، ويقطع الطريق على تكرارها، لكن أرسلان لم يتجاوب معه».
وأكدت أن «جنبلاط لا يركض وراء افتعال مشكلة في هذه البلدة أو تلك»، وقالت إن خصومه «وقعوا في أخطاء جمة في إدارتهم للمواجهة السياسية معه انطلاقاً من إصرارهم على فرض المزيد من الحصار عليه من خلال إحالة هذه الحادثة على المجلس العدلي».
وعدّدت المصادر الوزارية «الأخطاء التي ارتكبها خصوم جنبلاط، وكانت بمثابة ثغرات في إدارة المواجهة معه، وأولها أن وزير الدفاع لم يكن مضطراً لأن يستبق التحقيق القضائي في اتهامه (التقدمي) بأنه نصب كميناً للوزير الغريب، وثانيها ربط وزير المهجّرين غسان عطا الله (التيار الوطني الحر) دفن مرافقي الوزير الغريب بإحالة الحادثة على المجلس العدلي، ثم التشكيك بالدور الإطفائي للواء إبراهيم من قبل نائب الكورة (التيار الوطني) جورج عطا الله».
وأضافت أن بين الأخطاء أيضاً «إصرار تكتل (لبنان القوي) برئاسة جبران باسيل على تقديم نفسه، وكأنه هو الذي يدير المعركة السياسية ضد جنبلاط، وانتقال الوزير في (حزب الله) محمود قماطي إلى منزل أرسلان في خلدة، وإعلانه في حضوره أن زمن الميليشيات قد ولّى، وأن هناك محاولة للنيل من سلامة وزير في الحكومة، في إشارة إلى الغريب».
إضافة إلى ما سبق، لفتت إلى «لجوء نواب في (تكتل لبنان القوي)، إضافة إلى باسيل، إلى استحضار محطات من الحرب الأهلية، بدءاً بكوع الكحالة، ومروراً بضهر الوحش، وانتهاءً بسوق الغرب، علماً بأن هذه المحطات كانت شهدت معارك بين (التقدمي) واللواء الثامن بقيادة عون آنذاك، وتغييب الدروز عن اجتماع المجلس الأعلى للدفاع برئاسة الرئيس عون، بعدم دعوة رئيس الأركان اللواء أمين عرم لحضوره، بذريعة أنه ليس عضواً دائماً في المجلس، مع أن الرئيس دعا وزير الدولة سليم جريصاتي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس، لحضوره، رغم أنهما ليسا من أعضائه».
وأشارت أخيراً إلى «رد فعل الحضور في اجتماع المجلس المذهبي الدرزي على موقف وزير المهجرين الذي ربط دفن الضحيتين بإحالة الحادثة على المجلس العدلي، ونقل على لسان شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ نعيم حسن قوله: إننا نستنكر التدخّل في شؤوننا، ونحن مسلمون، وإكراماً للميت يجب دفنه».
لذلك، اعتبرت المصادر «أن عدم انعقاد مجلس الوزراء، هذا الأسبوع، يمكن أن يفتح الباب أمام الدخول في تأزم سياسي قد يكون الأصعب منذ انتخاب عون رئيساً للجمهورية، خصوصاً أن الحريري يرفض إحالة حادثة قبرشمون على المجلس العدلي، في مقابل إصرار رئيس الجمهورية على إحالتها، علماً بأنه يحق للأخير أن يطرح هذه الإحالة من خارج جدول أعمال الجلسة، وعندها لا بد من رصد رد فعل رئيس الحكومة، هذا إلا إذا تقرر صرف النظر عن هذه الحالة في ضوء ما يتردد بأن (حزب الله) قد يُجري تعديلاً على موقفه في اتجاه تكليف القضاء بالتحقيق، وبالتالي تفتقد الإحالة إلى أكثرية الأعضاء في الحكومة».
ويتردد أيضاً أن اللواء إبراهيم لم ينطلق في وساطته إلا بعد أن حظي بمباركة ودعم من حركة «أمل» و«حزب الله»، مع تأكيد أن رئيس البرلمان نبيه بري لا يحبّذ الإحالة على المجلس العدلي، ويفضّل أن يترك القرار النهائي لسير التحقيقات القضائية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.