الجوائز الأدبية في الجزائر... حرية المبدع ومزاج السياسي

الطاهر وطار  -  مولود معمري  -  جان سيناك
الطاهر وطار - مولود معمري - جان سيناك
TT

الجوائز الأدبية في الجزائر... حرية المبدع ومزاج السياسي

الطاهر وطار  -  مولود معمري  -  جان سيناك
الطاهر وطار - مولود معمري - جان سيناك

تاريخياً، انبثقت فكرة الجوائز الأدبية، كمؤسسات ثقافية، من مناخ الصالونات الأدبية الباريسية في القرن الثامن عشر، فهي إذن من ابتكار مجتمع ثقافي أدبي وفني حيوي ومزدهر، بدأ فيه الأدب يزحف نحو السوق كقوة اقتصادية أساسية ووازنة في الرأسمالية الجديدة. ربما نتفاجأ نحن اليوم، بينما لم يتفاجأ مجايلو السيد إدموند دوغونكور Edmond Huot de Goncourt حين أخذ قراره، وكتب وصيته نهاية القرن الثامن عشر لنذر ثروته الكبيرة لجائزة أدبية سميت باسمه. لم يكن إدموند دوغونكور وحيداً في هذا الشأن، فقد قام الكيميائي السويدي ألفريد نوبل Alfred Nobel، في الفترة نفسها تقريباً، بإطلاق جائزة «نوبل» متعددة التخصصات 1901. وفي فرنسا، بلد الآداب العريقة، سيشجع ظهور جائزة «غونكور» 1903 على إنشاء سلسلة من الجوائز الأدبية المهمة التي تزكي الأدب، وترفع من حس التنافس الفني بين الأدباء في فرنسا، وفي العالم، كجائزة «فيميناFemina 1904»، و«إنتراليي Interallié 1930 »، و«رونودو renaudot 1925»، و«ميديسيس Médisis 1958»، وجوائز أخرى. وبالحديث عن الجوائز الأدبية المحترمة لا يمكن أن ننسى جائزة البوكر Booker البريطانية، وبعض الجوائز المقلدة لها في العالم الأنجلوفوني، لكننا نعتقد أن جل هذه الجوائز تحمل كثيراً أو قليلاً من جينات ألفريد نوبل وإدموند دو غونكور، لذلك فهي تمتلك حس البقاء والمقاومة الفنية، العاملة على ترقية النصوص وفضاءات النصوص الأدبية.
لكن أين نحن، في العالم العربي وشمال أفريقيا، من كل هذا؟
حقاً... نسعد ونحن نتأمل صورة هذا الاهتمام الذي بدأ يتزايد في الساحة الأدبية والثقافية العربية بالجوائز الأدبية، وباستحداثها المضطرد. إنها كفكرة حضارية، ما في ذلك شك، لا بد أن تنال التزكية والتحية من المهتمين بشؤون الأدب، حتى وإن قدموا لها انتقادات وتصويبات تدخل في منطق تعميق وجودها، وليس نسفه. وما يثير الاهتمام، وينشر التفاؤل أيضاً، ملاحظة أن بعض البلدان العربية حديثة الاهتمام زمنياً بأمور الثقافة والأدب بدأت تتنافس في بسط الرعاية للجوائز المختلفة في مجالات الآداب والفنون. إنه استدراك لا يمكن إلا أن يكون إيجابياً في تثمين الإبداع والكتاب، وإعطائه مكانته التي تلجم جنون هذا العصر المادي السريع الذاهب نحو حتفه.
وحين أتطرق لتجربة الجزائر في هذا المجال، أجدها مهمة جداً، ولعلها تعتبر من بين الدول القليلة السباقة إلى التفكير في الجوائز الأدبية، لكنها مع الأسف، وكالعادة، وفي أمور ثقافية أساسية أخرى، سنتحدث عنها في مناسبات مقبلة، كثيراً ما تكتفي بالسبق ثم تترك السباق، وتظل كما أصفها دائماً بمرارة «بلد الفرص الضائعة».
تسجل صفحاتُ التاريخ الثقافي في الجزائر أنه منذ السنة الثانية للاستقلال 1964، بادر اتحاد الكتاب الجزائريين، برئاسة الروائي مولود معمري، لإطلاق جائزة الآداب الكبرى، والإعلان عنها في وسائل الاتصال المتاحة آنذاك، وقد استقبلت بكثير من الاهتمام. وفي دورتها الأولى، منحت الجائزة مناصفة بين كاتبين، هما: الأديب «محمد ديب» باللغة الفرنسية، والشاعر «محمد العيد آل خليفة» بالعربية.
وكان يرأس اتحاد الكتاب الجزائريين الكاتب «مولود معمري»، بينما كان الشاعر «جان سيناك» أميناً عاماً له، وكان الطموح كبيراً في أن تصبح الجائزة «جائزة الدولة التقديرية للآداب»، لكن السفن تشتهي ما لا تشتهيه الرياحُ، فحدث انقلاب 19 جوان (يونيو) 65 ليقلب الموازين، ولتختفي الجائزة بعد أن تشتت شمل المثقفين، وهاجر كثير من المبدعين، ومنهم من عاش بالمنافي. ومن يومها، والجزائر الثقافية والأدبية ما تزال تبحث عن خلق جائزة أدبية ثابتة ومحترمة ودائمة. ورغم محاولات كثيرة جداً، فإنه إلى يومنا هذا، لم تتمكن واحدة منها أن تحافظ على وجودها وهيبتها، وأن تصبح للقراء مرجعاً، وأن تصير مفخرة بالنسبة لمن تُوِّجوا بها.
ظهرت في الفترات اللاحقة من التاريخ الثقافي والأدبي في الجزائر جوائز أدبية شتى، تعد بالعشرات، إلا أنها لم تخرج من بوتقة الارتجال والمواسم السياسية التي لا تأخذ الشأنَ الثقافي مأخذ الجد، بل الأحرى التشكيك في حقيقة جدواه ونواياه.
وفي ستينات القرن الماضي، قام المسرح الوطني الجزائري بمبادرته الجميلة، بإطلاق جائزته، إلا أن الستار أنزل عليها بعد فترة قصيرة.
ولأن للشخصيات أحياناً هيبتها وقدرتها على الاقتراح والتنفيذ، فإن في أدبيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر ما يذكّر بأنه حين كان على رأسها «محمد الصديق بن يحيى»، وكان المثقف «مصطفى كاتب» مسؤولاً عن مديرية النشاط الثقافي فيها، أطلِقت جائزة في القصة القصيرة والشعر، وعبر هذه الجائزة اكتُشِفت أهمُّ الأسماء التي أثثت الساحة الأدبية، وأنعشتها بشكل واضح، ولا تزال بعض هذه الأسماء حاضرة، وبشكل وازن، في المشهد الأدبي الجزائري والعربي. لكن الجائزة سرعان ما اختفت برحيل مصطفى كاتب، وإثر ذلك هجعت الساحة الثقافية والأدبية من جديد، وعادت إلى بَياتِها. حاولت وزارة المجاهدين أن تدخل التجربة بإطلاقها الجائزة الأدبية في الشعر والقصة، إلا أنها الجائزة التي كانت ترغب في ربط الأدب الجزائري بالتاريخ الرسمي، باعتبار أن هذه الجائزة تكرم كتاب القصة والرواية المتصلة بالثورة التحريرية.
وفي بداية التسعينات، أطلقت «جمعية الاختلاف» الأدبية المعروفة بنشاطها جائزة «مالك حداد» للرواية، وبإشراف وتمويل من الكاتبة «أحلام مستغانمي». حقاً، فإن هذه الجائزة كانت تحتفل بالنص الروائي من طرف جمعية من المجتمع المدني، في استقلالية خارج طبول الرسميات، ثم إن لجنة التحكيم المتنوعة التي كانت على مستوى عربي أعطتها مصداقية لدى منتظري هذا الموعد الأدبي المتميز، لكنها اختفت أيضاً.
الروائي والناشط الثقافي «الطاهر وطار»، رئيس جمعية «الجاحظية»، أنشأ هو الآخر بدوره جائزة خاصة بالشعر، سماها «جائزة مفدي زكريا»، بدأت جزائرية وانتهت مغاربية، بتمويل من الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وإن لجنة التحكيم المحترمة التي كانت تشرف عليها أخرجت تجارب شعرية مهمة من التهميش والنسيان. وتوقفت الجائزة برحيل الروائي الطاهر وطار.
أما المكتبة الوطنية الجزائرية فقد أنشأت جائزة «الرواية الأولى»، وأعطتها اسم «جائزة أبوليوس»، وخصصتها للرواية المكتوبة بالعربية والأمازيغية والفرنسية. وخلقت هذه الجائزة اهتماماً حقيقياً، وأظهرت أسماء جديدة، خصوصاً في السردية بالأمازيغية، ثم توقفت بذهاب الروائي «أمين الزاوي» من على رأس هذه المؤسسة.
بدورها، أطلقت «جمعية المكتبيين الجزائريين» جائزتها، على خطى «الجمعية الألمانية للمكتبيين»، إلا أنها لم تدم طويلاً بسبب ضغط المؤسسة الرسمية عليها، لأنها كانت تطالب باستقلالية القرار، فذهبت الجائزة ومعها ذهبت جمعية المكتبيين الجزائريين أدراج الرياح.
أما جائزة رئيس الجمهورية للكتاب الشباب «علي معاشي»، فقد جلبت انتباه الإعلام وبعض المتتبعين للشأن الأدبي في البلاد خلال دورتيها الأوليين، إلا أنها سرعان ما دارت في فلك الارتجالية والروتين والكرنفالية السياسية. أما جائزة «الريشة الذهبية» لبلدية الجزائر العاصمة، فقد استطاعت أن تفتكّ الانتباه، وتحقق الحضور المشتهى، لكنه ما فتئ أن خبا بعد أن تغير اللون السياسي للبلدية وطوت الجائزة أجنحتها.
ومن الجوائز المهمة في الجزائر «جائزة محمد ديب» التي بدأت مطلع الألفية الثانية، مع موت الروائي محمد ديب، وتشرف عليها جمعية «الدار الكبيرة» بتلمسان، وتخصصت في البدء لكتاب القصة القصيرة باللغة الفرنسية، ثم أصبحت للرواية. بدأت قوية، ولكنها تبرد شيئاً فشيئاً نتيجة اقترابها من المؤسسة الرسمية.
ثم هلّت على الساحة الأدبية «جائزة آسيا جبار» التي أنشأتها وزارة الاتصال، تكريماً لاسم الروائية آسيا جبار، بتمويل وتنظيم من المؤسسة الوطنية للإشهار التابعة لها، ثم لحقت بها وزارة الثقافة كشريك، من خلال المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. وبعد علامات الاستفهام حول كواليسها السياسية، والتشكيك في استقلالية لجنة التحكيم المشرفة عليها، وما أثير في الصحف حول فرض أسماء وشطب أخرى، ما زالت الجائزة حية لا ترزق... وتلك جائزة «إيسكال» Escale في انطلاقتها كانت للكتاب بالفرنسية، إلا أنها هي الأخرى دخلت لعبة الشعارات السياسية، واختارت أن تكون باللغات الثلاث، إلا أنها صمتت عن كل الألسنة.
وإكراماً للأديبة الجزائرية «يمينة مشكرا»، استحدثت باسمها جائزة للرواية بأقلام النساء، وخصصت للغات الثلاث العربية والأمازيغية والفرنسية، وشغلت الإعلام كثيراً. إنها جائزة لا تزال في دورتها الأولى، عل وعسى أن تدوم. كما أننا بين فترة وأخرى نسمع بأن هناك نيات في إطلاق جوائز أدبية في الأفق، من قبل مؤسسات اقتصادية أو إعلامية، نتمنى أنها لن تكون مجرد سراب صيفٍ أفريقي.
- كاتبة وأكاديمية جزائرية



عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
TT

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)

أغلقت إدارة المتنزهات الوطنية الأميركية أجزاء من متنزه «غريت سموكي ماونتنز» أمام الجمهور، في أعقاب سلسلة من المواجهات العنيفة مع دببة عدوانية شهدتها منطقتان خلال عطلة نهاية الأسبوع، وصلت في بعض الحالات إلى حد مطاردة الزوار وعقرهم.

ووفق بيان للإدارة نقلته «سي بي إس نيوز»، استجاب الحراس لـ3 حوادث منفصلة على مسار «رامزي كاسكيدز» الشهير المؤدّي إلى شلالات المياه، بالإضافة إلى 3 حوادث أخرى على مسار «أبرامز فولز» المؤدّي إلى شلالات أخرى.

وفي تفاصيل المواجهات بالقرب من «رامزي كاسكيدز»، أفادت السلطات بأنّ دبَيْن «اقتربا من الزوار واستوليا على حقيبتي ظهر»، بينما أظهر دبّ ثالث «سلوكاً هجومياً وطارد مجموعة من المتنزهين لمدّة وجيزة». وبناءً على ذلك، ظلَّ مسار «رامزي كاسكيدز» والطريق المؤدّي إليه مغلقَيْن حتى يوم الاثنين، مع استمرار الحراس في مراقبة المنطقة بحثاً عن أي نشاط للدببة.

أما الحوادث الثلاثة الأخرى التي وقعت قرب «أبرامز فولز»، فقد كان بطلها «دبّ أسود عدواني»، عقر زائراً داخل منطقة مغلقة في إحدى المرات. ورغم إغلاق المسار والطريق المؤدّي إليه لأيام، فقد أُعيد فتحهما يوم الاثنين، بعد استقرار الأوضاع وعدم رصد أيّ نشاط عدائي جديد.

ويحتضن متنزه «غريت سموكي ماونتنز»، وهو محمية طبيعية شاسعة تمتد عبر ولايتَي كارولاينا الشمالية وتينيسي، نحو 1900 دبّ أسود. ويُعدّ المتنزه الأكثر زيارة في الولايات المتحدة، وهو ما تعزوه إدارة المتنزهات إلى «مزيج من كثافة الزوار وازدهار عشيرة الدببة، ممّا يرفع احتمال حدوث مواجهات بين البشر والحيوانات».

وتوضح إدارة المتنزهات أنّ نشاط الدببة السوداء يزداد في المتنزه خلال فصل الربيع؛ حيث تخرج الأمهات من أوكارها برفقة صغارها بحثاً عن الطعام الذي قد يكون شحيحاً في وقت مبكر من الموسم.

وحذرت الإدارة قائلةً: «بما أنّ هذه المدّة تُعدّ حسّاسة جداً للأمهات وصغارها، فإنّ الاقتراب الزائد قد يسبب لها توتراً ويؤدّي إلى مواجهات غير آمنة». وناشدت الزوار ضرورة «ترك مسافة كافية» للدببة، وتخزين الطعام والنفايات بـ«مسؤولية»، وتوخّي الحذر التام خلال السير في المسارات.

يُذكر أنّ إدارة المتنزهات كانت قد حذَّرت الصيف الماضي من إطعام الدببة السوداء، بعد رصد ازدياداً في الحالات التي يُقدّم فيها السياح الطعام للحيوانات عمداً، ووصل الأمر إلى حدّ تحرير مخالفة بحق أحد الزوار لإطعام أم وصغيريها.

وأوضحت السلطات حينها أنّ إطعام الدببة يُعرّض حياتها للخطر، لأنّ اعتيادها على طعام البشر، وعلى البشر أنفسهم، قد يدفعها للبحث عنهم واعتراض طريقهم، ممّا يضع الزوار والحيوانات على السواء في دائرة الخطر.


«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
TT

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

كشفت دراسة حديثة، استغرقت سنوات من البحث، عن أنّ بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

ويمكن لبذور شجرة «المورينغا» (أو الأكاسيا البيضاء)، وموطنها الأصلي دول آسيوية، أن توفّر وسيلة مُبتكرة لترشيح الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك) التي يتزايد وجودها في إمدادات مياه الشرب البشرية.

ويُستخدم مُستخلص ملحي من هذه البذور لتعزيز عملية «التخثر»، ممّا يؤدّي إلى تكتل الميكروبلاستيك داخل المياه وحبسه، ليسهل التخلص منه.

وتُعرف «المورينغا» بـ«الشجرة المعجزة»، نظراً إلى استخدام أوراقها وبذورها الغنية بالعناصر الغذائية غذاءً للبشر، وإنما الباحثون عكفوا لسنوات على دراسة إمكانات بذورها في معالجة المياه.

وفي هذا السياق، قالت الباحثة المشاركة في الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «إيه سي إس أوميغا»، من جامعة ولاية ساو باولو، غابرييل باتيستا: «أثبتنا أنّ المُستخلص الملحي للبذور يؤدّي دوراً مماثلاً لكبريتات الألمنيوم المستخدمة في محطات معالجة المياه لتخثير المياه المحتوية على الجزيئات البلاستيكية الدقيقة. بل إنّ أداءه تفوَّق على المنتج الكيميائي في المياه الأكثر قلوية».

النبات حين يهزم البلاستيك (شاترستوك)

وركزت الدراسة على معالجة المياه عبر تقنية «الترشيح المباشر»، حيث يجري تخثّر المياه لزعزعة استقرار الجزيئات الملوّثة قبل تمريرها عبر مرشح رملي.

وتُعدّ عملية التخثر ضرورية، لأنّ الملوّثات، مثل الميكروبلاستيك، تحمل شحنة كهربائية سالبة على أسطحها، ممّا يجعلها تتنافر مع بعضها ومع رمال المرشحات. وهنا يأتي دور «المورينغا»، التي يمكن صنع مستخلصها الملحي في المنزل، لتُعادل هذه الشحنات وتسمح للملوّثات بالتكتُّل والترسُّب.

من جانبه، صرَّح منسق البحث البروفسور أدريانو غونسالفيس دوس ريس: «هناك رقابة تنظيمية متزايدة ومخاوف صحية بشأن استخدام المخثرات القائمة على الألمنيوم والحديد، لكونها غير قابلة للتحلُّل الحيوي، وتترك سموماً متبقّية، وقد تشكل خطراً للإصابة بالأمراض. لهذا السبب، يتكثَّف البحث عن بدائل مستدامة».

ولاختبار كفاءة «المورينغا»، استخدم الباحثون مياه صنبور ملوثة عمداً بمادة «بوليفينيل كلوريد» (PVC)، وهي أحد أخطر أنواع البلاستيك على صحة الإنسان، نظراً إلى قدرتها الموثَّقة على إحداث طفرات جينية وأورام سرطانية. ويا للأسف، تنتشر هذه المادة بكثافة في المسطَّحات المائية، وحتى في المياه المعالجة بالعمليات التقليدية.

وعرّض الفريق أيضاً مادة «بوليفينيل كلوريد» لتقادم اصطناعي باستخدام الأشعة فوق البنفسجية، لمحاكاة العمليات الطبيعية، مثل التحلُّل الناتج عن ضوء الشمس والمياه، وإعادة إنتاج خصائص الجسيمات البلاستيكية الدقيقة المتقادمة طبيعياً.

بعد ذلك، عُولجت المياه الملوّثة بعملية التخثر باستخدام بذور «المورينغا»، ثم تصفيتها بواسطة «اختبار الوعاء»، وهو جهاز يُحاكي عمليات معالجة المياه على نطاق صغير.

وقُورنت النتائج بعد ذلك بنتائج الاختبارات عينها التي أُجريت على مياه عُولجت باستخدام كبريتات الألمنيوم.

واستخدم الفريق المجهر الإلكتروني الماسح (SEM) لإحصاء جزيئات الميكروبلاستيك قبل المعالجة وبعدها. وأفاد الفريق بأنه لم يُعثَر على «أي اختلافات جوهرية» في كفاءة إزالة الجزيئات.

ويختبر الفريق حالياً مستخلص بذور «المورينغا» باستخدام مياه الأنهار، وذكر الباحثون أنّ تجاربهم أظهرت حتى الآن أنّ منتج «المورينغا» «أثبت فاعلية كبيرة في معالجة المياه الطبيعية» أيضاً.

Your Premium trial has ended


في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
TT

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر، بعدما بات مدخنون يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد ازداد انتشار هذا البديل بين المدخنين بعدما قفز سعر السيجارة الواحدة من نحو شيقل (0.33 دولار) إلى ما يعادل أربعين ضعفاً، بعد أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية في القطاع الذي يعاني نقصاً حاداً في المواد الأساسية.

وفي أحد شوارع مدينة غزة، يخلط البائع المتجوّل أبو يحيى حلس أوراق الملوخية المجففة والمفتتة مع سائل النيكوتين داخل كيس صغير، قبل أن يرجّه للحصول على مادة خضراء تُلفّ كسجائر وتُباع للزبائن.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا تُعدّ هذه بديلاً عن السجائر، إذ تتكون من أوراق الملوخية المُطعّمة بالنيكوتين، خلافاً للسجائر المصنوعة من التبغ»، مضيفاً أنّ الناس يلجأون إليها كخيار اضطراري في ظل غياب السجائر المستوردة وارتفاع أسعارها، رغم اعتقاده بأنها لا تُحدث التأثير ذاته.

بائعون فلسطينيون يبيعون السجائر المصنوعة من الملوخية (رويترز)

وتشهد شوارع المدينة ازدحاماً بالمارة والزبائن، فيما تنتشر بسطات لبيع هذه السجائر بين خيام النازحين وأكوام الركام التي خلّفتها الحرب.

ويقول بائع آخر، يدعى محمد حلس، إنّ «تدخين الناس لسجائر الملوخية ليس خياراً بل ضرورة بالنسبة لهم، لو توفرت السجائر لن نرى سجائر الملوخية».

غير أنّ هذا البديل نفسه لا يتوافر دائماً، سواء المنتج محلياً أو المستورد، في ظل القيود التي تفرضها إسرائيل على دخول البضائع إلى القطاع. ولا تصلح للزراعة سوى نحو أربعة في المائة من الأراضي، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

مواد سامة؟

يثير تدخين هذه السجائر مخاوف متزايدة بشأن مخاطرها الصحية، في ظل غياب معلومات واضحة عن مكوّناتها.

ويقول وليد النعيزي: «تُصنع هذه السجائر من أعشاب مثل الملوخية وأوراق الخروع وأصناف أخرى، ولا نعلم ما إذا كانت سامة أم لا»، مضيفاً أنّ مواد سائلة مجهولة تُضاف إليها، «ولا نعرف إن كانت نيكوتين أو سموماً أو حتى مبيدات حشرية».

رجل فلسطيني يلفّ السجائر باستخدام أوراق الملوخية المجففة (رويترز)

ورغم هذه المخاوف، يؤكد أنّ كثيرين يجدون أنفسهم مضطرين لتدخينها.

وقال أبو محمد صقر (47 عاماً): «أنا لا أستمتع بها لكنني أمسك سيجارة وأنفث دخاناً... ليس الوقت مناسباً للإقلاع عن التدخين في ظل ما نعيشه».

من جهتها، تقول نيفين سمير (53 عاماً) إنها غيّرت عاداتها، موضحة: «كنت أدخن علبة يومياً منذ عشرين عاماً، أما الآن فأدخن بضع سجائر من الملوخية».

وتضيف النازحة في خيمة في خان يونس: «طعمها ورائحتها سيئان، وأدخنها ربما للتنفيس عن الغضب أو لمجرد الإحساس المصاحب لفنجان قهوة سيئ المذاق أيضاً».

المدخنون باتوا يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها (رويترز)

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بخرقه، فيما قُتل ما لا يقل عن 784 فلسطينياً منذ سريانه، وفق وزارة الصحة التابعة لـ«حماس» في غزة.

واندلعت الحرب إثر هجوم غير مسبوق شنّته «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، أسفر عن مقتل 1221 شخصاً، بحسب أرقام إسرائيلية رسمية.

وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل في القطاع.