كوشنر في افتتاح «ورشة المنامة»: المسار الاقتصادي شرط للسلام في الشرق الأوسط

وصف المؤتمر بـ«فرصة القرن»... وتحدث عن مساعي إدارة ترمب لبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين

جانب من الجلسة الافتتاحية لورشة المنامة، وفي الاطار كوشنر يخاطب الجلسة (رويترز)
جانب من الجلسة الافتتاحية لورشة المنامة، وفي الاطار كوشنر يخاطب الجلسة (رويترز)
TT

كوشنر في افتتاح «ورشة المنامة»: المسار الاقتصادي شرط للسلام في الشرق الأوسط

جانب من الجلسة الافتتاحية لورشة المنامة، وفي الاطار كوشنر يخاطب الجلسة (رويترز)
جانب من الجلسة الافتتاحية لورشة المنامة، وفي الاطار كوشنر يخاطب الجلسة (رويترز)

أعلن كبير مستشاري الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، أن الاتفاق على مسار اقتصادي لخطة السلام الفلسطيني - الإسرائيلي شرط ضروري للسلام، لكنه أكد أن الازدهار لن يتحقق للشعب الفلسطيني دون حل سياسي عادل.
وفي خطاب افتتاح ورشة عمل في البحرين لعرض الشق الاقتصادي من الخطة الأميركية للسلام، أوضح كوشنر أن الشق السياسي لن يخضع للبحث في المؤتمر. وتوجه كوشنر إلى الفلسطينيين بالقول إن «الولايات المتحدة لم تتخلَّ عنكم»، معتبراً أنّ الخطة الأميركية لتحقيق السلام هي «فرصة القرن».
وأعلن كوشنر إطلاق المرحلة الأولى مما باتت تُعرف إعلامياً بـ«صفقة القرن»، متعهداً بتحقيق ازدهار شامل للفلسطينيين ودول الجوار التي تشمل لبنان والأردن ومصر. وقال إن رسالة الرئيس دونالد ترمب للفلسطينيين هي أنه «رغم المعاناة، فإن الولايات المتحدة تحاول مساعدتكم من أجل مستقبل أفضل يُبنى على الكرامة وخلق الفرص».
وأضاف كوشنر أن مشروع «صفقة القرن» يمكن أن يكون «فرصة القرن» إذا توفرت الجرأة للقيادات، متابعاً أن هذه الخطة تطمح إلى تحويل هذه المنطقة من ضحية للصراعات إلى منطقة جاذبة للفرص. وأكّد أن الخطة تسعى لضخ حزمة استثمارات بقيمة 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات، وتسعى لإقامة بنية تحتية في الأراضي الفلسطينية وربط الضفة الغربية وقطاع غزة مع تحسين الوضع الأمني في المنطقة.
وفي تعليقه على المقاطعة الفلسطينية لورشة المنامة، قال كوشنر إنه يمكن التحوّل من «السلبية إلى الإيجابية»، داعياً لانتهاز الفرص بدلاً من لوم الآخرين. وقال إن الكثير من الآمال ضاعت بسبب الفساد في المنطقة، وكان يمكن استثمارها في الصحة والتعليم. وقال: «نحن نشعر بالسعادة بما تحقق حتى الآن».
وانطلقت في العاصمة البحرينية، أمس، المرحلة الأولى من خطة السلام التي أشرف عليها كوشنر. وتسعى الإدارة الأميركية لإحلال هذه الخطة محل عشرات مشاريع السلام المتعثرة التي فشلت في حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني منذ عام 1948. ويهدف البيت الأبيض إلى جمع 50 مليار دولار في صورة استثمارات وتبرعات وقروض. ويقود الاجتماع الدولي الذي يستمر يومين، كوشنر الذي أكّد أن المؤتمر يمثل الجزء الأول من خطة واشنطن السياسية الأوسع لحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، والتي سيتم الكشف عنها لاحقاً.
وتقاطع السلطة الفلسطينية المؤتمر، كما تغيب عنه الحكومة الإسرائيلية. ويرى الفلسطينيون أن المؤتمر يفصل بين الشقين الاقتصادي والسياسي، مع توقعات بأن الشق السياسي الذي لن يُكشف عنه قبل نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لا ينصّ على قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وتقترح الخطة الأميركية جذب استثمارات وتبرعات تتجاوز قيمتها خمسين مليار دولار لصالح الفلسطينيين، وإيجاد مليون فرصة عمل لهم، ومضاعفة إجمالي ناتجهم المحلّي، على أن يمتد تنفيذها على عشرة أعوام. ومن أبرز المشاريع الـ179 المقترحة، طريق بتكلفة خمسة مليارات دولار لربط الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبعد خطاب كوشنر، بحث كل من محمد العبّار مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «إعمار» العقارية، وستيفن شوارزمان مؤسس مجموعة «بلاكستون» الأميركية، فرص الخطة الاقتصادية الأميركية. وقال شوارزمان إنه أُعجب بتقديم كوشنر للخطة وبعمقها واهتمامها بالتفاصيل. واعتبر أنه يرى، كرجل أعمال، أن الخطة قد تنجح في الظروف المناسبة وتفشل في ظروف سيئة. وقال إن الموارد الطبيعية ليست ضرورية لنجاح اقتصاد، ضارباً المثل بسنغافورة التي «لا تزخر بالموارد، لكن لديها قيادة متميزة». وقال العبّار في رده على سؤال حول مقاطعة السلطة الفلسطينية للورشة، إن «القضية الفلسطينية قريبة من قلوب جميع العرب. نأسف أنهم ليسوا موجودين، لكنني أحس بأننا نمثّلهم اليوم». وأضاف: «نحن شعب إيجابي. ونعيش في بيئة صعبة سواء كانت من حيث الظروف السياسية أو الأحوال الجوية. لكننا نستيقظ بكل إيجابية ونحقق. ومهمتنا هي أن نريهم (للفلسطينيين) أن هذه خطة جيدة، ووراءها أشخاص جيدون».
وفيما شكك شوارزمان في ازدهار الاقتصاد الفلسطيني في غياب الاستقرار السياسي والأمني، قال العبّار إن منطقة الشرق الأوسط «منطقة سهلة للقيام بالأعمال»، مستعرضاً تجاربه الناجحة في كلٍّ من مصر ولبنان والأردن. وأضاف العبّار أن «الفلسطينيين لديهم عقول لامعة، فلندعمهم ونمكّنهم. وكان رجل الأعمال الإماراتي قد ذكر لدى وصوله إلى مقر المؤتمر، «أنه إذا كانت هناك فرصة بنسبة 1% للخروج بنتيجة جيدة من اجتماع المنامة، فتجب المحاولة».

- مشاركة دولية
وشكر كوشنر في افتتاحه لأعمال الورشة، المشاركين، لافتاً إلى وجود ممثلين عن مؤسسات مالية واقتصادية كبيرة مثل المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، ومستثمرين وأصحاب رؤوس أموال دوليين.
ويشارك في الورشة وزراء ومسؤولون دوليون، بينهم وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، وديفيد مالباس رئيس البنك الدولي، ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» السويسري جياني إنفانتينو. كما يشارك وزراء ومسؤولون عرب وخليجيون وغربيون، إلى جانب مشاركة إسرائيلية اقتصرت فقط على رجال أعمال إسرائيليين، علماً بأن البحرين لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
ومن بين الدول العربية الـ22، لا تقيم إسرائيل علاقات دبلوماسية كاملة إلا مع الأردن ومصر. وتأكّدت مشاركة هذين البلدين في ورشة البحرين على مستوى وكلاء وزارة المالية. إلا أنّ الناطق الرسمي باسم الخارجية الأردنية سفيان القضاة، شدد على «موقف الأردن الراسخ الواضح أنْ لا طرح اقتصادياً يمكن أن يكون بديلاً لحل سياسي يُنهي الاحتلال ويلبّي جميع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق».

- تشديد سعودي على إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس
ويرأس الوفد السعودي في المؤتمر وزير المالية محمد بن عبد الله الجدعان. وذكرت وكالة الأنباء السعودية أن الوفد يضم في عضويته كلاً من وزير الدولة عضو مجلس الوزراء محمد آل الشيخ، ومحافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان. وأوضحت الوكالة أن المشاركة السعودية في هذه الورشة تأتي استمراراً لمواقفها الثابتة ودعمها المستمر للقضية الفلسطينية ومساندتها للشعب الفلسطيني، لتحقيق ما يضمن له الاستقرار والنمو والعيش الكريم.
كما جددت السعودية تأكيد موقفها الراسخ تجاه القضية الفلسطينية وحلها وفق مبادرة السلام العربية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ودعت لأن تتشارك الجهود الدولية لتحقيق السلام العادل والشامل. وأكدت دعمها لجميع الجهود الدولية التي تهدف إلى ازدهار المنطقة وإيجاد بيئة جاذبة للاستثمار وتعزيز فرص النمو الاقتصادي.
بدورها، رحّبت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، في بيان، بالمؤتمر، مؤكّدة أنها تؤكد «موقفها السياسي بشأن قيام دولة فلسطينية مستقلّة عاصمتها القدس الشرقية».
كما تشارك مصر والمغرب في الورشة، وتشارك الأمم المتحدة بنائب منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط جيمي ماكغولدريك، لحضور الورشة.

- شكوك حول فرص النجاح
ورغم التفاؤل الذي أبداه كوشنر في تصريحات سبقت الورشة، فإن مقاطعة المسؤولين الفلسطينيين وغالبية رجال الأعمال الفلسطينيين لها تهدد فرص تنفيذها، إذ إن إدارة ترمب تريد من الخطة «رؤية» يُنفّذها الفلسطينيون بدعم دولي. وبدا كوشنر مدركاً للتحدي الكبير أمام هذه «الرؤية الاقتصادية» كما يصفها، وقال إن الهدف من ورشة المنامة هو مناقشة الخطة الاقتصادية مع كبار المستثمرين وبنوك التنمية، للوصول إلى رسم خطة تُنفّذ عندما يتم التوصل إلى اتفاق سلام. وشدد في تصريحات صحافية قبل يومين على أنه «لا يمكن أن يطبَّق أيٌّ من هذا (الجانب الاقتصادي) من دون اتفاق سلام».
وتواجه خطة كوشنر تحديات كبيرة وانتقادات أميركية وفلسطينية ودولية لما يعتبره كثيرون استحالة تحقيق الازدهار الاقتصادي قبل الوصول إلى تسوية سياسية. وعمدت الإدارة الأميركية إلى اقتراح الجانب الاقتصادي قبل السياسي، في محاولة منها لتفادي فشل الجهود الأميركية السابقة التي لطالما اصطدمت بالتحديات السياسية المعقدة. وتفادت الخطة وضع الاقتصاد الفلسطيني في سياقه السياسي، ولم تستخدم عبارات «الاحتلال» و«نقاط التفتيش» و«المستوطنات» و«دولة فلسطين». لكنها أشارت ضمناً إلى التحديات التي يواجهها الفلسطينيون بشكل يومي تحت الاحتلال، واستخدمت عبارات مثل أن «الفلسطينيين يواجهون تحديات لوجيستية في الضفة الغربية وغزة بشكل روتيني، (ما) يُعثّر التنقل، ويؤدي إلى ركود اقتصادي، وتقليص الصادرات، وترهيب الاستثمار الأجنبي المباشر».
إلى ذلك، أشار كثيرون إلى التباين بين تعليق واشنطن تمويل برامج مساعدات وإلغاء جزء من تمويل وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا) من جهة، وإطلاق برنامج اقتصادي بمليارات الدولارات يستهدف نفس القطاعات التي كانت تدعمها واشنطن في السابق. وقال دانيال شابيرو، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل (2011 - 2017)، على «تويتر» الأسبوع الماضي إن «إدارة ترمب أنهت برامج المساعدات التي تدعم كل أهداف هذه الخطة الفلسطينية الاقتصادية، وهي الآن تدفع آخرين للاستثمار حيث سحبنا استثماراتنا». وأضاف في تغريدة أخرى: «إنْ أمضيتم بعض الوقت على الأرض، ستدركون أنه لا يمكن الفصل بين قضايا الفلسطينيين الاقتصادية والقضايا السياسية أو الأمنية»، مشيراً إلى أنه ينبغي أن يحل الإسرائيليون والفلسطينيون هذه القضايا «كحزمة واحدة».
من جهته، أشار جويل برونولد المدير التنفيذي لمؤسسة «تحالف السلام في الشرق الأوسط» إلى أن «بعض الصور المستخدمة في وثيقة الخطة الاقتصادية، هي من برامج كانت تدعمها المساعدات الأميركية قبل أن تعلقها إدارة الرئيس ترمب. وأوضح في تصريحات عبر البريد الإلكتروني لـ«الشرق الأوسط» أن الكثير من البرامج المقترحة في الخطة الأميركية كانت تدعمها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بما يشمل برامج المياه الصالحة للشرب وبناء مدارس جديدة، وبرامج النقل وغيرها.
ورداً على سؤال حول: ما احتمال تجاوب مجتمع الأعمال الفلسطيني مع خطة كوشنر؟ قال برونولد: «أعتقد أن ذلك أمر مشكوك فيه. من دون أفق سياسي لا أستطيع القول إنهم سيوافقون عليها. أعلم أن الجانب السياسي للصفقة من المفترض أن يُعلن، لكن من المستحيل الحكم على ما إذا كان الناس (رجال الأعمال الفلسطينيون) سيُقبلون على هذا الجزء من دون الجزء السياسي».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.