الأسد «واثق» من أن الولايات المتحدة وحلفاءها مجبرون على شراكته للوقوف ضد الإرهاب

إيران وروسيا لم ترسلا أي إشارات على تذبذب الدعم الذي تقدمانه إلى نظامه

الأسد «واثق» من أن الولايات المتحدة وحلفاءها مجبرون على شراكته للوقوف ضد الإرهاب
TT

الأسد «واثق» من أن الولايات المتحدة وحلفاءها مجبرون على شراكته للوقوف ضد الإرهاب

الأسد «واثق» من أن الولايات المتحدة وحلفاءها مجبرون على شراكته للوقوف ضد الإرهاب

تبدو قبضة الرئيس السوري، بشار الأسد، على السلطة أقل شدة مما تشير إليه تأكيداته بتحقيق النصر، في الوقت الذي ترفض فيه الولايات المتحدة طلبه إقامة شراكة معه، وإلحاق مقاتلي «داعش» الهزائم بقواته، وظهور مؤشرات على زيادة الاستياء بين طائفته العلوية.
في صورة بعيدة تماما عن كونه لا يقهر، يتعرض الرجل الذي حمّل الإرهابيين مسؤولية الثورة التي اندلعت ضده لخطر أن يصبح الرئيس الذي ازدهر هؤلاء الإرهابيون تحت نظره، وفي الوقت ذاته لا يستطيع فعل أي شيء لإيقافهم – فيما يشبه كثيرا تحميل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مسؤولية سقوط مدينة الموصل العراقية.
ولا يبدو أن هذا التحول وصل إدراكه إلى الأسد، الذي يظل واثقا، على حد قول مؤيديه، بأن الولايات المتحدة وحلفاءها سيكونون مجبرين قريبا على السعي إلى شراكته في تحالف دولي ضد الإرهاب.
ومن المتوقع أن يعلن الرئيس أوباما استراتيجيته في مواجهة تنظيم «داعش» في خطاب سيضع الأولوية للعراق، فيما يبدو أنه تأجيل آخر لأي جهود لمواجهة الفوضى التي سقطت فيها الحرب السورية وترك الأسد فترة في المستقبل القريب.
لا يشكل أي من مقاتلي «داعش» المتمركزين في شمال البلاد وشرقها، ولا الثوار الأكثر اعتدالا المدعومون من الغرب، أي تهديد عسكري مباشر على قبضة الأسد على السلطة. كذلك، لا تبدي أي من إيران أو روسيا إشارات على تذبذب الدعم الذي تقدمانه إلى نظامه.
ولكن، هناك أيضا إدراك متنام في واشنطن والعواصم المتحالفة معها أن المكاسب التي حققها المسلحون تتطلب، حسبما يقول المسؤولون والدبلوماسيون، نهجا شاملا لمعالجة المظالم التي دفعتهم إلى الظهور، وذلك لإعادة التركيز على دور الأسد في القمع الوحشي للثورة السنية التي قامت ضد حكمه.
وفي الأسابيع التي تلت ادعاء الأسد الانتصار على أعدائه بعد فوزه في الانتخابات التي خضعت لسيطرة صارمة، يبدو تباهيه أكثر اهتزازا وربما يؤدي أسلوبه إلى حدوث نتائج عكسية.
وتشير الهزائم المخزية المتوالية التي لحقت بالجيش السوري في محافظة الرقة بشمال شرقي سوريا الشهر الماضي إلى أن الأسد، مثل كثيرين في المنطقة وما وراءها، استخفوا بقوة التنظيم المنشق عن «القاعدة». وكانت الحكومة السورية امتنعت عن مواجهة تنظيم «داعش» طوال فترة صعوده الذي امتد عاما كاملا، وهو ما عزز من القول بأن الإرهاب هو البديل الوحيد، وفقا لسوريين يتحدثون بانتظام مع أعضاء في النظام السوري. كانت القواعد الثلاث التي فقدا في القتال ذات قيمة استراتيجية قليلة، ولكن تسبب أسلوب الهزيمة في صدمة مؤيدي الأسد. جرى سحب عشرات من الجنود المأسورين من إحدى القواعد عبر الصحراء وهم يرتدون ملابسهم الداخلية قبل أن يجري إطلاق النار عليهم. وجرى قطع رؤوس 50 ضابطا من قاعدة أخرى، ووضع رؤوسهم على أعمدة وإلقاء أجسادهم الممثل بها في شوارع الرقة ليدوس عليها المارة بأقدامهم ويصوروها بهواتفهم الجوالة، كما ظهر في مقاطع فيديو على موقع «يوتيوب».
أثارت صور الجنود السوريين المأسورين حالة نادرة من الغضب بين أفراد الطائفة العلوية التي تمثل أقلية ينتمي إليها الأسد - وكان الغضب يستهدف الأسد بقدر ما استهدف المجرمين.
وخرجت صفحات كثيرة على موقع «فيسبوك» معربة عن سخط العلويين على الأسد، غالبا بسبب عدم صرامته مع معارضيه. وجرى اعتقال 5 علويين بسبب تورطهم في المعارضة، ولكن استمرت الصفحات في العمل.
تركز إحدى هذه الصفحات، التي تحمل عنوان «أين هم؟»، على العلويين المفقودين أثناء الحرب، ويتهم النظام بعدم بذل كثير من الجهود لمعرفة أماكنهم.
ذكر أحد المنشورات على الصفحة موجها حديثه إلى الأسد: «لن نتاجر بدمنا بعد الآن لكي تحافظ على مقعدك الصدئ. لا يمكنك أن تكمم أفواهنا. لقد سئمنا».
يقول جوشوا لاديس، أستاذ التاريخ فبجامعة أوكلاهوما، إن العلويين لا يوشكون على الانضمام إلى المعارضة التي يسودها السنة ولا يجدون في المقابل بديلا واضحا للنظام الحالي.
وأضاف قائلا: «هناك مشاعر غضب كبير. كانت المجازر التي ارتكبت في الرقة مخزية ومحزنة. ولكنها لا تعادل انهيار النظام وليست ثورة علوية».
ولكن، تؤكد تلك الشكاوى وجود وعي متنام بالمشكلة التي وجد العلويون أنهم متورطون في ها في الوقت الذي تستمر فيه الحرب. بعد أن دعموا الأسد بثبات طوال فترة الثورة، لم يعد لديهم الآن خيار سوى الوقوف إلى جانبه أو المخاطرة بالتعرض للإبادة على يد قوة سنية أكثر تطرفا، ترى أن عقيدتهم وثنية. وقال لانديس إن مصير الإيزيديين في العراق يلقي بظلاله عليهم.
ولكن، دفع العلويون ثمنا باهظا من دمائهم بسبب ولائهم، ولا يجدون الآن نهاية للحرب التي أكد الأسد انتصاره فيها. قتل 110 آلاف فرد على الأقل من القوات الأمنية والميليشيات المحلية التي أنشئت لدعم العلويين منذ اندلاع الثورة، ووفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يقع مقره في لندن، كان عدد غير متكافئ منهم من العلويين.
تمثل الطائفة التي تعد أقلية، وهي أحد الفروع البعيدة من المذهب الشيعي وتسكن في الجبال الواقعة على طول الساحل الشمالي الشرقي في سوريا، من 10 إلى 12 في المائة من تعداد السكان البالغ عددهم 24 مليون نسمة قبل بداية الحرب. وإذا كانت أرقام الضحايا المعلنة حقيقية، فسيشبه الأمر فقدان أميركا 9 ملايين من رجالها.
لا توجد عائلة لم تفقد أحد أفرادها، بل فقدت بعض العائلات أكثر من فرد. وتصطف في البلدات والقرى صور القتلى. وفي الجنازات، التي تجري يوميا، تنتشر المواجهات الغاضبة بين مسؤولي الحكومة والأقارب المكلومين، وفقا لما ذكره ماهر إسبر، الناشط المقيم ببيروت والمهتم بالأقلية الشيعية السورية.
وأضاف قائلا: «يوجد شعور باليأس. يخبرهم النظام بأنه يحقق انتصارا، ولكننا على النقيض ننزلق إلى وضع أسوأ لا يحمل أي مؤشرات على وجود ضوء في نهاية النفق».
تلقي مخاوف العائلات ضوءا جديدا على واقع يخيم على نظام الأسد، حيث إن الحرب، التي لا توشك على التوقف، تبدو متجهة فقط إلى مرحلة جديدة قد تكون أكثر خطورة.
بعد ثلاث سنوات من القتال، يعاني الجيش الاستنزاف والإنهاك. ويدين الأسد لميليشيات محلية تلقت تدريبا وحصلت على تمويل من إيران، ولـ«حزب الله» اللبناني، ولمعظم الانتصارات المهمة التي حققتها حكومته. وقد عادت كثير من الميليشيات الشيعية العراقية التي ساعدته من أجل محاربة المتطرفين السنة على أراضيها.
تواصل الحكومة جهودها في قمع التمرد بقصف التجمعات المناوئة لها من على بعد، مما يؤجج المظالم التي أتاحت الفرصة لانتشار وازدهار التطرف.
وحتى إذا رغبت الولايات المتحدة في إقامة شراكة مع الأسد من أجل هزيمة المتطرفين، يقول جيف وايت من معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى: «ليس من الواضح ما الذي قد يطرحه على مائدة المفاوضات». وأضاف قائلا: «إن ما نراه الآن هو التدهور الشامل وغير المتكافئ للقوات العسكرية النظامية. إنهم يفقدون قدراتهم شيئا فشيئا مع مرور الوقت».
وذلك أحد أسباب الحرص السوري على الانضمام إلى القوات مع الولايات المتحدة في التحالف الدولي الذي يسعى الرئيس أوباما إلى تشكيله لمواجهة تنظيم «داعش».
جرى اعتماد استراتيجية جديدة تنوي الحكومة بموجبها تركيز جهودها على استعادة المناطق التي يمكنها السيطرة عليها فقط، وفقا لسالم زهران، الذي يدير مؤسسة إعلامية حكومية ويتقابل بصورة دورية مع أعضاء من النظام. وأضاف أنه في الوقت ذاته تعول الحكومة على الدعم الأميركي لمساعدتها في نهاية المطاف على استعادة المناطق التي لا يمكنها الدفاع عنها داخل البلاد.
وتوقع قائلا: «ستكون هناك مرحلة ثانية من الاستراتيجية، في مدينة الرقة، التي ستجري بالتعاون مع الولايات المتحدة».
ولكن، أشار الرئيس أوباما إلى أنه ليست لديه النية لإقامة شراكة مع الأسد، مؤكدا بدلا من ذلك الحاجة إلى زيادة دعم الثوار المعتدلين في سوريا، حيث صرح للصحافيين في نهاية الشهر الماضي قائلا: «لا أرى أي سيناريو يمكن فيه للأسد، بصورة ما، أن يكون قادرا على تحقيق السلام والاستقرار في منطقة ذات أغلبية سنية وهو لم يظهر حتى الآن أي استعداد لتقاسم السلطة معهم».
يقول دبلوماسيون غربيون إن أكبر نقاش سياسي حالي لا يدور حول إمكانية التعاون مع الرئيس السوري، ولكن يدور حول كيفية زيادة الضغط عليه من أجل تقديم تنازلات في وقت يعتقد فيه أنه أصبح لا غنى عنه.
ويشعر الأسد، رغم ذلك، بأنه في موقف أقوى من أي وقت مضى، خصوصا أن صعود «داعش» قد أثبت للعالم أنه كان على حق بشأن التهديد الذي يشكله الإرهابيون، على حد قول زهران.
وأضاف: «يعتقد النظام أن ما يقوله أوباما للاستهلاك الإعلامي فحسب. فبعد دعوته لإسقاط النظام الإجرامي، لا يمكنه التحول بالكامل والتعاون مع الأسد. ولكنه سيفعل بمرور الوقت. لن يكون لديه خيار آخر».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأحد، بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني، في إعلان مثّل انتقالاً رسمياً من مرحلة الاستعداد والتعبئة إلى مرحلة العمل العسكري المفتوح.

وقال العليمي، في خطاب إلى الشعب اليمني، إن قرار بدء العمليات اتُّخذ بعد استكمال الإجراءات والتدابير اللازمة، وبناءً على قرارات مجلس الدفاع الوطني، مؤكداً توجيه القوات المسلحة والأمن وجميع التشكيلات العسكرية إلى تنفيذ مهامها وفق الخطط المعتمدة، «حتى تحرير البلاد من وطأة الميليشيا الإرهابية».

وبرر رئيس مجلس القيادة القرار باستنفاد فرص التهدئة، قائلاً إن الدولة منحت السلام الوقت والفرص الكافية، فيما قابلت الجماعة الحوثية ذلك بمزيد من التحشيد والتصعيد والاعتداءات والتهديدات للمدنيين والمنشآت الوطنية ودول الجوار والممرات الدولية.

وأكد أن المعركة المعلنة ليست حرباً على سكان المناطق الخاضعة للحوثيين، ولا ضد مذهب أو قبيلة، وإنما «معركة الدولة من أجل مواطنيها واستعادة مؤسساتها»، مشدداً على أن هدفها إنهاء مصادرة إرادة اليمنيين ومستقبلهم السياسي بقوة السلاح.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

ووجه العليمي رسالة مباشرة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، داعياً إياهم إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وحماية أبنائهم من الزج بهم في القتال، مجدداً في الوقت نفسه التزام الدولة بالعودة الآمنة والعفو المعلن لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة.

وفي رسالة إلى القوات الحكومية والمقاومة، شدد رئيس مجلس القيادة على أن المهمة «ليست استعادة الأرض فقط، بل إعادة الدولة إليها»، داعياً إلى حماية المدنيين والممتلكات والالتزام بالقانون، ومؤكداً أنه لا مجال للثأر أو الانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.

توجيهات للحكومة

في الجانب المدني، أعلن العليمي توجيه الحكومة بإعداد برنامج عمل متزامن مع العمليات العسكرية، بحيث تبدأ مؤسسات الدولة ممارسة مسؤولياتها في المناطق التي تستعيدها القوات الحكومية أولاً بأول.

وتشمل الأولويات التي أعلنها إعادة صرف رواتب موظفي الدولة ومعالجة المستحقات المتأخرة بأثر رجعي، وإطلاق برنامج عاجل للتعافي وإعادة الإعمار، وإصلاح الطرق والكهرباء والمياه والمنشآت المتضررة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واستئناف النشاط الاقتصادي.

وقال العليمي إن نجاح المعركة لن يقاس بعدد المدن المستعادة، وإنما بعدد المواطنين الذين يعود إليهم الأمن، والأسر التي تعود إلى منازلها، والإجراءات التي تمنع العودة إلى ممارسات القتل والقهر ومصادرة إرادة الشعب.

القوات الحكومية اليمنية تخوض معارك ضارية في تعز (إعلام عسكري)

كما جدد التزام مجلس القيادة والحكومة بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي - الجنوبي الذي ترعاه السعودية، بما يضمن حلاً عادلاً وشاملاً للقضية الجنوبية، ودعا الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي إلى مساندة اليمن وقواته المسلحة ومؤسساته الوطنية، ودعم الجهود الإنسانية والاقتصادية وبرامج التعافي وإعادة الإعمار.

وختم العليمي بإعلان دخول مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية في «حالة استنفار كامل» حتى إنجاز المهمة، مؤكداً أن المرحلة الجديدة تستهدف استعادة الدولة لأرضها ومؤسساتها، وعودة السلاح إلى «مكانه الطبيعي تحت سلطة القانون».


ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

ضغطت الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران بكامل ثقلها في الريف الجنوبي الغربي لمدينة تعز، للسيطرة على الطرق الرئيسية التي تربط المدينة بريفها الجنوبي، وقطع خطوط الاتصال باتجاه محافظة لحج ومدينة عدن، في وقت تخوض فيه القوات الحكومية مسنودة بالمقاومة الشعبية معارك عنيفة لوقف هذا التقدم، بالتزامن مع ضربات جوية تستهدف تعزيزات الجماعة وقدراتها العسكرية.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة، مع استمرار الحوثيين في الدفع بمجاميعهم نحو مناطق جديدة في جنوب تعز، وسط أنباء عن سيطرتهم، الأحد، على منطقتي الصافية والبركاني، وقطع الطريق الذي يربط بين مدينة التربة مركز مديرية الشمايتين في الجنوب، بمدينة تعز في الشمال، وهو ما يعني عزل الأخيرة عن المناطق المحررة؛ حيث لحج وعدن.

ومع ذلك، لا تزال الجبهة مفتوحة على مواجهات عنيفة، وسط مؤشرات على إصرار الحوثيين على مواصلة الضغط في هذا المحور، وهو ما دفع مصادر ميدانية إلى التحذير من خطورة استمرار الهجمات والحاجة إلى تعزيزات فورية للقوات الحكومية الموجودة في المنطقة.

وفي موازاة هذه المعارك في الريف الجنوبي الغربي، كانت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية قد حققت مكاسب ميدانية في عدد من جبهات تعز؛ حيث استعادت السيطرة على منطقتي المقارمة والزكيرة في مديرية الشمايتين، جنوب المحافظة، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين، إلا أن الحوثيين استعادوا السيطرة عليها مجدداً.

آلية عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في منطقة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

كما تمكنت القوات الحكومية في الجبهة الجنوبية الشرقية، بمساندة مقاومين من أبناء مديرية سامع، من السيطرة على حصن سامع، قبل أن تتقدم إلى جبل الجعشة الاستراتيجي، عقب إحكام السيطرة على جبل حصن سامع.

وقالت المصادر إن هذه العمليات أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف الحوثيين، شملت مقتل وإصابة عشرات منهم، بينما فر عدد آخر من عناصر الجماعة من مواقع المواجهات. وتواصلت المعارك -وفق المصادر نفسها- في جبهات جبل حبشي والكدحة.

وفي جبهة جبل هان وحذران، غربي مدينة تعز، اندلعت مواجهات عنيفة وانتهت -حسب محور تعز العسكري- بهزيمة القوات المهاجمة، ومقتل قائد الهجوم الحوثي الذي استهدف مواقع القوات الحكومية في جبل هان.

257 عملية خلال يوم

بالتزامن مع المواجهات البرية، صعَّدت القوات الحكومية عملياتها ضد مواقع وتحركات الحوثيين، على امتداد عدد من الجبهات.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات نفَّذت 257 عملية استهداف دقيقة ضد مواقع وتحركات وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين، باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والراجمات.

وأوضح أن العمليات شملت صنعاء وميدي في حجة وباقم في صعدة، وجبهات الجوف ومأرب والبيضاء ولحج، مع تركيز الجهد العملياتي على جبهات تعز؛ مشيراً إلى استهداف مراكز قيادة وسيطرة، وتجمعات وتحشيدات واحتياطيات قتالية، إلى جانب مخازن الأسلحة والذخائر وخطوط ووسائل الإمداد العسكرية.

توغل الحوثيين في تعز أدى إلى فرار آلاف الأُسَر (فيسبوك)

وحسب النزيلي، أسفرت العمليات -وفق التقديرات الميدانية الأولية- عن تحييد ما لا يقل عن 700 من عناصر الحوثيين، وتدمير 170 وسيلة وآلية قتالية، وهو ما قال إنه ألحق أثراً مباشراً بالقدرة القتالية للجماعة، وحدَّ من قدرتها على مواصلة هجماتها ضد المدنيين في مساكنهم وقراهم.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، في تطور آخر، تنفيذ 97 عملية استهداف دقيقة ضد تعزيزات عسكرية حوثية في جبهة طور الباحة ومحور تعز.

وقال النزيلي إن العمليات تنوعت بين الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والقناصة، وأسفرت عن تحييد 260 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 44 آلية ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

صورة متداولة للفارِّين من الهجمات الحوثية في ريف تعز الجنوبي (فيسبوك)

كما أعلنت القوات الجوية تنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية في صنعاء وصعدة، بينما أعلنت القوات المسلحة، في وقت سابق، تنفيذ هجوم على أهداف عسكرية حوثية في العاصمة صنعاء.

وترفع هذه الأرقام خسائر الحوثيين إلى قرابة 6 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوع، حسب البيانات المتعاقبة للقوات المسلحة اليمنية.

تعبئة واستنفار

وتزامنت التطورات الميدانية في تعز مع انتقال الحكومة والقوات المسلحة إلى مستوى أعلى من التعبئة والاستعداد العسكري.

فقد دشَّنت وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة التعبئة العامة والنفير المجتمعي، تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.

وجاء الإعلان خلال اجتماع موسع ترأسه وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في عدن، بينما شارك رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، عبر الاتصال المرئي من مأرب، إلى جانب مساعدي وزير الدفاع ونائب رئيس هيئة الأركان ورؤساء الهيئات والدوائر العسكرية.

وقال العقيلي إن الوزارة اتخذت الإجراءات العملية لتنفيذ قرار التعبئة العامة والنفير العام، وتفعيل مسارات التعبئة البشرية والاحتياط، وتنظيم مراكز الاستقبال، وتكليف الجهات المعنية بالبدء في تنفيذ المهام الموكلة إليها.

وأكد وزير الدفاع اليمني اضطلاع القوات المسلحة بواجبها في الدفاع عن البلاد وسيادتها، ودحر الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على الضبط والربط العسكريين، وحشد الطاقات، وتكامل الجهود.

من جهته، قال بن عزيز إن إعلان التعبئة العامة يمثل قراراً وطنياً يستدعي الانتقال المنظم إلى أعلى مستويات الاستعداد، وتوحيد الجهود والإمكانات، ورفع كفاءة القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على أداء واجباتها.

وشدد على استكمال حصر القوى والوسائل والاحتياجات، وتنظيم أعمال الاستدعاء والتعزيز، ورفع مستوى الانضباط والجاهزية، وتعزيز التدريب والتأهيل، والعمل على بناء جهد عسكري ومجتمعي متكامل.

وفي ظل اشتداد القتال، أجرى رئيس هيئة الأركان اتصالات مع قيادات عسكرية وميدانية في تعز، بينهم عضو اللجنة العسكرية العليا، قائد جبهة تعز، اللواء الركن يوسف الشراجي، وقائد محور تعز اللواء الركن خالد فاضل، ورئيس أركان المحور اللواء الركن عبد العزيز المجيدي، وقائد مقاومة تعز رشيد شمسان.

واستمع بن عزيز إلى إيجازات حول سير العمليات والموقف الميداني في مختلف جبهات المحافظة، مشيداً بمواقف أبناء تعز ومساندتهم للقوات المسلحة، ومبادرتهم إلى المشاركة في القتال.

وأكد وقوف القوات المسلحة في مختلف الجبهات والقطاعات إلى جانب القوات المقاتلة في تعز، مشيداً بما وصفها بالكفاءة والقدرات القتالية للمقاتلين، وبأداء الطيران الحربي والطيران المسيَّر.


مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.