«البوكر العربية»... أزمة رواية أم جائزة؟

تعاني من عدم قدرتها على تصنيع النجم الروائي

«البوكر العربية»... أزمة رواية أم جائزة؟
TT

«البوكر العربية»... أزمة رواية أم جائزة؟

«البوكر العربية»... أزمة رواية أم جائزة؟

مهما قيل عن الإخفاقات والارتباكات التي صاحبتها منذ ظهورها وصولاً إلى اللغط الذي دار حول دورتها الأخيرة، تظل الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) أقدر جائزة عربية على تحريك المشهد الثقافي العربي، حتى وإن لم تحقق النصاب الأدبي المرجو منها. وهي إذ تتفوق على بقية الجوائز لأسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها تصديها لموضوع الرواية، التي تعتبر اليوم صوت الإنسان العربي وضميره وأشواقه للتعبير عن وجوده، تعاني في المقابل من أزمة ثقة مع القارئ العربي باتت على درجة من الوضوح، ومن عدم قدرتها على تصنيع النجم الروائي، الذي يمكن أن تقنع به القراء في المقام الأول، وتباهي به في المحافل الدولية كراعية للخطاب الروائي العربي الجديد.
لقد حاولت، ونجحت في فرض عدد قليل جداً من فائزيها على القارئ العربي، إلا أنها لم تتمكن من إيصال أحدهم إلى العالمية كما تطمح، عدا حالة أحمد سعداوي، الذي اقتحم القائمة القصيرة لـ«المان بوكر» العالمية بروايته «فرانكشتاين في بغداد»، على الرغم من الجهد الكبير الذي بذلته في هذا المجال، من خلال ترجمة منتجات نجومها إلى مختلف اللغات، وتسويقهم عبر منصات إعلامية عالمية، وتلميعهم بحفلات علاقات عامة وزيارات حول العالم. وكل ذلك الإخفاق لا يمكن إرجاعه كله بالتأكيد إلى ضعف الروايات المحمولة إلى فضاء العالمية، بقدر ما يمكن التعامل معه كنتيجة لضعف الإقبال العالمي على مطالعة المنجز الروائي العربي.
لم يلتفت القائمون على «البوكر العربية» في أي دورة من دوراتها إلى أي نقد لحيثيات ومخرجات الجائزة، سواء على مستوى التساؤل حول نزاهة وكفاءة المحكمين، أو على مستوى الروايات المتأهلة للقائمتين الطويلة والقصيرة والفائزين، أو على مستوى اقتسام الناشرين الكبار لغنائم الجائزة. وكأن الجائزة قد ولدت لكي لا تُساءل ولا تتطور.
بمعنى أن المتنفذين في شأنها باتوا على قناعة بأن مخرجاتها تتوازى بمنتهى الأمانة والرصانة مع واقع الرواية العربية وأفق كتابتها ومناقدتها. إذ لا يمكن استجلاب روائيين خارج هذا المدار، ولا الاستعانة بمحكمين من المريخ. وبالتالي فلا أفق لاستيلاد نجم روائي في اللحظة الراهنة. وعلى القارئ أن يوطّن ذائقته مع ما ينتج عن الجائزة ويتقبله كحتمية أدبية.
وهذا العناد اللامبرر هو الذي عجل بتآكل سمعتها كمعيار أو دليل لرحيق التجربة الروائية العربية، وذلك لغياب الشفافية في التعامل مع القارئ، حيث لا تتوازى مخرجات الجهد المبذول من قبل المؤسسة المحركة للجائزة مع ما حققه بعض الروائيين العرب بمجهوداتهم الفردية، الذين تُرجمت رواياتهم لعدد من اللغات يفوق ما تُرجم لأي نجم «بوكري».
كما أن عدد طبعات بعض الروايات العربية التي لم تتأهل للقائمة الطويلة في أي دورة من دورات الجائزة يتجاوز مبيعات أي فائز من الفائزين. وإذا كانت هذه المعايير غير مستوفية للشروط الأدبية، وربما هي خاضعة لقيم السوق والتسويق، فإن هناك روايات من خارج المسابقة تفوق مقروئيتها روايات «البوكر»، كما تحظى بمطالعات نقدية ومراجعات أدبية أكثر من تلك المسنودة «بوكرياً».
أما الإقبال المتزايد على المشاركة في المسابقة، فلم يعد يعني أن الجائزة معيار للبراعة الأدبية، بقدر ما توطّنت في أذهان الروائيين كفرصة للكسب المادي والوجاهة الأدبية، مثلها مثل بقية الجوائز، حيث صارت جزءاً من روتين المشهد الثقافي واحتفالاته المهرجانية الموسمية، حيث العجز الواضح عن تقديم فائز يمكن الاعتداد به. وهي محصلة قد تبدو منطقية في ظل المستوى الذي تُكتب به الرواية العربية.
بمعنى أنها مرآة صادقة وصريحة لواقع المنجز الروائي العربي. وربما لهذا السبب أعطى القائمون على الجائزة لجان التحكيم فسحة استجلاب رواية من خارج المسابقة من أجل تخليق نجم روائي يرتقي بالمسابقة وتباهي به الجائزة. إلا أن لجنة التحكيم في دورتها الأخيرة أتت برواية «بريد الليل» لهدى بركات لتقضي على ما تبقى من آمال لمصالحة جمهورها.
ذلك يعنى أن الجائزة، إما أن تكون عاجزة بالفعل عن التقاط وانتخاب روايات عربية ذات قيمة فنية وأدبية ودفعها إلى واجهة المشهد، أو أن المنجز الروائي العربي يقف عند هذا الحد من الأداء الروائي. إذ لا تفاوت يُذكر بين الروائيين.
ولا روايات قادرة على إقناع القارئ العربي بفرادتها. وهو الأمر الذي يتوضح إثر إعلان الفائز كل عام، بل بمجرد نشر القائمتين الطويلة والقصيرة للمتأهلين. وهنا مكمن التساؤل عن أزمة النجم الروائي، فجائزة «البوكر العربية» لا يمكنها التنصل من هذه المهمة، بعد تاريخها الطويل والمثابر في هذا الشأن. وبعد تعريف القارئ العربي بنخبة من كُتّاب الرواية في اللحظة الراهنة. فالقارئ العربي لا يعرف عن جائزة «كتارا» إلا قيمتها المالية، ولا يعرف عن «جائزة الشيخ زايد» إلا بعدها التكريمي، وبطبيعة الحال لا تمثل «جائزة نجيب محفوظ»، بوزنها المعنوي، أي قيمة عند القارئ أو الروائي العربي. وبالمقابل لا يمكن تحميلها مسؤولية ضعف الأداء الروائي العربي الذي يعاني مما يشبه القطيعة أو عدم الرضا من قبل القارئ العربي، مقابل ميثاق القراءة المتين بينه وبين الروايات المترجمة.
المشهد الروائي العربي لا يمكن اختصاره في نادي المتأهلين للقوائم القصيرة خلال مجمل دورات الجائزة. فهناك روايات لافتة لم تحظ بشرف المنافسة، وذلك بسبب تقاسم دور النشر الكبرى النصيب الأكبر من الترشيح. وهذا يحرم مجموعة من الروايات المهمة فرصة الوصول إلى القارئ. كما يطفئ حماس دور النشر الصغيرة في المسابقة. وهو الأمر الذي يحتّم إلغاء ذلك البند المقحم على شروط الجائزة. إذ لم تعد الجائزة اليوم سوى حلبة لعدد محدود من مفاعيل دور النشر، المتواطئين كما يبدو مع أخطبوط لجان التحكيم ومافيا بعض المنابر الإعلامية. وذلك هو بالتحديد ما يحد من تمثيل «جائزة البوكر» لواقع الرواية العربية. فهي بهذا التساهل الصريح لا تتنازل فقط عن شروط المنافسة الأدبية، بل حتى عن منظومة القيم الأخلاقية التي ينبغي الاحتكام إليها لتوطيد سمعة الجائزة وإحقاق حق الجميع في المنافسة الشريفة.
أثناء وبعد كل دورة من دورات الجائزة تثار مجموعة من التساؤلات حول التباسات النتيجة التي تعكس وعي المتلقي من جهة وحساسيته من جهة أخرى. إذ يُصنف المتأهلون بمقتضى دولهم.
وكأن الكفاءة الروائية لا ينبغي لها أن تغادر قُطراً عُرف بالريادة الروائية تاريخياً، أو أن يُشار إلى متأهل كروائي محمول على رافعة «البترودولار»، أو أن تتراقص علامات الاستفهام حول غياب أسماء من بعض الدول العربية وهكذا.
لكأن المحاصصة الجغرافية هي الفيصل في استجلاء النتيجة. وهذا يعني أن القارئ، وربما الناقد العربي، أيضاً لا يطالع المنجز بقدر ما ينشغل بهوامش الترشّح والتأهّل، وذلك يشكل سبباً إضافياً إلى فصل المنجز الروائي العربي من السياق العالمي.
لقد آن الأوان لـ«البوكر العربية» أن تُصالح قراءها، بضبط الأداء المهني والتعامل العادل مع مجمل المنجز الروائي العربي، فالتراكم الزمني بما حمله من سجالات واحتجاجات واحتفالات حول الجائزة إلى حالة جماهيرية، تماماً كما أرادها القائمون عليها.
وهنا مكمن الامتياز والخطورة في آن. فهم لم يسمحوا للجمهور إلا بفرصة الاحتفاء والتصفيق. في الوقت الذي صار بمقدور الجمهور إبداء الرأي الفني والمضموني حول الروايات ضمن لحظة من لحظات التلقي التي تحول فيها القارئ من مستهلك إلى منتج.
وهذا يستدعي أن تبادر الجائزة إلى مراجعة منظومتها مرة أخرى، والإصغاء إلى القارئ بدل التواطؤ ضده مع دور النشر الكبرى، وفتح مساحة المشاركة لأكبر عدد ممكن من الروائيين من دون مفاضلة، حيث الرهان أولاً على القارئ الذي سيكون هو الفيصل في نجومية الروائي ثم في مسألة وصوله إلى العالمية.
- ناقد سعودي



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».