وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

اختلفا حول استراتيجية تنفيذ «بريكست» في موعده

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية
TT

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

وزيرا خارجية يتنافسان على رئاسة الحكومة البريطانية

ليس غريباً أن تتسارع الأحداث، وتزاحم الوعود الحقائق في السباقات الانتخابية، كما لا يُستغرب أن ينتقد المتسابقون بعضهم بعضاً، وأن يبحثوا في أخطاء الماضي لتسجيل نقاط على خصومهم. لكن العجلة السياسية سارت بسرعة أكبر من المعتاد هذه المرّة في سباق محتدم لخلافة رئيسة الوزراء المستقيلة تيريزا ماي، بدأ قبل 10 أيام بـ10 مرشحين محافظين، وانتهى، أول من أمس، باثنين فقط.
شهدت الجولة الأولى من الاقتراع فضائح كشفت عن تستّر بعض أبرز المرشحين على تعاطي مواد مخدرة من الكوكايين إلى الأفيون إلى الحشيش، ومحاولة لمعاقبة المرشح الأوفر حظاً على إدلائه بتصريحات اعتُبِرت «مضللة» في حملة استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) 2016.
وبعد أن حصر 313 نائباً محافظاً السباق بين وزيري الخارجية السابق بوريس جونسون والحالي جيريمي هنت، تنتقل المعركة إلى أيادي 160 ألف عضو في حزب المحافظين، لتكون المرة الأولى التي تختار فيها القاعدة الشعبية لأحد الحزبين الأساسيين رئيس الوزراء البريطاني.
أجمع الإعلام البريطاني، أمس، على كلمة واحدة لوصف نتيجة التصويت الذي حسم هوية منافس جونسون الأساسي: «انتقام». وفيما سُمعت أصوات دهشة داخل ردهة البرلمان بعد إقصاء وزير البيئة وخصم جونسون اللدود مايكل غوف لصالح هنت، بدأ بعض المحللين يتحدثون عن مناورة سياسية محتملة قام بها جونسون لإزاحة مرشح يهدد فرصه في الفوز برئاسة الوزراء. وعنونت صحيفة «ذي تايمز» البريطانية على صدر صفحتها الأولى «معركة قذرة لـ(الفوز) برقم 10»، في إشارة إلى عنوان مقر رئاسة الوزراء «10 داونينغ ستريت». ونقلت عن أحد أنصار جونسون قوله إن معسكر وزير الخارجية السابق «انتقم» من غوف الذي تخلّى عن دعمه لخلافة ديفيد كاميرون قبل 3 سنوات، وأطلق حملته الخاصة، ما دفع جونسون إلى الانسحاب. بينما نقلت عن نائب من معسكر منافس لجونسون لم تُعرّفه أن نواباً داعمين له هددوا وزراء بفقدان مناصبهم في حكومة قد يفوز برئاستها. ونفت حملة جونسون هذه المزاعم، ووصفتها بـ«كلام فارغ».
في المقابل، حذّر هنت من الاستهانة به وقدراته على توحيد حزب المحافظين المنقسم. وبينما اعترف وزير الخارجية بأن حظوظه تظل أقل من منافسه في الوقت الحالي، فإن «السياسة مليئة بالمفاجآت... سنقدم لبوريس معركة حياته».
وفاز جونسون وهنت بالمرحلة الأولى من السباق، بعد إقصاء غوف المعروف بحنكته السياسية، ووزير الداخلية ساجيد جاويد المتميز بأصوله المهاجرة المسلمة. وحافظ جونسون على صدارته منذ انطلاق جولات التصويت، بل عززها، فيما حسّن هنت أداءه جولة عن أخرى. وفاز جونسون في الجولة الأخيرة من التصويت بـ160 صوتاً، مقابل 77 لهنت.
- القاعدة المحافظة وجاذبية «بوجو»
بدأ «بوجو» كما يُلقّب أحيانا حملة انتخابه رئيساً للحكومة في وقت مبكّر، يحدده البعض في تاريخ استقالته احتجاجاً على استراتيجية ماي التفاوضية مع المفوضية الأوروبية ببروكسل في يوليو (تموز) 2018، فيما يعيده البعض إلى بداية حياته السياسية.
وركز جونسون منذ أشهر رسائله السياسية لاستقطاب القاعدة المحافظة، ونجح في تصوير نفسه لدى النواب المحافظين كـ «أمل بريكست الأخير»، والسياسي الوحيد القادر على تنفيذ وعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بشروط تضعها لندن، لا بروكسل. ويُعدّ النائب دانييل كازينسكي بين هؤلاء، ويرى في جونسون رئيس الحكومة المثالي لاحترام موعد «بريكست» المحدّد في أكتوبر (تشرين الأول) وتوحيد حزب منقسم. ويقول كازينسكي في إحدى تغريداته: «وحده جونسون قادر على توحيد الحزب، وعلى الفوز في الانتخابات العامة المقبلة»، وأضاف في أخرى: «سيحقق لبريطانيا إنجازات كبيرة كما فعل خلال 8 سنوات من رئاسته بلدية لندن. كلّي ثقة في هذا الرجل ورؤيته ومثابرته».
وعلى غرار كازينسكي، يرى عدد من النواب أن جونسون وحده قادر على كسب ودّ القاعدة المحافظة، وبالتالي الحفاظ على مقاعدهم النيابية في مواجهة حزب حديث العهد يُدعى حزب «بريكست»، يقوده السياسي الشعبوي الصاعد نايجل فاراج، الذي أطلق حملة صريحة لاستمالة جزء من الناخبين المحافظين.
وللمرة الأولى في تاريخ بريطانيا الحديث، يقرر أعضاء الحزب الحاكم هوية رئيس الوزراء المقبل. ويستعد كل من جونسون وهنت لإطلاق حملة انتخابية تستمر شهراً كاملاً عبر البلاد لإقناع 160 ألف مواطن عضو في حزب المحافظين.
وتُعدّ هذه العيّنة من الناخبين أكبر من متوسط أعمار إجمالي الناخبين وأغنى منهم. وفي الوقت الذي يُروّج عنها دعمها لإعادة العمل بعقوبة الإعدام، والخروج من بريطانيا دون اتفاق، وتشديد قواعد الهجرة، فإن حقيقة مواقفهم قد تكون مختلفة مع تغيّر الديمغرافية العامة واهتمام الشباب المتزايد بالحياة السياسية، وانضمام آلاف الأعضاء الجدد من اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية يحملون هموماً متباينة، ويسعون لحماية مصالح مختلفة.
- «بريكست»... القضية الفصل
لا شك أن قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هي القضية المهيمنة والفاصلة في السباق على رئاسة الحكومة. ويستغل هنت ذلك لمهاجمة سلفه في وزارة الخارجية على تصريحاته المضللة السابقة وتمسّكه بتنفيذ «بريكست» بحلول 31 أكتوبر (تشرين الأول) دون اتفاق إن لزم الأمر، رغم تحذيرات البنك المركزي ووزير الخزانة من التداعيات الكارثية لهذا السيناريو.
أما جونسون، فلن يتردد في تذكير أنصاره بأن منافسه كان من داعمي البقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016. إلى جانب رئيسي الحكومة السابقين ديفيد كاميرون وتيريزا ماي. ويقول هنت إنه غيّر موقفه احتراماً للإرادة العامة و«بسبب ما شهده من غطرسة مخيّبة للآمال» في سلوك الاتحاد الأوروبي أثناء المفاوضات.
وفي صفعة لموقف جونسون، أكد حاكم «بنك إنجلترا» مارك كارني أن بريكست دون اتفاق سيؤدي إلى فرض رسوم جمركية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وكان جونسون قد ذكر خلال مناظرة تلفزيونية نظمتها «هيئة الإذاعة البريطانية»، هذا الأسبوع، أن خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر دون اتفاق «لن يؤدي إلى فرض رسوم جمركية جديدة على الفور». وقال: «لن تكون هناك رسوم جمركية، لن تكون هناك حصص، لأن ما نريده هو الحصول على تجميد الاتفاقات الحالية (غات 24) حتى التفاوض على اتفاق تبادل حر».
ويشير نظام «غات 24»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى بند ضمن اتفاقية «غات»، أي الاتفاقية العامة حول الرسوم الجمركية والتجارة التي انبثقت عنها منظمة التجارة العالمية. ويقول أنصار خروج دون اتفاق إن هذا البند يتيح للمملكة المتحدة الحفاظ على الشروط الحالية للتجارة مع الاتحاد الأوروبي لمدة عشر سنوات، في انتظار اتفاق الطرفين على اتفاق تجاري.
لكن حاكم البنك المركزي ناقض ذلك بشدة، وأوضح أمس أن «قواعد (غات) واضحة، وكان وزير التجارة الدولية ليام فوكس قدم شهادته حول الموضوع في البرلمان، بل إني تحدثت في الأمر شخصياً مع المدير العام لمنظمة التجارة العالمية. (غات 24) يُطبق في حال وجود اتفاق، لكن لا ينطبق إذا قررتم الخروج من دون اتفاق أو لم تنجحوا في إبرام اتفاق».
- السياسة الخارجية
كقاعدة عامة، تأتي السياسة الخارجية في المرتبة الثالثة أو الرابعة في اختيار الناخبين لممثليهم ورؤساء حكومتهم، ولا يشكل السباق المحافظ استثناءً. فبعد قضية «بريكست»، يُرجّح أن يُقيّم أعضاء حزب المحافظين المرشحين المتبقيين على وعودهما الضريبية، ثم قضايا الهجرة والأمن، ثم السياسة الخارجية مع اختلاف الترتيب نسبياً، وفق الفئات العمرية والمناطق الجغرافية.
وفيما يفتخر جونسون بأدائه الجيد رئيساً لبلدية لندن، خصوصاً على مستوى الأمن والنقل والسكن، فإنه يواجه تحديات فيما يتعلق بسجله كوزير للخارجية المليء بالزلات الدبلوماسية والمزحات المستفزة أحياناً. وكان أسوأ خطأ اقترفه جونسون بحق السجينة نزانين زغاري رادكليف، حاملة الجنسيتين الإيرانية والبريطانية، التي اعتقلتها إيران بتهمة العمل لصالح حكومة أجنبية لإسقاط النظام. وناقض جونسون علناً عائلة رادكليف التي أكدت أنها ذهبت لطهران في زيارة عائلية، بعدما قال إنها كانت تدرب صحافيين في إيران قبل اعتقالها. ونفت عائلة نزانين ذلك بشدة، وعبرت عن غضبها وخشيتها من أن تصريحه أثر سلباً على قضيتها وأطال فترة سجنها.
كما واجه جونسون وابل انتقادات من داخل حزبه وخارجه، بعدما وصف المنقّبات بـ«صناديق البريد أو لصوص البنوك»، في مقال رأي. ورغم أن هذا الوصف جاء في سياق مقال يعارض حظر النقاب، فإن الانتقادات ربطت بين حديث جونسون وظاهرة التخوف من الإسلام (إسلاموفوبيا). ولاحقت هذه التصريحات جونسون في المناظرة التلفزيونية هذا الأسبوع، وقدم اعتذاره لما تسبب به من ضرر.
من جهته، وصف المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتهام هاوس» جونسون وزير الخارجية البريطاني «الأقل نجاحاً» منذ الحرب العالمية الثانية. وقال المركز: «كان جونسون يطلق تعبيرات متذاكية في الأوقات التي كانت الحاجة فيها للهيبة والعناية بالتفاصيل».
في المقابل، يحظى جونسون بعلاقة «صداقة» قوية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي لم يُخف إعجابه به. ويستغل جونسون هذه العلاقة في حملته الانتخابية، معتبراً أنها تعزز حظوظ إبرام اتفاق تجارة حرة مع واشنطن بعد «بريكست».
جونسون... الصحافي الذي يطمح في العودة إلى بروكسل رئيس حكومة
عزز بوريس جونسون، وزير الخارجية والصحافي السابق، مكانته كأبرز سياسي في حزب المحافظين، والأوفر حظاً للفوز برئاسة الحكومة البريطانية.
وبعد أن عمل لسنوات عدة مراسلاً في مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل، يطمح بوريس جونسون في العودة للعاصمة البلجيكية رئيساً لحكومة بلاده ليتفاوض على «بريكست». وذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» نقلاً عن زملاء سابقين لجونسون خلال سنواته «الصحافية» في بروكسل أنه لم يترك ذكرى جيدة خلال عمله في أروقة المقر الرئيس للاتحاد الأوروبي. ونقلت عمّن عاصروه في تلك الفترة أنه جسّد الشخص الوصولي الذي بنى رصيده على نقل الأخبار المُحرّفة، قبل أن يعود إلى بلاده بطموح سياسي كبير. تلقى جونسون تعليمه في كلية «إيتون» العريقة وجامعة «أكسفورد». وعمل في البداية صحافيّاً في «ذي تايمز»، لكنه أقيل لفبركته أخباراً، ثم انتقل للعمل مراسلاً لدى «ذي دايلي تلغراف» في بروكسل.
وانتُخِب لتولي مقعد في البرلمان البريطاني عام 2001. وأقيل من منصبه متحدثاً عن الفنون للمحافظين بعد اتهامه بالكذب بشأن علاقة أقامها خارج إطار الزواج. لكنه عاد في عام 2008 وانتخب رئيس بلدية العاصمة لندن التي تميل عادة لانتخاب حزب العمال فيما شكل فوزاً كبيراً لحزب المحافظين. وأُعيد انتخابه في عام 2012. وأشرف على تنظيم دورة الألعاب الأولمبية في العام ذاته.
وأشار جونسون مراراً إلى تجربته كرئيس بلدية للتأكيد على أنه ينفّذ وعوده، مشدداً في هذا السياق على تراجع نسب الجريمة وزيادة مشاريع بناء المساكن والعمل الذي قام به مع الشركات التجارية. لكن معارضيه يشيرون في الوقت ذاته إلى المشاريع باهظة التكلفة التي انخرط فيها، على غرار «جسر الحديقة» الذي لم يُنفّذ، دليلاً على أن أحلامه الكبيرة لا تُترجم دائماً إلى إدارة حكيمة. وعاد إلى البرلمان في عام 2015 نائباً عن ضاحية في شمال غربي لندن، متعهداً بمعارضة مشروع توسعة مطار «هيثرو». لكن عندما كان وزيراً للخارجية، تغيّب عن جلسة تصويت مهمة في البرلمان تتعلق بهذا المشروع، بعدما رتّب زيارة على عجل إلى أفغانستان. وما زال يتفادى تقديم موقف واضح من هذا المشروع.
ويُنظر إلى قرار ماي تعيينه في وزارة الخارجية على أنه خطوة «ماكرة» بعدما تولت السلطة، لإبقائه قريباً منها.
ويقول بيار سلال، المندوب الدائم السابق لفرنسا لدى الاتحاد الأوروبي، عن جونسون الذي عرفه منذ كان الأخير مراسلاً لصحيفة «ذي دايلي تلغراف» في بروكسل، ثم وزيراً للخارجية: «هناك من يعتقدون أن المنصب قد يغير الشخص»، وأن جونسون قد يتغير بعد تسلُّم مسؤولياته رئيساً للحكومة. وأضاف سلال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وهناك أيضاً الذين يعتبرون أن شخصيته ستبقى هي نفسها، خاصة أن تسلمه وزارة الخارجية لم يغير كثيراً من تصرفاته». وقال هذا الدبلوماسي أيضاً: «أعتقد أننا سنعرف الجواب سريعاً جدّاً». وفي حال صدقت التوقعات وخلف جونسون تيريزا ماي في رئاسة الحكومة البريطانية، فسيطالب كما وعد بالعمل على إدخال تعديلات كبيرة على اتفاق الخروج الذي توصلت إليه ماي مع بروكسل. وبما أن جواب الاتحاد الأوروبي المتوقع سيكون بالرفض، فسيتجه جونسون نحو الانفصال من دون اتفاق.
من جهته، عرف باسكال لامي، المدير السابق لمنظمة التجارة العالمية ورئيس مكتب رئيس المفوضية الأوروبية في التسعينات جاك دولور، عائلة بوريس جونسون منذ فترة طفولة الأخير التي أمضاها في العاصمة البلجيكية. ويعتبر لامي أن موقف بوريس جونسون الداعم بقوة لـ«بريكست» نابع من حسابات لها علاقة بطموحاته الشخصية، أكثر مما هي عائدة لقناعاته الفعلية. وقال لامي: «لا أعتقد أن لديه موقفا متبلوراً من بريكست (...) الشيء الوحيد الذي يؤمن به بوريس جونسون هو بوريس جونسون». وأضاف أنه في حال خلف بوريس جونسون تيريزا ماي «وبعد وصوله إلى (10 داونينغ ستريت)، فإن هدفه المقبل سيكون العمل للبقاء. وبعد ذلك فإن الاستراتيجية الوحيدة التي ستسيره هي التي تتيح له البقاء رئيساً للحكومة». وتابع لامي: «وعندما سيُقال له في بروكسل إن اتفاق الانسحاب غير قابل لإعادة التفاوض، فسيعود إلى بلاده ليقول للطبقة السياسية هناك: «اسمعوا يا أصدقائي، لا بد من اتخاذ قرار، والقرار لكم».
ولطالما كان ألكسندر بوريس دو فيفل جونسون الذي وُلِد في نيويورك عام 1964 شخصاً طموحاً. وتؤكد شقيقته رايتشل أنه كان يطمح ليصبح «ملك العالم».
 هنت... التكنوقراط الذي يطرق أبواب «داونينغ ستريت»
لا يفرض جيريمي هنت نفسه بوصفه المرشح المفضّل لزعامة حزب المحافظين في فترة تعاني فيها البلاد من انقسام شديد إزاء «بريكست»، إذ يُنظر إليه التكنوقراط الوسطي المعتدل ذو المسيرة السياسية المتعثرة. فبعد أن قوبل أداؤه على رأس وزارة الصحة بكثير من الانتقادات، فشلت مساعيه الأولى لترؤس حزبه بعد استفتاء 2016 في مرحلة مبكرة من السباق لخلافة ديفيد كاميرون والوصول إلى «10 داونينغ ستريت».
لكن هنت فاجأ النخبة السياسية بتغلبه على مايكل غوف ولو بصوتين اثنين، أول من أمس (الخميس)، ومنافسته سلفه في وزارة الخارجية بوريس جونسون. ويُقدّم هنت نفسه للقاعدة المحافظة التي ستحدد مصيره السياسي خلال أسابيع كرئيس الحكومة الوحيد القادر على إبرام اتفاق جيد مع الاتحاد الأوروبي وتفادي سيناريو «بريكست دون اتفاق»، كما يصف نفسه بـ«المُصلح الاجتماعي»، الذي سيحسّن ظروف رعاية المسنّين، والمستثمر الناجح الذي سيحقق الازدهار الاقتصادي، فضلا عن السياسي الذي سيعيد لبريطانيا مكانتها في العالم عبر مواقف خارجية حازمة.
وبرز نجم هنت كوزير خارجية خلال الأشهر الماضية، استعرض خلالها قدرته على تمثيل بريطانيا بشكل جيد على الساحة الدولية، لا سيما بعد أزمة بلاده مع روسيا. وأبرز هنت حزماً أشاد به سياسيون غربيون في رده على الهجوم بغاز الأعصاب، الذي استهدف عميلاً روسياً مزدوجاً سابقاً، وابنته في أحد شوارع مدينة سالزبري البريطانية.
وبدأ هنت، الذي وُلد في عام 1966، في العاصمة البريطانية، حياته المهنية بعيداً عن السياسة. فبعدما تخرج في جامعة أكسفورد (كلية مودلين) بشهادة علوم سياسية واقتصاد وفلسفة، عمل مع إحدى الشركات التي تقدم استشارات استراتيجية لمدة سنتين، قبل أن يقرر السفر إلى اليابان والعمل مدرّس لغة إنجليزية. وبعد العودة إلى بريطانيا، جرب هنت حظه في مشروعات استثمارية باءت كلها بالفشل. ثم انتقل إلى مشروع جديد متعلق بتقنية المعلومات، تشارك فيه مع أحد أصدقاء طفولته في عام 1991. وباع رصيده منه إلى جهة أسترالية، محققا ربحاً قدّر بـ14 مليون جنيه إسترليني.
وعاد هنت في بداية الألفية إلى الاهتمام بالسياسة، وانتخب نائباً عن دائرة جنوب غربي سري (في الريف جنوبي لندن) في الانتخابات العامة لعام 2005. ودعم هنت حملة ديفيد كاميرون لترؤس حزب المحافظين، وكوفئ بتعيينه وزير ظل لشؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، ليعيّن بعد سنتين من ذلك وزير ظل للثقافة والإعلام والرياضة.
وفي الحكومة الائتلافية التي شكلها كاميرون، بالتحالف مع حزب «الديمقراطيين الأحرار» في انتخابات 2010. تولى هنت رسمياً حقيبة الثقافة والإعلام والرياضة، وأُضيف إليها إدارة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها لندن في 2012، ثم أُسنِدت إليه حقيبة وزارة الصحة في العام نفسه، ولقد احتفظ بها في حكومتي كاميرون وماي، حتى تاريخ تعيينه وزيراً للخارجية خلفاً لبوريس جونسون في الخارجية يوم 9 يوليو (تموز) الحالي.
عقب تقديم كاميرون استقالته في 2016. بعدما صوّت غالبية البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، طُرح اسم هنت لقيادة حزب المحافظين، إلا أنه لم يحظَ بالدعم الكافي. وكانت استقالة رئيس الوزراء كاميرون قد تزامنت آنذاك مع فضيحة إضراب الأطباء، الذي كان الأول من نوعه منذ 40 سنة. كما أن دعم هنت العلني للبقاء في الاتحاد الأوروبي حال دون اعتباره مرشحاً توافقياً في بيئة محافظة منقسمة على نفسها، شريحة واسعة منها متحمسة لتنفيذ رغبة الشعب البريطاني بالخروج.
في المقابل، واجه هنت سلسلة انتقادات قاسية، واتهامات باستغلاله مناصبه السياسية لتحقيق مكاسب مالية أو شخصية. وفي أبريل (نيسان) الماضي، اضطر إلى تقديم اعتذار لتخلفه عن الكشف عن امتلاكه مجموعة من الشقق الفاخرة. ويومذاك أرجع هنت الأمر إلى «خطأ إداري». إلى ذلك، واجه أداء هنت في وزارة الصحة انتقادات حادة، أهمها الحاجة الماسة إلى أعداد المزيد من الأطباء والممرضات، وتردي مستويات الرعاية الصحية المتاحة لكبار السن، وارتفاع معدل الانتظار لتلقي العلاج.
وتسلم هنت بعد ذلك حقيبة الخارجية، التي أبدى فيها نشاطاً بارزاً ولا يزال يشغل مهامها اليوم.



«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».