وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

اختلفا حول استراتيجية تنفيذ «بريكست» في موعده

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية
TT

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

ليس غريباً أن تتسارع الأحداث، وتزاحم الوعود الحقائق في السباقات الانتخابية، كما لا يُستغرب أن ينتقد المتسابقون بعضهم بعضاً، وأن يبحثوا في أخطاء الماضي لتسجيل نقاط على خصومهم. لكن العجلة السياسية سارت بسرعة أكبر من المعتاد هذه المرّة في سباق محتدم لخلافة رئيسة الوزراء المستقيلة تيريزا ماي، بدأ قبل 10 أيام بـ10 مرشحين محافظين، وانتهى، أول من أمس، باثنين فقط.
شهدت الجولة الأولى من الاقتراع فضائح كشفت عن تستّر بعض أبرز المرشحين على تعاطي مواد مخدرة من الكوكايين إلى الأفيون إلى الحشيش، ومحاولة لمعاقبة المرشح الأوفر حظاً على إدلائه بتصريحات اعتُبِرت «مضللة» في حملة استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) 2016.
وبعد أن حصر 313 نائباً محافظاً السباق بين وزيري الخارجية السابق بوريس جونسون والحالي جيريمي هنت، تنتقل المعركة إلى أيادي 160 ألف عضو في حزب المحافظين، لتكون المرة الأولى التي تختار فيها القاعدة الشعبية لأحد الحزبين الأساسيين رئيس الوزراء البريطاني.
أجمع الإعلام البريطاني، أمس، على كلمة واحدة لوصف نتيجة التصويت الذي حسم هوية منافس جونسون الأساسي: «انتقام». وفيما سُمعت أصوات دهشة داخل ردهة البرلمان بعد إقصاء وزير البيئة وخصم جونسون اللدود مايكل غوف لصالح هنت، بدأ بعض المحللين يتحدثون عن مناورة سياسية محتملة قام بها جونسون لإزاحة مرشح يهدد فرصه في الفوز برئاسة الوزراء. وعنونت صحيفة «ذي تايمز» البريطانية على صدر صفحتها الأولى «معركة قذرة لـ(الفوز) برقم 10»، في إشارة إلى عنوان مقر رئاسة الوزراء «10 داونينغ ستريت». ونقلت عن أحد أنصار جونسون قوله إن معسكر وزير الخارجية السابق «انتقم» من غوف الذي تخلّى عن دعمه لخلافة ديفيد كاميرون قبل 3 سنوات، وأطلق حملته الخاصة، ما دفع جونسون إلى الانسحاب. بينما نقلت عن نائب من معسكر منافس لجونسون لم تُعرّفه أن نواباً داعمين له هددوا وزراء بفقدان مناصبهم في حكومة قد يفوز برئاستها. ونفت حملة جونسون هذه المزاعم، ووصفتها بـ«كلام فارغ».
في المقابل، حذّر هنت من الاستهانة به وقدراته على توحيد حزب المحافظين المنقسم. وبينما اعترف وزير الخارجية بأن حظوظه تظل أقل من منافسه في الوقت الحالي، فإن «السياسة مليئة بالمفاجآت... سنقدم لبوريس معركة حياته».
وفاز جونسون وهنت بالمرحلة الأولى من السباق، بعد إقصاء غوف المعروف بحنكته السياسية، ووزير الداخلية ساجيد جاويد المتميز بأصوله المهاجرة المسلمة. وحافظ جونسون على صدارته منذ انطلاق جولات التصويت، بل عززها، فيما حسّن هنت أداءه جولة عن أخرى. وفاز جونسون في الجولة الأخيرة من التصويت بـ160 صوتاً، مقابل 77 لهنت.
- القاعدة المحافظة وجاذبية «بوجو»
بدأ «بوجو» كما يُلقّب أحيانا حملة انتخابه رئيساً للحكومة في وقت مبكّر، يحدده البعض في تاريخ استقالته احتجاجاً على استراتيجية ماي التفاوضية مع المفوضية الأوروبية ببروكسل في يوليو (تموز) 2018، فيما يعيده البعض إلى بداية حياته السياسية.
وركز جونسون منذ أشهر رسائله السياسية لاستقطاب القاعدة المحافظة، ونجح في تصوير نفسه لدى النواب المحافظين كـ «أمل بريكست الأخير»، والسياسي الوحيد القادر على تنفيذ وعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بشروط تضعها لندن، لا بروكسل. ويُعدّ النائب دانييل كازينسكي بين هؤلاء، ويرى في جونسون رئيس الحكومة المثالي لاحترام موعد «بريكست» المحدّد في أكتوبر (تشرين الأول) وتوحيد حزب منقسم. ويقول كازينسكي في إحدى تغريداته: «وحده جونسون قادر على توحيد الحزب، وعلى الفوز في الانتخابات العامة المقبلة»، وأضاف في أخرى: «سيحقق لبريطانيا إنجازات كبيرة كما فعل خلال 8 سنوات من رئاسته بلدية لندن. كلّي ثقة في هذا الرجل ورؤيته ومثابرته».
وعلى غرار كازينسكي، يرى عدد من النواب أن جونسون وحده قادر على كسب ودّ القاعدة المحافظة، وبالتالي الحفاظ على مقاعدهم النيابية في مواجهة حزب حديث العهد يُدعى حزب «بريكست»، يقوده السياسي الشعبوي الصاعد نايجل فاراج، الذي أطلق حملة صريحة لاستمالة جزء من الناخبين المحافظين.
وللمرة الأولى في تاريخ بريطانيا الحديث، يقرر أعضاء الحزب الحاكم هوية رئيس الوزراء المقبل. ويستعد كل من جونسون وهنت لإطلاق حملة انتخابية تستمر شهراً كاملاً عبر البلاد لإقناع 160 ألف مواطن عضو في حزب المحافظين.
وتُعدّ هذه العيّنة من الناخبين أكبر من متوسط أعمار إجمالي الناخبين وأغنى منهم. وفي الوقت الذي يُروّج عنها دعمها لإعادة العمل بعقوبة الإعدام، والخروج من بريطانيا دون اتفاق، وتشديد قواعد الهجرة، فإن حقيقة مواقفهم قد تكون مختلفة مع تغيّر الديمغرافية العامة واهتمام الشباب المتزايد بالحياة السياسية، وانضمام آلاف الأعضاء الجدد من اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية يحملون هموماً متباينة، ويسعون لحماية مصالح مختلفة.
- «بريكست»... القضية الفصل
لا شك أن قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هي القضية المهيمنة والفاصلة في السباق على رئاسة الحكومة. ويستغل هنت ذلك لمهاجمة سلفه في وزارة الخارجية على تصريحاته المضللة السابقة وتمسّكه بتنفيذ «بريكست» بحلول 31 أكتوبر (تشرين الأول) دون اتفاق إن لزم الأمر، رغم تحذيرات البنك المركزي ووزير الخزانة من التداعيات الكارثية لهذا السيناريو.
أما جونسون، فلن يتردد في تذكير أنصاره بأن منافسه كان من داعمي البقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016. إلى جانب رئيسي الحكومة السابقين ديفيد كاميرون وتيريزا ماي. ويقول هنت إنه غيّر موقفه احتراماً للإرادة العامة و«بسبب ما شهده من غطرسة مخيّبة للآمال» في سلوك الاتحاد الأوروبي أثناء المفاوضات.
وفي صفعة لموقف جونسون، أكد حاكم «بنك إنجلترا» مارك كارني أن بريكست دون اتفاق سيؤدي إلى فرض رسوم جمركية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وكان جونسون قد ذكر خلال مناظرة تلفزيونية نظمتها «هيئة الإذاعة البريطانية»، هذا الأسبوع، أن خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر دون اتفاق «لن يؤدي إلى فرض رسوم جمركية جديدة على الفور». وقال: «لن تكون هناك رسوم جمركية، لن تكون هناك حصص، لأن ما نريده هو الحصول على تجميد الاتفاقات الحالية (غات 24) حتى التفاوض على اتفاق تبادل حر».
ويشير نظام «غات 24»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى بند ضمن اتفاقية «غات»، أي الاتفاقية العامة حول الرسوم الجمركية والتجارة التي انبثقت عنها منظمة التجارة العالمية. ويقول أنصار خروج دون اتفاق إن هذا البند يتيح للمملكة المتحدة الحفاظ على الشروط الحالية للتجارة مع الاتحاد الأوروبي لمدة عشر سنوات، في انتظار اتفاق الطرفين على اتفاق تجاري.
لكن حاكم البنك المركزي ناقض ذلك بشدة، وأوضح أمس أن «قواعد (غات) واضحة، وكان وزير التجارة الدولية ليام فوكس قدم شهادته حول الموضوع في البرلمان، بل إني تحدثت في الأمر شخصياً مع المدير العام لمنظمة التجارة العالمية. (غات 24) يُطبق في حال وجود اتفاق، لكن لا ينطبق إذا قررتم الخروج من دون اتفاق أو لم تنجحوا في إبرام اتفاق».
- السياسة الخارجية
كقاعدة عامة، تأتي السياسة الخارجية في المرتبة الثالثة أو الرابعة في اختيار الناخبين لممثليهم ورؤساء حكومتهم، ولا يشكل السباق المحافظ استثناءً. فبعد قضية «بريكست»، يُرجّح أن يُقيّم أعضاء حزب المحافظين المرشحين المتبقيين على وعودهما الضريبية، ثم قضايا الهجرة والأمن، ثم السياسة الخارجية مع اختلاف الترتيب نسبياً، وفق الفئات العمرية والمناطق الجغرافية.
وفيما يفتخر جونسون بأدائه الجيد رئيساً لبلدية لندن، خصوصاً على مستوى الأمن والنقل والسكن، فإنه يواجه تحديات فيما يتعلق بسجله كوزير للخارجية المليء بالزلات الدبلوماسية والمزحات المستفزة أحياناً. وكان أسوأ خطأ اقترفه جونسون بحق السجينة نزانين زغاري رادكليف، حاملة الجنسيتين الإيرانية والبريطانية، التي اعتقلتها إيران بتهمة العمل لصالح حكومة أجنبية لإسقاط النظام. وناقض جونسون علناً عائلة رادكليف التي أكدت أنها ذهبت لطهران في زيارة عائلية، بعدما قال إنها كانت تدرب صحافيين في إيران قبل اعتقالها. ونفت عائلة نزانين ذلك بشدة، وعبرت عن غضبها وخشيتها من أن تصريحه أثر سلباً على قضيتها وأطال فترة سجنها.
كما واجه جونسون وابل انتقادات من داخل حزبه وخارجه، بعدما وصف المنقّبات بـ«صناديق البريد أو لصوص البنوك»، في مقال رأي. ورغم أن هذا الوصف جاء في سياق مقال يعارض حظر النقاب، فإن الانتقادات ربطت بين حديث جونسون وظاهرة التخوف من الإسلام (إسلاموفوبيا). ولاحقت هذه التصريحات جونسون في المناظرة التلفزيونية هذا الأسبوع، وقدم اعتذاره لما تسبب به من ضرر.
من جهته، وصف المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتهام هاوس» جونسون وزير الخارجية البريطاني «الأقل نجاحاً» منذ الحرب العالمية الثانية. وقال المركز: «كان جونسون يطلق تعبيرات متذاكية في الأوقات التي كانت الحاجة فيها للهيبة والعناية بالتفاصيل».
في المقابل، يحظى جونسون بعلاقة «صداقة» قوية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي لم يُخف إعجابه به. ويستغل جونسون هذه العلاقة في حملته الانتخابية، معتبراً أنها تعزز حظوظ إبرام اتفاق تجارة حرة مع واشنطن بعد «بريكست».
جونسون... الصحافي الذي يطمح في العودة إلى بروكسل رئيس حكومة
عزز بوريس جونسون، وزير الخارجية والصحافي السابق، مكانته كأبرز سياسي في حزب المحافظين، والأوفر حظاً للفوز برئاسة الحكومة البريطانية.
وبعد أن عمل لسنوات عدة مراسلاً في مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل، يطمح بوريس جونسون في العودة للعاصمة البلجيكية رئيساً لحكومة بلاده ليتفاوض على «بريكست». وذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» نقلاً عن زملاء سابقين لجونسون خلال سنواته «الصحافية» في بروكسل أنه لم يترك ذكرى جيدة خلال عمله في أروقة المقر الرئيس للاتحاد الأوروبي. ونقلت عمّن عاصروه في تلك الفترة أنه جسّد الشخص الوصولي الذي بنى رصيده على نقل الأخبار المُحرّفة، قبل أن يعود إلى بلاده بطموح سياسي كبير. تلقى جونسون تعليمه في كلية «إيتون» العريقة وجامعة «أكسفورد». وعمل في البداية صحافيّاً في «ذي تايمز»، لكنه أقيل لفبركته أخباراً، ثم انتقل للعمل مراسلاً لدى «ذي دايلي تلغراف» في بروكسل.
وانتُخِب لتولي مقعد في البرلمان البريطاني عام 2001. وأقيل من منصبه متحدثاً عن الفنون للمحافظين بعد اتهامه بالكذب بشأن علاقة أقامها خارج إطار الزواج. لكنه عاد في عام 2008 وانتخب رئيس بلدية العاصمة لندن التي تميل عادة لانتخاب حزب العمال فيما شكل فوزاً كبيراً لحزب المحافظين. وأُعيد انتخابه في عام 2012. وأشرف على تنظيم دورة الألعاب الأولمبية في العام ذاته.
وأشار جونسون مراراً إلى تجربته كرئيس بلدية للتأكيد على أنه ينفّذ وعوده، مشدداً في هذا السياق على تراجع نسب الجريمة وزيادة مشاريع بناء المساكن والعمل الذي قام به مع الشركات التجارية. لكن معارضيه يشيرون في الوقت ذاته إلى المشاريع باهظة التكلفة التي انخرط فيها، على غرار «جسر الحديقة» الذي لم يُنفّذ، دليلاً على أن أحلامه الكبيرة لا تُترجم دائماً إلى إدارة حكيمة. وعاد إلى البرلمان في عام 2015 نائباً عن ضاحية في شمال غربي لندن، متعهداً بمعارضة مشروع توسعة مطار «هيثرو». لكن عندما كان وزيراً للخارجية، تغيّب عن جلسة تصويت مهمة في البرلمان تتعلق بهذا المشروع، بعدما رتّب زيارة على عجل إلى أفغانستان. وما زال يتفادى تقديم موقف واضح من هذا المشروع.
ويُنظر إلى قرار ماي تعيينه في وزارة الخارجية على أنه خطوة «ماكرة» بعدما تولت السلطة، لإبقائه قريباً منها.
ويقول بيار سلال، المندوب الدائم السابق لفرنسا لدى الاتحاد الأوروبي، عن جونسون الذي عرفه منذ كان الأخير مراسلاً لصحيفة «ذي دايلي تلغراف» في بروكسل، ثم وزيراً للخارجية: «هناك من يعتقدون أن المنصب قد يغير الشخص»، وأن جونسون قد يتغير بعد تسلُّم مسؤولياته رئيساً للحكومة. وأضاف سلال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وهناك أيضاً الذين يعتبرون أن شخصيته ستبقى هي نفسها، خاصة أن تسلمه وزارة الخارجية لم يغير كثيراً من تصرفاته». وقال هذا الدبلوماسي أيضاً: «أعتقد أننا سنعرف الجواب سريعاً جدّاً». وفي حال صدقت التوقعات وخلف جونسون تيريزا ماي في رئاسة الحكومة البريطانية، فسيطالب كما وعد بالعمل على إدخال تعديلات كبيرة على اتفاق الخروج الذي توصلت إليه ماي مع بروكسل. وبما أن جواب الاتحاد الأوروبي المتوقع سيكون بالرفض، فسيتجه جونسون نحو الانفصال من دون اتفاق.
من جهته، عرف باسكال لامي، المدير السابق لمنظمة التجارة العالمية ورئيس مكتب رئيس المفوضية الأوروبية في التسعينات جاك دولور، عائلة بوريس جونسون منذ فترة طفولة الأخير التي أمضاها في العاصمة البلجيكية. ويعتبر لامي أن موقف بوريس جونسون الداعم بقوة لـ«بريكست» نابع من حسابات لها علاقة بطموحاته الشخصية، أكثر مما هي عائدة لقناعاته الفعلية. وقال لامي: «لا أعتقد أن لديه موقفا متبلوراً من بريكست (...) الشيء الوحيد الذي يؤمن به بوريس جونسون هو بوريس جونسون». وأضاف أنه في حال خلف بوريس جونسون تيريزا ماي «وبعد وصوله إلى (10 داونينغ ستريت)، فإن هدفه المقبل سيكون العمل للبقاء. وبعد ذلك فإن الاستراتيجية الوحيدة التي ستسيره هي التي تتيح له البقاء رئيساً للحكومة». وتابع لامي: «وعندما سيُقال له في بروكسل إن اتفاق الانسحاب غير قابل لإعادة التفاوض، فسيعود إلى بلاده ليقول للطبقة السياسية هناك: «اسمعوا يا أصدقائي، لا بد من اتخاذ قرار، والقرار لكم».
ولطالما كان ألكسندر بوريس دو فيفل جونسون الذي وُلِد في نيويورك عام 1964 شخصاً طموحاً. وتؤكد شقيقته رايتشل أنه كان يطمح ليصبح «ملك العالم».
 هنت... التكنوقراط الذي يطرق أبواب «داونينغ ستريت»
لا يفرض جيريمي هنت نفسه بوصفه المرشح المفضّل لزعامة حزب المحافظين في فترة تعاني فيها البلاد من انقسام شديد إزاء «بريكست»، إذ يُنظر إليه التكنوقراط الوسطي المعتدل ذو المسيرة السياسية المتعثرة. فبعد أن قوبل أداؤه على رأس وزارة الصحة بكثير من الانتقادات، فشلت مساعيه الأولى لترؤس حزبه بعد استفتاء 2016 في مرحلة مبكرة من السباق لخلافة ديفيد كاميرون والوصول إلى «10 داونينغ ستريت».
لكن هنت فاجأ النخبة السياسية بتغلبه على مايكل غوف ولو بصوتين اثنين، أول من أمس (الخميس)، ومنافسته سلفه في وزارة الخارجية بوريس جونسون. ويُقدّم هنت نفسه للقاعدة المحافظة التي ستحدد مصيره السياسي خلال أسابيع كرئيس الحكومة الوحيد القادر على إبرام اتفاق جيد مع الاتحاد الأوروبي وتفادي سيناريو «بريكست دون اتفاق»، كما يصف نفسه بـ«المُصلح الاجتماعي»، الذي سيحسّن ظروف رعاية المسنّين، والمستثمر الناجح الذي سيحقق الازدهار الاقتصادي، فضلا عن السياسي الذي سيعيد لبريطانيا مكانتها في العالم عبر مواقف خارجية حازمة.
وبرز نجم هنت كوزير خارجية خلال الأشهر الماضية، استعرض خلالها قدرته على تمثيل بريطانيا بشكل جيد على الساحة الدولية، لا سيما بعد أزمة بلاده مع روسيا. وأبرز هنت حزماً أشاد به سياسيون غربيون في رده على الهجوم بغاز الأعصاب، الذي استهدف عميلاً روسياً مزدوجاً سابقاً، وابنته في أحد شوارع مدينة سالزبري البريطانية.
وبدأ هنت، الذي وُلد في عام 1966، في العاصمة البريطانية، حياته المهنية بعيداً عن السياسة. فبعدما تخرج في جامعة أكسفورد (كلية مودلين) بشهادة علوم سياسية واقتصاد وفلسفة، عمل مع إحدى الشركات التي تقدم استشارات استراتيجية لمدة سنتين، قبل أن يقرر السفر إلى اليابان والعمل مدرّس لغة إنجليزية. وبعد العودة إلى بريطانيا، جرب هنت حظه في مشروعات استثمارية باءت كلها بالفشل. ثم انتقل إلى مشروع جديد متعلق بتقنية المعلومات، تشارك فيه مع أحد أصدقاء طفولته في عام 1991. وباع رصيده منه إلى جهة أسترالية، محققا ربحاً قدّر بـ14 مليون جنيه إسترليني.
وعاد هنت في بداية الألفية إلى الاهتمام بالسياسة، وانتخب نائباً عن دائرة جنوب غربي سري (في الريف جنوبي لندن) في الانتخابات العامة لعام 2005. ودعم هنت حملة ديفيد كاميرون لترؤس حزب المحافظين، وكوفئ بتعيينه وزير ظل لشؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، ليعيّن بعد سنتين من ذلك وزير ظل للثقافة والإعلام والرياضة.
وفي الحكومة الائتلافية التي شكلها كاميرون، بالتحالف مع حزب «الديمقراطيين الأحرار» في انتخابات 2010. تولى هنت رسمياً حقيبة الثقافة والإعلام والرياضة، وأُضيف إليها إدارة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها لندن في 2012، ثم أُسنِدت إليه حقيبة وزارة الصحة في العام نفسه، ولقد احتفظ بها في حكومتي كاميرون وماي، حتى تاريخ تعيينه وزيراً للخارجية خلفاً لبوريس جونسون في الخارجية يوم 9 يوليو (تموز) الحالي.
عقب تقديم كاميرون استقالته في 2016. بعدما صوّت غالبية البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، طُرح اسم هنت لقيادة حزب المحافظين، إلا أنه لم يحظَ بالدعم الكافي. وكانت استقالة رئيس الوزراء كاميرون قد تزامنت آنذاك مع فضيحة إضراب الأطباء، الذي كان الأول من نوعه منذ 40 سنة. كما أن دعم هنت العلني للبقاء في الاتحاد الأوروبي حال دون اعتباره مرشحاً توافقياً في بيئة محافظة منقسمة على نفسها، شريحة واسعة منها متحمسة لتنفيذ رغبة الشعب البريطاني بالخروج.
في المقابل، واجه هنت سلسلة انتقادات قاسية، واتهامات باستغلاله مناصبه السياسية لتحقيق مكاسب مالية أو شخصية. وفي أبريل (نيسان) الماضي، اضطر إلى تقديم اعتذار لتخلفه عن الكشف عن امتلاكه مجموعة من الشقق الفاخرة. ويومذاك أرجع هنت الأمر إلى «خطأ إداري». إلى ذلك، واجه أداء هنت في وزارة الصحة انتقادات حادة، أهمها الحاجة الماسة إلى أعداد المزيد من الأطباء والممرضات، وتردي مستويات الرعاية الصحية المتاحة لكبار السن، وارتفاع معدل الانتظار لتلقي العلاج.
وتسلم هنت بعد ذلك حقيبة الخارجية، التي أبدى فيها نشاطاً بارزاً ولا يزال يشغل مهامها اليوم.



هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.