آلاف البشر والروبوتات... جنباً إلى جنب في طرقات «أمازون»

آلاف البشر والروبوتات... جنباً إلى جنب في طرقات «أمازون»
TT

آلاف البشر والروبوتات... جنباً إلى جنب في طرقات «أمازون»

آلاف البشر والروبوتات... جنباً إلى جنب في طرقات «أمازون»

يبدأ الموظفون بشركة «أمازون» الأميركية العملاقة للتجارة الإلكترونية نوبة العمل باجتياز بوابات الدخول الدوارة، ثم المرور بجوار لوحة مدون عليها الأغراض التي لا يسمح لهم بجلبها معهم عندما يأتون إلى العمل؛ جنباً إلى جنب مع أجهزة الروبوت.
فالهواتف المحمولة والأحزمة والمفاتيح والنقود المعدنية، على سبيل المثال، لا بد من وضعها أولاً داخل واحد من مئات الخزانات المصفوفة على جانب القاعة المخصصة للراحة في مخازن الشركة، في مدينة ويست ديبفورد بولاية فيلادلفيا الأميركية.
وداخل المخازن، تتحرك روبوتات صغيرة لا يزيد طولها عن عشرين سنتيمتراً، وإن كانت قادرة على حمل أوزان تصل إلى 560 كيلوغراماً، ولا تتشابه مطلقاً مع الروبوتات المصممة على أشكال بشرية، والتي تظهر في أفلام الخيال العلمي. وتساعد هذه الماكينات ذاتية الحركة موظفي «أمازون» على أداء المهام الموكلة إليهم.
وتنطلق الروبوتات على عجلات بسرعة لا تتجاوز متراً ونصف متر في الثانية، في قفص ضخم بالطابقين الثاني والثالث، من المخزن الذي تقارب مساحته نحو ثلاثين ملعب كرة قدم، بحسب تحقيق لوكالة الأنباء الألمانية.
وفي حين توظف شركة «أمازون» عشرات الآلاف من الأشخاص للعمل في مخازنها، تتبنى الشركة التي تتخذ من مدينة سياتل الأميركية مقراً لها، فكرة ميكنة العمل، وتستخدم الروبوتات لأداء الأعمال التي كان البشر يقومون بها فيما سبق.
ويشعر النقاد ومؤيدو حقوق العمال بالقلق، من أن الروبوتات ستحل يوماً ما محل البشر، وأن مخازن «أمازون» التي تكتظ بالآلات تعد بيئة عمل غير آمنة.
وقال تاي برادي، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة «أمازون روبوتيكس» في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) هذا الشهر: «المسألة لا تتعلق مطلقاً بالبشر في مواجهة الآلات؛ بل يعمل البشر والآلات جنباً إلى جنب لتحقيق مهمة ما».
وتوسعت «أمازون» بشكل سريع، من 20.7 ألف موظف في عام 2008، إلى 647.5 ألف موظف العام الماضي، يعملون في دوام كامل أو نصف دوام. وفي مخازن مدينة ويست ديبفورد، يوجد أكثر من 1500 موظف يعملون بدوام كامل، ويستخدمون أكثر من ثلاثة آلاف روبوت، بحسب ما أعلنته الشركة.
وارتفع صافي مبيعات «أمازون» بنسبة 31 في المائة العام الماضي إلى 232.9 مليار دولار، كما تضاعف صافي أرباح الشركة بأكثر من ثلاث مرات إلى 10.1 مليار دولار.
وذكر المجلس الوطني الأميركي للسلامة المهنية والصحة: «رغم الموارد الضخمة، لا توجد دلائل كافية على أن الشركة بذلت مجهودات كبيرة لمواجهة شكاوى العاملين لديها، بشأن التوتر والإجهاد في العمل، وغيرها من الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى الأمراض أو الإصابات أو حتى الوفاة».
وتوفي ستة عمال في مقرات شركة «أمازون» أو خلال عملياتها بالولايات المتحدة، منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، كما وصل عدد الوفيات منذ عام 2013 إلى 13 موظفاً، حسب تقرير المجلس.
وتؤكد «أمازون» أن منشآتها آمنة، وأن زيادة الميكنة لا تعني أنها ستقلل عدد الأشخاص الذين تقوم بتوظيفهم. وتشير التقديرات التي جاءت في تقرير لمؤسسة «ماكينزي» العالمية إلى أن الاعتماد على الآلات يمكن أن يطيح نحو 800 مليون موظف على مستوى العالم، بحلول عام 2030، رغم أن التقرير أقر أيضاً بأن الميكنة يمكن أن تساعد في خلق فرص عمل.
وتصل السلع من شركة «أمازون» أو غيرها من شركات التوريدات إلى مخازن ويست ديبفورد على متن سير تحميل، وتنتقل إلى الطابق الثاني؛ حيث تعمل موظفات مثل ليزا بايلي، وهي موظفة تعبئة تبلغ من العمر 51 عاماً.
وتقف بايلي خارج قفص الروبوتات، وتفحص السلع التي تتنوع من الألعاب النارية من «أمازون» إلى أكياس الحلوى والمقرمشات. ويحمل الروبوت هذه الأغراض ليضعها على أحد الرفوف المكدسة بالصناديق المصنوعة من الورق المقوى، في الوقت الذي تضع فيه بايلي هذه الأغراض داخل الصناديق.
وتتحرك روبوتات أخرى من خلفها ويسير بعضها بقرب بعض، ولكنها لا تتصادم أبداً. وما إن تنتهي بايلي من مهمتها، حتى يدفع الروبوت الرف إلى مكانه الأصلي. وتقول بايلي، وهي تجلس داخل المخزن المكيف: «تبدو الروبوتات مثل سيارات السباق الصغيرة».
وفي الطابق الثاني بجوار بايلي، يعمل ديفيد غريكو (45 عاماً) من منطقة لافييت هيل، وهو متخصص في «الانتقاء»؛ حيث يطالع التعليمات التي تظهر أمامه على شاشة الكومبيوتر، ثم ينتقي بعض الأغراض من فوق الرف المتحرك وينحيها جانباً. ويعكف غريكو على فحص تلك الأغراض ثم يضعها في عبوات بلاستيكية صفراء على سير التحميل.
وتنتقل هذه العبوات الصفراء إلى الطابق الأرضي، حتى تصل إلى تاليرا تومسون (22 عاماً)، وهي موظفة تعبئة من منطقة سيكلرفيل؛ حيث تضع الأغراض داخل العبوات الكرتونية التي تصل في نهاية المطاف إلى عتبة باب المستهلك مباشرة.
وبعد إغلاق العبوات الكرتونية بالشريط اللاصق، تضعها تومسون على سير تحميل آخر ينقلها إلى ماكينة تلصق عليها بطاقة الشحن، قبل نقلها إلى منطقة التحميل؛ حيث تصطف شاحنات لتوصيل الطلبيات إلى جميع أنحاء الشمال الشرقي الأميركي.
وفي مدن مثل هيوستن وسولت ليك سيتي وتامبا بولاية فلوريدا، وساكرامنتو في كاليفورنيا، يؤدي الموظفون هذه الأعمال جنباً إلى جنب مع الروبوتات.
ويقول روبرتو ميلر، مدير عام مخازن «أمازون» في ويست ديبفورد، إن الروبوتات تقوم بالأعمال الرتيبة، حتى يستطيع الموظفون الانخراط في أعمال تتطلب مزيداً من التركيز. وفي حين أن الموظف البشري كان يحتاج إلى نقل الصناديق الثقيلة بنفسه في السابق، يمكن لذراع روبوتية الآن أداء هذه المهمة، فيما يعمل الموظف كمسؤول عن تشغيل الماكينات.
وتقول «أمازون» إن مخزن ويست ديبفورد هو رابع مخزن يوظف الروبوتات في ولاية نيوجيرسي الأميركية. وأطلقت الشركة عملياتها في الولاية في عام 2012، وهي توظف الآن أكثر من 17500 شخص بدوام كامل في أنحاء الولاية.
وتمارس «أمازون» نشاطها في ولاية بنسلفانيا منذ عام 2008، وتقول إنها توظف أكثر من 10 آلاف موظف بدوام كامل في مختلف أنحاء هذه الولاية أيضاً. وتؤكد الشركة أنها مستمرة في التوظيف، وأنها ستفتتح أكثر من 150 فرعاً جديداً في نيوجيرسي.
ويصل الحد الأدنى للأجور في «أمازون» إلى 15 دولاراً في الساعة للموظفين الأميركيين، كما يحصل الموظفون بدوام كامل على رعاية صحية تشمل النظر والأسنان، فضلاً عن حق امتلاك أسهم في الشركة، ورعاية اجتماعية، بالإضافة إلى برنامج يسمح للموظفين بالحصول على عطلات مدفوعة الأجر مع أزواجهم أو شركاء حياتهم.
وتستطيع هذه النوعية من الشركات التي تعمل في مجال إدارة المخازن، أن تدعم الاقتصاد المحلي عن طريق توفير فرص عمل بأجور جيدة ومزايا أخرى للعاملين لديها، ولكن مارسي غولدشتاين، المديرة التنفيذية المساعدة في المجلس الوطني للسلامة المهنية والصحة، تؤكد أن «أمازون» ليست واحدة من هذه الشركات.
وتشير غولدشتاين إلى تقرير للمجلس، الذي يروج لظروف العمل الآمنة والصحية، يتضمن أسماء الشركات التي تضع موظفيها في المخاطر. وللعام الثاني على التوالي، تصدرت «أمازون» قائمة هذه الشركات في التقرير الذي يحمل اسم «الدزينة القذرة»؛ حيث أودت الماكينات بحياة موظفين اثنين في مخازن «أمازون» في بنسلفانيا، بفارق ثلاثة أعوام بينهما، كما توفي موظف ثالث بأحد مخازن الشركة في مدينة أفينيل بنيوجيرسي.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اصطدمت ماكينة تعمل آلياً داخل مخزن شركة «أمازون» في روبنسفيل بولاية نيوجيرسي بعبوة تحتوي على سائل مضغوط، ما أدى إلى انبعاث أبخرة ذات رائحة نفاذة في الهواء، على حد وصف «أمازون» للواقعة التي أدت إلى نقل نحو 25 موظفاً إلى المستشفى.
ويقول ستيوارد أبلباوم، رئيس نقابة العاملين في مجال تجارة التجزئة والجملة والأسواق التجارية، في الولايات المتحدة: «تهدد الروبوتات الآلية بشركة (أمازون) حياة البشر بشكل يومي، وهي نموذج صارخ على أن الشركة تولي اهتماماً أكبر بالأرباح على حساب صحة عامليها وسلامتهم». وتؤكد «أمازون» التزامها بتوفير بيئة عمل آمنة، كما تقبل مقترحات من العاملين في مخازنها، وتتعهد بأنها ستجري تغييرات.


مقالات ذات صلة

«أمازون» تتحدى «ستارلينك» بصفقة كبرى للاستحواذ على «غلوبال ستار»

الاقتصاد صاروخ «أطلس 5» التابع لـ«يونايتد لونش ألاينس» على منصة الإطلاق حاملاً أقمار مشروع «كويبر» التابع لـ«أمازون» للإنترنت الفضائي (رويترز)

«أمازون» تتحدى «ستارلينك» بصفقة كبرى للاستحواذ على «غلوبال ستار»

أعلنت شركة «أمازون دوت كوم»، يوم الثلاثاء، اتفاقها للاستحواذ على شركة «غلوبال ستار» للأقمار الاصطناعية في صفقة تبلغ قيمتها 11.57 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أحد مراكز البيانات التابعة لـ«أمازون ويب سيرفسز» (الشركة)

ماذا يعني تعطل خدمات «أمازون» في الإمارات والبحرين؟

تعطل خدمات «أمازون ويب سيرفسز» في الإمارات والبحرين يوقف الأنشطة المرتبطة بهذه المراكز في المنطقة، ويؤثر على استمرارية عمل الشركات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مكتب شركة «أمازون» في آيرلندا شهر أكتوبر 2025 (رويترز)

«أمازون» تؤكد استهداف منشآتها السحابية في الإمارات والبحرين بمُسيَّرات

أكّدت شركة «أمازون ويب سيرفسز» أن طائرتين مسيّرتين ضربتا بشكل مباشر منشأتين للحوسبة السحابية تابعتين لها في دولة الإمارات، ما تسبب في أضرار جسيمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الصفحة الرئيسية لـ«تشات جي بي تي» تظهر عليها عبارة «مرحباً بكم في أوبن إيه آي» - بافاريا (د.ب.أ)

عمالقة التكنولوجيا يخططون لاستثمار 60 مليار دولار في «أوبن إيه آي»

ذكرت صحيفة «ذا إنفورميشن» يوم الأربعاء، أن شركات «إنفيديا» و«أمازون» و«مايكروسوفت» تُجري محادثات لاستثمار ما يصل إلى 60 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا أوضحت شركة «مايكروسوفت» أن الشريحة «مايا 200» الجديدة ستبدأ العمل هذا الأسبوع بمركز بيانات بولاية أيوا الأميركية مع خطط لموقع ثان في أريزونا (د.ب.أ)

«مايكروسوفت» تكشف عن «مايا 200»... الجيل الثاني من شرائحها للذكاء الاصطناعي

كشفت «مايكروسوفت» الاثنين عن الجيل الثاني من شريحة الذكاء الاصطناعي التي تنتجها داخل الشركة «مايا 200».

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

في وقتٍ تتقاذف فيه أمواج التوترات الجيوسياسية استقرار الممرات المائية الحيوية، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الطموحات الاقتصادية الكبرى في منطقة الخليج على الصمود أمام اختبار مضيق هرمز، الذي يمثل «شريان حياة» لا غنى عنه للاقتصاد العالمي، وفق رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي، روبرتا غاتي. وحذّرت، في حديث مع «الشرق الأوسط»، من أن التوترات الجيوسياسية الراهنة تضع طموحات التنوع الاقتصادي في المنطقة أمام اختبار حقيقي، مشددة، في المقابل، على الدور المركزي الذي تلعبه السعودية في أسواق الطاقة العالمية، من خلال تدابيرها لتعزيز موثوقية سلاسل الإمداد. وأوضحت أن جهود المملكة لا تخدم المُصدّرين فحسب، بل تمتد آثارها الإيجابية لتشمل التضخم والتجارة والنمو العالمي.

كان البنك الدولي قد أصدر، الأسبوع الماضي، تقريراً، قبيل اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين، ثبّت فيه اقتصاد السعودية عند موقع الصدارة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة خلال 2026، ليبرز بوصفه أكثر اقتصادات الخليج قدرةً على التعايش مع تداعيات الأزمة الجيوسياسية الراهنة، وذلك رغم المراجعة الحادة التي طالت تقديرات المنطقة. كما أظهرت البيانات الواردة في التقرير أنه من المتوقع أن يتقلص عجز المالية العامة بمقدار النصف إلى 3 في المائة، من 6 في المائة خلال 2025، بالتزامن مع تحول ميزان الحساب الجاري من المنطقة السالبة إلى تحقيق فائض ملموس من -2.7 في المائة إلى 3.3 في المائة.

رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي (البنك)

وابتداءً من يوم الاثنين الماضي، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية؛ في محاولة لتصعيد الضغط على إيران من أجل إعادة فتح الممر النفطي الحيوي بعد انهيار مفاوضات السلام في باكستان، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. ويُتوقع أن تستأنف هذه المفاوضات خلال الأيام المقبلة.

وشددت غاتي على أن المملكة «تلعب دوراً مركزياً، الدور المركزي للمملكة يبرز، اليوم، في أسواق الطاقة العالمية»، وعَدَّت أن جهودها لتعزيز المرونة «تكتسب أهمية خاصة في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين حول مضيق هرمز». وقالت: «إن التدابير التي تُعزز موثوقية سلاسل إمدادات الطاقة - سواء من خلال الاستثمار في البنية التحتية، أم طرق التصدير البديلة، أم الطاقة الاحتياطية - يمكن أن تساعد في الحد من مخاطر تحوُّل مثل هذه الصدمات إلى اضطراب عالمي أوسع نطاقاً. وتكتسب هذه الجهود أهمية؛ ليس فقط للحد من التقلبات لصالح المصدّرين، بل أيضاً بالنسبة للتضخم والتجارة والنمو العالميين».

التنوع الاقتصادي واختبار الصمود

وقالت غاتي إن الصراع الحالي سلّط الضوء، بشكل مباشر، على الأهمية الاستراتيجية للتنويع الاقتصادي، وهو الهدف الجوهري الذي تتبناه خطط التنمية الوطنية ودول مجلس التعاون الخليجي. وأشارت إلى أن البيانات المسجّلة، منذ 28 فبراير (شباط) الماضي مع بدء حرب إيران، تعكس هذا التفاوت بوضوح، «حيث شهدت الاقتصادات الأكثر تنوعاً نسبياً، مثل الإمارات المتحدة والبحرين، انخفاضاً في توقعات نموّها بنسب أقل بكثير، مقارنة بالاقتصادات الأقل تنوعاً مثل قطر والكويت». وردَّت التراجع الحاد في توقعات الأخيرتين إلى «اعتمادهما الكبير على مضيق هرمز كمسار وحيد للتجارة وصادرات الطاقة، في ظل غياب أي طرق تصدير بديلة قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية».

ويتوقع البنك الدولي أن يسجل اقتصاد قطر انكماشاً بواقع 5.7 في المائة، وهو ما يعني تراجعاً من توقعات البنك السابقة بمقدار 11 نقطة مئوية، نتيجة الأضرار التي لحقت إمدادات الغاز المُسال. كما يتوقع أن يواجه الاقتصاد الكويتي انكماشاً أكبر بواقع 6.4 في المائة؛ نظراً لاعتماده بنسبة 100 في المائة على هرمز لتصدير النفط، مما يجعل إغلاق المضيق بمنزلة توقف كامل لشريان الحياة المالي للدولة. في المقابل، يتوقع أن تسجل اقتصادات الإمارات وسلطنة عُمان نمواً متوقعاً 2.4 في المائة لكل منهما، والبحرين ما نسبته 3.1 في المائة.

في هذا السياق، تؤكد غاتي أن استراتيجيات «الرؤية» الوطنية تظل خياراً مناسباً وحيوياً؛ نظراً لاستكمالها أهداف تقليل الاعتماد الهيكلي على الهيدروكربونات وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو. إلا أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن تنفيذ هذه الاستراتيجيات يظل «حساساً» تجاه الصدمات الخارجية، مع ظهور آثار متفاوتة عبر المنطقة؛ فالاقتصادات الأكثر تنوعاً تميل إلى أن تكون أكثر مرونة بفضل امتلاكها احتياطات مالية أقوى وقطاعات غير نفطية أكثر عمقاً.

وتُنبه غاتي إلى أن نوعية القطاعات التي يشملها التنويع تلعب دوراً حاسماً في مستويات الصمود؛ فبينما أبدت قطاعات مثل الخدمات المصرفية والمالية مناعة أكبر، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يؤدي إلى إضعاف شهية الاستثمار وزيادة الاضطراب في قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجيستية، وهي المجالات التي كانت تشهد توسعاً سريعاً ومحورياً في خطط التنويع الاقتصادي بالمنطقة.

ميناء ينبع التجاري أحد المنافذ البحرية المهمة للسعودية في الفترة الراهنة (موانئ)

«فقر الطاقة»

تنتقل روبرتا غاتي، في تحليلها، إلى الجانب الأكثر قتامة لتقلبات أسواق الطاقة، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط يفرض ضغوطاً مركبة على الدول النامية المستوردة؛ إذ يُترجم فوراً إلى ارتفاع في تكاليف الكهرباء والنقل العام، وصولاً إلى زيادة أسعار المواد الغذائية المرتبطة بارتفاع تكلفة الأسمدة. وتؤكد أن هذه الضغوط تؤدي حتماً إلى اتساع العجز التجاري وزيادة استنزاف الموازنات العامة، خاصة في الدول الفقيرة ذات الاحتياطات المحدودة، والتي تضطر لتحمُّل تكاليف مالية باهظة إذا حاولت دعم أسعار الطاقة لتخفيف العبء عن مواطنيها.

وتُنبه غاتي إلى أن الطاقة الموثوقة والميسورة ليست مجرد خدمة، بل هي عصب الحياة للأُسر والشركات على حد سواء، لذا فإن تقلبات أسواق الوقود والغاز تُسدد «ضربة مزدوجة» لهذه الاقتصادات؛ فبينما تكافح الأُسر لتأمين احتياجاتها الأساسية، تواجه الشركات طاقة مكلفة وغير موثوقة، مما يجعل التوسع الصناعي عملية أبطأ، وأكثر خطورة، وأقل تنافسية. وبموجب هذا المنطق، فإن الارتفاعات الحادة في الأسعار على المدى القصير لا تكتفي بآثارها اللحظية، بل قد تؤدي إلى تعطيل «التحول الهيكلي» طويل الأمد في الاقتصادات الفقيرة طاقياً.

وخلصت إلى أن قدرة أي اقتصاد على الصمود أمام صدمات النفط والغاز ترتبط طردياً بمدى انكشاف هياكله الاقتصادية؛ حيث تلعب درجة الاعتماد على الطاقة المستوردة، وكثافة استهلاك القطاعات الإنتاجية، ومدى مرونة استجابة المستهلكين والحكومات لارتفاع الأسعار، الدور الحاسم في تحديد حجم الضرر أو القدرة على التعافي.

«فاتورة» المسارات البديلة لتأمين الطاقة

عند الحديث عن ضرورة الاستثمار في ممرات برية أو خطوط أنابيب تتجاوز المضائق البحرية الضيقة، تؤكد غاتي أن القرار يتطلب توازناً دقيقاً بين الكفاءة الاقتصادية والقدرة على الصمود. فمن منظوريْن جغرافي وفني، يظل تصدير النفط والغاز عبر مضيق هرمز هو «الخيار الأكثر كفاءة» من حيث التكلفة، لكن الصدمات الراهنة تفرض تنويع طرق التجارة كضرورة لا مفر منها لتوفير المرونة.

وتستعرض غاتي أمثلة متباينة لهذا الصمود في المنطقة؛ حيث تبرز السعودية نموذجاً رائداً بقدرتها على تحويل جزء من صادراتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، عبر خط أنابيب «شرق -غرب» بسعة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً. وبالمثل، تمتلك الإمارات خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» بسعة تُقارب 1.8 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، تظهر التحديات في حالات أخرى مثل خط أنابيب «كركوك-جيهان» الرابط بين العراق وتركيا، والذي لا يعمل إلا بكسر من طاقته الإجمالية (0.4 مليون برميل يومياً من أصل 1.5 مليون) بسبب تأخر الإصلاحات داخل الأراضي العراقية، مما يحدّ من خيارات بغداد الاستراتيجية.

نهاية عصر «الكفاءة وحدها»

وفيما يخص مرونة سلاسل التوريد، تشير غاتي إلى أن العالم يمر باختبار قاسٍ بدأ بجائحة «كوفيد-19»، وصولاً إلى صراعات المنطقة، وهي أحداث كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على شبكات إنتاج مركزة جغرافياً. وتؤكد غاتي أن الدرس الأهم من هذه الأزمات هو أن «الكفاءة وحدها لم تعد كافية»؛ إذ باتت الحكومات والشركات بحاجة ماسة إلى بناء احتياطات، وتنويع المصادر، وزيادة المخزونات للسلع الحيوية، وتطوير أنظمة لوجستية أكثر مرونة.

وكشفت كبيرة اقتصاديي البنك الدولي عن وجود أُطر عمل وأبحاث مكثفة لدعم الدول في هذا التحول؛ مُحيلةً إلى «تقرير التنمية العالمية 2020»، الذي رصد تحديات البلدان النامية في عصر سلاسل القيمة العالمية. كما أعلنت ترقب صدور تقرير جديد ومهم بعنوان «الموارد من أجل المرونة: التنويع الاقتصادي لمصدّري النفط والغاز»، والذي سيقدّم خريطة طريق للمصدّرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ حول كيفية تنويع قدراتهم الاقتصادية لتجاوز تقلبات الممرات المائية والاضطرابات المفاجئة.


برئاسة ولي العهد... صندوق الاستثمارات العامة يُقرّ إستراتيجية العام 2026 - 2030

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
TT

برئاسة ولي العهد... صندوق الاستثمارات العامة يُقرّ إستراتيجية العام 2026 - 2030

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي

برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، أقرّ مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة إستراتيجية الصندوق 2026 - 2030، التي تُعد استكمالًا لتوجهه طويل الأمد، حيث سيركز الصندوق على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرة تنافسية عالية، بما يدعم التكامل بين القطاعات وتعظيم قيمة الأصول الإستراتيجية واستدامة العوائد، ومواصلة مسيرة التحوّل الاقتصادي في المملكة وتعزيز جودة حياة مواطنيها.


«أسهم الصين» تنضم لموجة انتعاش عالمية وسط تفاؤل بشأن حرب إيران

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
TT

«أسهم الصين» تنضم لموجة انتعاش عالمية وسط تفاؤل بشأن حرب إيران

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ، الأربعاء، لتنضم إلى موجة انتعاش في الأسواق العالمية وسط آمال بانتهاء أسوأ تداعيات صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب.

وارتفع مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.2 في المائة بحلول استراحة الغداء، بينما ارتفع مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 0.4 في المائة. وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سينغ» بنسبة 0.8 في المائة. وانضمت هذه الأسهم إلى انتعاش واسع النطاق في أسواق الأسهم الآسيوية بعد قوة «وول ستريت» خلال الليلة السابقة، حيث عززت آمالُ التوصل إلى حل دبلوماسي للحرب معنوياتِ المستثمرين.

وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن المحادثات في باكستان قد تُستأنف خلال اليومين المقبلين، بعد انهيارها خلال عطلة نهاية الأسبوع. كما صرح مسؤولون باكستانيون وإيرانيون بإمكانية استئناف المفاوضات.

وقال فيليب وي، المحلل في بنك «دي بي إس»، في مذكرة: «مع استقرار أسعار (خام برنت) دون 100 دولار للبرميل في معظمها خلال الأسبوع الماضي، كانت الأسواق تنتظر حلاً دبلوماسياً». وأضاف: «في الوقت الراهن، يبدو أن أسوأ سيناريو لصدمة أسعار النفط قد جرى احتواؤه جزئياً».

وقد طغى هذا التفاؤل على المخاوف الاقتصادية، بعد أن كان «صندوق النقد الدولي» خفض توقعاته للنمو يوم الثلاثاء؛ بسبب ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.

وفي الصين، قادت أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية والأدوية والخدمات اللوجيستية المكاسب، بينما تراجعت أسهم شركات إنتاج سيارات الطاقة الجديدة، وشركات تصنيع البطاريات، وشركات السلع الأساسية.

وفي هونغ كونغ، ارتفعت أسهم شركات التكنولوجيا الحيوية، وشركات التكنولوجيا، وشركات الإعلام. وتُعدّ قطاعات الطاقة والمواد من بين القطاعات الأقل أداءً.

اليوان يتراجع

وقد انخفض اليوان الصيني بشكل طفيف مقابل الدولار يوم الأربعاء، بعد أن أظهرت البيانات تباطؤاً حاداً في صادرات البلاد خلال شهر مارس (آذار) الماضي، حيث أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الطلب العالمي.

لكن المحللين يقولون إن الاتجاه التصاعدي طويل الأجل للعملة الصينية لا يزال قائماً، مع ازدياد آمال التوصل إلى حل دبلوماسي للصراع في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي من شأنه أن يضعف جاذبية الدولار بصفته ملاذاً آمناً.

وبلغ سعر صرف اليوان في السوق المحلية نحو 6.8178 يوان للدولار عند الساعة الـ03:00 بتوقيت غرينيتش، أي بانخفاض قدره نحو 0.04 في المائة عن إغلاق الجلسة السابقة.

وجاء هذا الحذر جزئياً نتيجة بيانات أظهرت تباطؤاً حاداً في صادرات الصين خلال شهر مارس الماضي؛ مما يشير إلى انخفاض الطلب على اليوان اللازم لشراء السلع الصينية.

ولم تتجاوز نسبة نمو الشحنات الصادرة 2.5 في المائة الشهر الماضي، وهو أدنى مستوى لها في 5 أشهر، وأقل بكثير من الارتفاع الكبير الذي بلغ 21.8 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى فبراير (شباط) الماضيين. وأشار بنك «دي بي إس» إلى ضرورة توخي الحذر عند تفسير بيانات التجارة الصينية الضعيفة في مارس الماضي؛ نظراً إلى تأثيرات المقارنة التي شوهت الإشارة. في المقابل، لا يزال البنك متفائلاً بشأن قيمة اليوان على المدى الطويل، مُشيراً إلى أن الدولار يفقد تدريجياً جاذبيته بصفته ملاذاً آمناً من اضطرابات الشرق الأوسط. وقال فيليب وي، المحلل في البنك، إن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إغلاق مضيق هرمز «عزز من تصميم دول الاتحاد الأوروبي والصين على السعي نحو حل دبلوماسي».

وأضاف: «في الوقت الراهن، يبدو أن أسوأ سيناريو لصدمة أسعار النفط قد جرى احتواؤه جزئياً، ليس بسبب غياب الصراع؛ بل بسبب رفض حلفاء أميركا تصعيد الأزمة الوسطى إلى حرب شاملة».

وقد أيّد بنك «دويتشه» هذا الرأي، إذ أوصى ببيع الدولار. وقال في مذكرة: «لقد عارضنا بشدة التوجهات الصعودية للدولار في الأسابيع الأخيرة... مع التطورات الأخيرة التي تشير إلى احتمال بلوغ مخاطر الحرب مع إيران ذروتها، نرى أن الظروف مواتية الآن لبيع الدولار مجدداً».