جدة تتألق في موسمها الصيفي وتستضيف مزادها الفني الأول

وزارة الثقافة السعودية و«كريستيز» في المزاد الخيري «الفن للبلد»

زوار أمام عمل الفنان راشد الشعشعي
زوار أمام عمل الفنان راشد الشعشعي
TT

جدة تتألق في موسمها الصيفي وتستضيف مزادها الفني الأول

زوار أمام عمل الفنان راشد الشعشعي
زوار أمام عمل الفنان راشد الشعشعي

جدة ووسطها التاريخي المعروف بـ«البلد» تعيش حالة من النشاط الواضح، بحضور كثيف يتحدى الطقس الحار. تمتلئ الطرق الضيقة المتعرجة بزوار البلد التاريخية التي تكتسي بالألوان الملونة التي تضيئ مبانيها العتيقة. وفي عربات «غو كارت» ينطلق زوار معرض مزاد كريستيز الخيري «الفن للبلد» من أمام مبنى عتيق كان مقراً للقنصلية الإنجليزية في القرن الماضي متجهين للمعرض. ينشغل الركاب على الطريق بتصوير المباني القديمة بنوافذها الخشبية المميزة «الرواشين» وتتوقف العربات في ساحة صغيرة أمام أشهر بيوت جدة التاريخية، وهو «بيت نصيف»، حيث يقام المزاد اليوم الأربعاء.
البيت يرحب بزواره كعادته دائماً وعبر درجاته الحجرية الواسعة نعبر للداخل حيث تعرض أكثر من 40 لوحة فنية لفنانين من السعودية ومن خارجها، تبرع بها أصحابها الفنانون أو من يقتنونها ليخصص ريعها لبناء متحف البلد في جدة التاريخية.
الحضور كثيف للمعرض، ولكنه كان أكثر خلال اليومين الماضيين، حيث كان مفتوحاً للجمهور، يقول مايكل جيها رئيس مجلس إدارة «كريستيز» الذي كان واقفاً في وسط المعرض: «سعيد جداً بهذا العرض، العدد الكثيف من الزوار كان مدهشاً». أما هالة خياط الخبيرة الفنية بـ«كريستيز» فتأخذ على عاتقها التجول معي عبر اللوحات التي امتدت على طابقين.
تشير خياط للعرض وتقول: «سعيدين جداً بوجودنا هنا في جدة. للمرة الأولى تقوم (كريستيز) بالتعاون مع وزارة الثقافة السعودية لتنظيم هذا المزاد الخيري وستحضر مزايدة أميركية (أوكشنيير) لإدارة المزاد من أميركا».
- جولة فنية بطعم التاريخ
من الأعمال الموجودة لفنانين عرب تشير الخبيرة للوحة الفنان سمير صايغ، «واو»، وهي من فنون الخط العربي وإلى جانبها نرى لوحة بها ثنائية بين اللونين الأبيض والأسود تحمل عنوان «صراع»، وهي تعبر عن ثنائية التغيير في المنطقة العربية. اللوحة لفنان شاب سوري من اللاجئين للبنان واسمه عقيل.
تعلق على عمل للفنان السعودي راشد الشعشعي: «أجد عمله من أجمل الأعمال يتميز بالتنفيذ المتقن جداً، العمل له طبقات متعددة من التركيب والمعنى أيضاً. من بعيد كأننا نرى لوحة إسلامية بالأقواس والزجاج الملون ولكن عند الاقتراب نجد أن ما نعتقد أنه تشابكات من الحديد المشغول بجمال مميز، نرى أن الفنان استخدم عنصراً لا يمكن توقعه، وهو مجموعة من السلال البلاستيك التي تستخدم في عرض الخضراوات والفواكه في «السوبر ماركت»، وفي الخلفية الألوان التي نظنها زجاجاً ملوناً ما هي إلا أغلفة منتجات تجارية من المشروبات والمأكولات، تقول إن العمل يمثل «تعليقاً على التسليع والاستهلاك، وكأنما الفنان يعبر عن تأثير الاستهلاك الغربي على الثقافة المحلية».
الفنان التونسي الشهير نجا مهداوي يجاور الشعشعي بلوحة مميزة، تقول هالة خياط: «نجا يعمل بيده دائماً، له تكنيك في الكتابة بالخط العربي، ولكن المنتج النهائي لا يمكن قراءته، هو يريد من المشاهد أن يرى فقط جماليات الخط». أعمال مهداوي تتميز بجماليات عالية جداً تجذب المتفرج للألوان والتعرجات والثنيات لخطوط متقاطعة ومتعانقة وبأطراف متطايرة كأنما هي مجموعة من الخيوط الملونة التي تنتظم فيما بينها لتكون شكلاً بديعاً بكل المقاييس.
إلى جانب عمل مهداوي هناك عمل للفنانة السعودية مها الملوح من بدايات أعمالها التي استخدمت فيها الأشعة لتماثل أجهزة الأشعة في المطارات التي تمسح مقتنيات المسافرين واستخدمت مها المفردات البسيطة في الحياة اليومية، فهناك الألعاب والأمشاط و«المكحلة» التقليدية للنساء في السعودية تحديداً، تشير هالة خياط إلى أن ذلك يعبر عن معاناة المسافرين العرب مع التنميط في المطارات الغربية حيث ارتبطت صورة المواطن العربي بالإرهاب.
من عمل مها الملوح نمضي لعمل آخر للفنان السعودي عبد الناصر الغارم الذي اشتهر باستخدام الأختام الرسمية لتكوين أعمال فنية تتناول أفكاراً مثل البيروقراطية والالتزام، وربما عمله هنا أصبح علامة معروفة تعبر عن الفنان بشكل كبير جداً وعمله هنا هو بعنوان «الختم - إن شاء الله». ترى هالة خياط أن العمل يعبر عن البيروقراطية في الدول العربية، وتعليق من الفنان على ذلك بعبارة «قليل من الالتزام».
هناك عمل آخر للفنان معاذ العوفي «التشهد الأخير» عن المساجد المهجورة في الصحراء، أما الفنان أحمد عنقاوي، الذي يركز على الأشكال الهندسية وتقاطعاتها، وخصوصاً في فن الخشب المستخدم في الحرف القديمة لصناعة النوافذ والأبواب الخشبية في مباني جدة ومكة القديمة، تشير هالة خياط إلى أن الفنان استخدم مهارته في تشكيل الخشب في تقديم «لانهائية من الاحتمالات» في عمله الفني.
- رواد الحركة التشكيلية
العرض يترامى بأعمال لفنانين من الرواد في الحركة التشكيلية السعودية أمثال عبد الحليم رضوي وعبد الله حماس وعبد الله الشيخ وطه الصبان وعبد الرحمن السليمان. ولفنانين من العالم العربي مثل أسامة بعلبكي وعمل بديع التشكيل والتنفيذ يصور منظراً من بيروت يتميز بضربات الفرشاة السخية والألوان التي توحي بفترة ما بعد غروب الشمس.
أما لوحة الأمير بدر بن عبد المحسن - أول مرة تعرض لوحه له - اسمها: «إلى أين» أشخاص منظورها من أعلى وكأننا نراها أعلى منا ونرى آثار أقدامهم، تطرح اللوحة تساؤلات وجودية هامة.
من أعمال الرائد عبد الحليم الرضوي تعلق هالة خياط على لوحة «دون عنوان 2»: «الفنان دائماً يعبر عن المدن ومبانيها، لا نعرف أين هذه المدينة ولكن هناك مآذن ومبانٍ في الخلفية، قد تكون في جدة أو المدينة، هناك عناصر إسلامية موجودة تجذبنا للوحة، إضافة إلى عبارات دينية مثل التشهد.
نقف أمام عمل للفنان عبد الله الشلتي «الطواف حول الكعبة» وتقول هالة خياط: «التقنية هنا جميلة جداً». يعبر الفنان عن الطواف بنثرات من اللون الأبيض تصبح كتلاً من اللون الأبيض المتماوج تمضي سوياً في تناغم روحي ولوني بديع.
هناك أيضاً لوحة للفنان عبد الله حماس قد تكون امرأة من منطقة عسير بالقبعة الخصف التي تميز الزي التراثي للمنطقة.
- عبد الرحمن السليمان والتحسر على ما ضاع
في الطابق الثاني ألتقي الفنان السعودي عبد الرحمن السليمان من رواد الفن السعودي وعمل له في المزاد «أثر أندلسي» أسأله إن كان العمل مستوحى من الأندلس بالفعل وبالعمارة هناك؟ يقول بتواضع وهدوء محبب: «كنت في زيارة للأندلس وانتابني نوع من التحسر على ما ضاع منا»، أسأله إن كان يهتم بالعمارة ويقول: «أهتم بالمكان دائماً والمكان بإنسانه». يعبر السليمان في عمله على القضايا الإنسانية «بالإيجاز قدر الإمكان» حسب تعبيره. يجد السليمان أن الحديث عن أعماله أمر صعب: «أنا أسوأ من يتحدث عن أعماله» ويرى أن اللوحة «لا يمكن شرحها»، المشكلة بالنسبة له أن يواجه أسئلة في تفاصيل العمل ومقصده من العمل.
- راشد الشعشعي والنحت بالضوء
خلال الجولة ألتقي بالفنان راشد الشعشعي وأجدها فرصة لأسأله حول عمله المعروض هنا، يقول: «أستخدم الضوء من الخلف في أعمالي، أحاول أن أنحت فكرة الضوء مثل ما كان الفنانون المسلمون يفعلون في استخدام الضوء في دور العبادة باستخدام الزجاج المعشق. كأنهم كانوا ينحتون بالضوء ويغيرون في ألوانه لخلق حالة من الروحانية داخل المكان، هنا أستخدم السلال البلاستيكية المستخدمة في نقل الفواكه وبيعها، بالإضافة لصور من السوبر ماركت لسلع مختلفة ولكن التي استخدمتها هنا هي سلع للتجميل والمتعة». يشير الشعشعي للرموز المستخدمة في العمل ويقول: «هنا يمكنك رؤية رمزين لهما أهمية كبيرة، الأول هو القوس الإسلامي والثاني هو النجمة الثمانية عند الآشوريين والمستخدمة في الفن الإسلامي، «النجمة كانت رمزاً للأنثى، أتحدث عن حالة التسليع في ظل الرأسمالية والطبقية التي قد تخلق من الإنسان سلعة وخاصة الأنثى».
أسأله عن فكرة التسليع وربطها بالأنثى يقول: «إذا نظرنا للعمل فنحن كالواقف أمام ثلاجة في السوبر ماركت وعلى مستوى سوريالي نتخيل أننا أمام زجاج معشق في دار عبادة، حالة مزدوجة ما بين الروحانية التي تنبذ التسليع، في نفس الوقت الرأسمالية تجبرك على النزعة الاستهلاكية». تتدخل هالة خياط في خيط الحوار بقولها: «هناك حالة من الروحانية وعكسها». يضيف الشعشعي: «تماماً، على سبيل المثال في رمضان نجد البضائع في (السوبر ماركت) وقد اتخذت أشكالاً إسلامية وزخرفات، هم يستخدمون الصبغة الدينية لتسويق السلع». أترك العرض، وفي ذهني معانٍ وأفكار كثيرة من الأعمال المعروضة لأخرج للهواء الدافئ والزحام في باحة نصيف، بينما تحضر عربات «الغو كارت» المزيد من أفراد الجمهور المتعطشين لرؤية الأعمال الفنية ولتجربة جديدة تجمع ما بين جمال جدة التاريخية وما بين التعبيرات الفنية المستوحاة من حياة كل منا في هذا العصر.



حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».


«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
TT

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)

ليلة استثنائية قضاها محبو الإنشاد الديني والأشعار الصوفية مع «شيخ المنشدين» ياسين التهامي، ضمن ليالي رمضان بدار الأوبرا المصرية على المسرح المكشوف، مساء الاثنين، وسط حضور جماهيري حافل وتفاعل كبير مع أعماله.

وفى أجواء رمضانية مثالية، اختتمت دار الأوبرا المصرية سهراتها الرمضانية لعام 2026، بأمسية حملت توقيع «عميد الإنشاد الديني» الشيخ ياسين التهامي وفرقته.

وعلى المسرح المكشوف بدأ الحفل بأنغام روحانية، ثم ارتفع صوت ياسين التهامي الهادئ والقوي بمجموعة من التواشيح والمدائح، فتدفقت القصائد الصوفية والابتهالات التي طالما ترددت في مجالس الذِّكر والموالد على مدى عقود، وخلقت حالة من الخشوع والصفاء النفسي، وتفاعل معها الحضور، وعكست عمق ارتباط الجمهور المصري بالإنشاد الديني، وفق بيان لدار الأوبرا المصرية، الثلاثاء.

ويختتم هذا الحفل البرنامج الرمضاني الذي نظمته دار الأوبرا المصرية، وضم ألواناً إبداعية تنوعت بين الليالي العربية والإسلامية، والأمسيات الروحانية، والعروض الموسيقية والغنائية الفريدة، إلى جانب اللقاءات الثقافية التنويرية.

ياسين التهامي قدم إنشاداً من القصائد الدينية (الأوبرا المصرية)

ويرى الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، أن «ياسين التهامي أشعل الأجواء في الأوبرا المصرية بأدائه المميز وجمهوره ومحبيه، وجعل الأجواء الروحية والصوفية تخيِّم على المكان وعلى الحضور». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يرجع هذا الحضور الطاغي والمميز لحفلات ياسين التهامي لأسباب عدة، أولها أن اللون الصوفي الذي يقدمه ياسين التهامي لا يقدمه غيره على الساحة بالكفاءة نفسها».

ووصف السماحي الشيخ ياسين التهامي بأنه «واحد من القلائل في مصر والعالم العربي الذين يستطيعون جذب الجمهور لآفاق من السمو الروحاني، عبر أدائهم للإنشاد الديني والصوفي، فنرى الجمهور من بداية الحفل يرتقي مع التهامي في مراتب روحية، من خلال الموسيقى والأناشيد وطريقة الأداء».

ويُعد ياسين التهامي (77 عاماً) من أبرز منشدي القصائد الصوفية في مصر، واشتهر بتقديمه أشعار ابن الفارض في حفلات متنوعة لوزارة الثقافة، وفي الاحتفالات الدينية الأخرى، مثل الموالد الكبرى، كما يقدم ابتهالات دينية وأشعاراً لرموز التصوف في التاريخ الإسلامي، وقصائد المديح النبوي. ومن القصائد التي اشتهر بغنائها: «قلبي يحدثني»، و«هامت الأرواح»، و«أبا الزهراء»، و«لغة القلوب».

ويلفت الناقد الموسيقي أحمد السماحي إلى أن اختيارات ياسين التهامي للقصائد التي يغنيها؛ سواء في الموالد أو الاحتفالات الدينية أو الحفلات الموسيقية الكبرى، هي التي رسخت لصوته وأدائه وشخصيته، لتصبح له بصمة فنية مميزة وجمهور يتبعه في كل مكان تقريباً.

جمهور حاشد تفاعل مع الحفل (الأوبرا المصرية)

وتابع: «أصبح ياسين التهامي الأشهر في مصر في مجال الغناء الصوفي، لإخلاصه التام لهذا المجال، فلم يقدم –مثلاً- تواشيح ولا غناءً عادياً؛ بل أصر على لونه الصوفي المميز جداً، مما رسخ بصمته الخاصة. كما أن الأجواء الرمضانية التي نعيشها حالياً مع اقتراب نهاية الشهر تزيد تجاوب الجمهور مع الموسيقى والأشعار الصوفية، لما تقدمه من جرعة فنية روحية».

وقدمت دار الأوبرا المصرية كثيراً من الليالي الرمضانية ذات الطابع الخاص الذي يناسب الأجواء الروحانية لشهر رمضان. وكانت من بينها ليالٍ لفرق أجنبية من دول إسلامية، مثل: باكستان، وفلسطين، والفلبين، والعراق، وتونس، وإندونيسيا.

وقدم صالون الموسيقى العربية بالقيروان حفلاً تضمن مجموعة من الأعمال الطربية والروحانية والموشحات والأغاني التقليدية التي تعكس الطابع التونسي، كما قدمت فرقة «الحضرة» للإنشاد الديني مجموعة مختارة من القصائد الصوفية والمدائح النبوية، وهي الفرقة التي اشتهرت بأغاني «قمر» و«مدد يا سيدة»، و«أول كلامي بامدح»، و«جمال الوجود»، و«هاتوا دفوف الفرح»، و«خذني إليك»، و«المسك فاح»، وغيرها من الأغاني والأناشيد الدينية.