الجوائز الأدبية في الجزائر... حرية المبدع ومزاج السياسي

الطاهر وطار  -  مولود معمري  -  جان سيناك
الطاهر وطار - مولود معمري - جان سيناك
TT

الجوائز الأدبية في الجزائر... حرية المبدع ومزاج السياسي

الطاهر وطار  -  مولود معمري  -  جان سيناك
الطاهر وطار - مولود معمري - جان سيناك

تاريخياً، انبثقت فكرة الجوائز الأدبية، كمؤسسات ثقافية، من مناخ الصالونات الأدبية الباريسية في القرن الثامن عشر، فهي إذن من ابتكار مجتمع ثقافي أدبي وفني حيوي ومزدهر، بدأ فيه الأدب يزحف نحو السوق كقوة اقتصادية أساسية ووازنة في الرأسمالية الجديدة. ربما نتفاجأ نحن اليوم، بينما لم يتفاجأ مجايلو السيد إدموند دوغونكور Edmond Huot de Goncourt حين أخذ قراره، وكتب وصيته نهاية القرن الثامن عشر لنذر ثروته الكبيرة لجائزة أدبية سميت باسمه. لم يكن إدموند دوغونكور وحيداً في هذا الشأن، فقد قام الكيميائي السويدي ألفريد نوبل Alfred Nobel، في الفترة نفسها تقريباً، بإطلاق جائزة «نوبل» متعددة التخصصات 1901. وفي فرنسا، بلد الآداب العريقة، سيشجع ظهور جائزة «غونكور» 1903 على إنشاء سلسلة من الجوائز الأدبية المهمة التي تزكي الأدب، وترفع من حس التنافس الفني بين الأدباء في فرنسا، وفي العالم، كجائزة «فيميناFemina 1904»، و«إنتراليي Interallié 1930 »، و«رونودو renaudot 1925»، و«ميديسيس Médisis 1958»، وجوائز أخرى. وبالحديث عن الجوائز الأدبية المحترمة لا يمكن أن ننسى جائزة البوكر Booker البريطانية، وبعض الجوائز المقلدة لها في العالم الأنجلوفوني، لكننا نعتقد أن جل هذه الجوائز تحمل كثيراً أو قليلاً من جينات ألفريد نوبل وإدموند دو غونكور، لذلك فهي تمتلك حس البقاء والمقاومة الفنية، العاملة على ترقية النصوص وفضاءات النصوص الأدبية.
لكن أين نحن، في العالم العربي وشمال أفريقيا، من كل هذا؟
حقاً... نسعد ونحن نتأمل صورة هذا الاهتمام الذي بدأ يتزايد في الساحة الأدبية والثقافية العربية بالجوائز الأدبية، وباستحداثها المضطرد. إنها كفكرة حضارية، ما في ذلك شك، لا بد أن تنال التزكية والتحية من المهتمين بشؤون الأدب، حتى وإن قدموا لها انتقادات وتصويبات تدخل في منطق تعميق وجودها، وليس نسفه. وما يثير الاهتمام، وينشر التفاؤل أيضاً، ملاحظة أن بعض البلدان العربية حديثة الاهتمام زمنياً بأمور الثقافة والأدب بدأت تتنافس في بسط الرعاية للجوائز المختلفة في مجالات الآداب والفنون. إنه استدراك لا يمكن إلا أن يكون إيجابياً في تثمين الإبداع والكتاب، وإعطائه مكانته التي تلجم جنون هذا العصر المادي السريع الذاهب نحو حتفه.
وحين أتطرق لتجربة الجزائر في هذا المجال، أجدها مهمة جداً، ولعلها تعتبر من بين الدول القليلة السباقة إلى التفكير في الجوائز الأدبية، لكنها مع الأسف، وكالعادة، وفي أمور ثقافية أساسية أخرى، سنتحدث عنها في مناسبات مقبلة، كثيراً ما تكتفي بالسبق ثم تترك السباق، وتظل كما أصفها دائماً بمرارة «بلد الفرص الضائعة».
تسجل صفحاتُ التاريخ الثقافي في الجزائر أنه منذ السنة الثانية للاستقلال 1964، بادر اتحاد الكتاب الجزائريين، برئاسة الروائي مولود معمري، لإطلاق جائزة الآداب الكبرى، والإعلان عنها في وسائل الاتصال المتاحة آنذاك، وقد استقبلت بكثير من الاهتمام. وفي دورتها الأولى، منحت الجائزة مناصفة بين كاتبين، هما: الأديب «محمد ديب» باللغة الفرنسية، والشاعر «محمد العيد آل خليفة» بالعربية.
وكان يرأس اتحاد الكتاب الجزائريين الكاتب «مولود معمري»، بينما كان الشاعر «جان سيناك» أميناً عاماً له، وكان الطموح كبيراً في أن تصبح الجائزة «جائزة الدولة التقديرية للآداب»، لكن السفن تشتهي ما لا تشتهيه الرياحُ، فحدث انقلاب 19 جوان (يونيو) 65 ليقلب الموازين، ولتختفي الجائزة بعد أن تشتت شمل المثقفين، وهاجر كثير من المبدعين، ومنهم من عاش بالمنافي. ومن يومها، والجزائر الثقافية والأدبية ما تزال تبحث عن خلق جائزة أدبية ثابتة ومحترمة ودائمة. ورغم محاولات كثيرة جداً، فإنه إلى يومنا هذا، لم تتمكن واحدة منها أن تحافظ على وجودها وهيبتها، وأن تصبح للقراء مرجعاً، وأن تصير مفخرة بالنسبة لمن تُوِّجوا بها.
ظهرت في الفترات اللاحقة من التاريخ الثقافي والأدبي في الجزائر جوائز أدبية شتى، تعد بالعشرات، إلا أنها لم تخرج من بوتقة الارتجال والمواسم السياسية التي لا تأخذ الشأنَ الثقافي مأخذ الجد، بل الأحرى التشكيك في حقيقة جدواه ونواياه.
وفي ستينات القرن الماضي، قام المسرح الوطني الجزائري بمبادرته الجميلة، بإطلاق جائزته، إلا أن الستار أنزل عليها بعد فترة قصيرة.
ولأن للشخصيات أحياناً هيبتها وقدرتها على الاقتراح والتنفيذ، فإن في أدبيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر ما يذكّر بأنه حين كان على رأسها «محمد الصديق بن يحيى»، وكان المثقف «مصطفى كاتب» مسؤولاً عن مديرية النشاط الثقافي فيها، أطلِقت جائزة في القصة القصيرة والشعر، وعبر هذه الجائزة اكتُشِفت أهمُّ الأسماء التي أثثت الساحة الأدبية، وأنعشتها بشكل واضح، ولا تزال بعض هذه الأسماء حاضرة، وبشكل وازن، في المشهد الأدبي الجزائري والعربي. لكن الجائزة سرعان ما اختفت برحيل مصطفى كاتب، وإثر ذلك هجعت الساحة الثقافية والأدبية من جديد، وعادت إلى بَياتِها. حاولت وزارة المجاهدين أن تدخل التجربة بإطلاقها الجائزة الأدبية في الشعر والقصة، إلا أنها الجائزة التي كانت ترغب في ربط الأدب الجزائري بالتاريخ الرسمي، باعتبار أن هذه الجائزة تكرم كتاب القصة والرواية المتصلة بالثورة التحريرية.
وفي بداية التسعينات، أطلقت «جمعية الاختلاف» الأدبية المعروفة بنشاطها جائزة «مالك حداد» للرواية، وبإشراف وتمويل من الكاتبة «أحلام مستغانمي». حقاً، فإن هذه الجائزة كانت تحتفل بالنص الروائي من طرف جمعية من المجتمع المدني، في استقلالية خارج طبول الرسميات، ثم إن لجنة التحكيم المتنوعة التي كانت على مستوى عربي أعطتها مصداقية لدى منتظري هذا الموعد الأدبي المتميز، لكنها اختفت أيضاً.
الروائي والناشط الثقافي «الطاهر وطار»، رئيس جمعية «الجاحظية»، أنشأ هو الآخر بدوره جائزة خاصة بالشعر، سماها «جائزة مفدي زكريا»، بدأت جزائرية وانتهت مغاربية، بتمويل من الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وإن لجنة التحكيم المحترمة التي كانت تشرف عليها أخرجت تجارب شعرية مهمة من التهميش والنسيان. وتوقفت الجائزة برحيل الروائي الطاهر وطار.
أما المكتبة الوطنية الجزائرية فقد أنشأت جائزة «الرواية الأولى»، وأعطتها اسم «جائزة أبوليوس»، وخصصتها للرواية المكتوبة بالعربية والأمازيغية والفرنسية. وخلقت هذه الجائزة اهتماماً حقيقياً، وأظهرت أسماء جديدة، خصوصاً في السردية بالأمازيغية، ثم توقفت بذهاب الروائي «أمين الزاوي» من على رأس هذه المؤسسة.
بدورها، أطلقت «جمعية المكتبيين الجزائريين» جائزتها، على خطى «الجمعية الألمانية للمكتبيين»، إلا أنها لم تدم طويلاً بسبب ضغط المؤسسة الرسمية عليها، لأنها كانت تطالب باستقلالية القرار، فذهبت الجائزة ومعها ذهبت جمعية المكتبيين الجزائريين أدراج الرياح.
أما جائزة رئيس الجمهورية للكتاب الشباب «علي معاشي»، فقد جلبت انتباه الإعلام وبعض المتتبعين للشأن الأدبي في البلاد خلال دورتيها الأوليين، إلا أنها سرعان ما دارت في فلك الارتجالية والروتين والكرنفالية السياسية. أما جائزة «الريشة الذهبية» لبلدية الجزائر العاصمة، فقد استطاعت أن تفتكّ الانتباه، وتحقق الحضور المشتهى، لكنه ما فتئ أن خبا بعد أن تغير اللون السياسي للبلدية وطوت الجائزة أجنحتها.
ومن الجوائز المهمة في الجزائر «جائزة محمد ديب» التي بدأت مطلع الألفية الثانية، مع موت الروائي محمد ديب، وتشرف عليها جمعية «الدار الكبيرة» بتلمسان، وتخصصت في البدء لكتاب القصة القصيرة باللغة الفرنسية، ثم أصبحت للرواية. بدأت قوية، ولكنها تبرد شيئاً فشيئاً نتيجة اقترابها من المؤسسة الرسمية.
ثم هلّت على الساحة الأدبية «جائزة آسيا جبار» التي أنشأتها وزارة الاتصال، تكريماً لاسم الروائية آسيا جبار، بتمويل وتنظيم من المؤسسة الوطنية للإشهار التابعة لها، ثم لحقت بها وزارة الثقافة كشريك، من خلال المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. وبعد علامات الاستفهام حول كواليسها السياسية، والتشكيك في استقلالية لجنة التحكيم المشرفة عليها، وما أثير في الصحف حول فرض أسماء وشطب أخرى، ما زالت الجائزة حية لا ترزق... وتلك جائزة «إيسكال» Escale في انطلاقتها كانت للكتاب بالفرنسية، إلا أنها هي الأخرى دخلت لعبة الشعارات السياسية، واختارت أن تكون باللغات الثلاث، إلا أنها صمتت عن كل الألسنة.
وإكراماً للأديبة الجزائرية «يمينة مشكرا»، استحدثت باسمها جائزة للرواية بأقلام النساء، وخصصت للغات الثلاث العربية والأمازيغية والفرنسية، وشغلت الإعلام كثيراً. إنها جائزة لا تزال في دورتها الأولى، عل وعسى أن تدوم. كما أننا بين فترة وأخرى نسمع بأن هناك نيات في إطلاق جوائز أدبية في الأفق، من قبل مؤسسات اقتصادية أو إعلامية، نتمنى أنها لن تكون مجرد سراب صيفٍ أفريقي.
- كاتبة وأكاديمية جزائرية



«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
TT

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

يفتح هادي سي في معرضه «أرواح صاعدة» فضاءً يلتقي فيه الإنسان مع التكنولوجيا من دون مواجهة مباشرة أو انحياز مُسبَق. في «غاليري صالح بركات» ببيروت، يعرض الفنان السنغالي الفرنسي مجموعة من المنحوتات المصنوعة من الحديد الصدئ والفولاذ اللامع، مستنداً إلى فكرة تقوم على التعايُش بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة بقاء الإنسان في صُلب أي تقدُّم تقني.

الذكاء يصنع الاحتمالات... والإنسان يمنحها معناها (هادي سي)

تنطلق الأعمال من لغة بصرية تستبدل بالصورة المباشرة للآلة خطوطاً وتفرّعات وتكوينات عضوية. تصبح قطع الحديد بين يديه أشبه بالجذور والأغصان والبذور والخلايا، وتظهر الأرقام داخل التكوينات مثل عناصر بناء تندمج في النسيج العام للعمل. هذا الانتقال من النظام الرقمي إلى الأشكال العضوية يُشكّل الخيط الناظم للمعرض ويمنحه تماسكه العام.

ينظر هادي سي إلى الذكاء الاصطناعي من خلال أثره المتوقَّع في الإنسان، قبل التوقُّف عند إنجازاته التقنية. تتمحور رؤيته حول الروح البشرية وتربط التقدُّم التقني بالذاكرة والعاطفة والخيال والتعاطف. ومن هذا التصوّر تنبثق المنحوتات، مُحاولةً الحفاظ على هذه القيم داخل عالم تتسارع تحوّلاته.

حين تتسارع الآلة تصبح الذاكرة أكثر قيمة (الشرق الأوسط)

ينعكس هذا المعنى في اختيار المواد. يحمل الحديد الصدئ أثر الزمن وتقلّباته، بينما يعكس الفولاذ المصقول الضوء والوجوه والمكان. ومن تباين السطحين تتشكَّل علاقة تستحضر الماضي والحاضر، وما يشيخ وما يبدو حديثاً. يترك الفنان هذه العلاقة مفتوحة على أكثر من قراءة. فتستدعي بعض الأعمال أشكالاً عضوية، فيما توحي أخرى ببُنى عمرانية أو شبكات مترابطة أو هياكل صناعية.

كل تقدّم... امتحان جديد لِما يجعلنا بشراً (الشرق الأوسط)

يُعامل هادي سي الحديد بطريقة تُخفِّف من ثقله. يُحوله في عدد من القطع إلى خطّ مرسوم في الفراغ أو إلى شريط يلتفُّ ويصعد ويعود إلى نفسه. تتدخَّل المساحات الخالية داخل المنحوتة في تشكيلها، ويصبح الفراغ عنصراً أساسياً في بنيتها. تساعد هذه المعالجة على إضفاء حركة بصرية انسيابية، خصوصاً في الأعمال التي تتفرَّع فيها العناصر وتتداخل من دون أن تفقد اتجاهها.

تتفاوت المنحوتات مع ذلك في قدرتها على حَمْل الفكرة. تملك الأعمال الأكثر تركيباً حضوراً أقوى، لأنها تجمع بين شكل متماسك وبنية تتيح للعين أن تكتشف تفاصيل جديدة كلَّما تغيَّرت زاوية النظر. ينجح الفنان فيها في جَعْل الحديد أقرب إلى كائن ينمو، ويصبح التكرار وسيلة لصنع الإيقاع والمعنى. قطع أخرى تُعيد تقديم عناصر سبق أن ظهرت في غير أعمال.

كلّ خطوة نحو الذكاء... تستحقّ خطوة نحو الذات (الشرق الأوسط)

يظهر هذا التفاوت أيضاً في العلاقة بين الفكرة والنتيجة البصرية. تنجح بعض الأعمال في تحويل الحديث عن الإنسان والآلة إلى تجربة ملموسة، لأنّ المادة نفسها تبدو واقفة بين النظام والعفوية. في أعمال أخرى، يحتاج المتلقّي إلى الاستناد أكثر إلى نصّ المعرض لفَهْم الصلة بالذكاء الاصطناعي. لا تفقد هذه القطع قيمتها داخل المجموعة، لكنها لا تترك الأثر نفسه ولا تفتح المساحة ذاتها للتأمُّل.

يحافظ المعرض رغم ذلك على انسجام أعماله. تتكرَّر الدوائر والخطوط والأشكال المُستَخرجة من الصفر والواحد، وتظهر كأنها أبجدية خاصة بالفنان. هذا التكرار يمنح المشروع هوية، لكنه يكشف أيضاً عن حدودها حين تعود بعض الصيغ من دون تحوُّل كبير. تبدو قوة التجربة أكبر عندما يُوسِّع هادي سي مفرداته ويضعها داخل تكوينات تحمل مفاجأة بصرية، وأقلّ عندما يكتفي بالاشتغال على العناصر نفسها.

ليس كلّ ما يتطوّر يقترب من الحياة (الشرق الأوسط)

هذا المسار امتداد لخلفية هادي سي، المولود في بيروت عام 1964 لأم لبنانية وأب سنغالي، والذي تنقَّل بين التصوير والتصميم والفنون البصرية قبل أن يستقرَّ في النحت. انشغلت تجربته عبر السنوات بالإنسان داخل الأنظمة التي تُحيط به، من المال والحدود إلى الذاكرة والأرقام. في معرضه الجديد، ينقل هذا الاهتمام إلى زمن الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالإنسان نقطة انطلاق ومَرْجعاً أخلاقياً.

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها. عندها لا يعود الحديد رمزاً للصناعة وحدها، ويظهر على هيئة جذر أو جسد أو أثر حياة. وفي الأعمال الأقل كثافة، يبدو التنفيذ حاضراً بقدر الفكرة، لكن المسافة بينهما لا تُردَم تماماً.

الذاكرة... آخر ما لا يمكن برمجته (الشرق الأوسط)

يخرج المعرض في مجمله وفيّاً لرؤيته، متفاوتاً في درجات التعبير عنها. في أفضل أعماله، لا يطلب هادي سي من الحديد أن يُمثّل الإنسان، وإنما أن يكتسب شيئاً من صفاته. أن ينمو ويتشعَّب ويحتفظ بذاكرة داخله. هناك يفقد المعدن برودته، وتصبح المنحوتة كائناً يقف في الحدّ الفاصل بين ما صنعته اليد وما يمكن أن تمنحه الحياة.


«شمشون ودليلة» يُعيد اكتشاف أحمد العوضي ومي عمر كوميدياً

العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)
العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«شمشون ودليلة» يُعيد اكتشاف أحمد العوضي ومي عمر كوميدياً

العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)
العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

رجل أعمال أجنبي يمتلك «ماسة» نادرة يصل بها إلى مصر ويقيم في أحد الفنادق الكبرى بوسط القاهرة، لكن الماسة المُقدَّرة بملايين الدولارات يتصارع عليها 3 لصوص. في هذا الإطار تدور أحداث فيلم «شمشون ودليلة» لأكثر من 90 دقيقة، وتتنقل فيها الأحداث بين مصر وإسبانيا.

الفيلم الذي يتقاسم بطولته أحمد العوضي مع مي عمر، يضم من بين أبطاله أحمد عصام السيد، وعصام السقا، وخالد الصاوي، وأحمد الرافعي، ومحمد ثروت، وهو من تأليف محمود حمدان، وسيناريو وحوار شادي محسن وأمجد الشرقاوي، ومن إخراج رؤوف السيد.

الأحداث التي تدور في مدى زمني أقل من أسبوع تنطلق من إجبار «شمشون» (يقدمه أحمد العوضي) - الذي توقَّف عن السرقة - على التخطيط لعملية سرقة جديدة بعد اختطاف شقيقته، بينما تدخل «دليلة» (مي عمر) عملية السرقة مدفوعة بوهم أنَّها تقوم بمهمة وطنية بعدما أقنعها زعيم عصابة آخر بأنَّها تنفِّذ عملية السرقة لصالح الوطن.

يلتقي «شمشون» و«دليلة» في مواجهة لا تقتصر على محاولة كل منهما الحصول على «الماسة»، ولكن يفاجأ الثنائي بعصابة أجنبية تسعى أيضاً للحصول عليها، ليتحد الثنائي في مواجهة العصابة الأجنبية وتتغيَّر طبيعة العلاقة بينهما بشكل كامل خلال الأحداث التي تدفعهما للسفر إلى إسبانيا من أجل استردادها.

وتصدَّر «شمشون ودليلة» شباك التذاكر في مصر خلال أول يومين عرض، محققاً إيرادات اقتربت من 10 ملايين جنيه (الدولار يساوي نحو 49.5 جنيه مصري)، بوقت يكثِّف فيه بطلاه، أحمد العوضي ومي عمر، الدعاية عبر حساباتهما على مواقع التواصل الاجتماعي.

مي عمر والمخرج رؤوف السيد خلال التصوير (الشرق الأوسط)

وقال مخرج الفيلم رؤوف السيد لـ«الشرق الأوسط» إنَّ العمل يُمثِّل تجربةً مختلفةً بالنسبة له، كونه يجمع بين الأكشن والكوميديا، وهو ما عدَّه تحدياً منذ المراحل الأولى للتحضير، مشيراً إلى أنَّ المشروع شهد جلسات عمل مكثَّفة مع المنتجَين كريم وأحمد السبكي؛ لمراجعة تفاصيله كافة قبل انطلاق التصوير.

وأوضح أن «اختيار إسبانيا لم يكن مجرد قرار إنتاجي، وإنما جاء لأن السيناريو كُتب منذ البداية في هذه الأجواء، وهو ما فرض طبيعة خاصة على مواقع التصوير والهوية البصرية للفيلم، وتوظيف مصارعة الثيران في الأحداث المكتوبة»، لافتاً إلى أنَّ تصوير هذه المشاهد جرى في المجر.

وأضاف أنَّ «المزج بين الأكشن والكوميديا احتاج إلى توازن دقيق حتى لا يطغى عنصر على آخر»، مؤكداً أنَّ الهدف كان تقديم فيلم ترفيهي يحافظ على إيقاعه، ويمنح الجمهور جرعةً متوازنةً من الإثارة والضحك.

وأشار إلى أنَّه كان متمسكاً بالتصوير داخل أحد الفنادق ذات الطابع التاريخي في القاهرة، مستفيداً من قيمته المعمارية، لأنَّ فريق العمل كان يسعى إلى خلق عالم بصري مختلف يمنح الفيلم شخصيةً خاصةً وصورةً غير معتادة في الأفلام التجارية.

وأكد المخرج أنَّ مرحلة التحضير كانت من أهم مراحل تنفيذ الفيلم، موضحاً أنَّه يحرص دائماً على العمل لفترات طويلة مع فريقه قبل بدء التصوير، لكن هذه المرة وفق قوله: «لم يتطلب الأمر فترات طويلة حتى في مشاهد الأكشن بعدما وجدتُ لدى أحمد العوضي لياقةً بدنيةً كبيرةً مكَّنته من تنفيذ مشاهد الحركة بكفاءة، بينما خضعت مي عمر لتدريبات خاصة لتتمكَّن من تقديم مشاهد الأكشن بصورة مقنعة».

وعدَّ أن «شمشون ودليلة» يمنح أحمد العوضي ومي عمر أول تجربة كوميدية، لذلك كان حريصاً على تحقيق توازن بين الدراما والأكشن والكوميديا، موضحاً أنَّّ «فريق العمل منح الممثلين مساحةً للارتجال خلال التصوير، لأنَّ الممثل عندما يتقمَّص الشخصية قد يضيف تفاصيل أو مواقف تكون أفضل من المكتوب، وهو ما حدث في عدد من المشاهد، في ظلِّ تفاهم كامل بين الجميع»، على حدِّ تعبيره.

محمد سامي خلال زيارة فريق العمل خلال التصوير (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنَّ صناع الفيلم راهنوا على تقديم توليفة مختلفة، وأكد أن «الجانب الكوميدي لا يعتمد فقط على بطلَي العمل، وإنما يشارك فيه أيضاً أحمد عصام السيد وعصام السقا، بما يضيف تنوعاً إلى الإيقاع الكوميدي، لأن الفيلم في النهاية عمل تجاري ترفيهي يستهدف أن يخرج الجمهور من قاعة السينما وهو مستمتع بما شاهده».

وحول خوضه تجربة إخراج فيلم سينمائي تجاري لأحد نجوم الشباك، أكد رؤوف السيد أنه لم يشعر بأي اختلاف في طريقة العمل، لأن جميع الأبطال تعاملوا باحترافية كبيرة داخل موقع التصوير، وكانوا يناقشون تفاصيل الشخصيات والمشاهد باستمرار، مشيراً إلى أنه حرص على تقديم أحمد العوضي بصورة مختلفة عن الأدوار التي اعتاد الجمهور رؤيته فيها، لإبراز جانب جديد من إمكاناته الفنية.

ونفى المخرج المصري ما تردد عن تدخل المخرج محمد سامي، زوج الفنانة مي عمر، في تفاصيل الفيلم، موضحاً أنَّ «سامي زار موقع التصوير مرتين أو 3 مرات فقط لدعم زوجته، لكنه لم يتدخل مطلقاً في أي قرار فني، وجميع التفاصيل الخاصة بالفيلم للأدوار كافة كانت تُدار داخل فريق الفيلم منذ بداية المشروع وحتى الانتهاء منه».


ياشاسفي جويال: حادث تصادم ألهمني قصة «اليد الملطخة بالحبر»

أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)
أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)
TT

ياشاسفي جويال: حادث تصادم ألهمني قصة «اليد الملطخة بالحبر»

أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)
أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي ياشاسفي جويال إن فيلمه الروائي الطويل الأول «اليد الملطخة بالحبر والإبهام المفقود» (The Ink-Stained Hand and the Missing Thumb) وُلد من واقعة حقيقية عاشها بنفسه، بعدما تحولت جملة قالها عامل في أحد أكشاك تحصيل الرسوم إلى الشرارة الأولى لعمل يمزج بين الواقعية والخيال، ويطرح أسئلة حول الحب والفقد والذاكرة والانتماء.

وأضاف جويال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» إن فكرة الفيلم بدأت قبل سنوات في بلدته الصغيرة الواقعة عند سفوح جبال الهيمالايا شمال الهند، حيث كانت المنطقة تشهد تغيرات عمرانية متسارعة مع إنشاء طريق سريع جديد يمر بالقرب من منزله، موضحاً أن إحدى الشاحنات اصطدمت في ذلك الوقت بكشك لتحصيل الرسوم، مخلفة آثاراً قاسية في المكان، الأمر الذي دفعه إلى زيارة الموقع في اليوم التالي بدافع الفضول.

مخرج الفيلم تحدث عن كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

وأكد أنه فوجئ بأن الكشك أُعيد إصلاحه سريعاً، بينما جلس بداخله أحد العاملين، فسأله عن سبب استمراره في العمل رغم خطورة المكان، ليجيبه الرجل مبتسماً: «أنا لست ذلك الشخص... أنا شبح، أما العامل الذي كان هنا فقد مات»، مشيراً إلى أن هذه الجملة لم تغادر ذهنه، وشعر منذ اللحظة الأولى بأنها تحمل صورة سينمائية استثنائية، وتعكس فكرة أشخاص يعيشون في أماكن تبدو كأنها معلقة بين عالمين، وهو ما أصبح لاحقاً الأساس الذي بُني عليه الفيلم.

وتدور أحداث فيلم «اليد الملطخة بالحبر والإبهام المفقود» حول «راجي»، وهي شابة تعمل في أحد أكشاك تحصيل الرسوم على طريق سريع في منطقة نائية بشمال الهند، وتعيش قصة حب مع زميلها في العمل «سانتوش»، ويحلمان معاً بترك حياتهما الصعبة والانتقال إلى مكان يوفر لهما مستقبلاً أفضل.

لكن حياتهما تنقلب رأساً على عقب عندما يلقى «سانتوش» مصرعه في حادث شاحنة. وبعد مرور 24 ساعة على وفاته، يعود في هيئة حضور غامض يرافق «راجي»، لتجد نفسها عالقة بين الحنين والواقع.

وأوضح المخرج أن السيناريو لم يولد على الورق فقط، بل بدأ من الميدان، حيث تعاون مع الكاتب ومصمم الصوت أنكيت ثابا في بناء عالم الفيلم قبل كتابة مشاهده، مشيراً إلى أنهما أمضيا أشهراً طويلة في تسجيل أصوات الطبيعة والحيوانات والطيور والطرق والرياح، وصنعا أرشيفاً صوتياً كاملاً للمنطقة؛ لأنهما كانا يؤمنان بأن الصوت هو الطريق الحقيقي لفهم المكان قبل تصويره.

وأشار إلى أن علاقته بأنكيت ثابا تمتد سنوات طويلة من العمل المشترك في الأفلام الوثائقية، وهو ما جعلهما يتعاملان مع المشروع بالطريقة نفسها، معتمدين على البحث الميداني أكثر من الخيال المجرد، لافتاً إلى أنهما التقيا عدداً كبيراً من العاملين الحقيقيين في أكشاك تحصيل الرسوم، واستمعا إلى تفاصيل حياتهم اليومية.

وأكد جويال أن تجربته السابقة في السينما الوثائقية تركت أثراً واضحاً في أسلوبه في الإخراج، موضحاً أنه لا يحب الفصل الحاد بين الوثائقي والروائي، بل يفضل أن يتداخل العالمان معاً، سواء في مرحلة الكتابة أو في أثناء التصوير، حتى تبدو الشخصيات والأماكن نابضة بالحياة، لا مجرد عناصر داخل حبكة سينمائية.

اعتمد المخرج على ممثلين يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى (الشركة المنتجة)

وعن طبيعة الفيلم، قال إنه لم يكن يرغب في تقديم عمل يتحدث فقط عن الحزن أو الموت، بل كان حريصاً أيضاً على إبراز الفكاهة التي ترافق حياة الناس البسطاء، معتبراً أن المجتمعات المهمشة لا تواجه قسوة الحياة بالبكاء وحده، وإنما تستخدم السخرية والضحك وسيلة للمقاومة، وهو ما حاول أن يعكسه في كثير من تفاصيل الفيلم.

وعن اختيار الممثلين، قال إنه كان واضحاً معهم منذ البداية، وأخبرهم بأنهم لن يشاركوا في فيلم بوليوودي تقليدي مليء بالأغاني والاستعراضات، وإنما في تجربة مستقلة تعتمد على الصدق والبساطة، موضحاً أن «معظم المشاركين في الفيلم وقفوا أمام الكاميرا للمرة الأولى، باستثناء بطلي العمل، بينما كان باقي الممثلين من أبناء المنطقة نفسها».

وأضاف أن منزله تحول طوال فترة التحضير إلى مساحة مفتوحة للفريق، حيث كانت والدته تتولى إعداد الطعام للجميع، بينما كان والده يساعد على تجهيز أماكن الإقامة، حتى أصبح المشروع أشبه بتجمع عائلي أكثر منه موقع تصوير، معتبراً أن هذه الروح انعكست على العلاقات التي ظهرت بين الشخصيات أمام الكاميرا.

وعن أصعب لحظات التصوير، قال إن «فريق العمل كان يخطط لإنجاز معظم المشاهد داخل كشك حقيقي على الطريق السريع، لكن السلطات الهندية رفضت منحنا التصاريح قبل بدء التصوير مباشرة؛ ما اضطرنا إلى تأجيل العمل وإعادة بناء كشك كامل بميزانية محدودة للغاية».

صور المخرج الفيلم بظروف صعبة (الشركة المنتجة)

وأوضح أنهم كانوا ينقلون الكشك ليلاً إلى موقع التصوير، ثم يفكونه مع الساعات الأولى من الصباح حتى يتمكن السكان من استخدام المكان بصورة طبيعية، وهو ما فرض على الفريق سباقاً يومياً مع الوقت، لكنه تحول لاحقاً إلى واحدة من أجمل الذكريات التي خرج بها من صناعة الفيلم.

وكشف المخرج الهندي أن الحصول على دعم «صندوق البحر الأحمر» شكّل نقطة تحول حقيقية في رحلة المشروع، موضحاً أنه التقى فريق الصندوق للمرة الأولى خلال سوق «هونغ كونغ السينمائي»، حيث لمس منهم اهتماماً خاصاً بالفيلم وبطبيعته البصرية المختلفة، وشجعوه على التقدم للحصول على دعم مرحلة ما بعد الإنتاج.

وأضاف أن اختياره لاحقاً للمشاركة في برنامج المخرجين التابع لمهرجان «البحر الأحمر» أتاح له لقاءً فردياً مع المخرج الأميركي سبايك لي، وهو ما عده محطة فارقة في مسيرته الفنية، مؤكداً أن دعم «البحر الأحمر» لم يكن مجرد مساهمة إنتاجية، بل عامل أساسي في استكمال المشروع ووصوله إلى عرضه العالمي الأول في مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي» بالتشيك.