وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

اختلفا حول استراتيجية تنفيذ «بريكست» في موعده

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية
TT

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

ليس غريباً أن تتسارع الأحداث، وتزاحم الوعود الحقائق في السباقات الانتخابية، كما لا يُستغرب أن ينتقد المتسابقون بعضهم بعضاً، وأن يبحثوا في أخطاء الماضي لتسجيل نقاط على خصومهم. لكن العجلة السياسية سارت بسرعة أكبر من المعتاد هذه المرّة في سباق محتدم لخلافة رئيسة الوزراء المستقيلة تيريزا ماي، بدأ قبل 10 أيام بـ10 مرشحين محافظين، وانتهى، أول من أمس، باثنين فقط.
شهدت الجولة الأولى من الاقتراع فضائح كشفت عن تستّر بعض أبرز المرشحين على تعاطي مواد مخدرة من الكوكايين إلى الأفيون إلى الحشيش، ومحاولة لمعاقبة المرشح الأوفر حظاً على إدلائه بتصريحات اعتُبِرت «مضللة» في حملة استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) 2016.
وبعد أن حصر 313 نائباً محافظاً السباق بين وزيري الخارجية السابق بوريس جونسون والحالي جيريمي هنت، تنتقل المعركة إلى أيادي 160 ألف عضو في حزب المحافظين، لتكون المرة الأولى التي تختار فيها القاعدة الشعبية لأحد الحزبين الأساسيين رئيس الوزراء البريطاني.
أجمع الإعلام البريطاني، أمس، على كلمة واحدة لوصف نتيجة التصويت الذي حسم هوية منافس جونسون الأساسي: «انتقام». وفيما سُمعت أصوات دهشة داخل ردهة البرلمان بعد إقصاء وزير البيئة وخصم جونسون اللدود مايكل غوف لصالح هنت، بدأ بعض المحللين يتحدثون عن مناورة سياسية محتملة قام بها جونسون لإزاحة مرشح يهدد فرصه في الفوز برئاسة الوزراء. وعنونت صحيفة «ذي تايمز» البريطانية على صدر صفحتها الأولى «معركة قذرة لـ(الفوز) برقم 10»، في إشارة إلى عنوان مقر رئاسة الوزراء «10 داونينغ ستريت». ونقلت عن أحد أنصار جونسون قوله إن معسكر وزير الخارجية السابق «انتقم» من غوف الذي تخلّى عن دعمه لخلافة ديفيد كاميرون قبل 3 سنوات، وأطلق حملته الخاصة، ما دفع جونسون إلى الانسحاب. بينما نقلت عن نائب من معسكر منافس لجونسون لم تُعرّفه أن نواباً داعمين له هددوا وزراء بفقدان مناصبهم في حكومة قد يفوز برئاستها. ونفت حملة جونسون هذه المزاعم، ووصفتها بـ«كلام فارغ».
في المقابل، حذّر هنت من الاستهانة به وقدراته على توحيد حزب المحافظين المنقسم. وبينما اعترف وزير الخارجية بأن حظوظه تظل أقل من منافسه في الوقت الحالي، فإن «السياسة مليئة بالمفاجآت... سنقدم لبوريس معركة حياته».
وفاز جونسون وهنت بالمرحلة الأولى من السباق، بعد إقصاء غوف المعروف بحنكته السياسية، ووزير الداخلية ساجيد جاويد المتميز بأصوله المهاجرة المسلمة. وحافظ جونسون على صدارته منذ انطلاق جولات التصويت، بل عززها، فيما حسّن هنت أداءه جولة عن أخرى. وفاز جونسون في الجولة الأخيرة من التصويت بـ160 صوتاً، مقابل 77 لهنت.
- القاعدة المحافظة وجاذبية «بوجو»
بدأ «بوجو» كما يُلقّب أحيانا حملة انتخابه رئيساً للحكومة في وقت مبكّر، يحدده البعض في تاريخ استقالته احتجاجاً على استراتيجية ماي التفاوضية مع المفوضية الأوروبية ببروكسل في يوليو (تموز) 2018، فيما يعيده البعض إلى بداية حياته السياسية.
وركز جونسون منذ أشهر رسائله السياسية لاستقطاب القاعدة المحافظة، ونجح في تصوير نفسه لدى النواب المحافظين كـ «أمل بريكست الأخير»، والسياسي الوحيد القادر على تنفيذ وعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بشروط تضعها لندن، لا بروكسل. ويُعدّ النائب دانييل كازينسكي بين هؤلاء، ويرى في جونسون رئيس الحكومة المثالي لاحترام موعد «بريكست» المحدّد في أكتوبر (تشرين الأول) وتوحيد حزب منقسم. ويقول كازينسكي في إحدى تغريداته: «وحده جونسون قادر على توحيد الحزب، وعلى الفوز في الانتخابات العامة المقبلة»، وأضاف في أخرى: «سيحقق لبريطانيا إنجازات كبيرة كما فعل خلال 8 سنوات من رئاسته بلدية لندن. كلّي ثقة في هذا الرجل ورؤيته ومثابرته».
وعلى غرار كازينسكي، يرى عدد من النواب أن جونسون وحده قادر على كسب ودّ القاعدة المحافظة، وبالتالي الحفاظ على مقاعدهم النيابية في مواجهة حزب حديث العهد يُدعى حزب «بريكست»، يقوده السياسي الشعبوي الصاعد نايجل فاراج، الذي أطلق حملة صريحة لاستمالة جزء من الناخبين المحافظين.
وللمرة الأولى في تاريخ بريطانيا الحديث، يقرر أعضاء الحزب الحاكم هوية رئيس الوزراء المقبل. ويستعد كل من جونسون وهنت لإطلاق حملة انتخابية تستمر شهراً كاملاً عبر البلاد لإقناع 160 ألف مواطن عضو في حزب المحافظين.
وتُعدّ هذه العيّنة من الناخبين أكبر من متوسط أعمار إجمالي الناخبين وأغنى منهم. وفي الوقت الذي يُروّج عنها دعمها لإعادة العمل بعقوبة الإعدام، والخروج من بريطانيا دون اتفاق، وتشديد قواعد الهجرة، فإن حقيقة مواقفهم قد تكون مختلفة مع تغيّر الديمغرافية العامة واهتمام الشباب المتزايد بالحياة السياسية، وانضمام آلاف الأعضاء الجدد من اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية يحملون هموماً متباينة، ويسعون لحماية مصالح مختلفة.
- «بريكست»... القضية الفصل
لا شك أن قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هي القضية المهيمنة والفاصلة في السباق على رئاسة الحكومة. ويستغل هنت ذلك لمهاجمة سلفه في وزارة الخارجية على تصريحاته المضللة السابقة وتمسّكه بتنفيذ «بريكست» بحلول 31 أكتوبر (تشرين الأول) دون اتفاق إن لزم الأمر، رغم تحذيرات البنك المركزي ووزير الخزانة من التداعيات الكارثية لهذا السيناريو.
أما جونسون، فلن يتردد في تذكير أنصاره بأن منافسه كان من داعمي البقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016. إلى جانب رئيسي الحكومة السابقين ديفيد كاميرون وتيريزا ماي. ويقول هنت إنه غيّر موقفه احتراماً للإرادة العامة و«بسبب ما شهده من غطرسة مخيّبة للآمال» في سلوك الاتحاد الأوروبي أثناء المفاوضات.
وفي صفعة لموقف جونسون، أكد حاكم «بنك إنجلترا» مارك كارني أن بريكست دون اتفاق سيؤدي إلى فرض رسوم جمركية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وكان جونسون قد ذكر خلال مناظرة تلفزيونية نظمتها «هيئة الإذاعة البريطانية»، هذا الأسبوع، أن خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر دون اتفاق «لن يؤدي إلى فرض رسوم جمركية جديدة على الفور». وقال: «لن تكون هناك رسوم جمركية، لن تكون هناك حصص، لأن ما نريده هو الحصول على تجميد الاتفاقات الحالية (غات 24) حتى التفاوض على اتفاق تبادل حر».
ويشير نظام «غات 24»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى بند ضمن اتفاقية «غات»، أي الاتفاقية العامة حول الرسوم الجمركية والتجارة التي انبثقت عنها منظمة التجارة العالمية. ويقول أنصار خروج دون اتفاق إن هذا البند يتيح للمملكة المتحدة الحفاظ على الشروط الحالية للتجارة مع الاتحاد الأوروبي لمدة عشر سنوات، في انتظار اتفاق الطرفين على اتفاق تجاري.
لكن حاكم البنك المركزي ناقض ذلك بشدة، وأوضح أمس أن «قواعد (غات) واضحة، وكان وزير التجارة الدولية ليام فوكس قدم شهادته حول الموضوع في البرلمان، بل إني تحدثت في الأمر شخصياً مع المدير العام لمنظمة التجارة العالمية. (غات 24) يُطبق في حال وجود اتفاق، لكن لا ينطبق إذا قررتم الخروج من دون اتفاق أو لم تنجحوا في إبرام اتفاق».
- السياسة الخارجية
كقاعدة عامة، تأتي السياسة الخارجية في المرتبة الثالثة أو الرابعة في اختيار الناخبين لممثليهم ورؤساء حكومتهم، ولا يشكل السباق المحافظ استثناءً. فبعد قضية «بريكست»، يُرجّح أن يُقيّم أعضاء حزب المحافظين المرشحين المتبقيين على وعودهما الضريبية، ثم قضايا الهجرة والأمن، ثم السياسة الخارجية مع اختلاف الترتيب نسبياً، وفق الفئات العمرية والمناطق الجغرافية.
وفيما يفتخر جونسون بأدائه الجيد رئيساً لبلدية لندن، خصوصاً على مستوى الأمن والنقل والسكن، فإنه يواجه تحديات فيما يتعلق بسجله كوزير للخارجية المليء بالزلات الدبلوماسية والمزحات المستفزة أحياناً. وكان أسوأ خطأ اقترفه جونسون بحق السجينة نزانين زغاري رادكليف، حاملة الجنسيتين الإيرانية والبريطانية، التي اعتقلتها إيران بتهمة العمل لصالح حكومة أجنبية لإسقاط النظام. وناقض جونسون علناً عائلة رادكليف التي أكدت أنها ذهبت لطهران في زيارة عائلية، بعدما قال إنها كانت تدرب صحافيين في إيران قبل اعتقالها. ونفت عائلة نزانين ذلك بشدة، وعبرت عن غضبها وخشيتها من أن تصريحه أثر سلباً على قضيتها وأطال فترة سجنها.
كما واجه جونسون وابل انتقادات من داخل حزبه وخارجه، بعدما وصف المنقّبات بـ«صناديق البريد أو لصوص البنوك»، في مقال رأي. ورغم أن هذا الوصف جاء في سياق مقال يعارض حظر النقاب، فإن الانتقادات ربطت بين حديث جونسون وظاهرة التخوف من الإسلام (إسلاموفوبيا). ولاحقت هذه التصريحات جونسون في المناظرة التلفزيونية هذا الأسبوع، وقدم اعتذاره لما تسبب به من ضرر.
من جهته، وصف المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتهام هاوس» جونسون وزير الخارجية البريطاني «الأقل نجاحاً» منذ الحرب العالمية الثانية. وقال المركز: «كان جونسون يطلق تعبيرات متذاكية في الأوقات التي كانت الحاجة فيها للهيبة والعناية بالتفاصيل».
في المقابل، يحظى جونسون بعلاقة «صداقة» قوية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي لم يُخف إعجابه به. ويستغل جونسون هذه العلاقة في حملته الانتخابية، معتبراً أنها تعزز حظوظ إبرام اتفاق تجارة حرة مع واشنطن بعد «بريكست».
جونسون... الصحافي الذي يطمح في العودة إلى بروكسل رئيس حكومة
عزز بوريس جونسون، وزير الخارجية والصحافي السابق، مكانته كأبرز سياسي في حزب المحافظين، والأوفر حظاً للفوز برئاسة الحكومة البريطانية.
وبعد أن عمل لسنوات عدة مراسلاً في مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل، يطمح بوريس جونسون في العودة للعاصمة البلجيكية رئيساً لحكومة بلاده ليتفاوض على «بريكست». وذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» نقلاً عن زملاء سابقين لجونسون خلال سنواته «الصحافية» في بروكسل أنه لم يترك ذكرى جيدة خلال عمله في أروقة المقر الرئيس للاتحاد الأوروبي. ونقلت عمّن عاصروه في تلك الفترة أنه جسّد الشخص الوصولي الذي بنى رصيده على نقل الأخبار المُحرّفة، قبل أن يعود إلى بلاده بطموح سياسي كبير. تلقى جونسون تعليمه في كلية «إيتون» العريقة وجامعة «أكسفورد». وعمل في البداية صحافيّاً في «ذي تايمز»، لكنه أقيل لفبركته أخباراً، ثم انتقل للعمل مراسلاً لدى «ذي دايلي تلغراف» في بروكسل.
وانتُخِب لتولي مقعد في البرلمان البريطاني عام 2001. وأقيل من منصبه متحدثاً عن الفنون للمحافظين بعد اتهامه بالكذب بشأن علاقة أقامها خارج إطار الزواج. لكنه عاد في عام 2008 وانتخب رئيس بلدية العاصمة لندن التي تميل عادة لانتخاب حزب العمال فيما شكل فوزاً كبيراً لحزب المحافظين. وأُعيد انتخابه في عام 2012. وأشرف على تنظيم دورة الألعاب الأولمبية في العام ذاته.
وأشار جونسون مراراً إلى تجربته كرئيس بلدية للتأكيد على أنه ينفّذ وعوده، مشدداً في هذا السياق على تراجع نسب الجريمة وزيادة مشاريع بناء المساكن والعمل الذي قام به مع الشركات التجارية. لكن معارضيه يشيرون في الوقت ذاته إلى المشاريع باهظة التكلفة التي انخرط فيها، على غرار «جسر الحديقة» الذي لم يُنفّذ، دليلاً على أن أحلامه الكبيرة لا تُترجم دائماً إلى إدارة حكيمة. وعاد إلى البرلمان في عام 2015 نائباً عن ضاحية في شمال غربي لندن، متعهداً بمعارضة مشروع توسعة مطار «هيثرو». لكن عندما كان وزيراً للخارجية، تغيّب عن جلسة تصويت مهمة في البرلمان تتعلق بهذا المشروع، بعدما رتّب زيارة على عجل إلى أفغانستان. وما زال يتفادى تقديم موقف واضح من هذا المشروع.
ويُنظر إلى قرار ماي تعيينه في وزارة الخارجية على أنه خطوة «ماكرة» بعدما تولت السلطة، لإبقائه قريباً منها.
ويقول بيار سلال، المندوب الدائم السابق لفرنسا لدى الاتحاد الأوروبي، عن جونسون الذي عرفه منذ كان الأخير مراسلاً لصحيفة «ذي دايلي تلغراف» في بروكسل، ثم وزيراً للخارجية: «هناك من يعتقدون أن المنصب قد يغير الشخص»، وأن جونسون قد يتغير بعد تسلُّم مسؤولياته رئيساً للحكومة. وأضاف سلال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وهناك أيضاً الذين يعتبرون أن شخصيته ستبقى هي نفسها، خاصة أن تسلمه وزارة الخارجية لم يغير كثيراً من تصرفاته». وقال هذا الدبلوماسي أيضاً: «أعتقد أننا سنعرف الجواب سريعاً جدّاً». وفي حال صدقت التوقعات وخلف جونسون تيريزا ماي في رئاسة الحكومة البريطانية، فسيطالب كما وعد بالعمل على إدخال تعديلات كبيرة على اتفاق الخروج الذي توصلت إليه ماي مع بروكسل. وبما أن جواب الاتحاد الأوروبي المتوقع سيكون بالرفض، فسيتجه جونسون نحو الانفصال من دون اتفاق.
من جهته، عرف باسكال لامي، المدير السابق لمنظمة التجارة العالمية ورئيس مكتب رئيس المفوضية الأوروبية في التسعينات جاك دولور، عائلة بوريس جونسون منذ فترة طفولة الأخير التي أمضاها في العاصمة البلجيكية. ويعتبر لامي أن موقف بوريس جونسون الداعم بقوة لـ«بريكست» نابع من حسابات لها علاقة بطموحاته الشخصية، أكثر مما هي عائدة لقناعاته الفعلية. وقال لامي: «لا أعتقد أن لديه موقفا متبلوراً من بريكست (...) الشيء الوحيد الذي يؤمن به بوريس جونسون هو بوريس جونسون». وأضاف أنه في حال خلف بوريس جونسون تيريزا ماي «وبعد وصوله إلى (10 داونينغ ستريت)، فإن هدفه المقبل سيكون العمل للبقاء. وبعد ذلك فإن الاستراتيجية الوحيدة التي ستسيره هي التي تتيح له البقاء رئيساً للحكومة». وتابع لامي: «وعندما سيُقال له في بروكسل إن اتفاق الانسحاب غير قابل لإعادة التفاوض، فسيعود إلى بلاده ليقول للطبقة السياسية هناك: «اسمعوا يا أصدقائي، لا بد من اتخاذ قرار، والقرار لكم».
ولطالما كان ألكسندر بوريس دو فيفل جونسون الذي وُلِد في نيويورك عام 1964 شخصاً طموحاً. وتؤكد شقيقته رايتشل أنه كان يطمح ليصبح «ملك العالم».
 هنت... التكنوقراط الذي يطرق أبواب «داونينغ ستريت»
لا يفرض جيريمي هنت نفسه بوصفه المرشح المفضّل لزعامة حزب المحافظين في فترة تعاني فيها البلاد من انقسام شديد إزاء «بريكست»، إذ يُنظر إليه التكنوقراط الوسطي المعتدل ذو المسيرة السياسية المتعثرة. فبعد أن قوبل أداؤه على رأس وزارة الصحة بكثير من الانتقادات، فشلت مساعيه الأولى لترؤس حزبه بعد استفتاء 2016 في مرحلة مبكرة من السباق لخلافة ديفيد كاميرون والوصول إلى «10 داونينغ ستريت».
لكن هنت فاجأ النخبة السياسية بتغلبه على مايكل غوف ولو بصوتين اثنين، أول من أمس (الخميس)، ومنافسته سلفه في وزارة الخارجية بوريس جونسون. ويُقدّم هنت نفسه للقاعدة المحافظة التي ستحدد مصيره السياسي خلال أسابيع كرئيس الحكومة الوحيد القادر على إبرام اتفاق جيد مع الاتحاد الأوروبي وتفادي سيناريو «بريكست دون اتفاق»، كما يصف نفسه بـ«المُصلح الاجتماعي»، الذي سيحسّن ظروف رعاية المسنّين، والمستثمر الناجح الذي سيحقق الازدهار الاقتصادي، فضلا عن السياسي الذي سيعيد لبريطانيا مكانتها في العالم عبر مواقف خارجية حازمة.
وبرز نجم هنت كوزير خارجية خلال الأشهر الماضية، استعرض خلالها قدرته على تمثيل بريطانيا بشكل جيد على الساحة الدولية، لا سيما بعد أزمة بلاده مع روسيا. وأبرز هنت حزماً أشاد به سياسيون غربيون في رده على الهجوم بغاز الأعصاب، الذي استهدف عميلاً روسياً مزدوجاً سابقاً، وابنته في أحد شوارع مدينة سالزبري البريطانية.
وبدأ هنت، الذي وُلد في عام 1966، في العاصمة البريطانية، حياته المهنية بعيداً عن السياسة. فبعدما تخرج في جامعة أكسفورد (كلية مودلين) بشهادة علوم سياسية واقتصاد وفلسفة، عمل مع إحدى الشركات التي تقدم استشارات استراتيجية لمدة سنتين، قبل أن يقرر السفر إلى اليابان والعمل مدرّس لغة إنجليزية. وبعد العودة إلى بريطانيا، جرب هنت حظه في مشروعات استثمارية باءت كلها بالفشل. ثم انتقل إلى مشروع جديد متعلق بتقنية المعلومات، تشارك فيه مع أحد أصدقاء طفولته في عام 1991. وباع رصيده منه إلى جهة أسترالية، محققا ربحاً قدّر بـ14 مليون جنيه إسترليني.
وعاد هنت في بداية الألفية إلى الاهتمام بالسياسة، وانتخب نائباً عن دائرة جنوب غربي سري (في الريف جنوبي لندن) في الانتخابات العامة لعام 2005. ودعم هنت حملة ديفيد كاميرون لترؤس حزب المحافظين، وكوفئ بتعيينه وزير ظل لشؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، ليعيّن بعد سنتين من ذلك وزير ظل للثقافة والإعلام والرياضة.
وفي الحكومة الائتلافية التي شكلها كاميرون، بالتحالف مع حزب «الديمقراطيين الأحرار» في انتخابات 2010. تولى هنت رسمياً حقيبة الثقافة والإعلام والرياضة، وأُضيف إليها إدارة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها لندن في 2012، ثم أُسنِدت إليه حقيبة وزارة الصحة في العام نفسه، ولقد احتفظ بها في حكومتي كاميرون وماي، حتى تاريخ تعيينه وزيراً للخارجية خلفاً لبوريس جونسون في الخارجية يوم 9 يوليو (تموز) الحالي.
عقب تقديم كاميرون استقالته في 2016. بعدما صوّت غالبية البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، طُرح اسم هنت لقيادة حزب المحافظين، إلا أنه لم يحظَ بالدعم الكافي. وكانت استقالة رئيس الوزراء كاميرون قد تزامنت آنذاك مع فضيحة إضراب الأطباء، الذي كان الأول من نوعه منذ 40 سنة. كما أن دعم هنت العلني للبقاء في الاتحاد الأوروبي حال دون اعتباره مرشحاً توافقياً في بيئة محافظة منقسمة على نفسها، شريحة واسعة منها متحمسة لتنفيذ رغبة الشعب البريطاني بالخروج.
في المقابل، واجه هنت سلسلة انتقادات قاسية، واتهامات باستغلاله مناصبه السياسية لتحقيق مكاسب مالية أو شخصية. وفي أبريل (نيسان) الماضي، اضطر إلى تقديم اعتذار لتخلفه عن الكشف عن امتلاكه مجموعة من الشقق الفاخرة. ويومذاك أرجع هنت الأمر إلى «خطأ إداري». إلى ذلك، واجه أداء هنت في وزارة الصحة انتقادات حادة، أهمها الحاجة الماسة إلى أعداد المزيد من الأطباء والممرضات، وتردي مستويات الرعاية الصحية المتاحة لكبار السن، وارتفاع معدل الانتظار لتلقي العلاج.
وتسلم هنت بعد ذلك حقيبة الخارجية، التي أبدى فيها نشاطاً بارزاً ولا يزال يشغل مهامها اليوم.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.