حملة لإقناع المسيحيين بالانخراط في وظائف الدولة مع شغور 16 ألف وظيفة بأجهزة الأمن

توجهوا للقطاع الخاص وعزفوا عن الجيش لكنهم حافظوا على المناصب العليا

حملة لإقناع المسيحيين بالانخراط في وظائف الدولة مع شغور 16 ألف وظيفة بأجهزة الأمن
TT

حملة لإقناع المسيحيين بالانخراط في وظائف الدولة مع شغور 16 ألف وظيفة بأجهزة الأمن

حملة لإقناع المسيحيين بالانخراط في وظائف الدولة مع شغور 16 ألف وظيفة بأجهزة الأمن

يشكو المسيحيون اللبنانيون من غياب التوازن داخل مؤسسات الدولة الرسمية بينهم وبين المسلمين، بعد أن تدنت نسب المشاركة المسيحية في الوظائف العامة، دون الفئة الأولى، إلى حد كبير. فمنذ إقرار اتفاق الطائف في العام 1990 الذي ألغى المناصفة في وظائف الدولة من الفئة الثانية وما دون، تراجع الحضور المسيحي في هذه الوظائف إلى حد كبير، فيما حافظ المسيحيون على حضورهم في المناصب العليا المنصوص تقاسمها بين الطوائف في الدستور.
ويعاني لبنان منذ العام 1990 أزمة على صعيد تأمين التوازن الطائفي في مؤسسات الدولة وفي السلك العسكري بوجه خاص بسبب إحجام المسيحيين عن التقدم إلى الوظائف المذكورة وتفضيلهم التوجه إلى القطاع الخاص.
وفي ظل غياب الأرقام الرسمية، يعتقد على نطاق واسع أن الخلل الأكبر هو في المؤسسات العسكرية والأمنية. ورغم أن الأمور ممكن ضبطها طائفيا من الناحية العملية، في المناصب العسكرية الرفيعة، فإن إحجام المسيحيين عن الالتحاق بالوظائف الصغيرة يكسر التوازن، خصوصا أن مباريات كثيرة لدخول السلك العسكري تلغى بسبب غياب التوازن الكبير في الهوية الطائفية للمتقدمين.
ويراوح عدد المسيحيين في وظائف الدولة حاليا، وفق تقديرات مؤسسة مسيحية معنية بملف الوظائف الحكومية، بين 15 و35 في المائة أي ما يقارب الـ20 في المائة من مجموع الطوائف في الدولة. ورفعت مؤسسات مسيحية الصوت أخيرا لحث الشباب المسيحي على الانخراط في السلك العسكري خاصة في ظل شغور 16 ألف وظيفة في الأجهزة الأمنية بعد القرار الحكومي الأخير بتطويع هذا العدد لدعم المؤسسات الأمنية والعسكرية.
وجرت العادة في لبنان على اعتماد المناصفة في اختيار موظفي الدولة والأسلاك العسكرية، أي مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، علما بأن الدستور لا ينص على المناصفة إلا في وظائف الفئة الأولى، ولكن بعد النقص الكبير في عدد من المراكز، وجد المعنيون أنفسهم مضطرين لتوظيف أعداد أكبر من المسلمين في ظل عدم حماسة المسيحيين للتقدم إلى مؤسسات الدولة.
وقبل العام 1990 كانت نسبة المسيحيين في وظائف الدولة تتخطى الـ60 في المائة وتدنت إلى 21 في المائة في العام 2007 لتصل إلى 15 في المائة في العام 2008. ونتيجة جهود عدد من المؤسسات المسيحية، ارتفعت نسبة المسيحيين الذين تقدموا إلى وظائف الدولة في العام 2009 إلى 18 في المائة و30 في المائة في العام 2010 و35 في المائة في العام 2011.
ويرد الأب طوني خضره، رئيس مؤسسة «لابورا»، المعنية بتأمين فرص عمل للشباب المسيحيين بشكل خاص، تردد المسيحيين حين يتعلق الأمر بمؤسسات الدولة، للسنوات الـ25 الماضية: «بحيث شعروا أن الدولة بكل ما تمثل وبكل هيكليتها ضدهم، خاصة بعد اتفاق الطائف وتقاسم لبنان على شكل غنائم، فكان هناك الخاسر والرابح»، لافتا إلى أنّه «في الأعوام الماضية سعت كذلك أطراف معينة لإبعاد الشباب اللبناني بشكل عام والمسيحي بشكل خاص عن وظائف الدولة».
وقال خضره لـ«الشرق الأوسط»: «كما أن الشباب المسيحي بات يشعر أن حياته ستكون مهددة إذا انخرط في السلك العسكري، وكأن الوطن فندق أعيش فيه وأستفيد من كل ما يقدمه من دون أن أقدم أي تضحيات في سبيله». وأوضح أنها «المرة الأولى منذ 25 عاما، تكون الدولة بحاجة لـ16 ألف موظف لذلك هناك سعي لاتفاق ضمني بأن يكون التوظيف مناصفة بين المسلمين والمسيحيين».
وشدّد خضره على وجوب تأمين التنوع الطائفي في عدد القوى الأمنية: «لأن المواطن يطمئن حين يرى هذه القوى صورة عنه وعن مجتمعه»، وأضاف: «نحن حاليا لسنا في أزمة عدد أو نوعية بما يتعلق بانخراط المسيحيين في مؤسسات الدولة بل في أزمة ذهنية ورثناها منذ الحرب الأهلية، وترسخت في عقول البعض، تقول بأن الميليشيا أقوى من الجيش والدولة».
وقد أطلقت «لابورا» أخيرا حملة توعية لمنافع وأهمية الانخراط في وظائف الدولة، وعقدت لهذا الغرض الشهر الماضي مؤتمرا صحافيا شارك فيه ممثلون عن الكنيسة ومعظم القوى المسيحية لتوجيه دعوة كنسية وسياسية وحزبية إلى الشباب المسيحي للانخراط بوظائف الدولة والسلك العسكري.
وتشير دراسة أعدتها «لابورا» إلى أن نسبة الموظفين المسيحيين في المواقع الإدارية وتحديدا في الفئتين الثانية والثالثة هي بحدود 30 في المائة للمسيحيين بمقابل 70 في المائة للمسلمين. أما أعداد المقبلين على الوظيفة من المسيحيين فانخفض إلى 15 في المائة في العام 2005 بعدما كان يصل إلى 48 في المائة في العام 1990.
وتسعى المؤسسات المسيحية المعنية لتعميم تجربة قوى الأمن الداخلي على سائر المؤسسات الأمنية، حيث نسبة التوزع الطائفي أصبحت 40 في المائة مسيحيين مقارنة مع 60 في المائة سنة وشيعة ودروزا، وذلك بعد قرار مجلس الوزراء الصادر في مارس (آذار) 2010 والذي طلب فيه تطويع المزيد من المسيحيين في سلك قوى الأمن.
وقالت مصادر مقربة من البطريركية المارونية بأن أزمة عزوف الشباب اللبناني عن الانخراط في السلك العسكري: «أزمة قديمة – جديدة، مردها بشكل أساسي للخلاف المسيحي – المسيحي على صعيد القيادات ما ينعكس مباشرة على الشباب المسيحي الذي فقد الأمل بالدولة وبمستقبله في هذا البلد». وأشارت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسهيل بعض السفارات معاملات هجرة الشباب المسيحي يفاقم من الأزمة المطروحة».
ونص اتفاق الطائف، على وجوب إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة والمصالح المستقلة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفيما يعادل الفئة الأولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أي وظيفة لأية طائفة.
وأوضح شادي سعد، القيادي في تيار «المردة» الذي يتزعمه النائب سليمان فرنجية، أن المسيحيين تاريخيا كانوا يتجهون إلى المهن الحرة وكانوا يتفادون الانخراط بمؤسسات الدولة: «إلا أن الظروف تغيرت خاصة أن الوضع الاقتصادي حاليا غير مشجع، أضف إلى أن الوظائف في القطاع الخاص تراجعت كثيرا مع وفرة اليد العاملة اللبنانية والأجنبية على حد سواء».
وأشار سعد لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المساعي ترتكز حاليا على محاولة توعية الشباب المسيحي على التقديمات والتسهيلات التي توفرها الوظيفة في القطاع العام، لافتا إلى أن تيار «المردة» يبذل جهودا لحث الشباب على الانخراط في السلك العسكري كما يدرب الراغبين على امتحانات الدخول. ونبّه سعد إلى أن الأزمة الحقيقية هي إحجام المسيحيين عن الانخراط في الجيش كعناصر، باعتبار أنّهم يتقدمون لرتبة ضابط ولكن ليس لرتب أخرى. وقال: «أما الوضع في مؤسسات الأمن العام والدرك يبقى أفضل».
ويستند النظام اللبناني على وجوب أن يكون رئيس الجمهورية وقائد الجيش من الطائفة المسيحية، بالمقابل يكون رئيس الحكومة سنيا ورئيس لمجلس النيابي شيعيا. وحثّ اتفاق «الطائف» على إلغاء الطائفية السياسية ودعا لوجوب العمل على تحقيق هذا «الهدف الوطني» وفق خطة مرحلية، وهو ما لم يحصل بعد مرور 24 عاما على الاتفاق الشهير.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.