مقتل العشرات بمعارك طاحنة في الجولان.. والنظام يرتبك في جرمانة

«جبهة ثوار سوريا» تعلن معركة «الكرامة» ضد «داعش».. والتنظيم يستهدف مطار القامشلي

عنصران من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (أندوف) داخل عربة مصفحة قرب معبر القنيطرة أمس (إ.ب.أ)
عنصران من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (أندوف) داخل عربة مصفحة قرب معبر القنيطرة أمس (إ.ب.أ)
TT

مقتل العشرات بمعارك طاحنة في الجولان.. والنظام يرتبك في جرمانة

عنصران من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (أندوف) داخل عربة مصفحة قرب معبر القنيطرة أمس (إ.ب.أ)
عنصران من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان (أندوف) داخل عربة مصفحة قرب معبر القنيطرة أمس (إ.ب.أ)

نجح مقاتلو المعارضة السورية في صد هجوم شنته قوات النظام السوري في منطقة ريف القنيطرة في الجولان قرب الجزء الذي تحتله إسرائيل، بالتزامن مع سيطرتهم على تلال جديدة في المنطقة بعدما كانوا استولوا على معبر القنيطرة الحدودي أواخر الشهر الماضي. بينما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بمشاركة عناصر من «حزب الله» في الاشتباكات المحتدمة في حي جوبر في العاصمة دمشق وفي مناطق في شرق حلب.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن مقاتلي الكتائب المعارضة تمكنوا من السيطرة على «عدد من التلال الحدودية أو القريبة من الجولان المحتل وقرى في محيطها، ما أوقع خسائر بشرية كبيرة في صفوف الطرفين». وأضاف أن «النظام حاول (السبت) استرجاع بلدة مسحرة، لكنه فشل في ذلك»، مشيرا إلى مقتل «26 عنصرا من قوات النظام والمسلحين الموالين لها وما لا يقل عن 17 مقاتلًا من الكتائب المقاتلة و(جبهة النصرة) والكتائب الإسلامية خلال الاشتباكات»، فيما تمكن مقاتلو المعارضة من السيطرة على تلال إضافية.
وتحدث ناشطون سوريون، أمس، عن «أصوات انفجارات ضخمة سمعت من البلدات القريبة من خط وقف إطلاق النار، إضافة إلى انفجارين وقعا بالجهة الشرقية لمدينة القنيطرة الجديدة التي تسيطر عليها قوات النظام».
وكانت كتائب مقاتلة معارضة للنظام، من بينها «جبهة النصرة»، أعلنت أواخر شهر أغسطس (آب) الماضي معركة «الوعد الحق» التي تهدف إلى «تحرير» القنيطرة ومناطق مجاورة.
ويقدر المرصد خسائر قوات النظام منذ بدء المعركة بـ«أكثر من 70 قتيلا، مقابل عشرات القتلى في صفوف المقاتلين المعارضين». ويسعى مقاتلو المعارضة إلى تأمين شريط يمتد من ريف درعا الغربي (جنوب) حيث المثلث الحدودي بين الأردن وسوريا وإسرائيل حتى القنيطرة (جنوب) خال من القوات النظامية.
وتحدث رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» عن «دور أساسي» لـ«حزب الله» في معارك دمشق وريفها، لافتا إلى أن «الغالبية الساحقة من العمليات الخاصة التي تُنفذ هناك يقودها الحزب اللبناني».
وأشار عبد الرحمن إلى عدة غارات نفذها الطيران الحربي السوري أمس على مناطق في حي جوبر، وسط قصف عنيف لقوات النظام على مناطق في الحي، واشتباكات بين مقاتلي الكتائب الإسلامية، من طرف، وقوات النظام مدعمة بـ«حزب الله» وقوات الدفاع الوطني من طرف آخر.
وطالت غارات الطيران الحربي مناطق في بلدة عين ترما وأطراف منطقة الدخانية، بالتزامن مع اشتباكات عنيفة بين مقاتلي الكتائب الإسلامية و«جبهة النصرة» من طرف، وقوات النظام والمسلحين الموالين لها من طرف آخر في المناطق ذاتها.
وشهدت منطقة الدخانية، أمس، حالات نزوح جماعية للسكان، فيما أكد ناشطون أن مقاتلي الجيش الحر سيطروا على معظم المنطقة المحاذية للدويلعة والكباس وجرمانة، ونفذ عملية التفافية، وعبرت عناصره قلب الدخانية وباغتوا قوات النظام التي انسحبت قبل تقدم الجيش الحر.
وسرت شائعات عن دخول كتائب المعارضة إلى بلدة جرمانة مما أثار حالة من الذعر الهستيري في أوساط المدنيين، وغالبيتهم من المؤيدين للنظام، فيما استنفر عناصر ميليشيات جيش الدفاع الوطني وسط حالة من الهلع والارتباك، اضطر على أثرها محافظ ريف دمشق ومعه قائد جيش الدفاع الوطني النزول إلى جرمانة لتكذيب الشائعات وطمأنة السكان. وأرسلت رسائل قصيرة لمشتركي الهواتف الجوالة تكذب ما يقال عن هجوم «المسلحين» على منطقتي الدويلعة وكشكول.
على صعيد آخر، واصل الطيران الحربي السوري أمس غاراته على مناطق سيطرة «داعش» في دير الزور والرقة. وقال المرصد إن 4 رجال قتلوا في غارة للطيران الحربي على مدينة الميادين في دير الزور، فيما استهدفت إحدى الغارات محيط مطار دير الزور العسكري الذي لا يزال تحت سيطرة القوات النظامية.
وفي محافظة الرقة، أعلن مقتل طفلين في غارة على منطقة المنصورة الواقعة شرق مطار الطبقة العسكري الذي يسيطر عليه «داعش». ونقل ناشطون عن مصادر طبية أن عدد قتلى الغارات التي شنتها طائرات النظام على الرقة أول من أمس تجاوز الخمسين.
وفي حمص، نفذ الطيران الحربي 3 غارات على مناطق في مدينة تلبيسة، وسط معلومات عن سقوط عدد من الجرحى وإصابة طفل ورجل جراء قصف للطيران المروحي ببرميلين متفجرين على مناطق في مدينة الرستن.
ولم تسلم محافظة إدلب من الغارات الجوية، إذ شن الطيران الحربي 3 غارات على مناطق في قرية دير سنبل بجبل الزاوية، وتحدث المرصد عن مقتل «3 مواطنين وإصابة آخرين بجراح بينهم أطفال». كما نفذ الطيران الحربي غارة على منطقة في قرية الشيخ مصطفى بالريف الجنوبي لإدلب، وقصف أطراف بلدة كفر سجنة.
وسجلت اشتباكات عنيفة بين مقاتلي «جبهة النصرة» وتنظيم «جند الأقصى» والكتائب المقاتلة والكتائب الإسلامية من طرف، وقوات النظام والمسلحين الموالين لها من طرف آخر على أطراف قرية أرزة وفي الجهة الغربية والشمالية لبلدة قمحانة في حماه، بالتزامن مع قصف الطيران الحربي مناطق الاشتباك.
وتحدثت «شبكة شام» عن قتلى وجرحى من عناصر النظام خلال سيطرة المعارضة على حاجز الصفوح جنوب حلفايا في ريف حماه، في حين أكدت «سوريا مباشر» مقتل 5 بمحيط قرية أرزة الموالية للنظام في ريف حماه الشمالي.
وفي تطور لاحق، دوت انفجارات ضخمة في مطار مدينة القامشلي (شمال سوريا) على الحدود مع تركيا. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن عدد من الأهالي والنشطاء أن «أصوات الانفجارات سمعت في معظم أرجاء المدينة وارتفعت ألسنة النار والدخان من داخل المطار، وفورا حلق الطيران المروحي وبدأ قصف بعض القرى الجنوبية للمدينة».
وقالت مصادر إن «النظام يحشد قواته داخل المطار الذي تحول إلى ثكنة عسكرية منذ أكثر من عامين». وأضافت أن «تنظيم داعش الإرهابي هو الذي استهدف المطار بصواريخ (غراد) ردا على قصف طيران النظام مناطق سيطرة التنظيم، منها حي غويران في مدينة الحسكة، الذي قتل وجرح فيه خلال الأيام الماضية عشرات الأشخاص بين مدنيين ومقاتلين إسلاميين متشددين».
وفي سياق متصل، أطلق جمال معروف قائد «جبهة ثوار سوريا» المقاتلة في ريف إدلب «معركة الكرامة» ضد «داعش»، وهدد بأنه سيسير أرتالا خلال الأيام المقبلة لفك الحصار عن حلب واسترجاع مدينتي الرقة ودير الزور من يد التنظيم.
وجاء إعلان معروف في اجتماع حضره حشد كبير من أنصاره في ريف إدلب. كما ظهر في شريط فيديو بثه المكتب الإعلامي لـ«جبهة ثوار سوريا». وقال إن هذا الاجتماع «يؤكد لدول العالم وجود معارضة سورية معتدلة، وجيش حر». وأضاف: «الجيش الحر بخير، ويرص صفوفه لمقاتلة الدولتين، دولة (الرئيس السوري بشار) الأسد الباغية، ودولة البغدادي الطاغية».
وكان معروف أصدر قبل الاجتماع بيانا مصورا قال فيه: «لقد تجاوزت جماعة البغدادي في جبروتها، وطغيانها كل الحدود، وعاثت فسادا بالأرض، ولم يتركوا بابا للحل، أو مدخلا لأي تسوية وقد شكلوا درعا للأسد، وجيشه، وعملوا كل ما استطاعوا لإجهاض ثورة الشعب السوري».
وأضاف: «كما عاهدنا على مواجهة الأسد، سنواجه دولة الفساد (التنظيم) لاستعادة الأرض والقرار الثوري»، في معركة سماها «الكرامة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.