الروائيون الجدد في السعودية: خطاب جريء اختطفته الآيديولوجيا

ندوة في جدة تناولت ملامح نتاجاتهم وخطابهم الروائي

د. سحمي الهاجري  و معجب العدواني  .... أغلفة روايات سعودية
د. سحمي الهاجري و معجب العدواني .... أغلفة روايات سعودية
TT

الروائيون الجدد في السعودية: خطاب جريء اختطفته الآيديولوجيا

د. سحمي الهاجري  و معجب العدواني  .... أغلفة روايات سعودية
د. سحمي الهاجري و معجب العدواني .... أغلفة روايات سعودية

شهد النادي الأدبي الثقافي بجدة، مساء الأحد الماضي ندوة بعنوان «الروائيون الجدد»، شارك فيها كل من الناقدين: الدكتور معجب العدواني، والدكتور سحمي الهاجري، وأدارها القاص محمد علي قدس، وحضر الندوة الدكتور أحمد قران الزهراني الذي عيّن أخيرا مديرا عاما للأندية الأدبية السعودية.

* الرواية بوصفها خطابا متجددا

* الدكتور سحمي الهاجري، ركّز في ورقته على «دوافع الكتابة»؛ معداً أن عنوان الندوة «الروائيون الجدد».. يستحقُ لقبَ «العنوان الصامد»، فهو عنوان ما فتئ يستعاد منذ بدايةِ الألفية الثالثة؛ لأن كُتابَ الرواية الأولى، أو الأسماء الجديدة من الروائيين والروائيات ظلت دائماً تشكلُ الأكثرية بين الإصدارات الروائية المتلاحقة؛ وهو أمرٌ يدلُّ على أن بواعثَ هذه الظاهرة، والعواملَ المؤثرة فيها، ما زالت مستمرةً هي الأخرى.
وعرّف المعنى من الروائيين الجدد، بوصفه «الحديث عن تيار عام (..) ينتمي إلى خطاب أدبي جديد، وما زال في طور التشكل»، مشيراً إلى أن «صفة الروائيين الجدد تكاد تنطبق بصورة متوالية على جميع الروائيين والروائيات منذ البداية، فكل منهم مرّ بهذه الصفة في مرحلة من المراحل، قبل أن يصبح لبعضِهم معتمدُه الخاص فيما بعد».
أما لماذا استحق هذا العنوان لقبَ «العنوان الصامد» فـ«يعود غالباً لطبيعةِ الخطاب السائد، وجمود منظوماته الفكرية والقيمية والأخلاقية، أما الروايات ذاتهُا فليست مكرورة بالضرورة، كما يبدو في الظاهر، لأنها تستبطن منطقاً عميقاً لسيرورة متطورة تتشكلُ تدريجياً».
الدكتور الهاجري لاحظ «أن الطفرة الروائية المحلية في عمومها، لم تحدث نتيجةً لتطورٍ معرفي أو فكري أو فلسفي أو جمالي؛ بقدر ما هي وعي حاد بغياب هذا التطور»، وإن «فراغاً واسعاً حدث نتيجة لذلك الغياب، فسُنةُ الحياة تكرهُ الفراغ، ومن الدلالات المهمة في هذا السياق أن المادة المستدعاة لملء الفراغ صفتُها الأساس كبرُ الحجم.. ثم مع الاتساع المتزايد للفراغ، غدت مسألةُ الحجم وحدها لا تكفي؛ مما استدعى مزيداً من التكاثر الكمي المتواصل؛ مما يجعلنا نستعيدُ عبارة إمبرتو إيكو من «أن الكونَ السردي أقل دائماً من الكونِ الواقعي».
وقال: «نحن نرى الرواياتِ الجديدة، لأنها مشاهدة وملموسة، ولكننا لا نرى ما هو أكبر منها، وهو حجمُ الطلب عليها أو حجم الفراغ المفتوح، وهذا ما أدركه الناشرون بحسهم التجاري بصرف النظر عن قوة العمل أو ضعفه من الناحية الفنية».

* لماذا الرواية؟

* تحت هذا السؤال، تحدث الدكتور سحمي الهاجري عن أجناسُ الأدب الأخرى، معداً «أن الشعر والقصة القصيرة وحتى المقالة فنون ذاتية في المقام الأول، وتدل على الوعي الفردي أكثر مما تدلُ على الوعي الجماعي، ولأنها فنونٌ قديمة تاريخياً، فإنها مع الزمن تصالحت بصورة أو بأخرى مع خطاب التخلف، وأهم من هذا وذاك أنها فنون من صفاتها الاختصار والاختزال وتقديم الخلاصات النهائية؛ وقضية الخلاصات النهائية هي المشكلة، لأنها تُذكر بخلاصات الثقافة الأبوية، وهي خلاصات تجاوزها الزمن من جانب، ولا تكفي لسد الفراغ المفتوح من جانب آخر، فلم يعد الكاتب هو ذلك الكاهن أو الحكيم الذي يطل على الناسِ من شاهق، فلا جدال أن هذا العصر هو عصر المتلقي، وهو متلق بات يشارك في إنتاج الثقافة من منازلهِم على نطاق واسع، وبما يناسبُه وليس بما يُفرض عليه».
أما موضوع الكاتب، فرأى أنه جدير بالدراسة، لأنه «ينفتح على قضايا عدة مثل: قضية «دوافعِ الكتابة»، ومن دوافعِ الكتابة تنبثق قضيةُ «القصدية»، وقضية القصدية صاحبت الرواية منذ ظهورها، وغدت جزءاً من تعريفها، ثم تأتي قضية «مقولةِ الراوي» بوصفها مقولةً سردية، ومقولةُ الراوي تعود بنا مجدداً إلى القصدية، لأن الراوي هو الموجه الأول لآيديولوجيا النص».

* دوافع الروائيين الجدد

* وباستعراضه لشهادات الروائيين والروائيات الجدد عن العواملِ التي دفعتهم للكتابة، لاحظ الناقد الهاجري أن استقراء دوافع الكتابة تظهر عبارات دالة على أن الرواية تمثل بالنسبة لأحدهم «مسألة وجود»، أو أنها «تعادل الحرية»، أو أن الرواية «غدت المتنفس الكتابي والنفسي»، أو «أن كتابةَ الرواية ملاذٌ من الضياع»، وأنها بالنسبة للمرأة المتهمة بالضعف «القبضة القوية التي تملكها».
كما تبرز أسباب أخرى مثل التضييق الاجتماعي والثقافي؛ حيث تعبر عنها بعض الشهادات بأن: «الرواية تستوعب كلَ جنونِك وفنونِك.. تستوعب نثرَك وشعرَك.. وتستوعب فلسفتَك وحلمَك.. وكلَ مواهبك الكتابية»، ويشترك الكتاب والكاتبات في عبارات مثل: «كتبتُ الرواية لإعادة التوازن بين الداخلي والخارجي»، أو «كتبت الرواية لإعادة ترتيب داخلي بطريقتي، لا كما رتبها المجتمع والعائلة». كما يشترك بعضُ الكتاب والكاتبات أيضا في الدوافع أو الحوافز الثقافية، مثل قول أحدهم: «كتبتُ الرواية لأنها تتصدرُ الحركة الأدبية»، أو قول إحداهن: «كتبتُ الرواية لحبي للعائلة الثقافية»، ولاحظ الهاجري، أن «من الأمور الدالة أيضاً، أن الدوافع الفنية تأتي في ذيل القائمة، وفي إشارات عابرة».
وفي تحليله لهذه الدوافع قال الهاجري: «نحنُ – إذن - في كل الأحوال، أمام خطابٍ متجدد ومقتحم وجريء غمر الساحة الثقافية، وبث فيها حيوية جديدة ومستدامة بواسطة مجموعة من الرموز، والأفكار، والقيم الجمالية، والأخلاقية الحية، من خلال هذا الكم الكبير من النصوص الروائية المتمردة على مرحلة العماء السابقة لظهور الطفرة الروائية».
وبشأن الروائيات قال الهاجري: «ولأن المرأة هي حاضنةُ الحياة وراعيتُها وممثلتُها الأولى، فإن مشاعرَها وأفكارها تأتي في الغالب واضحة ومشبوبة ومحددة، في حين نجدُ التردد والتعثر والشتات يسيطرُ على الرجال، وهو ما تعكسه الروايات والشهادات بكل جلاء، ربما لأن الامتيازات الرجالية تمثل جزءاً عميقاً وغائراً في بنية الخطاب التقليدي الذي يحاورونه، فيختلط الذاتي والموضوعي لديهم بطريقة مربكة».
وفي ختام ورقته، أكد الهاجري، أن «الرواية المحلية، كانت ولا تزال، تعتمد على أن السياق أقوى من النصوص، وأن دلالات النصوص ما هي إلا مؤشرات إلى دلالاتٍ أكبر منها، وهي دلالاتُ السياق».

* فخ الأدلجة!

* أما الدكتور معجب العدواني، فقال إن مصطلح «الروائيون الجدد» هو «مصطلح غير بريء»، لأنه «يركز على الذوات، ويهمل أفعالها، ويستبيح تحديد الزمن وتقسيمه بالصورة التي نتطلع إليها، ويبدي مراوغة وانحيازًا في سكه، وفي اختياره».
مع ذلك، فقد وافق على أن المصطلح يمكنه أن «يحيلنا إلى التركيز على منجز أولئك الروائيين الفاعلين وغير الفاعلين خلال حقبة منصرمة منذ عقد أو يزيد»، مع تشديده على أن «ذلك كله يخلق حالة من القلق في إحلال العام في موقع الخاص، والجمعي في موقع الفردي».
بدايةً، شدد الدكتور العدواني على أنه «لا يمكن النظر إلى الروائيين الجدد بوصفهم طبقة واحدة؛ إذ أميل إلى تشكيلهم في اتجاهين لا يربط بينهما رابط، ولا يجمعهما جامع سوى التسمية والسجال»، متحدثاً عن فئتين من الروائيين الجدد، وهما: الروائيون الجدد الذين يصبون إلى معالجة الفعل الإنساني باجتياز الأدلجة إلى صوغ الفن والجمال، وقد راجت أعمال هذه الفئة رواجا تحقق بفضل ثورة المعلومات وانتشار وسائل التواصل، لكنها لم تحظ بحضورها المرتجى عربيا إلا في حالات قليلة.
أما الفئة الثانية فهم الروائيون الخاضعون لأدلجة ما، «إنهم أولئك الذين يكتبون الرواية بوصفها نصا ينطلق من آيديولوجية مضادة لموقف أو نص أو شخص، وتجبرك هذه الفئة على تناولها، على الرغم من ضعف الجمالية وضحالة الفكر، وذلك لكونها تمثل اتجاها قام بفرضها، ولها قراؤها المتعصبون، ولديها منصات النشر الخاصة بها».
وقال إن هذه الفئة «ظهرت تاريخيًا بعد ظهور رواية (بنات الرياض) ورواجها، وتنامي الحركة الروائية السعودية، لتتجلى بوصفها تيارا مضادا للمنجز، محاولة تشويهه وإرهاب كتابه، هي رواية (تطرف) بامتياز، ومن أمثلة ذلك (زوار السفارات)، و(المرآة المنعكسة)، و(حتى لا يضيع الحجاب)، ولا خلاف على أن هذه الأعمال رتيبة وغير متجاوزة وتفتقر إلى الدربة والاحترافية».

* البعد الأبوي للنقد

* ثم تحدث الدكتور العدواني عن البعد الأبوي للنقد، وقال: «لا تخلو زاوية النظر إلى الرواية السعودية، وتحديدًا الرواية الجديدة منها، من 3 وجهات نظر أساسية، تتمثل الأولى في نظرة تعتمد على منظومة الثناء والتمجيد والتبجيل، والثانية تحرص على أن تفتح أفقها لتراوح بين الثناء والكشف، والثالثة تركز على كشف العيوب وتفكيك العمل وسياقاته».
وهنا، انتقل الناقد العدواني إلى النقاد، جاعلاً إياهم «في رأس قائمة المسؤولين عن إسدال غطاء الوهم الذي روّجه النقد منذ البدء؛ إذ إن مسؤولياتهم في النظر إلى منجز الروائيين الجدد - كما أراها - ليست كما يقال عن ضرورة حضور نقد المواكبة، ولكن الأهم توفر عنصري الإثارة والرغبة، فليست كل الأعمال الروائية قادرة على فعل الإثارة، ولن يكون كل الفعل النقدي قادرا على فعل الرغبة».
وصنف مراحل النقد (هنا) إلى 3 مراحل: فقد «كانت بواكير النقد الروائي قليلة ولا سيما في مرحلة الحداثة في الثمانينات، (..) ويعود إلى غياب الروائيين والروائيات عن الانخراط في هذه المجموعة التي توهجت شعرًا ونقدًا، (..) لقد كان للرواية بفضل إمكاناتها المتصلة بالجنس الأدبي، وبدعم التنظيرات النقدية المصاحبة، أن تكون الملجأ المناسب للتجربة النقدية قي حقبة الثمانينات بعيدًا عن الأجناس الأخرى التي تمتح من العراقة في الثقافات التقليدية كالشعر، أو الأشكال النثرية الأخرى كالقصة القصيرة».
المرحلة الثانية، كانت «في منتصف فترة التسعينات؛ حيث كانت الأعمال الروائية لا تزيد عن سبعين عملا، ولكن الدراسات النقدية للرواية السعودية بدأت تتسع وتزيد، بسبب عاملين رئيسين: الأول يتصل بزيادة الوعي بدور الرواية، وكونها تنفي الأحادية وتنمذج التعددية. والعامل الثاني يعود إلى محاولة التأصيل للبعد الوطني، في الإطارين؛ المحلي والعربي».
وقال: «مع شيوع الفن الروائي في القرن الجديد، وتعدد قنوات النشر، وظهور حرفة الكتابة في الفنون مهما تباينت، ولم تعد الحاجة إلى النقد كبيرة، فقد تحول الروائيون أنفسهم إلى نقاد لأعمال آخرين»، مضيفاً: «كل هذه السياقات تبرز مسؤولية النقد، وتؤكد عظم دوره في تكريس غطاء التزوير، وخلق حالات الوهم».
* العلاقة مع الأجيال الروائية
* ولاحظ الدكتور العدواني «أن الرواية السعودية وقعت في السجال، وفي توتر صنعته التيارات المتطرفة، التي رفعت شعار الكراهية ضد من يقدم عملا روائيا في التسعينات، فحملوا على الروائيين، مثل: غازي القصيبي، وتركي الحمد، وعبده خال، ويعود ذلك لوعي أولئك بكون الرواية الجنس الأدبي القادر على التغيير الذي يرفضونه».
ثم قارن الناقد بين تجربتي السعودية والكويت في علاقة جيل الروائيين الجدد مع الأجيال السابقة.. ففي حين «نلمح علاقة إيجابية بين جيل الرواد في الكويت، ممثلا في: إسماعيل فهد إسماعيل، وطالب الرفاعي، وليلى العثمان، مع الروائيين الجدد، مثل: سعود السنعوسي، ووليد الرجيب، وسعداء الدعاس؛ حيث نلحظ ورود أسماء الجيل القديم في روايات الجدد، ومثال ذلك رواية (ساق البامبو)، وفي المقابل نلحظ أن تشجيعا كبيرا وواضحا للروائيين الجدد من الرواد في أمسياتهم وكتاباتهم، وقد نتج عن ذلك الدعم فوز بعض أولئك الشباب بجوائز كبرى»، فإن التجربة السعودية مختلفة، فالعلاقة «تميل إلى التوتر، وتنحو إلى الإلغاء، وهما مساران طبيعيان ناتجان عن تصور كبت للتجربة في عمومها».
وقال: «لو أردنا أن نحدد سمات الجماهيرية لدى هاتين الفئتين، سنراها متمثلة في نزق ردود بعضهم، وسرعة انفعالهم، والمبالغة والشطط في الردود العاطفية، والعجز عن الاعتدال، والابتعاد عن الاستجابة النقدية، ويقود ذلك بحسب فرويد إلى وحدة مشاعر يمكن أن تكون أساسا لتشكيل عشائري جديد».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».