الأسد «واثق» من أن الولايات المتحدة وحلفاءها مجبرون على شراكته للوقوف ضد الإرهاب

إيران وروسيا لم ترسلا أي إشارات على تذبذب الدعم الذي تقدمانه إلى نظامه

الأسد «واثق» من أن الولايات المتحدة وحلفاءها مجبرون على شراكته للوقوف ضد الإرهاب
TT

الأسد «واثق» من أن الولايات المتحدة وحلفاءها مجبرون على شراكته للوقوف ضد الإرهاب

الأسد «واثق» من أن الولايات المتحدة وحلفاءها مجبرون على شراكته للوقوف ضد الإرهاب

تبدو قبضة الرئيس السوري، بشار الأسد، على السلطة أقل شدة مما تشير إليه تأكيداته بتحقيق النصر، في الوقت الذي ترفض فيه الولايات المتحدة طلبه إقامة شراكة معه، وإلحاق مقاتلي «داعش» الهزائم بقواته، وظهور مؤشرات على زيادة الاستياء بين طائفته العلوية.
في صورة بعيدة تماما عن كونه لا يقهر، يتعرض الرجل الذي حمّل الإرهابيين مسؤولية الثورة التي اندلعت ضده لخطر أن يصبح الرئيس الذي ازدهر هؤلاء الإرهابيون تحت نظره، وفي الوقت ذاته لا يستطيع فعل أي شيء لإيقافهم – فيما يشبه كثيرا تحميل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مسؤولية سقوط مدينة الموصل العراقية.
ولا يبدو أن هذا التحول وصل إدراكه إلى الأسد، الذي يظل واثقا، على حد قول مؤيديه، بأن الولايات المتحدة وحلفاءها سيكونون مجبرين قريبا على السعي إلى شراكته في تحالف دولي ضد الإرهاب.
ومن المتوقع أن يعلن الرئيس أوباما استراتيجيته في مواجهة تنظيم «داعش» في خطاب سيضع الأولوية للعراق، فيما يبدو أنه تأجيل آخر لأي جهود لمواجهة الفوضى التي سقطت فيها الحرب السورية وترك الأسد فترة في المستقبل القريب.
لا يشكل أي من مقاتلي «داعش» المتمركزين في شمال البلاد وشرقها، ولا الثوار الأكثر اعتدالا المدعومون من الغرب، أي تهديد عسكري مباشر على قبضة الأسد على السلطة. كذلك، لا تبدي أي من إيران أو روسيا إشارات على تذبذب الدعم الذي تقدمانه إلى نظامه.
ولكن، هناك أيضا إدراك متنام في واشنطن والعواصم المتحالفة معها أن المكاسب التي حققها المسلحون تتطلب، حسبما يقول المسؤولون والدبلوماسيون، نهجا شاملا لمعالجة المظالم التي دفعتهم إلى الظهور، وذلك لإعادة التركيز على دور الأسد في القمع الوحشي للثورة السنية التي قامت ضد حكمه.
وفي الأسابيع التي تلت ادعاء الأسد الانتصار على أعدائه بعد فوزه في الانتخابات التي خضعت لسيطرة صارمة، يبدو تباهيه أكثر اهتزازا وربما يؤدي أسلوبه إلى حدوث نتائج عكسية.
وتشير الهزائم المخزية المتوالية التي لحقت بالجيش السوري في محافظة الرقة بشمال شرقي سوريا الشهر الماضي إلى أن الأسد، مثل كثيرين في المنطقة وما وراءها، استخفوا بقوة التنظيم المنشق عن «القاعدة». وكانت الحكومة السورية امتنعت عن مواجهة تنظيم «داعش» طوال فترة صعوده الذي امتد عاما كاملا، وهو ما عزز من القول بأن الإرهاب هو البديل الوحيد، وفقا لسوريين يتحدثون بانتظام مع أعضاء في النظام السوري. كانت القواعد الثلاث التي فقدا في القتال ذات قيمة استراتيجية قليلة، ولكن تسبب أسلوب الهزيمة في صدمة مؤيدي الأسد. جرى سحب عشرات من الجنود المأسورين من إحدى القواعد عبر الصحراء وهم يرتدون ملابسهم الداخلية قبل أن يجري إطلاق النار عليهم. وجرى قطع رؤوس 50 ضابطا من قاعدة أخرى، ووضع رؤوسهم على أعمدة وإلقاء أجسادهم الممثل بها في شوارع الرقة ليدوس عليها المارة بأقدامهم ويصوروها بهواتفهم الجوالة، كما ظهر في مقاطع فيديو على موقع «يوتيوب».
أثارت صور الجنود السوريين المأسورين حالة نادرة من الغضب بين أفراد الطائفة العلوية التي تمثل أقلية ينتمي إليها الأسد - وكان الغضب يستهدف الأسد بقدر ما استهدف المجرمين.
وخرجت صفحات كثيرة على موقع «فيسبوك» معربة عن سخط العلويين على الأسد، غالبا بسبب عدم صرامته مع معارضيه. وجرى اعتقال 5 علويين بسبب تورطهم في المعارضة، ولكن استمرت الصفحات في العمل.
تركز إحدى هذه الصفحات، التي تحمل عنوان «أين هم؟»، على العلويين المفقودين أثناء الحرب، ويتهم النظام بعدم بذل كثير من الجهود لمعرفة أماكنهم.
ذكر أحد المنشورات على الصفحة موجها حديثه إلى الأسد: «لن نتاجر بدمنا بعد الآن لكي تحافظ على مقعدك الصدئ. لا يمكنك أن تكمم أفواهنا. لقد سئمنا».
يقول جوشوا لاديس، أستاذ التاريخ فبجامعة أوكلاهوما، إن العلويين لا يوشكون على الانضمام إلى المعارضة التي يسودها السنة ولا يجدون في المقابل بديلا واضحا للنظام الحالي.
وأضاف قائلا: «هناك مشاعر غضب كبير. كانت المجازر التي ارتكبت في الرقة مخزية ومحزنة. ولكنها لا تعادل انهيار النظام وليست ثورة علوية».
ولكن، تؤكد تلك الشكاوى وجود وعي متنام بالمشكلة التي وجد العلويون أنهم متورطون في ها في الوقت الذي تستمر فيه الحرب. بعد أن دعموا الأسد بثبات طوال فترة الثورة، لم يعد لديهم الآن خيار سوى الوقوف إلى جانبه أو المخاطرة بالتعرض للإبادة على يد قوة سنية أكثر تطرفا، ترى أن عقيدتهم وثنية. وقال لانديس إن مصير الإيزيديين في العراق يلقي بظلاله عليهم.
ولكن، دفع العلويون ثمنا باهظا من دمائهم بسبب ولائهم، ولا يجدون الآن نهاية للحرب التي أكد الأسد انتصاره فيها. قتل 110 آلاف فرد على الأقل من القوات الأمنية والميليشيات المحلية التي أنشئت لدعم العلويين منذ اندلاع الثورة، ووفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يقع مقره في لندن، كان عدد غير متكافئ منهم من العلويين.
تمثل الطائفة التي تعد أقلية، وهي أحد الفروع البعيدة من المذهب الشيعي وتسكن في الجبال الواقعة على طول الساحل الشمالي الشرقي في سوريا، من 10 إلى 12 في المائة من تعداد السكان البالغ عددهم 24 مليون نسمة قبل بداية الحرب. وإذا كانت أرقام الضحايا المعلنة حقيقية، فسيشبه الأمر فقدان أميركا 9 ملايين من رجالها.
لا توجد عائلة لم تفقد أحد أفرادها، بل فقدت بعض العائلات أكثر من فرد. وتصطف في البلدات والقرى صور القتلى. وفي الجنازات، التي تجري يوميا، تنتشر المواجهات الغاضبة بين مسؤولي الحكومة والأقارب المكلومين، وفقا لما ذكره ماهر إسبر، الناشط المقيم ببيروت والمهتم بالأقلية الشيعية السورية.
وأضاف قائلا: «يوجد شعور باليأس. يخبرهم النظام بأنه يحقق انتصارا، ولكننا على النقيض ننزلق إلى وضع أسوأ لا يحمل أي مؤشرات على وجود ضوء في نهاية النفق».
تلقي مخاوف العائلات ضوءا جديدا على واقع يخيم على نظام الأسد، حيث إن الحرب، التي لا توشك على التوقف، تبدو متجهة فقط إلى مرحلة جديدة قد تكون أكثر خطورة.
بعد ثلاث سنوات من القتال، يعاني الجيش الاستنزاف والإنهاك. ويدين الأسد لميليشيات محلية تلقت تدريبا وحصلت على تمويل من إيران، ولـ«حزب الله» اللبناني، ولمعظم الانتصارات المهمة التي حققتها حكومته. وقد عادت كثير من الميليشيات الشيعية العراقية التي ساعدته من أجل محاربة المتطرفين السنة على أراضيها.
تواصل الحكومة جهودها في قمع التمرد بقصف التجمعات المناوئة لها من على بعد، مما يؤجج المظالم التي أتاحت الفرصة لانتشار وازدهار التطرف.
وحتى إذا رغبت الولايات المتحدة في إقامة شراكة مع الأسد من أجل هزيمة المتطرفين، يقول جيف وايت من معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى: «ليس من الواضح ما الذي قد يطرحه على مائدة المفاوضات». وأضاف قائلا: «إن ما نراه الآن هو التدهور الشامل وغير المتكافئ للقوات العسكرية النظامية. إنهم يفقدون قدراتهم شيئا فشيئا مع مرور الوقت».
وذلك أحد أسباب الحرص السوري على الانضمام إلى القوات مع الولايات المتحدة في التحالف الدولي الذي يسعى الرئيس أوباما إلى تشكيله لمواجهة تنظيم «داعش».
جرى اعتماد استراتيجية جديدة تنوي الحكومة بموجبها تركيز جهودها على استعادة المناطق التي يمكنها السيطرة عليها فقط، وفقا لسالم زهران، الذي يدير مؤسسة إعلامية حكومية ويتقابل بصورة دورية مع أعضاء من النظام. وأضاف أنه في الوقت ذاته تعول الحكومة على الدعم الأميركي لمساعدتها في نهاية المطاف على استعادة المناطق التي لا يمكنها الدفاع عنها داخل البلاد.
وتوقع قائلا: «ستكون هناك مرحلة ثانية من الاستراتيجية، في مدينة الرقة، التي ستجري بالتعاون مع الولايات المتحدة».
ولكن، أشار الرئيس أوباما إلى أنه ليست لديه النية لإقامة شراكة مع الأسد، مؤكدا بدلا من ذلك الحاجة إلى زيادة دعم الثوار المعتدلين في سوريا، حيث صرح للصحافيين في نهاية الشهر الماضي قائلا: «لا أرى أي سيناريو يمكن فيه للأسد، بصورة ما، أن يكون قادرا على تحقيق السلام والاستقرار في منطقة ذات أغلبية سنية وهو لم يظهر حتى الآن أي استعداد لتقاسم السلطة معهم».
يقول دبلوماسيون غربيون إن أكبر نقاش سياسي حالي لا يدور حول إمكانية التعاون مع الرئيس السوري، ولكن يدور حول كيفية زيادة الضغط عليه من أجل تقديم تنازلات في وقت يعتقد فيه أنه أصبح لا غنى عنه.
ويشعر الأسد، رغم ذلك، بأنه في موقف أقوى من أي وقت مضى، خصوصا أن صعود «داعش» قد أثبت للعالم أنه كان على حق بشأن التهديد الذي يشكله الإرهابيون، على حد قول زهران.
وأضاف: «يعتقد النظام أن ما يقوله أوباما للاستهلاك الإعلامي فحسب. فبعد دعوته لإسقاط النظام الإجرامي، لا يمكنه التحول بالكامل والتعاون مع الأسد. ولكنه سيفعل بمرور الوقت. لن يكون لديه خيار آخر».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.