الجوائز الأدبية في الجزائر... حرية المبدع ومزاج السياسي

الطاهر وطار  -  مولود معمري  -  جان سيناك
الطاهر وطار - مولود معمري - جان سيناك
TT

الجوائز الأدبية في الجزائر... حرية المبدع ومزاج السياسي

الطاهر وطار  -  مولود معمري  -  جان سيناك
الطاهر وطار - مولود معمري - جان سيناك

تاريخياً، انبثقت فكرة الجوائز الأدبية، كمؤسسات ثقافية، من مناخ الصالونات الأدبية الباريسية في القرن الثامن عشر، فهي إذن من ابتكار مجتمع ثقافي أدبي وفني حيوي ومزدهر، بدأ فيه الأدب يزحف نحو السوق كقوة اقتصادية أساسية ووازنة في الرأسمالية الجديدة. ربما نتفاجأ نحن اليوم، بينما لم يتفاجأ مجايلو السيد إدموند دوغونكور Edmond Huot de Goncourt حين أخذ قراره، وكتب وصيته نهاية القرن الثامن عشر لنذر ثروته الكبيرة لجائزة أدبية سميت باسمه. لم يكن إدموند دوغونكور وحيداً في هذا الشأن، فقد قام الكيميائي السويدي ألفريد نوبل Alfred Nobel، في الفترة نفسها تقريباً، بإطلاق جائزة «نوبل» متعددة التخصصات 1901. وفي فرنسا، بلد الآداب العريقة، سيشجع ظهور جائزة «غونكور» 1903 على إنشاء سلسلة من الجوائز الأدبية المهمة التي تزكي الأدب، وترفع من حس التنافس الفني بين الأدباء في فرنسا، وفي العالم، كجائزة «فيميناFemina 1904»، و«إنتراليي Interallié 1930 »، و«رونودو renaudot 1925»، و«ميديسيس Médisis 1958»، وجوائز أخرى. وبالحديث عن الجوائز الأدبية المحترمة لا يمكن أن ننسى جائزة البوكر Booker البريطانية، وبعض الجوائز المقلدة لها في العالم الأنجلوفوني، لكننا نعتقد أن جل هذه الجوائز تحمل كثيراً أو قليلاً من جينات ألفريد نوبل وإدموند دو غونكور، لذلك فهي تمتلك حس البقاء والمقاومة الفنية، العاملة على ترقية النصوص وفضاءات النصوص الأدبية.
لكن أين نحن، في العالم العربي وشمال أفريقيا، من كل هذا؟
حقاً... نسعد ونحن نتأمل صورة هذا الاهتمام الذي بدأ يتزايد في الساحة الأدبية والثقافية العربية بالجوائز الأدبية، وباستحداثها المضطرد. إنها كفكرة حضارية، ما في ذلك شك، لا بد أن تنال التزكية والتحية من المهتمين بشؤون الأدب، حتى وإن قدموا لها انتقادات وتصويبات تدخل في منطق تعميق وجودها، وليس نسفه. وما يثير الاهتمام، وينشر التفاؤل أيضاً، ملاحظة أن بعض البلدان العربية حديثة الاهتمام زمنياً بأمور الثقافة والأدب بدأت تتنافس في بسط الرعاية للجوائز المختلفة في مجالات الآداب والفنون. إنه استدراك لا يمكن إلا أن يكون إيجابياً في تثمين الإبداع والكتاب، وإعطائه مكانته التي تلجم جنون هذا العصر المادي السريع الذاهب نحو حتفه.
وحين أتطرق لتجربة الجزائر في هذا المجال، أجدها مهمة جداً، ولعلها تعتبر من بين الدول القليلة السباقة إلى التفكير في الجوائز الأدبية، لكنها مع الأسف، وكالعادة، وفي أمور ثقافية أساسية أخرى، سنتحدث عنها في مناسبات مقبلة، كثيراً ما تكتفي بالسبق ثم تترك السباق، وتظل كما أصفها دائماً بمرارة «بلد الفرص الضائعة».
تسجل صفحاتُ التاريخ الثقافي في الجزائر أنه منذ السنة الثانية للاستقلال 1964، بادر اتحاد الكتاب الجزائريين، برئاسة الروائي مولود معمري، لإطلاق جائزة الآداب الكبرى، والإعلان عنها في وسائل الاتصال المتاحة آنذاك، وقد استقبلت بكثير من الاهتمام. وفي دورتها الأولى، منحت الجائزة مناصفة بين كاتبين، هما: الأديب «محمد ديب» باللغة الفرنسية، والشاعر «محمد العيد آل خليفة» بالعربية.
وكان يرأس اتحاد الكتاب الجزائريين الكاتب «مولود معمري»، بينما كان الشاعر «جان سيناك» أميناً عاماً له، وكان الطموح كبيراً في أن تصبح الجائزة «جائزة الدولة التقديرية للآداب»، لكن السفن تشتهي ما لا تشتهيه الرياحُ، فحدث انقلاب 19 جوان (يونيو) 65 ليقلب الموازين، ولتختفي الجائزة بعد أن تشتت شمل المثقفين، وهاجر كثير من المبدعين، ومنهم من عاش بالمنافي. ومن يومها، والجزائر الثقافية والأدبية ما تزال تبحث عن خلق جائزة أدبية ثابتة ومحترمة ودائمة. ورغم محاولات كثيرة جداً، فإنه إلى يومنا هذا، لم تتمكن واحدة منها أن تحافظ على وجودها وهيبتها، وأن تصبح للقراء مرجعاً، وأن تصير مفخرة بالنسبة لمن تُوِّجوا بها.
ظهرت في الفترات اللاحقة من التاريخ الثقافي والأدبي في الجزائر جوائز أدبية شتى، تعد بالعشرات، إلا أنها لم تخرج من بوتقة الارتجال والمواسم السياسية التي لا تأخذ الشأنَ الثقافي مأخذ الجد، بل الأحرى التشكيك في حقيقة جدواه ونواياه.
وفي ستينات القرن الماضي، قام المسرح الوطني الجزائري بمبادرته الجميلة، بإطلاق جائزته، إلا أن الستار أنزل عليها بعد فترة قصيرة.
ولأن للشخصيات أحياناً هيبتها وقدرتها على الاقتراح والتنفيذ، فإن في أدبيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر ما يذكّر بأنه حين كان على رأسها «محمد الصديق بن يحيى»، وكان المثقف «مصطفى كاتب» مسؤولاً عن مديرية النشاط الثقافي فيها، أطلِقت جائزة في القصة القصيرة والشعر، وعبر هذه الجائزة اكتُشِفت أهمُّ الأسماء التي أثثت الساحة الأدبية، وأنعشتها بشكل واضح، ولا تزال بعض هذه الأسماء حاضرة، وبشكل وازن، في المشهد الأدبي الجزائري والعربي. لكن الجائزة سرعان ما اختفت برحيل مصطفى كاتب، وإثر ذلك هجعت الساحة الثقافية والأدبية من جديد، وعادت إلى بَياتِها. حاولت وزارة المجاهدين أن تدخل التجربة بإطلاقها الجائزة الأدبية في الشعر والقصة، إلا أنها الجائزة التي كانت ترغب في ربط الأدب الجزائري بالتاريخ الرسمي، باعتبار أن هذه الجائزة تكرم كتاب القصة والرواية المتصلة بالثورة التحريرية.
وفي بداية التسعينات، أطلقت «جمعية الاختلاف» الأدبية المعروفة بنشاطها جائزة «مالك حداد» للرواية، وبإشراف وتمويل من الكاتبة «أحلام مستغانمي». حقاً، فإن هذه الجائزة كانت تحتفل بالنص الروائي من طرف جمعية من المجتمع المدني، في استقلالية خارج طبول الرسميات، ثم إن لجنة التحكيم المتنوعة التي كانت على مستوى عربي أعطتها مصداقية لدى منتظري هذا الموعد الأدبي المتميز، لكنها اختفت أيضاً.
الروائي والناشط الثقافي «الطاهر وطار»، رئيس جمعية «الجاحظية»، أنشأ هو الآخر بدوره جائزة خاصة بالشعر، سماها «جائزة مفدي زكريا»، بدأت جزائرية وانتهت مغاربية، بتمويل من الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وإن لجنة التحكيم المحترمة التي كانت تشرف عليها أخرجت تجارب شعرية مهمة من التهميش والنسيان. وتوقفت الجائزة برحيل الروائي الطاهر وطار.
أما المكتبة الوطنية الجزائرية فقد أنشأت جائزة «الرواية الأولى»، وأعطتها اسم «جائزة أبوليوس»، وخصصتها للرواية المكتوبة بالعربية والأمازيغية والفرنسية. وخلقت هذه الجائزة اهتماماً حقيقياً، وأظهرت أسماء جديدة، خصوصاً في السردية بالأمازيغية، ثم توقفت بذهاب الروائي «أمين الزاوي» من على رأس هذه المؤسسة.
بدورها، أطلقت «جمعية المكتبيين الجزائريين» جائزتها، على خطى «الجمعية الألمانية للمكتبيين»، إلا أنها لم تدم طويلاً بسبب ضغط المؤسسة الرسمية عليها، لأنها كانت تطالب باستقلالية القرار، فذهبت الجائزة ومعها ذهبت جمعية المكتبيين الجزائريين أدراج الرياح.
أما جائزة رئيس الجمهورية للكتاب الشباب «علي معاشي»، فقد جلبت انتباه الإعلام وبعض المتتبعين للشأن الأدبي في البلاد خلال دورتيها الأوليين، إلا أنها سرعان ما دارت في فلك الارتجالية والروتين والكرنفالية السياسية. أما جائزة «الريشة الذهبية» لبلدية الجزائر العاصمة، فقد استطاعت أن تفتكّ الانتباه، وتحقق الحضور المشتهى، لكنه ما فتئ أن خبا بعد أن تغير اللون السياسي للبلدية وطوت الجائزة أجنحتها.
ومن الجوائز المهمة في الجزائر «جائزة محمد ديب» التي بدأت مطلع الألفية الثانية، مع موت الروائي محمد ديب، وتشرف عليها جمعية «الدار الكبيرة» بتلمسان، وتخصصت في البدء لكتاب القصة القصيرة باللغة الفرنسية، ثم أصبحت للرواية. بدأت قوية، ولكنها تبرد شيئاً فشيئاً نتيجة اقترابها من المؤسسة الرسمية.
ثم هلّت على الساحة الأدبية «جائزة آسيا جبار» التي أنشأتها وزارة الاتصال، تكريماً لاسم الروائية آسيا جبار، بتمويل وتنظيم من المؤسسة الوطنية للإشهار التابعة لها، ثم لحقت بها وزارة الثقافة كشريك، من خلال المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. وبعد علامات الاستفهام حول كواليسها السياسية، والتشكيك في استقلالية لجنة التحكيم المشرفة عليها، وما أثير في الصحف حول فرض أسماء وشطب أخرى، ما زالت الجائزة حية لا ترزق... وتلك جائزة «إيسكال» Escale في انطلاقتها كانت للكتاب بالفرنسية، إلا أنها هي الأخرى دخلت لعبة الشعارات السياسية، واختارت أن تكون باللغات الثلاث، إلا أنها صمتت عن كل الألسنة.
وإكراماً للأديبة الجزائرية «يمينة مشكرا»، استحدثت باسمها جائزة للرواية بأقلام النساء، وخصصت للغات الثلاث العربية والأمازيغية والفرنسية، وشغلت الإعلام كثيراً. إنها جائزة لا تزال في دورتها الأولى، عل وعسى أن تدوم. كما أننا بين فترة وأخرى نسمع بأن هناك نيات في إطلاق جوائز أدبية في الأفق، من قبل مؤسسات اقتصادية أو إعلامية، نتمنى أنها لن تكون مجرد سراب صيفٍ أفريقي.
- كاتبة وأكاديمية جزائرية



المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
TT

المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)

فاز الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة السبت بفئة التصوير الفوتوغرافي في جائزة بايو المرموقة للمراسلين الحربيين عن أعماله من غزة.

وإلى جانب الجائزة الكبرى، فاز أبو حامدة المقيم في غزة بجائزة اختيار الجمهور عن تقريره المصوّر «ما تخلّفه الحرب».

ولم يحضر الصحافي المراسم في بايو بشمال غربي فرنسا، لكنه بعث رسالة مصورة إلى الاحتفال.

كما فازت كل من صحيفة «واشنطن بوست»، و«الإذاعة الوطنية العامة» الأميركية (إن بي آر)، وشبكة «سي إن إن» بالجوائز الكبرى في فئات الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، عن تقارير أعدتها من أوكرانيا وقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة على التوالي.

وكُرّم فريق صحيفة «واشنطن بوست» لسرد قصة جندي أوكراني حوصر في منطقة قتال لمدة 177 يوماً.

وفاز الصحافي الفلسطيني أنس بابا، من شبكة الإذاعة الوطنية العامة (إن بي آر)، بالجائزة الإذاعية عن تقرير تناول انتشال جثامين الضحايا في غزة.

وفاز صحافيون من شبكة «سي إن إن» بجائزتي التلفزيون وجائزة صورة الفيديو لتقريرهم عن الجنود الإسرائيليين الذين يساعدون المستوطنين في الضفة الغربية.

وفاز مصور وكالة «أسوشييتد برس» جهاد الشرافي بجائزة «المراسل الشاب» للتصوير الفوتوغرافي عن سلسلته «حرب ودمار لا ينتهيان في غزة».

وأثارت إحدى صور الشرفي التي تُظهر لاعبي كرة قدم في ملعب تحيط به الأنقاض في غزة، جدلاً في فرنسا خلال أغسطس.

وأُزيلت الصورة من مهرجان للتصوير الرياضي في دوفيل بشمال فرنسا، قبل أن تأمر محكمة بإعادتها.

وترأست لجنة تحكيم جوائز بايو مراسلة «بي بي سي» المخضرمة لايز دوسيه.


رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
TT

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)

رحلت الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي، والدة المخرج المعروف باسم كريستو. وقد نعاها ابنها ووحيدها على صفحاته الخاصة على وسائل التواصل، ناشراً صورة له برفقتها.

وكتب باسم كريستو متوجهاً لوالدته بالقول إنه سيشتاقها كثيراً، وسيشتاق لانشغال بالها عليه حين يسافر، ولابتسامتها قبل رحيلها وحين تنظر إليه وتغالب مرضها ووجعها. تلك الابتسامة التي ستبقى محفورة في عينيه وقلبه مدى الحياة.

المخرج باسم كريستو نشر صورة على مواقع التواصل برفقة والدته (وسائل التواصل)

والشاعرة باسمة بطولي لها دواوين عدة، منها: «عربات الصدى» 2009، «مع الحب حتى الموت» 1978، «مكللة بالشوق» 1996، «حين ترتدي النار عريها» 2012، «أصداء بصرية» 2013، «سلالي ومياه الوقت» 2016، و«على مقام الصِّبا والصَّبا» 2017.

ولدت في مدينة بيروت، والدها الكاتب توفيق الباطولي ووالدتها الرسامة ليندا قازان الباطولي. حصلت باسمة بطولي على إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها من جامعة ليون في فرنسا، ودبلوم في الصحافة من كلية الصحافة المصرية، وخريجة دار المعلمين والمعلمات في لبنان.

عملت موظفة إدارية في وزارة التربية الوطنية، وأعدت وقدمت برامج ثقافية في تلفزيون لبنان. نشطت في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والمؤتمرات.

وكما كتبت الشعر العمودي والتفعيلة رسمت مئات اللوحات المائية والزيتية، وشاركت بأعمالها في معارض فنية فردية وجماعية.

نالت العديد من الجوائز والتكريمات أبرزها وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، منحها إياه عام 2022 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، العماد ميشال عون، تقديراً لمسيرتها الإبداعية في الشعر والرسم.


«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
TT

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي، أشبه بنافذة لأهالي المدينة حيث يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية، والحوارات، والتجاريب الجريئة، من التاسع وحتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

إذا كان العام الماضي قد استقبل بشكل خاص فنانين من المدينة، فهو هذه السنة ينفتح على المناطق والجنسيات. وتقول مديرة «مرسح» نادين علي ديب، وهي المنظمة للتظاهرة: «إن المناطق غالباً ما ألحقت بالمركز، أما مهرجاننا هذا فيرى طرابلس جديرة بأن تكون فضاء للإنتاج والإبداع، وتبلور الطاقات، وهذا ما نحاول أن نشجعه في مركزنا ومن خلال مهرجاننا السنوي».

الفن لمواجهة القسوة

يشارك هذه المرة فنانون لبنانيون ودوليون تتناول أعمالهم مسائل تتعلق بالأرض والخيال والانتماء. وتشرح نادين: «إن الأعمال تنتمي إلى الفن المعاصر، وهو حاجة للمدينة. فالفنانون يملكون القدرة على أن يقدموا شهادات محمولة بالأخيلة في محاولة للإجابة عن صعوبات الواقع القاسي الذي نواجهه».

أمام الجغرافيا الممزقة وسرديات الحرب، يأتي الخيال والذاكرة والهوية، كطوق نجاة. هذا نراه في المعرض التشكيلي حول «الحرب والجغرافيا» الذي استضافه «مرسح» يوم الافتتاح (الجمعة)، ويستمر حتى نهاية الشهر. تسعة أعمال بصرية، منها أربعة أعمال مختارة من معرض «إحكي لي يا جنوب» الذي استقبله مركز «بيت بيروت» سابقاً. أحد هذه الأعمال هو «منطقة عازلة» لفرح برو، حيث تقارب عودة إلى قرية الأجداد، أما رباب شمس الدين في «بس قرب موسم الرمان» فتتأمل استمرار الحياة وسط الاضطراب. ويحوّل أديب فرحات في «بعد العشاء» الروايات الشفهية لأربع نساء من الجنوب إلى أرشيف حيّ حول مائدة طعام، وتبحث سما بيضون في «ما تبقى» عن العلاقة الهشّة بين الذاكرة والمكان والصورة.

ويضم المعرض أيضاً «اجتياز» لفاطمة جمعة عن الجسد والشهادة والموت، و«أورفيو والوحوش» لكارولين حاتم الذي يعيد تخيّل رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي باللهجة اللبنانية. وتقدّم منى أيوب، الفنانة المقيمة في استوديو «مرسح»، «بين الزقاقات»، وهو جدارية نسيجية محاكة بألوان طبيعية جُمعت من نباتات أحياء طرابلس القديمة.

معرض في حمام عز الدين الأثري

معرض تشكيلي ثانٍ يفتح أمام الجمهور في حمّام عز الدين الأثري الذي يقع في سوق طرابلس القديم، في الرابع عشر من أكتوبر الحالي. حيث تعاد الحياة إلى هذا المكان الجميل بعد هجرٍ وإغلاق من خلال ثلاثة أعمال لأحمد النابلسي وريبيكا طوق بعنوان «في البدء كان الماء»، مستوحاة من يوميات الحمام. أحد الأعمال وثائقي، وثان منفذ بتقنية الواقع الافتراضي، وثالث يعتمد الصوت. تتبع ربيكا طوق في عملها الوثائقي «نهر أبو علي» وهو ينحدر من أعلى وادي قاديشا وصولاً إلى مدينة طرابلس الساحلية، حاملاً طبقات من الذكريات. هذا النهر يوحي أيضاً لأحمد النابلسي أن يصور بتقنية الواقع الافتراضي رحلة متخيَّلة تصور ما جرى محوه من خلال «شخصية أبو علي». والعمل الثالث المعروض في الحمام، مستوحى من أصوات الماء والاستحمام والحركة ويحولها إلى شكل آخر من أشكال الذاكرة. ويستمر المعرض حتى الثامن عشر من الشهر.

طوفان نهر أبو علي يوم جرف المدينة في خمسينات القرن الماضي وسيكون محور عدد من الأعمال الفنية في المهرجان (مواقع التواصل)

بالتزامن مع إطلاق المهرجان في اليوم الأول، كان المعرض الفني في «مرسح» وكذلك قدمت مسرحية «أربعون حجراً من ركام الضاحية»، للممثل والمخرج هاشم هاشم وبترا سرحال. وفي اليوم الثاني أي العاشر من الشهر قدم «عايشين»، وهو رقص معاصر لفرقة «السراب»، تلاه حفل غنائي لسندي شمعون وفرقتها حيث غنت بصوتها المتمرس أغاني للمحبوب الشيخ إمام.

ويعقد لقاء وورشة عمل يوم الأحد حول الفن والواقع الممتد وطرق جديدة للإنتاج، مع الفنانة البريطانية لارا قبيسي حيث ستكون المشاركة بعد التسجيل المسبق إلزامية.

ويوم الخامس عشر سيكون منتدى بعنوان «العمل المشترك والأطراف: إعادة صياغة منظومتنا الثقافية»، حيث يدور نقاش عملي بين العاملين في الحقل الثقافي والفنانين لتطوير بنية أكثر ترابطاً وإنصافاً بين العاصمة والأطراف. ويقدم عرض لخيال الظل بعنوان «حية نهر أبو علي». وهو الأول للفنان راشد بشناتي المقيم في استوديو «مرسح».

«جوغينغ» أخيراً في طرابلس

ويوم الجمعة 16 من الشهر الحالي حفل موسيقي للعازف والمؤلف المصري حازم شاهين. يليه يوم السبت عرض مسرحي بعنوان «جوغينغ» لحنان الحاج علي، جاب مهرجانات ونال جوائز، ولا يزال يعرض منذ عدة سنوات. ويختتم المهرجان يوم الأحد، الثامن عشر من الشهر، بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان «الأرض امرأة» بالتعاون مع مؤسسة ريف، ثم بعرض سمعي بصري وحوار مع فراس حلاق «جلسات القبة»، يتحدث خلالها عن تسجيل موسيقي فريد قام به تحت قبة مسرح معرض رشيد كرامي، تليه حفلة لمكرم أبو الحسن وغسان سحاب.

حنان الحاج علي في مسرحية جوكينج (مواقع التواصل)

و«مرسح» هو مركز فني مستقل ومنصة للفن متعدد التخصصات، مقرّه الميناء في طرابلس. تأسس عام 2023. وتقول نادين التي تدير «مرسح» وتنظم المهرجان السنوي: «إن المركز يراكم الممارسات النقدية والأعمال المعاصرة، من شتى المدارس الفنية، وينظم الإقامات لفنانين، ينتجون أعمالهم الخاصة، بعضها مشارك في المهرجان. وهذا الأخير فسحة لنعود ونتخيل جماعياً ونترك للفنانين فسحة أمل ليقولوا بلغتهم ما نحن بحاجة إلى الاستماع إليه.» لهذا يعمل «مرسح» مع فنانين محليين بشكل خاص، ويبقى من المساحات المفتوحة القليلة في مدينة طرابلس إن لم تكن الوحيدة المتاحة لأصحاب الإبداعات لا للتعبير فقط، بل لتطوير ملكاتهم ومثاقفتها مع تجارب جديدة أخرى.