عمليات ترحيل منظمة للنازحين السوريين إلى العمق التركي.. وصعود أوغلو لم يخفف من «التشنجات»

اللاجئون يرون أن لا بديل لديهم.. وسكان إسطنبول: هم ينافسوننا على لقمة عيشنا

عمليات ترحيل منظمة للنازحين السوريين إلى العمق التركي.. وصعود أوغلو لم يخفف من «التشنجات»
TT

عمليات ترحيل منظمة للنازحين السوريين إلى العمق التركي.. وصعود أوغلو لم يخفف من «التشنجات»

عمليات ترحيل منظمة للنازحين السوريين إلى العمق التركي.. وصعود أوغلو لم يخفف من «التشنجات»

يأمل النازحون السوريون إلى تركيا في أن تكون لوصول رئيس الوزراء الجديد أحمد داود أوغلو آثار إيجابية على الواقع المتوتر الذي شهدته تركيا الشهر الماضي، بعد موجة من الاحتجاجات والاعتداءات التي نفذت ضد مواطنين سوريين في أنحاء متفرقة من البلاد، خصوصا في المناطق الحدودية.
وكان الوجود السوري مادة سجال أساسية في الحملات الانتخابية خلال التنافس على مقعد رئاسة الجمهورية بين الرئيس رجب طيب إردوغان وخصمه مرشح المعارضة أكمل الدين إحسان أوغلو الذي وعد بـ«الحد من أعداد السوريين» في البلاد، وهو ما ترجمه السوريون بأنه وعد بطردهم من البلاد، خصوصا أنه ترافق مع موجات احتجاج شعبية ضد السوريين، انطلاقا من بعض الجرائم التي نفذها لاجئون سوريون، أو أعمال التسول في الميادين العامة.
«الوعود الانتخابية» لمرشح المعارضة كانت تقض مضاجع العديد من السوريين، وعلى الرغم من أن فوز مرشح المعارضة كان احتمالا ضئيلا، فإن مجرد التفكير به كاحتمال كان يقض مضجع محمد الشامي (37 سنة) الذي يعمل في ورشة للبناء، مع جمع من أبناء بلده يوجدون يوميا في إحدى نواصي إسطنبول بانتظار أن يأتيهم المتعهدون فجر كل يوم لاختيار حاجتهم من العمال.
يعيش محمد في حي قاسم باشا بالجزء الأوروبي من مدينة إسطنبول، ويقتات مع عائلته المكونة من 4 أطفال وأمهم، ووالدته العجوز، مما يجنيه يوميا. يرى محمد أن البديل عن العمل في تركيا هو الجوع أو الموت بأحد البراميل المتفجرة في قريته في ريف إدلب. يعترف محمد، كغيره من السوريين بوجود تجاوزات بين أبناء جلدته، لكنه يضيف رافعا يده: «ليست كل أصابعك مثل بعضها، ولا يجوز أن نشمل بما يقوم به بعض الخارجين عن القانون».
وفي المقابل، يقول جنك إزمرلي (32 سنة)، وهو صاحب مطعم في منطقة أك سراي في إسطنبول، إن النازحين السوريين «ينافسوننا على لقمة عيشنا»، ويشير جنك، وهو أحد مناصري حزب الشعب الجمهوري، إلى أن «السلطان (قاصدا رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان) لا يفكر إلا بمجده الذي يريد أن يبنيه في المنطقة، ولهذا ترى السوري يفتح مطعما ويعمل ويربح من دون أن يدفع ضرائب، فيما نحن نخسر وندفع».
وبدا من خلال بعض التحركات الاحتجاجية وجود استياء تركي من «التسهيلات» التي قدمتها لهم حكومات حزب العدالة والتنمية الحاكم، لكن المسؤولين الأتراك ينفون، مؤكدين أن ما حصل هو مجرد «حوادث فردية». وكانت إشكالات عدة حصلت هذا العام وقبله، بدأت مع علويي منطقة أنطاكية الذين يؤيدون في غالبيتهم النظام السوري، وأدت إلى عمليات ترحيل منظمة للنازحين السوريين إلى العمق التركي، ثم تنقلت هذه الإشكالات في المناطق، حيث جرى اشتباك مطلع العام بين الشرطة التركية وشبان سوريين في العاصمة أنقرة نتج عنه قرار بعدم إسكان الشبان العازبين في المدينة، ثم جرى الترحيل الأكبر الشهر الماضي من مدينة غازي عنتاب الحدودية التي تحتضن أكبر التجمعات السورية، وامتدت هذه الظاهرة إلى مدينة إسطنبول أواخر الشهر. وفي 25 أغسطس (آب) الماضي، اشتبك مئات من سكان مدينة إسطنبول الغاضبين مع الشرطة أثناء احتجاج عنيف في إحدى ضواحي المدينة الأكبر في تركيا بسبب وجود اللاجئين السوريين في مدينتهم. واندلع الاحتجاج في ضاحية إيكتيلي شرق الجزء الأوروبي من إسطنبول، وتدخلت شرطة مكافحة الشغب بعد ذلك مستخدمة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، لتفريق المتظاهرين. وعرض التلفزيون صورا لنحو 300 شخص يحملون العصي والسكاكين والسواطير يهاجمون متاجر وسيارات تعود لسوريين ويهتفون بشعارات معادية للاجئين. وبدت السيارات وقد تحطمت وقلبت بينما تناثر زجاج واجهات المتاجر التي تعود لسوريين وظهرت عليها الكتابة العربية.
وفي 28 من الشهر نفسه، نشب شجار بين مواطنين أتراك وسوريين في مدينة كهرمان مرعش، أسفر عن إصابة شخصين، وجرى على أثره طرد السوريين من الحي الذي وقع فيه الشجار. كما نقلت العائلات السورية بواسطة مجموعة من الحافلات إلى المخيمات لحمايتهم من موجة الغضب الشعبي، وسط بكاء من بعض النساء السوريات أثناء إخراجهن من الحي.
ويرد المسؤولون الأتراك هذه الاحتجاجات إلى «حوادث فردية» كما حصل في غازي عنتاب بعد قتل نازح سوري تركيا نتيجة خلاف شخصي، تبعته مظاهرات وعمليات اعتداء على السوريين، مما استوجب ترحيلهم.
وفيما رفض والي شؤون السوريين فيصل يلماز الرد على أسئلة «الشرق الأوسط»، يبرر بعض السوريين التجاوزات التي يقوم بها بعض أبناء بلدهم بأنها ناجمة عن قلة دراية بالمجتمع التركي. وتقول وزارة الإغاثة التركية إن نحو 285 ألف لاجئ سوري يعيشون حاليا بمخيمات في تركيا، إلا أن عددا أكبر يصل إلى 912 ألف لاجئ يعيشون خارج المخيمات في عدد من مدن تركيا.
ويحمل مؤسس الجيش السوري الحر رياض الأسعد «بعض الذين دسهم النظام بين النازحين، بالإضافة إلى أشخاص لم يكونوا مع الثورة أساسا، مسؤولية بعض الممارسات الخاطئة»، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن بعض الدول تجيش ضد الحكومة التركية، وهذه عوامل أدت إلى خلق حالة من التوتر، لكنها تبقى حالات فردية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يوجد مسيئون من الطرفين (التركي والسوري)، لكن هناك أيد خفية تعبث بواقع السوريين في تركيا، ويبدو أن الائتلاف (السوري المعارض) بعيد جدا عن أي معالجة». وسأل: «أين نحن من الشباب السوري المنتشر، خاصة في تركيا، ولماذا لا يتم تشكيل لجان توجيه للشباب، لنصحهم وتأكيد احترامنا للأرض والقوانين والعادات التركية؟». وتحدث الأسعد عن تحرك يقوم به لتأمين لقاءات بين الأتراك والسوريين لمحاولة إزالة أي سوء تفاهم. وأشار إلى أن ما جرى في غازي عنتاب «حادث فردي، لم يتكرر في أي منطقة أخرى».
ويشير عبد الرحمن مصطفى، رئيس المجلس التركماني السوري إلى تحركات عدة حدثت ضد السوريين لكنها كلها بقيت تحت السيطرة، موضحا أن الحكومة التركية ووالي منطقة غازي عنتاب بذلا جهدا كبيرا لتهدئة الأمور وضبطها، و«قد نجحوا إلى حد كبير». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المسؤولون الأتراك يحاولون تهدئة الوضع، ويقومون بتوجيه الأتراك. وفي المقابل، علينا نحن السوريين أن نكون حذرين، وأن نتقيد بالقوانين والنظم ونحترم العادات التركية». وأوضح أن الدولة التركية قدمت كثيرا من التسهيلات للسوريين، وسنت قوانين جديدة للسماح لهم بالإقامة والعمل، وأسست إدارة للهجرة والجوازات تعطي بطاقات إقامة وتجول للسوريين، لكن العديد من السوريين لا يلتزمون، للأسف، بهذه الأنظمة، ويعملون من دون تراخيص، مع أنها سهلة».
ورأى مصطفى أنها «ستكون كارثة لو تحولت هذه المناوشات إلى حملة عامة ضد السوريين في الشارع التركي». وقال: «نحن لم نأت إلى هنا بإرادتنا، لكننا هربنا نتيجة القتل. وفي المقابل، علينا أن نراعي الأوضاع. وللأسف كنا فوضويين في سوريا وجلبنا معنا فوضويتنا إلى تركيا وكل البلدان التي نزورها». وأضاف: «الأتراك حياتهم منظمة، ونحن نسهر حتى ساعات الصباح، ونستأجر منزلا لعائلة فتسكنه 10 عائلات، وبهذا نعطي فرصة لمن يحاولون استغلال الوضع». وإذ أكد أن لا حقد على السوريين، قال إنه «نتيجة التسهيلات التي قدمت لنا لم نعد نعرف بأننا ضيوف وبدأنا نتصرف بشكل آخر»، ويضيف ضاحكا: «يبدو أننا لسنا معتادين كل هذا القدر من الحرية».
بدوره، يقول الدكتور محمد الحسيني، أحد الوجهاء السوريين، لـ«الشرق الأوسط»: هناك مليون سوري في تركيا، وإذا كانت هناك قلة مسيئة، فلا يمكن أن نعمم». وأشار إلى أن البعض يستثمر ما جرى ويحوله إلى مشكلة اجتماعية وعداء بين مجموعتين. ورأى الحسيني أن وصول رئيس الحكومة الحالي أحمد داود أوغلو إلى موقعه الجديد سيخفف من الصدام، «لما عرف عنه من مناصرته لقضايا السوريين، لكن المسألة ليست سهلة، فأمام الحكومة تحديات كبيرة جدا».
وأشار إلى أن بعض المحال السورية التي أقفلت نتيجة الاحتجاجات عادت لتفتح أبوابها، و«السيارات السورية عادت للتجول بعدما كان هناك شبه حظر عليها». وأضاف: «لقد تجاوزنا نقطة الخطر، لكن الخطر لا يزال قائما، ويحتاج إلى حلول واقعية». ورأى الحسيني أن «المشكلة في تركيا ليست مع الحكومة، لكنها مع المعارضة التي تستثمر وجودنا سياسيا».
وإذ جزم بأن السوريين لن يجدوا بلدا أفضل من تركيا للإقامة فيه، رأى أن «مشكلة النازح السوري هي في وضعيته غير القانونية؛ غالبا نتيجة خروجه غير القانوني من بلاده، حيث يفترض أن تؤمن له الأمم المتحدة أوراقا ثبوتية تسمح له بالتنقل والعمل». وحذر الحسيني من أن الأمور قد تنفجر في أي لحظة، مقترحا إيجاد مجمعات حرفية للسوريين تشبه المنطقة الحرة بحيث تساهم في امتصاص الأزمة الاقتصادية. وقال: «المجتمع السوري ليس عدائيا بطبعه، وأي مجتمع مرتاح ماديا لن تكون فيه أي مشكلات».
أما أمين عام «جمعية الحوار العربي - التركي» إرشاد هورموزلو، فعدّ الحوادث الأخيرة التي حدثت في بعض المدن الجنوبية «تحريضا من قبل بعض المندسين لتخريب هذه العلاقات، ولكنني واثق من حكمة إخوتنا، وسيبقى إخوتنا السوريون على اختلاف قومياتهم ومشاربهم ضيوفا مكرمين وإخوة أعزاء». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لطالما نادينا بضرورة تعميق العلاقات الأخوية والودية بين شعوب هذه المنطقة، فالعرب، ومنهم السوريون، هم إخوتنا وأحبتنا، وقد تعرضت مجموعات كبيرة من إخوتنا السوريين لظلم فادح، حيث اضطر مئات الألوف منهم لهجر وطنهم ومساكنهم. وقد كانت تركيا سباقة لاحتضان هؤلاء، ولعلكم تذكرون مقولة أن تركيا باستطاعتها إيواء 100 ألف منهم، وإذا علمنا أن عدد النازحين السوريين المقيمين على الأراضي السورية يتجاوز المليون بكثير نعرف أن الحدود بين مفاهيم شعوبنا وعلاقاتنا الأخوية زائلة وأن أخوتنا هي الباقية». وناشد تغليب المنطق السليم داعيا «الإخوة السوريين إلى ألا يصغوا إلى المندسين والموتورين، وأن يكونوا يدا واحدة مع إخوتهم الأتراك للتغلب على كل الصعاب، وأعبر عن ثقتي بأن حكومتنا ستتخذ كل الاحتياطات اللازمة لوأد أي حركة مغرضة تجاههم».
في المقابل، أكد محمد شاندار، نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الحركة القومية والنائب عن مدينة مرسين، أن ما ينشر في جميع وسائل الإعلام ما هي إلا أحداث استثنائية فردية لا يمكن أن تعمم على الجميع، «فمثلا في مدينة (مرسين) لا توجد مخيمات للاجئين السوريين، ولكن يوجد الآلاف من السوريين يسكنون في المدينة، ولا توجد هناك أي معضلات معهم، يستأجرون البيوت ويعملون في جميع المجالات في المدينة بشكل منتظم وبشكل توافقي مع حياة المدينة والشارع المرسيني، ولكن المجتمع السوري مثل جميع المجتمعات في العالم يوجد به بعض الشواذ الذي يسيئون لسمعة مجتمعاتهم». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «في الإطار العام، جميع الضيوف السوريين في جميع أنحاء البلاد يعملون بتوافق واندماج مع القوانين واللوائح التركية، ولا يمكن أن نقبل أو نقول بأنه توجد معضلة كبيرة أو عدم تناسق أو عدم قبول للسوريين في تركيا، ولا أوافق على أنه توجد معضلة اجتماعية أو عداء مسبق في البلاد كما يحاول البعض الترويج له. لقد دخلنا العام الرابع للأحداث في سوريا والآن يوجد بعض الأحياء في تركيا تحولت إلى أحياء سورية». وقال: «لا أحد ينكر أنه توجد مشكلة ما، حيث إن القادمين أتوا إلى نظام وأسلوب حياة يختلف عن الواقع الذي كانوا يعيشونه في سوريا، مما ترتب عليه عدم قبول من كلا الطرفين، ولكن الدولة والسياسيين يعملون على إقناع الشارع التركي بالتحلي بالصبر لأن هذا الوضع ليس بالوضع الدائم، بل هو وضع مؤقت، وأن هؤلاء الناس لم يأتوا بمحض إرادتهم، بل أجبروا على الرحيل لإنقاذ حياتهم وحياة أطفالهم من الهلاك».



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended